دخولتسجيل الدخول

الحلقة 11

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. مرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة، ولا زلنا مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. سنتكلم في هذه الحلقة عن عدله، ثم عن شهادته رضي الله تعالى عنه.

أما عدله فهو مضرب المثل كما هو معروف، وهو صاحب المقولة: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟». وهذه قصة مشهورة، وهي أن عمرو بن العاص كان أميرًا على مصر، وأجرى أهل مصر الخيل، فكان لولد عمرو بن العاص فرس في تلك الخيل، فلما تراءى الناس الخيل قال محمد بن عمرو بن العاص: «فرسي ورب الكعبة»، فلما دنت الخيل قال رجل مصري: «بل فرسي وربي الكعبة»، فقام عليه محمد بن عمرو بن العاص يضربه بالسوء ويقول: «خذها وأنا ابن الأكرمين»، أو نحو هذا الكلام.

فذهب هذا المصري إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وقال: «عائد بك من الظلم»، فقال: «وما ذاك؟»، فأخبره الخبر، ثم كتب إلى عمرو بن العاص وقال له: «إذا جاءك كتابي فهلم أنت وابنك محمد». فقال عمرو لابنه: «أحدثت حدثًا؟ أجنبت جناية؟»، قال: «لا»، قال: «فما بال أمير المؤمنين يكتب فيك؟»، قال: «إسن».

فلما قدم عمرو بن العاص ورآه عمر، أخذ يتطاول خلفه وينظر هل يرى ابنه معه، فإذا ابنه خلفه. فلما جاء قال: «أين المصري؟»، قال: «ها أنا ذا يا أمير المؤمنين»، قال: «اضرب ابن الأكرمين»، فأخذ المصري يضربه ولا يحجزه عنه أحد، فلما انتهى قال: «حول بها على صلعة عمر، فوالله ما ضربك إلا بسلطانه»، فقال: «قد ضربت من ضربني»، قال: «والله لو ضربته لما حللنا بينك وبينه». ثم قال هذه الكلمة المشهورة: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟».

ومن قصص عدله أشياء كثيرة، من ذلك ما ذكرها حافظ إبراهيم في قصيدته المشهورة، يقول وهو يقص قصة صاحب كسرى، والقصة مشهورة، لكن الأبيات يقول فيها حافظ إبراهيم: وراع صاحب كسرى أن رأى ... عمرًا بين الرعية عطلا وهو راعيها فوق الثرى ... تحت ظل الدوح مشتملا ببرده كاد طول العهد يبليها ... فقال قوله حق أصبحت مثلا وأصبح الجيل بعد الجيل يحكيها ... أمنت لما أقمت العدل بينهم فنمت نوم قرير العين هانيها.

هذا بالنسبة لعدله، وأما استشهاده رضي الله تعالى عنه فخبره في الحقيقة يفطر الأكباد. استشهد رضي الله تعالى عنه وختم الله له بالشهادة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حين اهتز أحد: «اثبت فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان»، والشهيد عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كما سيأتي إن شاء الله.

كانت شهادته أنه كان يصلي الفجر، فجاء أبو لؤلؤة المجوسي بخنجر قد سم له طرفين، فجاء وضرب أمير المؤمنين بطعنتين، فقال: «قتلني الكلب»، فذهب الناس يدركونه فقتل نفسه ونحر نفسه، أو كما يقال انتحر. فأخذ أمير المؤمنين على جنب وأكملت الصلاة، فطلب أمير المؤمنين وهو مصاب شيئًا من اللبن، فلما شربه خرج اللبن من الجرح، فقال: «الآن لو كان لي الدنيا لافتديت بها من هول المطلع».

فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «وما ذاك يا أمير المؤمنين؟»، فقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دعا بأن يعز الله بك الإسلام وقد أعز الله بك الإسلام، فصحبه وشهدت معه المشاهد، ومات صلى الله عليه وسلم وهو عنك راضٍ، ثم صرت وزيرًا لخليفته وقمت معه أحسن قيام، ثم مات وهو عنك راضٍ، ثم أخذت هذا الأمر فقمت به أحسن قيام، ففتحت بك الأمصار وجبي بك المال والطعام ووسع على المسلمين في أرزاقهم، وها أنت تموت شهيدًا في سبيل الله.

فقال: «المغرور من تغر أنتم! والله لوددت أني أخرج منها كفافًا لا لي ولا علي». ثم كان رضي الله تعالى عنه خدَّه على فخذ عبد الله بن عمر، فقال لعبد الله: «ضع خدي على الأرض»، فوضعها عبد الله، ساقه فقال: «ويلك، ضع خدي على الأرض»، فلما وضع خده على الأرض قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «ويل لك يا عمر! إن لم يغفر لك ربك ويل لك يا عمر! إن لم يغفر لك ربك!».

وفي هذه الأثناء قال عمر لعبد الله بن عمر: «أمره أن يذهب إلى أمنا أم المؤمنين عائشة، قل اذهب إليها ثم استأذن وقل: عمر بن الخطاب يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر، ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست الآن بأمير المؤمنين».

فلما ذهب عبد الله بن عمر واستأذن على عائشة وقال: «إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يستأذن أن يدفن مع صاحبيه»، فقالت: «والله إن كنت لأعد هذا المكان لي، ولكني اليوم أوثر به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه». فرجع عبد الله بن عمر، فلما قالوا هذا عبد الله قادم، قال: «أجلسني»، فلما جلس قال: «ما وراءك؟»، قال: «أبشر»، قال: «الحمد لله، والله ما كان عندي من أمر أهم علي من هذا».

كان يريد صحبة النبي صلى الله عليه وسلم حتى في الممات. هو كان صاحبه، ربما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خرجت أنا وأبو بكر وعمر»، «دخلت أنا وأبو بكر وعمر»، «ذهبت أنا وأبو بكر وعمر»، فلما مات أراد أن يكون معه، وبالفعل والحمد لله كان معه في نفس الحجرة، فالنبي وأبو بكر وعمر في نفس المكان في حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها.

وصلى الله على نبينا، ورضي الله عن أبي بكر، ورضي الله تعالى عن عمر. فهذا هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، يخرج من الدنيا وقد ترك مآثر عظيمة، يخرج شهيدًا في سبيل الله، ويدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحجرة الشريفة، وذلك في سنة 23 في آخر ذي الحجة رضي الله عنه وأرضاه.

وإلى هنا نصل إلى نهاية هذه الحلقة، وإلى حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].