دخولتسجيل الدخول

الحلقة 16

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة، ولا زلنا مع أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، أحد العشرة المبشرين بالجنة كما قلت في الحلقات الماضية. بشر النبي في غير ما موطن بالجنة، ومع ذلك كان رضي الله تعالى عنه شديد الخشية من الله سبحانه وتعالى، شديد الخوف من أن يكون مصيره إلى النار.

كثير منا، مع أنه ليس بمبشر بالجنة، إلا أن أمله أن يكون من أهل الجنة، بل قد يظن أنه من أهل الجنة ولا يخاف أن يكون من أهل النار. كان عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه يقول: «لو وقفت بين الجنة والنار ولم أدري إلى أيهما أصير، لاخترت أن أكون رمادًا قبل أن أعلم إلى أيهما أصير». وكان رضي الله تعالى عنه إذا وقف على قبر بكى حتى تبتل لحيته، فقيل له في ذلك: إنك تذكر الجنة والنار ولا تبكي، وإذا وقفت على القبر بكيت؟ فقال: نعم، إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من منظر إلا والقبر أفضع منه».

وكان عثمان يقول: «لأن القبر أول منزل من منازل الآخرة، فمن نجا منه فما بعده أنجى، ومن لم ينجُ منه فما بعده أشد وأعسر». وكما قال رضي الله تعالى عنه، كان يقول إذا وقف على القبر: «فإن تنجُ منها تنجُ من ذي عظيمة، وإلا فإني لأخالُك ناجيًا».

تولى رضي الله تعالى عنه الخلافة باتفاق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لما مات عمر وجعل الخلافة في ستة نفر، وهم: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، قال عمر: «هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله وهو عنهم راضي، وهم أهل المشورة»، فقال: «الخلافة فيهم، يختارون أحدهم من يرضاه المسلمون».

فقصة البيعة مشهورة، وهي أن عبد الرحمن بن عوف لما اجتمعوا قال: «ليجعل كل واحد منكم أمره إلى صاحبه»، فجعل كل واحد منهم أمره إلى واحد من الثلاثة. فطلحة بن عبيد الله جعل أمره إلى عثمان بن عفان، والزبير بن العوام جعل أمره عند علي، وسعد بن أبي وقاص جعل أمره إلى عبد الرحمن بن عوف، فبقي ثلاثة: عبد الرحمن بن عوف، وعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان.

قال عبد الرحمن بن عوف: «أما أنا فلا أزاحكم في هذه الخلافة، فبقي الأمر في الصحابيين، فإن تجعلوها لي أختار أحد لكما»، فجعلوا الخلافة أو الاختيار عند عبد الرحمن بن عوف. فعبد الرحمن بن عوف جمع كثيرًا من المسلمين واستشارهم، ثم في النهاية أخذ يد عثمان وبايعه، وحض علي بن أبي طالب على مبايعته والمسلمون، فبايعوه رضي الله تعالى عنهم.

عاش عثمان بن عفان في بداية خلافته في الست سنين الأولى والناس يحبونه أكثر من أولادهم، يحبونه حبًا جما، والخير غدق على الناس ووفير، وكانت الأموال توزع كل يوم: «يا أيها المسلمون، اغدوا إلى عطيات من المال، من أعطيكم من الكسوة، أعطيكم من الطعام»، وهكذا. وكان الخير وفيرا عند الناس، وكان الناس في أحسن عيشة، وكانت ذات البين فيما بينهم سعيدة وألفة ومحبة.

ثم بعد الست سنين الأولى، بدأ بعض الناس ممن لا يشكرون النعمة إذا أوتوا، أو تبطل إذا توسع الأمر عندهم، فنبتت نابتة في الأمصار وصاروا يتكلمون في عثمان ويتكلمون في بعض الأمور. وكان أسباب تكلمهم أشياء، منها أن هناك أناسًا سبئيين، أتباع عبد الله بن سبأ، وكانوا من اليهود وكان في قلوبهم الحقد على الإسلام والمسلمين، فأرادوا أن يفرقوا بين المسلمين وأن يحدثوا فتنة فيما بينهم. ومن أولئك قبائل أيضًا كانوا رؤساء في أمم أو في قبائلهم، لما دخلوا الإسلام وجدوا الرئاسة ليست لهم وإنما هي لقريش، فسار هناك شيء من الفتنة يبثونها في الناس، وصاروا يثلبون عثمان وينتقدون بأمور هي في الحقيقة مناقب له.

منها جمع القرآن؛ يقولون إنه حرق المصحف. عثمان لما خشي على الصحابة الاختلاف، جمع كبراء الصحابة في المدينة وأمر الذين أخذوا المصحف أو القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو منهم في آخر عرضه؛ لأن المصحف أو القرآن كان ينزل وينسخ منه أشياء ويثبت فيها أشياء، فكان الذين حضروا آخر العرضة أمرهم عثمان بأن يكتبوا المصحف، ثم أمر بالمصاحف الأخرى أن تتلف أو تحرق رضي الله تعالى عنه، فكانت هذه منقبة له، حفظ الله القرآن بعثمان بسبب ذلك الفعل الذي فعله، فكانوا ينتقدونه في هذه المسألة ويجعلونه عيبًا له.

وينتقدون أيضًا في مسألة أخرى وهي أنه لم يحضر بدرًا. وعثمان كان رضي الله تعالى عنه يمرض رقية، لما ذهب النبي إلى بدر خلفه النبي عند بنته رقية وهي زوجة عثمان يمرضه، ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من بدر فإذا رقية قد ماتت، فواس النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بأمرين في موت رقية؛ واساه أولًا بأن عده من أهل بدر فأسماه له فأصبح بدريًا حكما، واساه ثانيًا بأن زوجه ابنته الثانية وهي أم كلثوم.

وتناسى هؤلاء الناس أن عثمان هو الذي حفر بئر رومة، وقال النبي ﷺ: «من يحفر بئر رومة فله الجنة»، وتناسى الناس أنه الذي جهز جيش العسرة. هؤلاء الناس حاصروا عثمان أربعة أيام في ذي الحجة، ومعظم الصحابة كان في مكة يحجون، ومن جاء من الصحابة جاؤوا بسيوفهم عند عثمان يريدون أن يدافعوا عنه، فحرج بسببه، وصبر رضي الله تعالى عنه وقدم نفسه لله وفدى بنفسه على أن لا ترقى محجمة دم من المسلمين لأجله رضي الله تعالى عنه، وبذلك كان شهيدًا.

وكانت شهادة عثمان ووفاته رضي الله تعالى عنه في سنة خمس وثلاثين، ودفن بالبقيع رضي الله تعالى عنه وأرضاه. إلى هنا نأتي إلى ختام هذه الحلقة، ونكون بها قد انتهينا من ترجمة عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة مأواه وحشرنا في زمرته، إنه ولي ذلك ومولاه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].