﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة في ترجمة لإمام من أئمة المسلمين، وهو ثاني الصحابة رضي الله تعالى عنهم في الرتبة وفي الخلافة، وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
هذا الصحابي الجليل الفاروق، الذي بدأ بالتاريخ؛ فهو أول من أرخ التاريخ، وأول من دوّن الديوان، وكل الدواوين في الأمة الإسلامية إنما هي تقفو أثر ديوانه، ولكن شتانا بين ديوان وديوان. وهو أول من عسى في الليل في الخلافة، وهو أول من أقام قيام رمضان فالناس تبع له وفي صحيفته بإذن الله سبحانه وتعالى. وهو أول من بنى دارًا وسماها دار الدقيق، وكل من بنى دارًا في هذه الأيام وفي الأيام السابقة فإنما يحذو حذو عمر بن الخطاب. هذه الدار للدقيق إنما هي لابن السبيل وللفقير رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
هذا الصحابي هو أول من يدخل في قول الله تبارك وتعالى بعد أبي بكر الصديق في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: 100]. وهو أول من يدخل بعد أبي بكر الصديق في قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: 117]. وهو أول من يدخل بعد أبي بكر الصديق في قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18]. وهو أول من يدخل بعد أبي بكر الصديق في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فهو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه».
عمر بن الخطاب ابن نفيل، يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في كعب في الأب الثامن، فبين كعب وبين عمر بن الخطاب سبعة آباء، كما أن بين كعب والنبي صلى الله عليه وسلم أيضًا سبعة آباء. هذا الصحابي الجليل كان شديدًا في البداية على أهل الإسلام، ولكن الله منّ عليه ببركة دعوة النبي عليه الصلاة والسلام حين قال: «اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: بعمر بن الخطاب أو بعمر بن هشام». فكانت الدعوة من نصيب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
فمما يدل على شدته أنه لما هاجر عامر بن ربيعة ومعه زوجته، وكانت زوجته من بني عدي أم عبد الله، مر عليهم عمر بن الخطاب وكان عامر في حاجة لهم، فقال: "انطلق يا أم عبد الله"، قالت: "نعم، ننطلق إلى أرض من أراضي الله حيث أذيتمونا وقهرتمونا لعل الله يجعل لنا مخرجًا". فرق لها رقة شديدة ثم قال: "صحبكم الله"، فطمعت في إسلامه. فلما جاء زوجها أخبرته فقال: "أأطمع في إسلامه؟" قالت: "نعم"، قال: "لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب".
من شدة يأسه من إسلام عمر، لكن الله سبحانه وتعالى قد منّ عليه بالإسلام، وكان لذلك قصة؛ وهي أنه جاء متوشحًا سيفه يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيه نعيم بن عبد الله بن النحام وكان من رهطه من بني عدي، فقال إليه: "إلى أين تعمد؟" قال: "إلى هذا الصابئ"، فقال: "ألا ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم؟" قال: "وأي أهلي؟" قال: "أختك وزوجها سعيد بن زيد ابن عمك".
فرجع عمر إلى أخته، فلما سمعوا حسه وكان عندهم خباب بن الأرت يقرئهم القرآن، وكانوا يقرؤون سورة طه: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾. فلما دخل عمر، اختبأ خباب بن الأرت في ناحية من البيت، فقال عمر: "ما هذه الهين التي سمعت عندكم؟" قالوا: "ما سمعت شيئًا"، قال: "بل سمعت، وقد أخبرت أنكما تبعتما محمدًا على دينه". فقال سعيد بن زيد: "إن كان الحق في غير دينك يا ابن الخطاب". فوثب عليه عمر ووطئ وطئًا شديدًا وضربه، فجاءت أخته تحول بينه وبين زوجها، فلطمها حتى دمى وجهها، فقالت له وهي غضبى: "إن كان الحق في غير دينك يا عمر، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله".
عندما رأى ما بوجه أخته من الدم رق لها، وقال: "هاتي الصحيفة التي عندك، أنظر ماذا فيها من محمد"، فقالت: "إنك رجل، وإنه لا يقرأها أو لا يلمسها إلا طاهر"، فتطهر وأخذ الصحيفة، وكان فيها: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ إلى آيات معينة، فرقى عمر رضي الله تعالى عنه لهذا الكلام وقال: "ما أحسنه وما أجمله". عند ذلك خرج خباب بن الأرت وقال: "يا عمر، والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، فإني سمعته يقول: اللهم أعز هذا الدين بعمر بن الخطاب أو بعمر بن هشام".
فقال عند ذلك عمر: "وأين محمد؟" فدله خباب بن الأرت، فجاء وهو متوشح السيف فطرق الباب على النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر صحابي من خلال الباب فرأى عمر وفي رقبته السيف، فجاء فزعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره. فقال حمزة بن عبد المطلب: "لئن كان أتى يريد خيرًا أعطيناه إياه، وإن كان يريد شرًا قتلناه بسيفه". فقال النبي: «ائذنوا له».
فلما دخل قام إليه النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ بمجامع ثوبه وقال: «أما إن لك أن تنتهي يا ابن الخطاب، والله لتنتهي أو ليصبن الله بقار». فقال عمر: "إني جئت أؤمن بك، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله". عند ذلك كبر النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع الناس تكبيره فعلموا أن عمر قد أسلم رضي الله تعالى عنه.
ويقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه كما في صحيح البخاري: "ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر، قد كنت أعدى عاديه فصرت بفضل ربك حصنًا من أعاديه. قل للملوك تنحوا عن مناصبكم، فقد أتى من يأخذ الدنيا ويعطيها"، كان عمر يأخذ الدنيا ويعطيها رضي الله تعالى عنه.
إلى هنا نصل إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل أن نلتقي معكم بحلقة جديدة بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
د. سعيد المري