دخولتسجيل الدخول

الحلقة 9

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين. مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة، وما زلنا مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. سنتحدث بإذن الله في هذه الحلقة عن عسس عمر؛ فقد كان يعس بالليل رضي الله تعالى عنه، وهو أول من بدأ بهذا العمل، فكان يخرج في الليل يتتبع بيوتات المسلمين، فيبحث عمن كان جائعًا أو من كان ذا حاجة، فكان رضي الله تعالى عنه يتعاهد الناس.

فمرة من المرات خرج وخلفه طلحة بن عبيد الله، فرآه يدخل بيتًا ويخرج منه، ثم يدخل البيت الآخر. فجاء في الصباح طلحة بن عبيد الله، فدخل في أحد البيوت فوجد عجوزًا كبيرة وهي كفيفة البصر، فقال: ما هذا الرجل الذي كان يدخل عليك؟ قالت: كان هذا رجل يأتينا فيصلح من شأني ويفعل ويفعل. فقال طلحة بن عبيد الله عند ذلك: ثكلتك أمك يا طلحة! عثرات عمر تتبع.

وكان من عسس رضي الله تعالى عنه أنه مر مرة فإذا بامرأة مع أطفالها وعندها قدر وفيه شيء من الماء، والأطفال يبكون، وكان معه مولاه أسلم، فلما جاء قال: يا أمة الله، لِمَ يبكي الأطفال؟ فقالت: من الجوع. فقال: وما هذا الذي في القدر؟ قالت: هذا ماء أعُلف به حتى ينامون، والله سبحانه وتعالى بيني وبين عمر. فقالت: وماذا؟ فقال رضي الله تعالى عنه: وما يدري عمر بكم؟ فقالت: أي أمرنا ثم يغفل عنا!

فذهب رضي الله عنه إلى بيت الدقيق، وكان هذا البيت أول من بناه عمر بن الخطاب، ويجعل فيه شيئًا من الدقيق واللحم والأمتعة لمثل هذه الأحداث. فجاء إلى بيت الدقيق وأخذ طعامًا في غراره وشيئًا من الزاد، ثم أراد أن يحمله من ثقله، قال لأسلم مولاه: احمله عليّ، فقال أسلم: أنا أحمله يا أمير المؤمنين. قال: «ثكلتك أمك، أو لا أب لك، أو لا أم لك، أتحمل عني أوزاري يوم القيامة؟». فحمله عمر بن الخطاب وذهب به إلى هذه المرأة، ووضع في القدر شيئًا من الدقيق وشيئًا من اللحم، وسار يطبخ لهم وينفخ تحت القدر، والدخان يتخلل لحية أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه، حتى وزع عليهم من هذا الزاد وحتى ضحك الأطفال، فعند ذلك طابت نفسه رضي الله تعالى عنه ورجع إلى مكانه.

وفي ذلك يقول الشاعر حافظ إبراهيم رحمه الله عليه: وَمَنْ رَآهُ إِمَامَ القَدْرِ مِنْ بَطَحَا ... وَالنَّارُ تَأْخُذُ مِنْهُ وَهُوَ يُذْكِيهَا وَقَدْ تَخَلَّلَ فِي أَثْنَاءِ لِحْيَتِهِ ... مِنْهَا الدُّخَانُ وَفُوَّهُ غَائِبٌ فِيهَا رَأَى هُنَاكَ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى ... حَالٍ تُرَوِّعُ لِعُمَرَ اللَّهَ رَائِيها يَسْتَقْبِلُ النَّارَ خَوْفَ النَّارِ فِي غَدِهِ ... وَالعَيْنُ مِنْ خَشْيَةٍ سَالَتْ مَآقِيها فَمَنْ يُبَارِي أَبَا حَفْصٍ وَسِيرَتَهُ ... وَمَنْ يُحَاوِلُ لِلْفَارُوقِ تَشْبِيهَا؟

ومن أخبار رضي الله تعالى عنه أنه مرة من المرات مر هو وابن مسعود في هذا العسس، فسمع صوتًا يخرج من بيت، فدنا من الصوت، فإذا كأنه صوت غناء، فدخل وبقي ابن مسعود في الخارج. فلما دخل فإذا شيخ كبير وإذا عنده قينة تغني، فقال عمر: والله ما رأيت الليلة منظرًا أقبح من هذا! شيخ رجله في القبر ويفعل مثل هذا أو نحو هذا الكلام. فقال الشيخ: ما فعلت يا أمير المؤمنين أقبح مما فعلت أنا؛ تجسست وقد نهى الله عن التجسس، ودخلت بغير إذن!

فخرج أمير المؤمنين وهو عاظ على ثوبه وهو يبكي ويقول: ثكلتك أمك يا عمر! إن لم يغفر لك ربك! هذا الشيخ كان يستتر بفعله، فالآن رآك، فالآن علم أنك رأيته فيتبع ويجاهر فيما يصنع. كان خشيته على أن هذا الرجل كان يستتر والآن سيُجَهَر به هذا الصنيع، نسأل الله العافية والسلامة.

فخرج عمر، وفي الصباح هذا الرجل لم يأتِ، وكان يأتي أمير المؤمنين وطال غيابه من مجلس عمر، ثم جاء بعد ذلك في يوم من الأيام، فإذا هو يأتي قليلاً قليلاً ثم يجلس في آخر الناس، فرآه عمر فأشار إليه، فخشي الرجل أن عمر سيسوؤه أو سيسمعه قبيحًا، فأدناه شيئًا فشيئًا حتى أجلسه في جنبه، ثم قال له: أدْنِ مني أذنك، فقرب أذنه فقال له عمر بن الخطاب: «والذي بعث محمدًا بالحق، ما علم بما صنعت أحد حتى ابن مسعود». فقال هذا الرجل: أعطني أذنك يا أمير المؤمنين، فقرب أذنه منه، فقال: «والذي بعث محمدًا بالحق، ما عُدتُ لذلك منذ ذلك اليوم». فكبر أمير المؤمنين، وتعجب الناس من تكبيره وهم لا يعلمون ما الذي جرى بين هذين الرجلين.

ومن أخبار عمر في العسس أيضًا أنه قال لعبد الرحمن بن عوف، فقد جاءت تجارة أو ركب تجار، فقال لعبد الرحمن: تعال نحرس هؤلاء التجار لا يأخذ منهم اللصوص شيئًا. فجلس وهو أمير المؤمنين يحرس قافلة التجار. وكان يصلي رضي الله تعالى عنه مرة فسمع صوت بكاء طفل، فجاء وقال: يا أمة الله اسكتي ولدك، ثم رجع إلى صلاته، فسمع بكاء الطفل مرة أخرى فقال: يا أمة الله، إنك لأم سوء أو نحو ذلك. فقالت: يا هذا، إليك عنا فقد أبرمتني الليلة! فقال: ماذا تصنعين؟ قالت: إني أحوله على الفطام. قال: وكم عمره؟ قالت: عمره كذا وكذا من الأشهر، لم يبلغ السنتين بل لم يبلغ السنة. فقال: ولِمَ؟ قالت: لأن أمير المؤمنين لا يفرض إلا للفطام.

فرجع يبكي وقال: لا تعجل لا تعجل عن الفطام. فلما صلى الفجر قال الصحابة: فوالله ما سمعنا صوت عمر من شدة البكاء، فلما سلم قال: بؤساً لعمر! كم قتل من أولاد المسلمين! أيها المسلمون، إننا سنفرض لكل مولود يولد في الإسلام، فلا تعجلوا أطفالكم عن الفطام. وفرض لجميع أطفال المسلمين، وهذا من بركة عسس عمر؛ لولا أنه يذهب في الليل ويتفقد أحوال المسلمين لما أدرك ما يحتاجونه من الأمور.

هذا هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، هذه سيرته: فمن يباري أبا حفص وسيرته، ومن يحاول للفاروق تشبيها؟ إلى هنا نصل إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة جديدة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].