دخولتسجيل الدخول

الحلقة 10

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين. مرحبا بكم من جديد أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة، وما زلنا مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. في هذه الحلقة سنتكلم عن زهد هذا الإمام العادل، هذا الإمام الزاهد، هذا الإمام الورع.

وزهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مهما تكلمنا فيه فلن نوفيه حقه، بل هو مضرب المثل في الزهد. وقد كان وهو أمير للمؤمنين قد رقع ثوبه في قميصه اثنتي عشرة رقعة، وهو أمير يملك الدنيا في ذلك العصر، أو يملك كثيرا من الدنيا.

يقول الحسن البصري: جئت إلى مجلس فيه جماعة من أصحاب النبي ﷺ، وإذا الأحنف بن قيس فقال: إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بعثنا في غزوة إلى بلاد فارس وبلاد العراق، فغنمنا منها بياضاً من بلاد فارس ولبسنا ثياباً فاخرة، ثم جئنا إلى أمير المؤمنين، فلما لقيناه كأنه لا يعرفنا، ولم ينظر إلينا، ولم يسلم علينا أو نحو هذا الكلام، فوجدنا منه جفوة وتعجبنا.

فذهبنا إلى ابنه عبد الله بن عمر وذكرنا له ذلك، فقال: إنه قد رأى عليكم بزة أو لباساً لم يلبسه رسول الله ولا خليفة رسول الله أبو بكر، ولذلك صنع ما صنع. فذهبنا إلى منازلنا وغيرنا لباسنا، أو لبسنا اللباس الذي يعتاده علينا، ثم جئنا إليه، فقام يسلم علينا رجلاً رجلاً ويعانق واحداً واحداً وكأنه لم يرنا قبل ذلك.

ثم قال: فجئنا ببعض المتاع، وكان من ضمن ما جئنا به طعام فيه شيء لذيذ، خبيص طيب الريح طيب المذاق، فذاق فتعجب منه وقال: «والله ليقتلن الابن أباه، والرجل أخاه، على مثل هذا». ثم أمر به أن يقسم على أبناء المهاجرين والأنصار الذين قتلوا بين يدي رسول الله ﷺ.

ولما انصرف رضي الله تعالى عنه، ذكر أصحاب النبي ﷺ في زهده فقالوا: عجبًا لهذا الأمير! أمير المؤمنين عليه جبة أو عليه قميص وفيه اثنتي عشرة رقعة، فتح الله عليه بلاد فارس والروم، كنوز قيصر وكسرى، أطراف المشرق والمغرب، وعليه هذه الجبة، ويفد إليه وفود العجم ووفود العرب أيضاً يأتون إليه وعليه هذا الثوب!

تقاصرت إلينا أنفسنا؛ هم فرحوا لما جاءهم اللباس الجديد لبسوه، وأما هذا الرجل عليه نفس اللباس وقد رقعه، والناس يأتون، وفتحت له المشرق والمغرب، ومع ذلك ما تغير منه شيء، بل كان أزهد في الدنيا من ذي قبل. فتذاكروا وقالوا: لو أنا كلمناه، نحن أصحاب رسول الله، الناس يفدون عليه العجم والعرب وهو في هذا اللباس، فلو نكلمه أن يغير ويلبس ثوباً ليناً، ويُرى عليه بجفن من طعام، ويُغدى عليه بأخرى، فيأكل معه المهاجرون والأنصار.

فقالوا: والله ما له إلا علي بن أبي طالب، فكلم عليًا فقال: «ما أنا بفاعل ذلك». وكان علي يعلم مزاج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقال: لكن كلموا أزواج النبي ﷺ. فكلم عائشة وحفصة، فقالت عائشة: سأكلمه، وقالت حفصة: ما هو بفاعل ذلك.

فدخلت عليه وسلمت عليه وأكرمه وأجلسه، فقالت عائشة: أتأذن لي في الكلام؟ فقال: تكلمي. فقالت: إن رسول الله ﷺ قد مضى لسبيله لم يرد الدنيا ولم ترده، وكذلك أبو بكر مضى لسبيله لم يرد الدنيا ولم ترده، أنكد فتح الله عليك كنوز قيصر وكسرى، ودانت لك الأشرق والأغرب، ووفود العجم ترد عليك ووفود العرب ترد عليك، ولك هذه الهتش، هذه الرقع، فلماذا لم تغير بثوب لين يهاب فيه، ويُرى عليك بجفن من طعام، ويُغدى عليك بأخرى، ويأكل معك من حُرت عندك؟

غضب رضي الله تعالى عنه وسأل عائشة وسأل حفصة: أنشدكما بالله، ألم يخرج النبي ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير؟ فقالت: اللهم نعم، أسألك بالله، أما كان لرسول الله ﷺ جُبّة من صوف خشنة فربما حك جلده من خشونتها؟ قالت: اللهم نعم. قال: أسألك بالله، أما كان له فراش واحد يكون بساطاً في النهار وفراشاً في الليل؟ قالت: اللهم نعم.

ثم قال: يا حفصة، أنتِ حدثتني أنكِ مرة ثنيتِ له المهاد فوجد لينه فلم يستيقظ إلا بأذان الفجر، فلما قام قال: ماذا صنعتِ؟ ثنيتِ المهاد! مالي وللدنيا؟ شغلتموني بالدنيا! قال عمر عند ذلك: يا حفصة، أما تعلمين أن رسول الله ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك بات راكعاً وبات ساجداً خاشعاً خاضعاً؟ فلا أكل عمر ليناً، ولا أكل عمر طيباً، ولا لبس ليناً، وبقي على ذلك الحال إلى أن مات رحمه الله.

ومن زهده أمور عجيبة كثيرة، حتى إن أبا عبيدة لما أراد أن يدخل إلى بيت المقدس قال: لو غيرت ثوبك أو شيئاً من هذا القبيل، فقال أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه: «إننا قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله».

فهذا هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، مع ما ملك من الدنيا إلا أنه كان زاهداً فيها رضي الله تعالى عنه. فلله در القائل: قل للملوك تنحوا عن مناصبكم .. فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها ولله در الآخر إذ يقول: يا من يرى عمراً تكسوه بردته .. والزيت أدِم له والكوخ ماواه يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه .. وملوك الروم تخشاه

وإلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل أن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].