﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة، ومع صحابي جديد وهو أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.
أحد السابقين الأولين إلى الإسلام، من أوائل من يدخل في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100]. هذا الصحابي الجليل هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو أحد الخلفاء الراشدين، وهو ذو النورين، عرف بهذا اللقب وليس هذا اللقب لأحد غيره؛ قيل للمهلب بن أبي صفرة: لم سمي عثمان ذو النورين؟ فقال: لأنه تزوج ابنتي نبي، وهذا لم يتحقق لأحد من الناس، لا من أصحاب النبي ولا من أصحاب الأنبياء.
هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، ثالث الخلفاء الراشدين، وهو أفضل الأمة بعد أبي بكر وعمر، أفضل الصحابة كما قال عبد الله بن عمر: «كنا نفاضل بين الصحابة فلا نعدل بأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم». ومن مناقبه الجليلة أنه جمع الأمة على مصحف واحد بعد الاختلاف، ومن مناقبه أنه الذي جهز جيش العسرة كما سيأتينا، وأنه الذي حفر بئر رومة رضي الله تعالى عنه.
هذا الأمير، هذا الشهيد عثمان بن عفان يتصل مع النبي ﷺ من حيث النسب في الأب الخامس؛ فإنه يسمى عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، فيلتقي مع النبي ﷺ في عبد مناف. فهو أقرب الخلفاء الراشدين بعد علي إلى النبي ﷺ؛ علي يلتقي مع النبي ﷺ في عبد المطلب وهو جده فهو ابن عم النبي ﷺ، وأما عثمان فهو يلتقي مع النبي ﷺ في عبد مناف وهو الأب الخامس للنبي ﷺ؛ لأن النبي ﷺ اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فهو الأب الرابع للنبي وهو الأب الخامس لعثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف رضي الله تعالى عن عثمان.
أسلم عثمان مع الأولين الذين أسلموا، بل هو أسلم في اليوم الثاني لأبي بكر؛ أسلم أبو بكر في اليوم الأول وفي اليوم الثاني أسلم عثمان ومعه أربعة من العشرة المبشرين بالجنة، وقد أسلموا على يد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. لما أسلم كان قد تحسر على زواج بنت النبي ﷺ رقية، فإنه تزوجها عتبة بن أبي لهب ابن عم النبي ﷺ، وتزوج أخوه عتيبة بنت النبي الأخرى وهي أم كلثوم؛ فعتيبة تزوج رقية وعتيبة تزوج أم كلثوم، فكان عثمان حزيناً متحسراً على فوات رقية عليه فإنه كان يرغب فيها.
لكن النبي ﷺ لما دعا قريشاً وخص بني هاشم أيضاً بالدعوة، قال له عمه أبو لهب لما جمعهم فقال له: ألهذا جمعتنا؟ تباً لك! فنزل القرآن بقول الله تبارك وتعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: 1-5]. لما نزلت هذه الآية قال أبو لهب لأبنائه: رازي من رأسك حرام إلا أن تطلق بنتي محمد؛ فذهب عتبة وطلق بنت النبي رقية، وذهب عتيبة وطلق أم كلثوم، ولم يبنيا بهما بعد إلى الآن، وهذا من كرم الله سبحانه وتعالى ومن صيانته لبنت رسول الله ﷺ لما طلق بنت النبي ﷺ.
فرح عثمان بطلاق رقية ورغب أن يتزوجها، فبعد مدة جاء وخطبها من النبي ﷺ فزوجه النبي ﷺ رقية. وكان الناس يقولون: لا نعلم زوجين أحسن من رقية وعثمان. قيل إن عثمان من أجمل الناس، قال عبد الله بن حزم: «ما رأيت أحسن وجهاً من عثمان لا ذكراً ولا أنثى»، ويقال إن رقية أيضاً كانت جميلة جداً، فكان عثمان ورقية من أجمل الأزواج الذين عرفوا في التاريخ.
وقد لحق عثمان رضي الله تعالى عنه ما لحق غيره من المسلمين من الشدة من كفار قريش؛ فقد جاء عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية وأوثقه رباطاً لما علم بإسلامه، وقال: «لا أحل عنك هذا الرباط حتى ترجع عن دين محمد، أتترك دين آبائك وأجدادك إلى دين محدث؟» فقال: «والله لا أترك ديني أبداً ولو بقيت هكذا أبداً». فلما يئس الحكم بن أبي العاص من أن يرجع عن دينه تركه وأطلقه، لكنه مع ذلك لم ينفك من شدة المشركين عليه، ولذلك فكر في الهجرة إلى الحبشة وقد علم من النبي ﷺ أن هناك ملكاً لا يظلم عنده أحد.
هاجر رضي الله تعالى عنه إلى الحبشة وودع النبي ﷺ هو وزوجه رقية بنت النبي ﷺ، وكان ﷺ يتحسس الأخبار عنهم. فجاءت امرأة من قريش كانت في أرض الحبشة فسأل النبي ﷺ عن عثمان وعن رقية، فقالت: والله لقد رأيته يحملها على حمار وهو يسوقها، فقال النبي ﷺ: «إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط عليه الصلاة والسلام» فارأى بدينه. ثم لم تلبث الأيام إلا أن اشتاق عثمان ورقية إلى النبي ﷺ فرجع إلى مكة مرة أخرى، وبقي عثمان في مكة إلى أن هاجر مع من هاجر إلى المدينة من أصحاب النبي ﷺ.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
د. سعيد المري