دخولتسجيل الدخول

الحلقة 3

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. مرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، وما زلنا فيها مع ترجمة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.

هذا الصديق الأكبر هو صديق الأمة وأفضل الأمة كما ذكرت في الحلقة الماضية، وقد أسلم أول الناس كما قال غير واحد من أهل العلم. ومنهم بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ يقال إن أول من أسلم من الرجال هو أبو بكر الصديق، وإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «والله ما دعوت أحداً إلا كان له نظر وتردد أو كبوة إلا ما كان من أبي بكر، ما تردد ولا كبى» رضي الله تعالى عنه، بل سارع إلى الإسلام، فكان من أوائل الناس، بل كان أول المسلمين إسلاماً، كما أنه أفضلهم رضي الله تعالى عنه.

وسأل الشعبي ابن عباس: من أول الناس أسلم؟ فقال ابن عباس: أما سمعت قول حسان رضي الله تعالى عنه إذ يقول: إذا تذكرت شجوًا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعل خير البرية أتقاها وأفضلها ... بعد النبي وأوفا بما حملا والثانية التالية المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا

وبعض العلماء يقول إن أول من أسلم علي بن أبي طالب، ولا شك أن خديجة هي أول من أسلم من الصحابة، ويبقى الخلاف بين علي وبين أبي بكر؛ فمن الصحابة من يقول علي هو أول من أسلم، ومنهم من يقول أبو بكر الصديق هو أول من أسلم رضي الله تعالى عنهما، ولعله ما أسلما في يوم واحد.

كان لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه الأثر الكبير بعد إسلامه على الإسلام والمسلمين، فقد أسلم على يديه خمسة من المبشرين بالجنة من العشرة المبشرين بالجنة في اليوم التالي كما ذكرت سابقاً، إذ كان محبباً مألوفاً في قريش تاجراً، فكان إذا جلس إليه أحد من الناس دعاه إلى الإسلام، فدعا أول من دعا هؤلاء الخمسة، وهم: عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف؛ هؤلاء الخمسة جاء بهم في اليوم الثاني بعد إسلامه فأسلموا عند النبي صلى الله عليه وسلم.

فهؤلاء الخمسة في صحيفة أبي بكر، وهناك أناس كأمة وأبيه قد أسلموا على يديه رضي الله تعالى عنه؛ أما أمه فأسلمت في بداية الأمر، وأما أبوه فأسلم عام الفتح رضي الله تعالى عن الجميع. وكان رضي الله تعالى عنه يمر على هؤلاء الضعفاء الذين يعذبون، والمملوكين فيشتريهم فيعتقهم رضي الله عنه.

وقد أعتق بلالاً، وبلال -السابق من جيل الحبشة- كان النبي يقول: «إني أسمع دفَّ قدميك في الجنة يا بلال». فبلال أيضاً في صحيفة أبي بكر؛ جاء مرة من المرات وهو يعذب في بطحاء مكة، يعذبه أمية بن خلف، يضع على صدره الحجر الكبير في رمضاء مكة وهو يقول: «أحد أحد، أحد أحد»، فجاء أبو بكر وقال: «يا أمية، ألا تتق الله في هذا المسكين؟» فقال: أنت الذي أفسدته فأنقذه، فاشتراه رضي الله تعالى عنه بشيء من المال وهو يقول: لو أنه طلب مني كذا وكذا لأعطيته. وأمية بن خلف لأنه ضاق ذرعاً ببلال قال: لو أنه طلب كذا وكذا أو أعطاني فيه كذا وكذا لبعت إياه، فلما اشتراه أبو بكر عز الإسلام.

وسار هؤلاء المملوكين يشتريهم أبو بكر يوماً بعد يوم، وممن اشتراه كذلك اشتراه أبو بكر الصديق عامر بن فهيرة، واشترى كذلك زنيرة. أما بلال فيقول فيه ابن الجوزي رحمه الله: أبو بكر حبى لله مالاً ... وأعتق في محبته بلالا وقد واسى النبي بكل فضل ... وأسرع في إجابته بلالا لو أن البحر يقصده ببغض ... لما ترك الإله له بلالا

وممن أعتقهم كما ذكرت عامر بن فهيرة، وكان عامر بن فهيرة من الصحابة الأجلاء ممن كان يغدو على النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وهو في الغار بالغنم، ويعمي على الناس آثارهما، ولما استشهد في بئر معونة رفعته الملائكة ولم يجد المشركون جثته رضي الله تعالى عنهم.

وزنيرة أيضاً أعتقها أبو بكر، وكانت مملوكة وكان أبو جهل يعذبها، وكان أبو جهل يقول: اتقِ اللات واتقِ العزى، فعُميت رضي الله تعالى عنها، فقال: أرأيت هذا من تركك للات والعزى؟ أي هذا العمل الذي أصابك. فكانت تقول: والله ما تدري اللات والعزى من يعبد هما، هذا بأمر الله وإن شاء الله رد علي بصري؛ فأصبحت وقد رد الله عليها بصرها، فكان الناس يقولون وقريش تقول: سحرها محمد، أو هذا من سحر محمد رضي الله تعالى عنه الجميع.

وهذه عادة الناس أن الأشراف لا يتبعون الأنبياء، إنما يتبعه ضعفاء الناس والمساكين، ولذلك قال هرقل لما سأل أبا سفيان -وكان أبو سفيان كافراً آنذاك-: من أتبع النبي أو من اتبع محمداً من الناس؟ هل ضعفاء الناس أم أشرافهم؟ قال: بل ضعفاؤهم، فقال هرقل: هؤلاء هم اتباع الأنبياء. وكان أبو جهل يقول: لو كان هذا الذي يدعو إليه محمد خيراً لما سبقنا إليه.

والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ۖ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فسيقولون هَٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأنبياء: 53]. وقال تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولَ أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا﴾ [الجاثية: 23]؛ كان الأشراف يقولون: أهؤلاء من الله عليهم بالإسلام من بيننا؟ يعني هذا لا يصدق، نحن الأشراف ينبغي أن نكون نحن الذين في الصدارة وهكذا. قال قوم نوح لنوح عليه الصلاة والسلام كما ذكر سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: 27]؛ هكذا كان قوم نوح يقولون لنوح: ما اتبعك إلا هؤلاء الأراذل، وهكذا كل قوم يأتي يهمهم نبي يقولون هذا الكلام.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.