﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة، وما زلنا فيها مع سيرة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. هذا الصحابي الجليل، الصديق الأعظم، الصديق الأكبر، ثاني اثنين إذ هما في الغار، أفضل أصحاب النبي على الإطلاق. كان له مواقف عظيمة، على الرغم من أنه كان نحيل الجسم، هزيل البنية أو ضعيف البنية، ولكن كانت له مواقف عظيمة جدًا في الإسلام.
غير ما سلف هناك من المواقف الشيء الكثير جدًا، ومن أهم تلك المواقف موقفه عند موت النبي صلى الله عليه وسلم، وموقفه عند ارتداد العرب. أما الأول، لما مات النبي صلى الله عليه وسلم، تقول عائشة وهي تحكي عن موت النبي صلى الله عليه وسلم: «كان النبي صلى الله عليه وسلم على صدري، فمال رأسه ناحية رأسي، فظننت أنه يريد شيئًا، ثم قطرت من فيه قطرة باردة على نحري، فأقشعر لها جلدي»، قالت: «فوجدت أنه قد أغمي عليه وهو قد مات صلى الله عليه وسلم». فسيط بثوب، ثم استأذن عليها، وكان هذا في مرض موت النبي صلى الله عليه وسلم.
وكان الصحابة دائمًا يسألون عن النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء عمر يسأل عنه ومعه المغيرة بن شعبة، قالت: فأخذت إليها الحجاب وأذنت لهما، فلما دخل فإذا النبي صلى الله عليه وسلم مغشٍ عليه. ويقول عمر: «ما أشد غش رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فقال المغيرة بعدما رأى النبي صلى الله عليه وسلم مات رسول الله، فغضب عمر وقال: «رسول الله لا يموت! بل أنت رجل تحوس كفتنة، لن يموت رسول الله حتى يفني الله المنافقين». ثم خرج وصار يخطب الناس ويقول: «من قال محمد قد مات قتلته»، وهو يخطب الناس، وأن النبي لا يموت وإنما غاب كما غاب موسى عليه الصلاة والسلام.
ثم دخل أبو بكر الصديق، لما دخل أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم فإذا النبي قد مات. أخذ أبو بكر يحدر النبي صلى الله عليه وسلم، يضعه على يده ويقبل جبهته ويقبل وفاه، ويأتي من الناحية الثانية وهو يبكي ويقول: «مات رسول الله، مات رسول الله». ثم خرج أبو بكر على الناس ووجد عمر يكلم الناس، فجاء أبو بكر وأراد أن يجلس عمر فلم يجلس عمر، فتكلم أبو بكر فأقبل الناس وتركوا عمر وأقبلوا على أبي بكر.
فقال خطبته المشهورة التي فيها: «من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت». ﴿إِنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144]. فما بقي أحد من أهل ذلك المجلس إلا وهو يقرأ هذه الآية كأنهم أول مرة يسمعونها.
عمر يقول: «والله ما إن سمعت أبا بكر يقرأ هذه الآية حتى لم تقلني رجلاي، وحتى عقر بي فما استطعت أن أقوم»، وكأني أول مرة أسمع هذه الآية من أبي بكر الصديق، وعلمت عند ذلك أن رسول الله قد مات. هذا ليس مستبعدًا أن الصحابة يذهلون بسبب موت النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه حدث جلل، حدث عظيم جدًا. هذا النبي الذي كان يوحى إليه، هذا الذي بسببه انتشر الخير، هذا الذي بسببه أسلمنا وآمنا، نحبه أكثر من آبائنا وأمهاتنا، في لحظة واحدة نفقده، شيء لا يصدق.
ولذلك يقول أبو ذئيب الهذلي: دخلت المدينة يوم موت النبي وإذا للمدينة ضجيج كضجيجنا. وكما تقول أم سلمة كاد أن يوسوس بعض الصحابة، وتقول فاطمة رضي الله تعالى عنها: «أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟» تقوله لأنس لما دفنوا النبي صلى الله عليه وسلم. لكن أبا بكر ثبت في هذا الموقف ثبوت الجبال.
وثبت في الموقف الآخر وهو موقف الردة، لما تولى أبو بكر الخلافة ارتدت العرب لأن النبي مات، قالوا إن هذا الرجل الذي ينصرون به قد مات، فارتدت العرب وشراب النفاق، وجمعت الروم جموعها تريد غزو المدينة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخرج جيشًا وهو جيش أسامة ليحارب الروم، وكان الجيش قد خيم في الجرف. فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم كاد الناس أن يرجعوا، فجاء بعض أصحاب النبي وكبار أصحاب النبي إلى أبي بكر وقالوا: «يا أبا بكر، يا خليفة رسول الله، إن الناس قد ارتدوا وإننا بحاجة هذا الجيش فلا تخرجه»، وكانوا يقولون: «نقبل منهم الصلاة وندع الزكاة».
فوقف أبو بكر وقفة عظيمة ليس معه فيها أحد، وكان يقول: «والله لو منعوني عقالًا -وفي رواية عناقًا- كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه»، وكان يقول عن جيش أسامة: «والله لاحل لواء عقده رسول الله، ابعثوا جيش أسامة». فبعد ذلك وافق الصحابة وبعثوا جيش أسامة. يقول أبو هريرة: «والله الذي لا إله إلا هو، لولا أن أبا بكر استخلف ما عُبد الله في الأرض»، ويحلف المرة الثانية والمرة الثالثة، فيقول له الناس: «ما بك يا أبا هريرة؟»، فيقول: «إن رسول الله لما مات وأشرَّ النفاق وارتدت العرب، وبعث أبو بكر جيش أسامة، مر هذا الجيش، وفق الله أبا بكر لبعث هذا الجيش ومواقفه التي وقفها، فهذا الجيش ما مر على قبيلة من القبائل إلا وقالوا: والله إن لأهل المدينة قوة الذي خرج منهم»، فبقوا على إسلامهم، وبذلك بقيت العرب على إسلامها، ومن ارتد رجع إلى الإسلام.
وغزا رضي الله تعالى عنه الروم وبعث الجيوش، فُتحت الشام وفُتح العراق في سنتين ونصف سنتين وشيء من خلال رضي الله تعالى عنه. ومع ذلك كما يقال نحيف، ضعيف الجسم، ولكن كما يقول الشاعر:
تَرَى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيهِ ... وَفِي أَثْوَابِهِ أَسَدٌ هَصُورُ وَيُعْجِبُكَ الطَّرِيرُ إِذَا تَرَاهُ ... وَيُخْلِفُ ظَنَّكَ الرَّجُلُ الطَّرِيرُ بِغَاثِ الطَّيْرِ أَطْوَلُهَا رِقَابًا ... وَلَمْ تَطُلِ الْبَوَازِئَ وَالصُّقُورُ وَقَدْ عَظُمَ الْبَعِيرُ بِغَيْرِ لَبٍّ ... وَلَمْ يَسْتَغْنِ بِالْعَظْمِ الْبَعِيرُ يَنُوحُ ثُمَّ يُضْرَبُ بِالرَّاوِي ... فَلَا عُرِفَ لَدَيْهِ وَلَا نَكِيرُ
وما فخر الرجال وما عظم الرجال لهم بفخر، ولكن فخرهم كرم وخير، وأبو بكر الصديق ثبت بثبوته الإسلام وانتشر بفضله.
مواقفه، رضي الله تعالى عنه، وتوفي في السنة الثالثة عشرة من الهجرة، رضي الله تعالى عنه، وانتقل إلى جوار ربه بعد أن رسخ الإسلام وثبت. وكما يقول الشاعر: لَعَمْرُكَ مَا الرَّزِيَّةُ فَقْدُ مَالٍ وَلَا شَاهٍ تَمُوتُ وَلَا بَعِيرٍ، وَلَكِنَّ الرَّزِيَّةَ فَقْدُ قَرْمٍ، يموت بموته بشر كثير.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، ونكون بها قد أنهينا ترجمة أبي بكر الصديق، وإن كانت فضائله كثيرة، وإنما جئنا على طرف منها، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
د. سعيد المري