﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: مرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة، وما زلنا مع أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.
هذا الصحابي له مناقب كثيرة جدا، ومن مناقبه ما ثبت في الصحيحين، ومنها ما هو ثابت في القرآن. فمما هو ثابت في القرآن قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100]. فهو ممن رضي الله تعالى عنه بهذه الآية، وبقول الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18]؛ فعثمان كان من المبايعين تحت الشجرة، وقد ناب عنه النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي؛ لأن عثمان كان في مكة، فلما بايع النبي الصحابة رفع يده اليمنى وقال: «هذه عن عثمان»، ثم بايع نفسه بنفسه، فهو أولى الداخلين في هذه الآية كما سيأتينا إن شاء الله.
وهو ممن تاب الله عليه في قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: 117]، فهو من أوائل المهاجرين إلى الله سبحانه وتعالى، فهو داخل في هذه الآية أيضا. وهو ممن يدخل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح: «لا تسبوا أصحابي»، فهو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهب ما بلغ مد أحدهم ولا نصفه، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
وهناك حديث تخصه، ففي الصحيح أيضا من حديث أبي موسى أنه جاء بوابا للنبي صلى الله عليه وسلم وكان على بئر أريس، فطرق الباب رجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى: «ائذن له وبشره بالجنة»، فجاء أبو موسى فوجده أبا بكر، فقال: «ائذن لك النبي ويبشرك بالجنة»، فقال: الحمد لله. ثم طرق رجل آخر الباب ففتح له، فقال النبي: «ائذن له وبشره بالجنة»، ففتح له فإذا هو عمر بن الخطاب، فقال: «إن رسول الله يأذن لك ويبشرك بالجنة»، فقال: الحمد لله.
ثم طرق إنسان ثالث الباب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى: «ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه»، ففتح الباب فوجده عثمان بن عفان، فقال: «ائذن لك النبي صلى الله عليه وسلم ويبشرك بالجنة على بلوى تصيبك»، فقال: الحمد لله ثم قال: الله المستعان.
وعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه من مناقبه أيضا أنه شهيد بنص النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم وكان على أحد عندما رجف بهم الجبل كما في الصحيحين من حديث أنس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان»، والشهيد عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما.
ومن مناقبه أيضا العظيمة أنه ممن تستحي منه الملائكة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. تقول عائشة كما في الصحيح: كان النبي مضطجعا وقد انحسر الثوب عن فخذه أو عن ساقه، فاستأذن أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فأذن له، فدخل والنبي على حاله، ثم استأذن عمر فأذن له والنبي صلى الله عليه وسلم على حاله، ثم استأذن عثمان، فلما استأذن عثمان استوى النبي جالسا وسوى ثيابه على رجله أو على رجليه.
ثم لما خرج عثمان قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله، دخل أبو بكر وأنت على حالك قد انكشف ساقك أو انكشف فخذك، ودخل عمر وأنت على حالك، فلما دخل عثمان استويت وسويت ثيابك؟ فقال: «يا عائشة، ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟». انظروا إلى هذه المنقبة العظيمة لهذا الرجل، أنه تستحي منه الملائكة، وما ذاك إلا لأنه من أشد الناس حياء.
وحياء عثمان مشهور، فمما يذكر عنه أنه كان إذا اغتسل يغتسل في بيت مظلم ويكون أيضا عليه ثيابه ولا يستطيع أن يستوي واقفا حياء من رب العالمين. طبعا هذا الأمر من الفضل، ليس واجبا عليه، ولكنه في قلبه شيء من المعاملة لله سبحانه وتعالى تجبره على أن يستحي هذا الحياء الشديد، والنبي مدحه مع حيائه هذا الذي ليس مطلوبا منه؛ لأن الحياء هو من الأدب، والأدب إنما يكون مع الله سبحانه وتعالى بسبب الإيمان الذي في قلب العبد المؤمن، فكلما عظم الإيمان في قلبه كلما ازداد أدبه.
والنبي صلى الله عليه وسلم أعلم الأدباء وأكبر الأدباء أدبا، إلا أنه لم يفعل كثيرا من الأمور التي هي مبالغة في الأدب لئلا يحرج أمته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما موضع. وكما قلت كلما ازداد الإيمان في قلب العبد المؤمن كلما ازداد أدبه مع الله سبحانه وتعالى، وهذا دأب الأنبياء؛ فالأنبياء أكمل الناس أدبا مع رب العالمين.
فلو لاحظنا لو نظرنا إلى قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي حكاه الله في كتابه، قال إبراهيم -أو قال رب العالمين حكاية عن إبراهيم-: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: 78-80]. في البداية قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، فنسب الخلق إلى رب العالمين ونسب الهداية إلى رب العالمين، ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، الهداية والإطعام والسقيا كلها محبوبة للناس، لكن لما جاء المرض ما قال: الذي أمرضني، قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، وهذا من كمال أدبه عليه السلام.
وهكذا الخضر لما سأله موسى عليه الصلاة والسلام عن أخباره بما وقع له من خرق السفينة وبناء الجدار، ماذا قال عن السفينة؟ قال السفينة أصابها عيب، فقال الخضر: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: 79]، فوصف العيب إلى نفسه: «فأردت أن أعيبها». وأما الغلامان وأما الجدار، فقال عن الغلامين: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامَانِ فَكَانَ أَبَوَاهُمَا مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾، وقال عن الجدار: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: 82]. هنا ليس هناك عيب فنسبه إلى رب العالمين: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾، وهذا من كمال الأدب مع رب العالمين.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعرفنا بالأدب معه عز وجل، إنه ولي ذلك والقادر عليه. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي معكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
د. سعيد المري