دخولتسجيل الدخول

الحلقة 5

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. مرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة، وما زلنا فيها مع سيرة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. كما ذكرنا في الحلقات الماضية، فإنه كان له أثر على الإسلام والمسلمين في كثرة المسلمين، وفي إعتاق الضعفاء، وفي الإنفاق في سبيل الله.

ومع مكانة أبي بكر في الإسلام ومكانته أيضاً عند أهل الجاهلية، إلا أنه رضي الله تعالى عنه لم يكن بمأى عن شدة قريش على المسلمين، فقد كان يلقى من الأذى ما يلقاه. ولذلك لما هاجر بعض أصحاب النبي إلى الحبشة، أراد أن يهاجر معهم رضي الله تعالى عنه، فلقيه ابن الدغنة وهو يريد أن يهاجر إلى الحبشة، فقال: إلى أين يا أبا بكر؟ قال: أريد أن أهاجر إلى الحبشة. فقال: والله ما مثلك يخرج، إنك تصل الرحم، وتحمل الكل، وتعين الضعيف، وتعين على نوائب الحق.

مدح أبا بكر رضي الله تعالى عنه بأفعال يفعلها، تقول عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي بيت أبي بكر كل يوم، إما بكره وإما عشية، كان لا يخطئ أن يفعل ذلك. فمر مرة من المرات جاء النبي صلى الله عليه وسلم في وقت الهاجرة، في وقت الظهيرة، فلما رآه أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال: والله لقد حدث أمر. فلما جاء النبي واستأذن، دخل، فتنحى أبو بكر عن سريره وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم عليه.

فقال النبي: «اخرج عني أو اخرج من في البيت»، وكان في البيت عائشة وأسماء بنت أبي بكر الصديق، فقال أبو بكر: إنما هما ابنتاي يا رسول الله، إنما هما أهلك يا رسول الله، ولا حرج في ذلك أو لا بأس عليك. فقال: «يا أبا بكر، إن الله قد أذن لي في الهجرة إلى المدينة». فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: الصحبة يا رسول الله؟ فقال النبي: «الصحبة». فبكى أبو بكر رضي الله تعالى عنه من الفرح. تقول عائشة: ما شعرت أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يبكي من الفرح.

يقول الشاعر: غلب السرور علي حتى أنني .. من فرط ما قد سرني أبكاني الإنسان قد يغلبه الفرح، شدة الفرح تجعل الإنسان يبكي من شدة الفرح، وهكذا صنع أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. ثم لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه أبا بكر، خرج في سواد الليل، وعلي كان في فراش النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعلم بهم أحد، خرجوا من ظهر البيت.

بقي أبو بكر الصديق يأتي على يمين النبي صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة، ومرة على شماله، ومرة أمامه، ومرة خلفه. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أبا بكر، لم أراك تارة تمشي ساعة أمامي وساعة خلفي؟». فكان أبو بكر يقول: يا رسول الله، أذكر الرصد فأمشي أمامك، وأذكر الطلب فأمشي خلفك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر، أتحب إذا حدث شيء أن يكون بك دوني؟». فقال: نعم، الذي بعثك بالحق.

ثم دخلا جميعاً غار ثور واختبأ فيه ثلاثة أيام، وكان أبو بكر يقول وهو في الغار: يا رسول الله، لو أن أحدهم أبصر تحت قدميه لرآنا. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟». وكان يقول وهو في الطريق يمشي، ويأتي خلف النبي ويأتي أمامه مرة، ورأى مالك سراقة بن مالك يتبعهم، فقال: يا رسول الله، أوتنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تخف، إن الله معنا».

ثم سار من قصة سراقة بن مالك أن ساحت قدم فرسه في الأرض، فعاد النبي أن يرد من خلفه إن هو نجا مما هو فيه، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فرجع وسار يرد الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد نزل في هذه الحادثة، وهي هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومصاحبة أبي بكر له في الغار، قول الله تبارك وتعالى حيث يقول: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40].

يقول العلماء بأن الله سبحانه وتعالى قد ذم الناس كلهم في نصرة النبي إلا أبا بكر بهذه الآية. ويقول الحسين بن الفضل رحمه الله: «من أنكر أن يكون أبو بكر الصديق صاحباً لرسول الله فقد كفر بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن صحبة أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم مذكورة في كتاب الله. وأما من أنكر أن يكون بعض أصحاب النبي صاحباً للنبي صلى الله عليه وسلم فهذا يفسق ويبدع ولا يكفر، وأما من أنكر صحبة أبي بكر فهو يكفر». نسأل الله العافية والسلامة.

وكان أبو بكر رفيقاً للنبي صلى الله عليه وسلم وأحب الناس إليه، ولذلك لم يكن أبو بكر رضي الله تعالى عنه يؤذى من قبل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان أشد الناس لسوقاً به وأحب الناس إليه. في الصحيح: عن أبي الدرداء أن أبا بكر صار بينه وبين عمر بن الخطاب بعض الشيء، فأسرع إليه أبو بكر، بدأ بكلام نحو عمر فغضب عمر وصار عمر يمشي، وأبو بكر يقول له: اغفر لي، اعفُ عني، وعمر كان رافضاً ذلك حتى دخل بيته.

فرجع أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بالقصة، بأنه حصل بينه وبين عمر شيء، وأن عمر غضب عليه وأبى أن يقول غفر الله لك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «غفر الله لك يا أبا بكر»، ثلاث مرات: «غفر الله لك يا أبا بكر، غفر الله لك يا أبا بكر، غفر الله لك يا أبا بكر». ثم عمر لما خرج ندم، وذهب إلى بيت أبي بكر الصديق فلم يجده، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم تمعر وجه النبي وتغير، فعلم أبو بكر أن النبي غضب على عمر، فجاء أمام النبي صلى الله عليه وسلم.

...وسلم، وجثا على ركبته وهو يقول: «يا رسول الله، إنا كنت الظالم، أو أنا الذي بدأت يا رسول الله». والنبي ﷺ يهز يده ويقول: «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ لقد جئت وقلت إني رسول الله فكذبتني وصدقني أبو بكر، وواساني أبو بكر. هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟».

قال أبو الدرداء: «فما أُوذِيَ أبو بكر بعد ذلك أبدًا». رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].