﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة، وما زلنا فيها مع سيرة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، هذا الصحابي الجليل الذي أنفق أمواله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من أمن الناس علي في صحبته أبا بكر، في صحبته وماله أبا بكر». وكان يقول صلى الله عليه وسلم: «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته». وكان يقول صلى الله عليه وسلم فيه: «ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناها، إلا ما كان من أبي بكر، فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة».
كان أبو بكر ينفق أمواله على رسول الله وعلى المسلمين، ومن ذلك الإعتاق كما ذكرت في الحلقة الماضية. وكان أبوه أبو قحافة يقول له: "يا بني، ألا تعتق أناسا جلدا يحمونك ويقفون معك؟ فإني أراك تعتق أناسا ضعافا". فكان يقول رضي الله تعالى عنه: "يا أبتِ، إنما أفعل ذلك أريد ما عند الله، أو أريد وجه الله سبحانه وتعالى".
كان رضي الله عنه كثير الإنفاق حتى قيل إنه أنفق ماله عدة مرات على الإسلام والمسلمين. مرة من المرات يقول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: "حظ النبي صلى الله عليه وسلم الناس على الإنفاق، وألفيت نفسي أو ألفيت عندي مالا فقلت اليوم أسبق أبا بكر". وهكذا الصالحون يتسابقون في فعل الخيرات، فكان عمر يهمه أبو بكر الصديق لأنه كان الذي يسبقه دائما من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
يقول عمر: "فجئت بمال عندي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عمر ما خلفت لأهلك؟ فقال: مثله يا رسول الله. فجاء أبو بكر بما عنده من المال فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ما تركت لأهلك؟ وما خلفت عند أهلك؟ فقال: تركت لهم الله ورسوله يا رسول الله. فقال عمر: والله لا أسابق أبا بكر أبدا" أو نحو هذا الكلام.
وكان الصديق يسمى صديقا، وكان يسمى العتيق لأن الله أعتقه من النار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله أعتق أبا بكر من النار»، فسمي العتيق، هذا أحد الأوجه في تسميته عتيقا، ويسمى الصديق. كان يقول علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: "إن الله سمى أبا بكر صديقا على لسان نبيه". ولعل علي رضي الله تعالى عنه يقصد قول النبي صلى الله عليه وسلم لما رجف بهم أحد، هذا الجبل، وكان عليه أبو بكر وكان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ومعه عمر وعثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اثبت أحد، فإن عليك صديقا وشهيدان» أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
وسمي الصديق، وأبو بكر عند المسلمين بسبب تصديقه للنبي صلى الله عليه وسلم، فما كان النبي يتفوه بكلمة إلا قال أبو بكر: صدق رسول الله، حتى في الأشياء المعضلات التي تتزعزع فيها القلوب ويتزعزع فيها الإيمان، كان أبو بكر ثابت الإيمان؛ يتردد غيره ويشك غيره وأما هو فلا.
ومن الأحداث التي مرت وظهر فيها صدق الصديق وشدة إيمانه قضية الإسراء والمعراج، لما أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس وجاء في ليلة واحدة، وأصبح يحدث الناس بأنه قد أسري به إلى بيت المقدس. كان أبو جهل جالسا فقال: "يا محمد، أتحدث قومك بهذا؟" يعني لو جمعتهم أنك ذهبت إلى بيت المقدس وأصبحت بين ظهرانينا، فقال: "نعم". فجمع الناس وحدثهم النبي صلى الله عليه وسلم، فبين مصفق، وبين واضع على رأسه يده، وبين مجهل، وبين راحم؛ بعضهم يعطف على النبي كأنه ليس في تمام عقله.
فذهب بعض الناس إلى أبي بكر وتزعزع إيمان بعض الناس وأخبروه بالقصة فقالوا: "إن صاحبك يقول بأنه قد أسري به إلى بيت المقدس ورجع في ليلة واحدة قبل أن يصبح". فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: "إن كان قال ذلك لقد صدق". قالوا: "يا أبا بكر، أتصدق بأنه يذهب إلى بيت المقدس ويأتي في ليلة واحدة؟" قال: "إني أصدقه بأبعد من ذلك، إني أصدقه بخبر السماء أنه يأتيه في ليلة واحدة وفي يوم واحد وفي لحظة واحدة". قال أبو سلمة التابعي الجليل ابن عبد الرحمن بن عوف: "ومن ذلك اليوم سمي الصديق صديقا رضي الله عنه"، عرف بالصدق وبتصديقه بهذه القصة، وشهرت تصديقه للنبي صلى الله عليه وسلم.
ويقال إنه نزلت فيه هذه الآية: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: 33]، يعني أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. ولذلك يقول بعض أهل العلم إن أبا بكر الصديق ما فضل الناس إلا بتصديقه بما وقر في قلبه؛ لم يفضل الناس أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكن بشيء وقر في قلبه أو وقر في صدره. وفي صدره وقر ما كفاه عن كثرة العمل واصطفاه؛ يقول ناظم عمود النسب: "في صدره وقر ما كفاه عن كثرة العمل واجتباه أو واصطفاه". وهذا يدل على أن الإيمان هو الذي عليه المعول، ولكن ليس معنى ذلك أن الإنسان يقول أنا مؤمن وهو ليس عنده عمل، كما يقول بعض الناس: "الإيمان ها هنا" ولا عمل عنده.
أبو بكر سبق الناس بإيمانه وسبقهم بعمله، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث من الأحاديث الصحيحين: "من أصبح منكم اليوم صائما" فقال أبو بكر: "أنا"، "من أصبح منكم وقد عاد مريضا" فقال أبو بكر: "أنا"، "من أصبح منكم صائما" قال أبو بكر: "أنا"، "من تصدق اليوم" قال أبو بكر: "أنا". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمعت هذه الأفعال في رجل إلا كان من أهل الجنة». فكان مع إيمانه الذي في صدره كان سباقا إلى الخيرات، ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني كما يقول الحسن البصري، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل. إذا أنا مؤمن لابد أن يظهر إيماني على أعمالي، أما أني مؤمن ولا أعمال عندي فهذا من المحال ومن البعيد.
وإلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل أن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم.
ورحمة الله وبركاته. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
د. سعيد المري