دخولتسجيل الدخول

الحلقة 15

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة. وما زلنا مع أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، كان عثمان بن عفان من الأغنياء الذين أنعم الله عليهم بالثراء، ولكنه ثراء محمود؛ فكان عثمان رضي الله تعالى عنه ينفق أمواله في سبيل الله وفي طاعة رسول الله ﷺ.

ومن ذلك أنه حفر بئر رومة، قال النبي ﷺ كما في صحيح البخاري: «من يحفر بئر رومة وله الجنة»، فحفرها عثمان بن عفان، حفرها بمعنى اشتراها؛ فإن بئر رومة كانت لرجل من بني غفار في المدينة، وكان ماؤها عذبًا، ولما جاء الصحابة وهاجروا إلى المدينة المنورة استنكروا ماء المدينة ولم يجدوا عذبًا من الماء عذبًا إلا ماء بئر رومة، فكان هذا الغفاري يبيع عليهم الدلو بالمد من الطعام.

فقال النبي ﷺ: «من يشتري بئر رومة وله الجنة» أو «من يحفر بئر رومة وله الجنة». وكان قبل ذلك النبي ﷺ قد قال لهذا الغفاري: «أتبعني بئر رومة ببئر لك في الجنة» أو «بعين لك في الجنة»، فقال: يا رسول الله ليس لي غيرها ولا لعيالي. فعثمان بن عفان جاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله أتجعل لي ما جعلت للغفاري إن أنا اشتريتها؟ فقال: «نعم»، فاشتراها عثمان بآلاف الدنانير ثم جعلها للمسلمين، وفي بعض الروايات أن عثمان جاء واشتراها بـ ٣٥ ألفًا، فكان يصدق عليه قول النبي ﷺ: «من يحفر بئر رومة وله الجنة»، فبهذه الحادثة كان لعثمان الجنة كما هو معلوم.

ومن مواقفه الشهيرة موقفه من تجهيز جيش العسرة، فقد قال النبي ﷺ كما في صحيح البخاري معلقًا: «من يجهز جيش العسرة وله الجنة»، فجهز عثمان رضي الله تعالى عنه. وكان من تجهيز عثمان أن النبي ﷺ وقف على المنبر يحض الناس على تجهيز جيش العسرة، وإنما فعل النبي ﷺ ذلك لأن هذه الغزوة غزوة عظيمة والشقة فيها طويلة، وهي غزوة إلى تبوك.

النبي ﷺ في العادة كان إذا حض الصحابة على الغزوة يخبرهم بوجهه الذي يتوجه له ولا يحضهم على الإنفاق، وإنما يكفيهم أن يأخذوا دوابهم أو أن يمشوا على أقدامهم، من ذلك مثلاً غزوة بدر؛ النبي ﷺ قال: «من كان ظهره حاضرًا فليلحق معنا»، فذهبوا إلى غزوة بدر وليس معهم إلا ٧٠ بعيرًا يتعاقبون، وكل ثلاثة على بعير تقريبًا. لكن لما أراد أن يغزو الروم يذهب إلى تبوك، هنا مسافة طويلة وشقة صعبة على الصحابة، فيحتاج النبي ﷺ إلى جيش كبير لأنه سيقابل الروم، ويحتاج لتجهيز هذا الجيش إلى مال كبير؛ لأنه ليس كل الناس عندهم دواب وليس كل الناس عندهم أموال.

ولذلك حض النبي ﷺ الناس على الحملان، وجاء أناس يعتذرون إلى النبي ﷺ، كما ذكرت في حلقة ماضية، الجد بن قيس جاء وهو غني واعتذر للنبي ﷺ وقال: يا رسول الله إني رجل أحب النساء وإني أخشى أن أفتن في بنات بني الأصفر، فأذِن لي ولا تفتني، فنزل القرآن في ذم هذا الرجل، قال تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩]. أصبح هذا الرجل من أهل جهنم وهو يمشي على الأرض بين الناس، نسأل الله العافية والسلامة.

بخلاف أناس من أصحاب النبي ﷺ ليس معهم شيء من الأموال، وليس معهم إبل يركبون عليها ولا دواب، جاء بعض الصحابة إلى النبي ﷺ وقالوا: يا رسول الله احملنا معك، بعد التجهيز لأنه بقي هناك قصور في التجهيز، جاء بعض الصحابة إلى النبي ﷺ وقالوا: يا رسول الله احملنا معك، فقال النبي ﷺ: «أنتم معذورون»، يعني ليس هناك ما أحملكم عليه. فذكر قصتهم ربنا في القرآن أنهم تولوا وهم يبكون، قال تبارك وتعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢].

فالنبي ﷺ لما خطب وقال: «من يجهز جيش العسرة» وحض على الإنفاق على جيش العسرة، قام عثمان رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله علي مئة من الإبل بقرط وطيب وأحلاس، هذه ٣٠٠، فاستنار وجه النبي ﷺ وقال: «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم». لم يكن هذا كافيًا، بل ذهب عثمان أيضًا وجاء بألف من الدنانير ثم ألقاها في حجر رسول الله ﷺ، فأخذ النبي ﷺ هذه الدنانير من حجره وأخذ يقلبها ويتعجب منها ويقول: «اللهم اغفر لعثمان ما قدم وما أخر، وما أعلن وما أسر، واغفر له ما هو كائن إلى يوم القيامة»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

ومع هذا الإنفاق العظيم ومع هذه الثروة التي كانت عند عثمان رضي الله تعالى عنه، إلا أنه كان من أزهد الناس وأشدهم تواضعًا؛ فكان يركب هو وغلامه حمارًا واحدًا يركب غلامه خلفه، وكان رضي الله تعالى عنه يلبس ثوبًا قيمته أربعة دراهم وهو كان أمير المؤمنين، وكان يأتي المسجد ويقيل فيه فيستيقظ وقد أثر الحصى في جنبه رضي الله تعالى عنه. هذا مع هذه الثروة التي كانت عنده، مما يدل على أن هذه الأموال لم تكن في قلبه وإنما كانت في يده لينفق بها أو منها في سبيل الله رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

إلى هنا نصل إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].