دخولتسجيل الدخول

الحلقة 14

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد. مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة، وما زلنا مع أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وفي هذه الحلقة سنتكلم عن بيعة الرضوان وعن شيء من صفاته رضي الله تعالى عنه.

بيعة الرضوان حصلت عندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم معتمرًا ومعه 1400 رجل من أصحابه صلى الله عليه وسلم، ومعه بعض نسائه. فلما خرج معتمرًا وقد لبس الإحرام، أحرم من ذي الحليفة، ثم ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، وبالطبع كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش منازعات وهناك قتال كان في بدر وأحد والخندق، ومع ذلك ذهب النبي للعمرة؛ لأنهم يعلمون أن قريشًا لا ترد أحدًا من بيت الله جاء معتمرًا أو حاجًا.

ذهب النبي ومعه الصحابة حتى وصلوا إلى الحديبية، فلما وصل إلى الحديبية وقفت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يأمرها بالتقدم فتقتكر، فقال بعض الصحابة: حبست القصواء! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما حبست القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل»، ثم بركت. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله لا يدعونني لخطّة يعظمون فيها حدود الله إلا أوجبتهم إليها».

ثم أقام النبي صلى الله عليه وسلم في ذاك المكان، وحصل من الأخبار ما هو معلوم، وهو في السِّج من البئر التي لم يكن فيها ماء، فضربها النبي صلى الله عليه وسلم بسهم فجاشت بالماء، ووضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في قدح فسار الماء ينبع من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم. ثم علم النبي أن قريشًا قد خرجت تريد أن تحجزه عن الحرم، فأراد أن يرسل إليهم رسولًا، فكلم عمر بن الخطاب، فقال عمر بن الخطاب: «يا رسول الله، إني أخشى قريشًا على نفسي، فإنك تعلم عداوتي لقريش وعداوة قريش لي، وليس في مكة أحد من بني عدي فأخشاه على نفسي، ولكن أدلك على رجل هو أعز فيها مني ومن غيري: عثمان بن عفان».

فكلمه النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وذهب إلى مكة، فلقي ابن عمه أبان بن سعيد بن العاص، وأدخله مكة في جواره وقال: «أقبل وأدبر ولا تخشى أحدًا، بنو سعيد أعزة الحرم»، ثم دخل هو وعثمان، وقال لعثمان لما رأى إزاره قصيرًا وعليه ثياب رثة: «ما أراك متخشعًا؟»، قال: «هكذا أزره صاحبنا».

دخل عثمان وبلغ قريشًا رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى، وردوا عليه رسالته، وبقي عثمان في مكة ثلاثة أيام حبسته قريش، مع أنه كان في جوار أبان بن سعيد بن العاص. والسبب في حبسه وهو في جوار رجل عزيز في مكة، أن هذا الرجل الذي عثمان في جواره، وهو أبان بن سعيد، لم يشأ أن يخرج عثمان في وقت يخاف عليه قريش، فلما توثق أنه إذا خرج لن يصيبه أذى أخرجه.

بعد ذلك بلغ النبي صلى الله عليه وسلم في أثناء ذلك أن عثمان قد حُبس وأنه سيقتل أو نحو هذا الكلام، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «والله لا نبرح حتى نناجز»، وكان على أصحابه الإحرام في ذلك الوقت، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم للبيعة، فبايعه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم 1400 رجل، ولم يتخلف عن البيعة إلا رجل واحد، وهذا الرجل هو عبد الله بن أبي بن سلول وهو من المنافقين، يقول أحد الصحابة: كأني به وهو واقف خلف راحلته يختبئ حتى لا يراه النبي صلى الله عليه وسلم والناس يبايعون. بعض الصحابة بايع مرتين، مثل سلمة بن الأكوع، بايع مرتين من حبهم للبيعة، وهذا يختبئ، وسيأتي في القصة القادمة إن شاء الله أنه ممن تخلف عن غزوة تبوك، وهو كان غنيًا ثريًا ومع ذلك تخلف لأنه كان من المنافقين، وكان عذره مثل نفسه في الدناءة.

النبي صلى الله عليه وسلم لما بايعه الصحابة وعثمان ليس موجودًا، رفع النبي يده فقال: «هذه بيعة عثمان»، ثم ضرب بيده اليمنى على يده اليسرى. وكان عثمان وهو في مكة عندما بلغهم الرسالة قالوا له: «يا عثمان، إن شئت أن تطوف بالبيت فطف»، فقال عثمان: «والله لا أطوف به حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم». وكان الصحابة أيضًا عند النبي صلى الله عليه وسلم يقولون في أنفسهم: «هنيئًا لأبي عبد الله»، يقصدون عثمان بن عفان، الآن يطوف بالبيت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو مكث كذا وكذا سنة لم يطف بالبيت حتى أطوف به»، كان النبي واثقًا من أدب عثمان رضي الله تعالى عنه.

ولذلك حصل عثمان على هذه المنقبة، أن النبي أقام نفسه مقام عثمان وبايع نفسه بنفسه وقال: «هذه لعثمان»، فعثمان يدخل في قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18]. ومن أولى من يدخل في هذه الآية عثمان بن عفان؟ كان هناك أناس ممن قاموا على عثمان في آخر خلافته قالوا إنه لم يحضر بيعة الرضوان، وكان من الأشياء التي انتقدوها على عثمان، بالله عليكم هل هذا انتقاد صحيح؟ عثمان كان مع النبي، أرسله إلى مكة، ومع ذلك يقول النبي: «هذه بيعة عثمان»، ويقولون لم يبايع! بل عثمان أولى الناس بالمبايعة، أقام النبي نفسه مقامه، وأولى الناس بالدخول في قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾.

وأما صفات عثمان رضي الله تعالى عنه فكثيرة جدًا، منها أنه قوي الإيمان، وأنه صاحب خشية وصاحب بكاء وصاحب عبادة رضي الله تعالى عنه. قال عمر بن الخطاب وقد وجد عثمان مع أناس جالسين: «إن بينكم رجلًا لو قسم إيمانه بين جند من الأجناد لوسعهم»، ويقصد عثمان بن عفان. وكان عثمان يقوم الليل في ركعة واحدة يقرأ فيها كتاب الله كاملاً، ثبت عنه بأحاديث أو بأسانيد صحيحة أنه قام بالقرآن كاملاً في ركعة واحدة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

إلى هنا نصل إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].