﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة، وما زلنا مع سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. سنتحدث في هذه الحلقة عن شيء من فضائله الواردة في الأحاديث.
ورد في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «لقد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر بن الخطاب». وقال النبي ﷺ في حديث أبي موسى في صحيح البخاري لما طرق عمر بن الخطاب عليه الباب: «دخل عليه وبشره بالجنة». وبشره النبي ﷺ بالجنة في غير ما موطن، من ذلك أن النبي ﷺ قال -وهو على أحد بعد أن رجف الجبل بهم، وكان عليه النبي وأبو بكر وعمر وعثمان-: «اسكن أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان».
ومن الأحاديث الدالة على فضله ما أخرجه صاحب الصحيح أن النبي ﷺ قال: «هن لك يا ابن الخطاب، والله ما سلك ما سلكت فجًا إلا وسلك الشيطان فجًا غير فجك». ومن الفضائل له أن النبي ﷺ رآه في أربع رؤى، وكلها في الصحيح. الأولى أنه قال ﷺ: «بينما أنا نائم إذ دخلت الجنة، فرأيت امرأة تتوضأ بجانب قصر، فقيل لي: إن هذا القصر لرجل من قريش أو لفتى من قريش، فظننت أنه أنا، فقيل: إنه لعمر بن الخطاب، فوالله ما منعني إلا غيرتك يا عمر». فقال عمر رضي الله تعالى عنه وهو يبكي: «أو عليك أغار يا رسول الله؟» أو كما قال رضي الله تعالى عنه.
والرؤية الثانية أن النبي ﷺ قال: «بينما أنا نائم إذ رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص، فمنهم من يبلغ قميصه أثديه، ومنهم من يكون دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره». فقال الصحابة رضي الله تعالى عنهم: «فما أولته يا رسول الله؟» قال: «أولته الدين».
والرؤية الثالثة أن النبي ﷺ قال: «بينما أنا نائم إذ أوتيت بقدح من لبن، فشربت منه حتى رأيت الري يخرج من تحت أظفاري، ثم أعطيت فضله لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه». فقال الصحابة: «فما أولته يا رسول الله؟» قال: «أولته العلم».
والرؤية الرابعة أن النبي ﷺ قال: «بينما أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم جاء أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم جاء عمر فأخذ ينزع منها حتى استحالت في يده غربًا، فلم أر عبقريًا يفري فرية حتى روي الناس وضربوا بعطن» أو كما قال. قال العلماء بأن هذه الرؤية الأخيرة دالة على الفتوحات في عهد عمر بن الخطاب، وقد كان من الفتوحات في عهده الشيء الكثير؛ ففتحت العراق والشام ومصر والجزيرة وبلاد فارس وأذربيجان وغير ذلك من البلدان.
وحتى إنه كان يحمل في العام الواحد على أربعين بعيرًا في سبيل الله، فكان يحمل الرجلين إلى العراق على بعير، ويحمل الرجل إلى الشام على بعير. قال العلماء: إنه يحمل الرجل على بعير إلى الشام لأن الشام ليس بين المدينة وبين الشام مياه كثيرة بخلاف العراق، فكانت هناك مياه كثيرة بين العراق وبين المدينة، فكان يحمل الرجلين على بعير واحد.
فجاءه رجل مرة من المرات وقال: يا أمير المؤمنين، احملني وسحي إلى العراق، كان يريد الجهاد، فيقول لأمير المؤمنين: احملني إلى العراق أنا وسحي، يعني هو أراد أن يوري بأن معه شخصًا يقال له سحيم حتى يعطيهم أمير المؤمنين بعيرًا، وكان يقصد زقًا يعني كأسًا معه، فقال أمير المؤمنين: «أنشدك الله، سحيم زق؟» قال: اللهم نعم، فكشف أمير المؤمنين، وهذا من بصيرته رضي الله تعالى عنه.
وله كرامات كثيرة في هذا الباب، من ذلك قصة سارية الجبل؛ وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان يخطب على المنبر فجأة قال: «يا سارية الجبل! يا سارية الجبل! يا سارية الجبل!». وسارية رجل من الصحابة من المجاهدين، كان يقول له: الجبل، الجبل، يعني الزم الجبل. وتعجب الناس الحاضرون، فلما جاء بعد شهر فإذا النصر أو البشير بالنصر يأتي ويقول: والله قد سمعنا صوت عمر في يوم كذا وفي وقت كذا وهو يقول: الجبل الجبل، وكنا نحجو يعني نجوز على جبل وكان العدو خلفنا، فلو جاوزنا الجبل لأهلكنا العدو، وعندما لذنا بالجبل انتصرنا عليهم، فكان ذلك من كراماته رضي الله تعالى عنه. وهذه القصة صححها جماعة من أهل العلم، منهم الحافظ ابن حجر رضي الله تعالى عن الجميع.
ومن كراماته رضي الله تعالى عنه موافقاته الكثيرة لله سبحانه وتعالى ولكتابه، فمن ذلك موافقته لله سبحانه وتعالى في الحجاب؛ فإنه كان يأمر النبي ﷺ، أو يكلم النبي ﷺ أن يأمر نساءه بالحجاب، فنزلت آية الحجاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 59]. ومن ذلك من موافقاته في المقام لما قال: «لو اتخذنا المقام مصلى»، فنزلت الآيات: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125].
هناك موافقات كثيرة لعمر رضي الله تعالى عنه، ومن موافقاته رضي الله تعالى عنه قصته مع النبي ﷺ لما أَلَّ النبي من نسائه وجلس في شرفة، فدخل عليه عمر، والقصة طويلة لكن مختصرها: هذا دخل عليه عمر فقال: يا رسول الله، أطلقت نساءك؟ قال: «لا». قال: يا رسول الله، أراد أن يضحك النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، جئنا إلى الأنصار ونحن نغلب نساءنا فلبنا النساء، تعلمنا من نساء الأنصار، فتبسم النبي ﷺ. ثم خرج النبي من الشرفة بعد تمام تسعة وعشرين يومًا، وكان قد اعتزل من نسائه تسعة وعشرين يومًا، وقال عمر له: يا رسول الله لا عليك من النساء، فإن طلقتّهن فإن الله معك وجبريل وميكائيل والمؤمنون، فنزل قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4].
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة المباركة، على أمل أن نلتقي بكم في حلقة أخرى بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.
﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
د. سعيد المري