﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، مرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في حلقة جديدة، وسنتكلم فيها عن بعض فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
كنا قد تكلمنا في الحلقة الماضية عن بعض الآيات الدالة على فضلهم، وعلى أنهم عدول بتعديل الله لهم سبحانه وتعالى، وكذلك عن بعض الأحاديث، وقلنا بأنه لو لم ترد الآيات ولم ترد الأحاديث في فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لكان كافيهم ما يقدمونه من المهج في سبيل الله. فكم من الصحابة ممن هجروا الأوطان، وممن ماتوا في مشارق الأرض ومغاربها، كله لأجل هذا الدين.
ومن محبة الصحابة والتضحية بهذا الدين يخرجون عن أوطانهم ويبعدون عن النبي صلى الله عليه وسلم. لما جاء جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه من الحبشة، قال النبي ﷺ: «والله لا أدري بأيهما أفرح، بقدوم جعفر أم بفتح خيبر». وقد جاء في السنة السابعة، وفي السنة الثامنة بعثه النبي في جيش مؤتة فقتل شهيدًا رضي الله تعالى عنه؛ يعني لم يجلس مع النبي ولم يحظى بمرافقة النبي مدة طويلة، وما ذاك إلا لإحساسه بأهمية الدين وأنه مقدم على كل شيء.
ولذلك قطعوا جميع العلاقات بين الآباء والأمهات وكل شيء ما دام أنه يعارض قيامهم بالدين، ولذلك نجد أن بعضهم قتل أباه في المعركة، وهو أبو عبيدة بن الجراح. ومنهم من قال -وهو مصعب بن عمير لما رأى أخاه ياسرًا - أبو اليسر الأنصاري رأى أخاه عزيزًا في وقعة بدر، فقال مصعب بن عمير للأنصاري: «اشدد يديك به، فإن له أمًا غنية لعلها تفكك أو تفديه منك بمال فيستفيد منه». فقال أبو عزيز لمصعب بن عمير: «هذه وصاتك بأخيك؟»، فقال مصعب: «هو أخي دونك».
الصحابة رضي الله عنهم ضربوا أروع الأمثلة في التضحيات لهذا الدين. منهم من قتل أباه في المعركة، أبو عبيدة، ومنهم من وقف على باب المدينة وهو عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، بعدما سمع أباه يقول: «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل»، فوقف على الباب وقال: «والله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله، وحتى تقول إنك الذليل ورسول الله العزيز». وكان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: «إن كنت تريد قتله فإنا آتيك برأسه يا رسول الله، لا أريد أن أرى قاتل أبي يمشي بين الناس، فلعل نفسي لا تطيب فأقتل مسلمًا بكافر».
والأخبار في هذا المعنى كثيرة، ومحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ضرب بها الأمثال. مرة من المرات، سواد بن غزية كان في صفوف المسلمين في جيش في غزوة بدر، وكان مستنًا من الصف، يعني بارزًا صدره، فجاء النبي وهو يسوي الصف فضربه بعصا معه، فقال: «استوِ يا سواد». فقال سواد: «أوجعتني يا رسول الله، فأعطني القود». فكشف النبي عن بطنه وقال: «اقتد يا سواد». فقبل سواد وأخذ يقبل بطن النبي صلى الله عليه وسلم. فقال النبي ﷺ: «يا سواد، ما الذي جعلك تفعل ذلك؟ ما حملك على هذا؟»، فقال سواد: «يا رسول الله، قد حضر ما ترى، يعني عدو الآن أمامنا وأنا سأموت، فأردت أن يكون آخر عهدي من الدنيا أن يمس جلدي جلدك».
وخبيب بن عدي رضي الله تعالى عنه لما أسرته قريش وصلبوه على جذع نخلة، جاء أبو سفيان وقال له: «أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت في أهلك سالمًا غانمًا؟»، فقال خبيب: «والله ما أحب أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تشكه شوكة في المدينة وأنا في أهلي»، فكيف تقولون يكون مكاني هنا؟ ثم قال أبياتًا يقول فيها:
لقد جمع الأحزاب حولي وبوا ... قبائلهم تجمعوا كل مجمعي وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم ... وقربت من جذع طويل ممنعِ إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي فذا العرش صبرني على ما يراد بي ... فقد بضع لحمي وقد بان مطمعي وقد خيروني الكفر والموت دونه ... وقد هملت عيناي من غير مجزعِ وما بـحذار الموت إني لميت ... ولكن حذاري جحيم نار ملفعِ فلست بمبدٍ للعدو تخشعًا ... ولا جزعًا إني إلى الله مرجعي ولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشاء ... يبارك على أوصال شلو ممزعِ
هكذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت تضحياتهم فيها العجب والعجاب. ولذلك قال الأئمة، كما قال أبو زرعة: «من سب أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهو زنديق، لأن الإسلام حق والرسول حق والقرآن حق، ومن سب أحدًا من الصحابة فإنما يريد أن يطعن في شهودنا، فإن هؤلاء هم الذين نقلوا لنا الإسلام». وقال ابن حزم رحمه الله عليه: «الصحابة كلهم من أهل الجنة، السابقون واللاحقون».
وتدل على ذلك بقول الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُمْ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلُوا ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ﴾ [الحديد: 10]. فالله جعل الذين أنفقوا من قبل الفتح والذين أنفقوا من بعد الفتح موعودين بالحسنى. وقال في آية أخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ۖ وَهُمْ فِيمَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101-103].
فكيف من يأتي في هذا الزمن الذي ليس له في الحقيقة قدم في الإسلام ولم يحسن؟ ونسأل الله العافية والسلامة، لا خلقه ووجهه منزوع منه النور، ويقع في أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان وهو خال المؤمنين، أخو أم حبيبة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم.
ولذلك نحن ننصح جميع المسلمين بأن الصحابة لابد أن يكون قدرهم عاليًا في نفوسنا، ونتقرب بحبهم إلى ربنا سبحانه وتعالى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. نسأل الله أن يحشرنا في زمرة الصحابة، وأن يجعلنا ممن يحبونهم ويقدرونهم ولا يسيئون إليهم، لأن الإساءة إليهم إساءة للنبي صلى الله عليه وسلم، والإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم إساءة إلى ربنا سبحانه وتعالى.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عاهدوا الله عليه﴾.
﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
د. سعيد المري