حيّاكم الله جميعًا في هذا المجلس الختامي بإذن الله التعليقي على كتاب عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، هذا الكتاب الذي عشنا في ظلاله خلال الأشهر الماضية في صبيحة السبت، ونحن نجول ونصول في سيرة العلم الأعلى والمعلم الأول صلوات ربي وسلامه عليه، ونتعلم منه ونسعى أن نقتفي أثره. هذه السيرة التي تمثل سيرة أعظم إنسان على وجه الأرض، وتمثل وحيًا إلهيًا، وليست مجرد إنسان عنده تجارب في الحياة نحاول أن نعرف صوابها من خطئها؛ هذه حال المذكرات العامة، لكن هنا نحن نتكلم عن وحي إلهي ونتكلم عن قدوة عليا كان محمد صلى الله عليه وسلم يقدمها لهذه الأمة.
هذه السيرة التي لا يمل من تكرارها ولا من دراستها ولا من تعلمها ولا من التبرك بهذه التلاوة، كان العلماء يعقدون مجالس السماع تبركًا بقراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فما بالكم إن كانت هذه السيرة ليست فقط مجرد تبرك بل هي مسطرة وقدوة وحياة ومقياس ومعيار، يقتفي الإنسان وينظر فيه جمال محمد صلى الله عليه وسلم معلمًا وقائدًا ومربيًا وموجهًا وناصحًا وقائدًا عسكريًا وجالسًا مع الصحابة في المدينة وفي غزواته ومواقفه وأيامه، ينظر في حياة محمد صلى الله عليه وسلم وهو يوجه أصحابه، وهو مع المستضعفين في مكة، وهو مع المقاتلين في المدينة، وهو يخاطب ملوك الأرض، وهو يتحدث مع زوجاته، وهو يتحدث مع صغار الصحابة. ترى محمدًا صلى الله عليه وسلم في كل أحواله وأيامه فتزداد شوقًا إليه، وتزداد حبًا له، وتزداد افتخارًا بأنك من أتباع هذا النبي العربي العظيم صلوات ربي وسلامه عليه. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من حزبه في الدنيا، وأن يحشرنا مع زمرته في الآخرة، وأن يرزقنا صحبته في جنات النعيم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
حتى لا أطيل، نبدأ إن شاء الله في الجلسة الختامية، ووصلنا إلى قول ابن سيد الناس رحمه الله عليه: فصل في ذكر أزواجه وسراريه عليه الصلاة والسلام. طبعًا هو قال: عليه وعليهن السلام، يعني هل يجوز أن نقول عن صحابي أو عن أمهات المؤمنين عليهن السلام؟ إذا لم يجعل ذلك شعارًا دائمًا أو قيل ذلك تبعًا للنبي صلى الله عليه وسلم يمكن يقبل ذلك، أما أن يجعل شعارًا دائمًا ومنفصلاً لهن هنا تأتي المشكلة، سواء في علي بن أبي طالب أو حتى في زوجات النبي عليه الصلاة والسلام.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا. قال: ذكر أزواجه وسراريه. قال: روى عبد الملك بن محمد النيسابوري بسنده عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تزوجت شيئًا من نسائي ولا زوجت شيئًا من بناتي إلا بوحي جاءني به جبريل عن ربي عز وجل». هذا من الآثار المشهورة في كتب السيرة: ما تزوجت شيئًا من نسائي ولا زوجت شيئًا من بناتي إلا بوحي جاءني جبريل عن ربه. وإن كان على قواعد المحدثين عندهم نظر في إسناده، لكن مما ينقل في كتب السيرة، ولكننا نؤمن عمومًا أن زوجاته صلى الله عليه وسلم كانت بتوجيه من الله سبحانه وتعالى، وهذا يعرفه من ينظر في طبيعة هذه الزواجات، وكيف أنه صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكرًا إلا عائشة، وكان يحرص عليه الصلاة والسلام، كما سيأتي وكما مر معنا؛ لأن هنا نحن نلخص هذه الزواجات، وإلا فقد علقنا عليها في أثناء القراءة، كيف كان أن جل هذه الزواجات كانت من قبائل ومن عشائر ومن رؤساء، حتى من رؤساء اليهود أو من رؤساء بني المصطلق، وكان المراد منها توطيد علاقات.
نعم، قال: فأول من تزوج صلى الله عليه وسلم خديجة، وقد تقدم ذكرها. قال: ثم سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بعد خديجة على الصحيح، ومن الناس من يقول تزوج عائشة قبلها. وأصدق النبي صلى الله عليه وسلم سودة 400. وأمها الشموس بنت قيس بن عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، بنت أخي سلمى بنت عمرو بن زيد أم عبد المطلب. وكانت قبله عند السكران بن عمرو. أمها هي الشموس. طيب، سودة رضي الله عنها كانت متزوجة قبل النبي عليه الصلاة والسلام بشخص اسمه السكران بن عمرو. نعم، قال: وكان قبل عند السكران بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل، وهي أخت سهل وسهيل وسليط وحاطب، ولكل صحبة، وهاجر بها السكران إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، ثم رجع بها إلى مكة فمات عنها، فلما حلت تزوجها عليه الصلاة والسلام في السنة العاشرة من النبوة، وقيل الثالثة.
ذكر كثير من زواجاته صلى الله عليه وسلم مثل زواجه من أم حبيبة ومن سودة فيها نوع من جبر الخواطر، خاصة لمن دفعت ثمنًا كبيرًا؛ يعني أم حبيبة دفعت ثمنًا كبيرًا في الهجرة، وأيضًا سودة دفعت ثمنًا كبيرًا في حياتها الدعوية، وكانت من السابقين إلى الإسلام هي وزوجها السكران. النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن عاد زوجها من الحبشة ومات عنها، جبر خاطرها صلى الله عليه وسلم بهذا الزواج. قال: وماتت بعده بالمدينة آخر خلافة عمر بن الخطاب، وهذا هو المشهور في وفاتها، وابن سعد يقول عن الواقدي توفيت سنة 54 في خلافة معاوية، نعم المشهور أنها توفيت في آخر خلافة عمر.
قال: وكانت قد كبرت عنده صلى الله عليه وسلم فأراد طلاقها، فوهبت يومها لعائشة فأمسكها، وقيل بل طلقها وراجعها، والصحيح الأول، قاله الدمياطي. نعم، الصحيح أنه لم يطلقها عليه الصلاة والسلام. لكن سودة كبرت وكانت ثبط، كما جاء في بعض الروايات، يعني ثقيلة، يعني حتى حركتها كانت صعبة جدًا، بالتالي حتى النبي صلى الله عليه وسلم شعر أنه قد لا يستطيع أن يقوم بحقها لانشغاله بحقوق أخرى، وليس لأن النبي صلى الله عليه وسلم يزهد كما يحاول البعض أن يصور؛ هو رجل فيه من مشاعر الرجال ما فيه، لكن سودة رضي الله عنها كانت ثبط، ثقيلة وتحتاج إلى خدمة، وليس حالها كحال باقي الزوجات.
نعم، شيخنا نعم رأيت بعض الكتاب ينكر القصة ويحكي هذه إثباتها مطعن للنبي صلى الله عليه وسلم. لا، لا يجوز، هذه قصة ثابتة في الصحاح والكتب والمسانيد، ولذلك قضية وهبت يومها لعائشة، هي شعرت بالقرائن. وهل صرح لها في وجهها صلى الله عليه وسلم؟ الأحاديث لم تقل أنه صرح لها في وجهها، لكن هي شعرت من القرائن أنه يمكن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتخلى عنها في لحظة معينة، فوهبت يومها لعائشة. فلذلك ما عندنا حديث أنه صرح لها بذلك، لكن قرائن الأحوال، وما يعرف ربما في طبيعة ذلك المجتمع؛ ربما رأت أحيانًا تعرف بعض النساء تكبر وتصبح صحتها متعبة وتعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم قد لا يكون قادرًا في ضمن ظروف حياته القيام بحقها، أنت عندما تخشى أن تظلم امرأة قد يكون الحل الصحيح أن تردها إلى أهلها، إذا كنت تعرف من ظروف حياتك أنك لا تستطيع أن تقوم بحقها، أليس هذا هو العدل؟ أنت عندك زوجة وأنت لا تستطيع أن تقوم بحقها طبيعة حياتك وظروفك كقائد أعلى مع ظروفها الصحية، وتكون بعض النساء مريضة بالضغط والسكري وعندها أشياء كثيرة، وتعرف أنه هذه تحتاج متابعة يومية، ربما فقد يكون الرحمة بها أن ترد إلى أهلها إذا كان زوجها مشغولًا انشغالًا كبيرًا لا يستطيع أن يقوم بأداء الحق كما ينبغي.
قال: وقال أبو عمر: استنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهمّ بطلاقها، فقالت: لا تطلقني وأنت في حل من شأني، فإنما أريد أن أحشر في أزواجك، وإني قد وهبت يومي لعائشة، وإني لا أريد ما تريد النساء، فأمسكها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي عنها. وإني لا أريد ما تريد النساء تفهمون ذلك، يعني أنني مستغنية، وهذا يسمونها تنازل عن الحق، ويجوز للمرأة أن تتنازل عن حقها إذا رأت أن ذلك يبقيها مع زوجها.
قال: ثم عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها أم عبد الله، تكنّت بابن أختها عبد الله بن الزبير بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لها بذلك. وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر، وقيل بنت عمير بن عامر بن من بني دهمان بن الحارث. كانت تسمى لجبير بن مطعم فسلا أبو بكر منهم وزوّج النبي صلى الله عليه وسلم. قال: تسمى، ما معنى كانت تسمى؟ يعني كانوا يريدون أن يزوجوها لجبير بن مطعم، هكذا دائمًا هذه ربما حتى العادة في مجتمعنا، أنه تأتي بنت صغيرة تقول لك خلاص هذه بدي إياها لابني، وهي صغيرة. عائشة كم كانت؟ ست سنوات لما عقد عليها كعقد، لكن أبا بكر عندما طلبها النبي صلى الله عليه وسلم سلاها منهم وقال أعطيها للنبي الأعلى عليه الصلاة والسلام.
قال: روى أبو معاويه عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بنت سبع سنين، وبني بي وأنا بنت تسع، وقبض عني وأنا بنت ثماني عشرة. طبعًا تزوجني المراد هنا العقد، مطلق العقد، وأما البناء فكان في السنة لما كان عمرها -عفوًا- تسع سنوات في السنة الثانية من الهجرة، والمرأة العربية في السنة عندما تبلغ تسع سنوات تكون قادرة على الزواج والقيام بأعباء الحياة، هكذا كانت المرأة العربية القديمة، ومن يريد أن يعترض على هذا الزواج عليه أن يعود إلى التاريخ ويعرف طبيعة المرأة قبل أن يخوض في شيء لا يعلمه، ولو كان في هذا شيء من المطعن في النبي صلى الله عليه وسلم على طريقة الجرجاني في رسالته، لو كان في هذا مطعن لكان لهم الداعي الكبير كفار قريش لأن يلمزوا بمقامه صلى الله عليه وسلم، وينظروا كيف تزوج فتاة صغيرة لا تصلح للزواج، لو أن ذلك هو عهد القوم وطبيعتهم عربًا وعجمًا لأنكروا عليه، لكن لما لم ينكر عليه ولم ينقل ذلك مع وجود الداعي لهذا؛ على أن هذه قضية معروفة في التاريخ وأن طبيعة المرأة العربية في ذاك السن الزواج سهل.
اليوم للأسف حتى لما يقول عمرها 15 سنة، يا أخي صغيرة، سبحان الله تتكلم عن عمر 15، 16! هي الفكرة ما هي هي ثقافة المجتمع فقط هي التي ترى يا حرام زوج البنت عمرها 15 اليوم، يا حرام زوج عمرها 17. أنت لاحظ كل ما كبر سن الزواج يصبح السن الذي هو أقل محل إنكار من الناس، وأن البنت صغيرة؛ 17 صغيرة، 17 كانت تجيش جيوشًا، يعني 17 هو السن أقل من الطبيعي عند العرب، يعني بالعكس عند العرب ربما 17 خلص عنست البنت عند العرب الأقدمين. فدائمًا لما تحاكم قضية حاكمها لعرف زمانها وليس لعرف زمانك، حتى لعهد قريب ترى هذا الكلام، حتى في قرى فلسطين بنت إذا وصلت 18 تعتبر أنه تأخر زواجها كثيرًا كثيرًا، لذلك هي قضية زمان. فالاعتراض هو اعتراض ناشئ عن إنسان فقط يريد أن يتكلم ويهرب بما لا يعرف وليس اعتراضًا علميًا حقيقيًا يحتاج أن يطول الكلام فيه، لكن مشكلة عوام المسلمين يتاثرون بواقعنا المعاصر، بالتالي لما يسمعوا التسعة، اه والله لا هي البنت! أختي الكريمة أنت اعرفي طبيعة ذاك الزمان قبل أن تشككي.
قال: وتزوجها عليه الصلاة والسلام بمكة في شوال سنة عشر من النبوة، فلما هاجر إلى المدينة بعث زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة يأتيان بعياله سودة وأم كلثوم وفاطمة وأم أيمن وابنها أسامة، وخرج معهم عبد الله بن أيمن باعتبار أنها كانت هي مولاة النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أمة من الإماء ثم أطلقها. قال: وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر أم رومان وعائشة وأسماء، فقدموا المدينة، فأنزلوا في بيت الحارث بن النعمان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يبني مسجده، فلما فرغ من بنائه بنى بيتًا لعائشة وبيتًا لسودة، وأعرس بعائشة في شوال على رأس ثمانية أشهر من مهاجره، وقيل سبعة أشهر، وقيل ثمانية عشر، وكان مقامه في بيت أبي أيوب إلى أن تحول إلى مساكنه سبعة أشهر، وقبض عنها وهي بنت ثماني عشرة، ومكثت عنده تسع سنين وخمسة أشهر. لما مات النبي عليه الصلاة والسلام كانت عائشة عمرها 18 في أوج شبابها، فكانت مستعدة لمقام التعليم، فهي ضبطت حياة النبي عليه الصلاة والسلام وهي بكامل شبابها وكامل ذكائها وتوقدها، فكانت الفقيهة الأعلى من الصحابيات رضوان الله تعالى عليها، والراوية الثانية بعد أبي هريرة رضوان الله تعالى عليه.
قال: ولم يتزوج بكرًا غيرها. يقال أنها أتت من النبي صلى الله عليه وسلم بسقط ولا يثبت، قال: أنها حملت وأسقطت، قبل أن الله أعلم. قال: لا يثبتون ابن سيد الناس.
فضائلها جمة ومناقبها كثيرة، قال عليه الصلاة والسلام: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». الثريد يعني هو مرق معه لحم، يعتبر هذا من أفضل طعامهم، المرق الذي يصب ويكون فوقه اللحم، فيقول: فضل عائشة على سائر النساء كفضل هذه الوجبة، كيف تقول مثلا بالنسبة لأهل الأردن فضل المنسف على سائر الوجبات، كفضل الثريد على سائر الطعام. وقال وقيل له: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قيل: فمن الرجال؟ قال: أبوها. ونزلت براءتها في القرآن، وقبض عليه الصلاة والسلام ورأسه في حجرها ودفن في بيتها.
وقال أبو الضحى عن مسروق: رأيت مشيخة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكابر يسألونها عن الفرائض. الفرائض ما معناها؟ المواريث. تخيلوا كبار الصحابة يسألون عائشة عن مسائل الميراث. وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأياً في العامة. وقال هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت أحداً أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة. وقال الزهري: لو جمع علم جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل. نعم، فعائشة لم تكن فقط فقيهة، كانت أديبة، كانت لغوية، كانت حتى في الحياة العامة يعني خبرة الحياة الطبيعية والطب الشعبي تعرف فيها.
وفيها يقول حسان يمدحها ويعتذر إليها: حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل عقيلة حي من لؤي بن غالب كرام المساعي مجدهم غير زائل مهذبة قد طيب الله خيمها وطهرها من كل بغي وباطل فإن كان ما قد قيل عني قلته فلا رفعت صوتي إلي أناملي وكيف وودي ما حييت ونصرتي لآل رسول الله زين المحافل أتعرف أن حسان من اتهم أنه دخل في الفتنة في حديث الإفك وخاض فيها، غفر الله له. توفيت سنة ست، وقيل سنة سبع، وقيل سنة ثمان وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة ودفنت بالبقيع، يعني سنة ست وخمسين أو سبع وخمسين أو ثمان وخمسين. نزل في قبرها القاسم بن محمد وابن عمه، القاسم بن محمد بن أبي بكر وهو بالتالي ابن أخيها، وابن عمه عبد الله بن عبد الرحمن وعبد الله بن أبي عتيق وعبد الله وعروة بن الزبير، وقد قاربت سبعاً وستين سنة، ومولدها سنة أربع من النبوة.
ثم حفصة بنت عمر بن الخطاب، ولدت سنة أربع من البعثة. أمها قدامة بنت مظعون، وهي شقيقة عبد الله بن عمر، وأسن منه، مولدها قبل النبوة بخمس سنين، كانت تحت خنيس بن حذافة السهمي فتوفي عنها من جراحات أصابته ببدر، وقيل بأحد. سيدتنا حفصة كانت متزوجة بخنيس بن حذافة، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان على رأس ثلاثين شهراً من مهاجره على القول الأول، وبعد أحد على الثاني. وكان عمر قد عرضها على أبي بكر قبل أن يتزوجها عليه الصلاة والسلام فلم يرجع إليه أبو بكر كلمة فغضب من ذلك، ثم عرضها على عثمان حين ماتت رقية فقال: ما أريد أن أتزوج اليوم.
فانطلق، وهذا يدل على أن الرجل الفاضل له أن يعرض ابنته الفاضلة على الرجال الأخيار، مما يستفاد من موقف عمر رضي الله عنه، وهذا مما قد يستحي منه بعض الناس اليوم، لكن هذا فعله كبار الصحابة، أن الرجل الفاضل له أن يعرض ابنته الفاضلة على الأفاضل، من ينتخي أنه يمكن أن يتزوجها، وليس هذا بمنقصة في الرجل، بل من الرجولة فيه أن يسعى في عفاف ابنته. فانطلق عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكى إليه عثمان وأخبره بعرضه حفصة عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يتزوج حفصة خير من عثمان، ويتزوج عثمان خيراً من حفصة». ثم تزوج عليه الصلاة والسلام حفصة، وزوج ابنته أم كلثوم عثمان، جميل هذا.
وطلق عليه الصلاة والسلام حفصة تطليقة ثم راجعها، ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة تطليقة ثم راجعها. وحفصة رضي الله عنها كانت صوامة قوامة، لكنها كانت امرأة غيورة، وهذه الغيرة كانت تجعلها تفتعل مشاكل في الحياة الأسرية الخاصة، تعرف قصتها مع عائشة في موضوع سورة التحريم، يعني ما كانت امرأة سهلة، بالمعروف العام ليست امرأة سهلة. وذلك أن جبريل نزل عليه فقال له: «راجع حفصة، فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة». ومن حديث عقبة بن عامر قال: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة فبلغ ذلك عمر، فحث على رأسه التراب وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها. فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم من الغد وقال: «إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر».
وهذا قد يكون فعلاً من أسباب أن الله سبحانه وتعالى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمراجعة حفصة ألا يكسر ظهر عمر، تخيلوا الرافضة اليوم ماذا سيقولون عن عمر إذا طلقت حفصة؟ سيدنا عمر رضي الله عنه لا يوجد فيه أي خلل، ومع ذلك ألفوا عليه من القصص والمفاسد ما ألفوا، فتخيلوا لو طلقت حفصة! سبحان الله كيف يدبر الله لعباده، واضح أنهم مزعجون يفتعلون من القصص والخرافات ما في ذلك. وقد روي من طريق عمار بن ياسر أنه طلقها ثم راجعها رحمة لعمر، ثم أراد أن يطلقها ثانية، فقال له جبريل: «لا تطلقها فإنها صوامة قوامة». توفيت في شعبان سنة خمس وأربعين بالمدينة، وصلى عليها مروان بن الحكم أمير المدينة، وحمل سريرها بعض الطريق، ثم حمله أبو هريرة إلى قبرها، ونزل في قبرها عبد الله وعاصم بن عمر، وقد بلغت ثلاثاً وستين سنة، وقيل ماتت سنة إحدى وأربعين، وأوصت إلى عبد الله أخيها بما أوصى إليه عمر، وبتصدقت بمال وقفته بالغابة. كان لها أرض في منطقة الغابة بجانب المدينة، فوكلت إلى أخيها عبد الله بن عمر أن يشرف على هذا الوقف وأن يديره.
ثم زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمر بن عبد مناف بن هلال بن عمر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان، كانت تدعى أم المساكين لرأفتها بهم. كانت عند الطفيل بن الحارث فطلقها فتزوجها أخوه عبيدة فقتل يوم بدر شهيداً كما سبق، فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان على رأس أحد وثلاثين شهراً من الهجرة، ومكثت عنده ثمانية أشهر، وتوفيت في آخر شهر ربيع الآخر على رأس تسعة وثلاثين شهراً، مدة زواجها من النبي عليه الصلاة والسلام كانت فقط ثمانية أشهر، وهي الزوجة الثانية التي توفيت في حياته صلى الله عليه وسلم، وصلى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنها بالبقيع، وقد بلغت ثلاثين سنة أو نحوها، ولم يمت من أزواجه في حياته إلا هي وخديجة، وفي ريحانة خلاف.
وقال أبو عمر: كانت قبل النبي صلى الله عليه وسلم عند عبد الله بن جحش حكاه عن ابن شهاب، وقتل عنها يوم أحد فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث ولم تلبث عنده إلا يسيراً شهرين أو ثلاثة. وحكى عن علي بن عبد العزيز الجرجاني أنها كانت أخت ميمونة لأمها، قال: ولم أر ذلك لغيره. ولما خطبها عليه الصلاة والسلام جعلت أمرها إليه، فتزوجها وأصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشاً، والنش نصف أوقية، كان اثنتي عشرة أوقية ونصفاً. وأرادت أن تعتق جارية لها سوداء فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا تعطينها بني أخيك أو أختك من رعاية الغنم».
ثم أم سلمه واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكانت قبله عند أبي سلمه عبد الله بن عبد الأسد، وهما أول من هاجر إلى أرض الحبشة. ولدت له برة سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب، النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغير اسمها إلى زينب لما في اسم برة من التزكية. ووردت له أيضاً سلمة، وهو الذي سالت يده في قصعة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». وشهد أبو سلمه بدراً وأحداً، ورمي بها بسهم في عضده، فمكث شهراً يداويه ثم برأ الجرح، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هلال المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهراً من مهاجره، وبعث معه مائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار إلى قطن وهو جبل بناحية فيد، فغاب تسعاً وعشرين ليلة ثم رجع إلى المدينة، فانتقض جرحه فمات منه لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة أربع، فاعتدت أم سلمه وحلت لعشر بقين من شوال سنة أربع، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال بقين من شوال المذكور.
وأم سلمه من النساء المضحيات، يعني تعرفوا قصة هجرتها مع أبي سلمه، وأظن أننا قصصنا سابقاً دفع ثمن كبير أم سلمه رضي الله عنها في سبيل تضحيتها بدينها، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم. وأبو عمر يقول: تزوجها في شوال سنة اثنتين وليس بشيء؛ لأنه قال في وفاة أبي سلمه إنها في جمادى الآخرة سنة ثلاث، وهو لم يتزوجها إلا بعد انقضاء عدتها من أبي سلمه بالوفاة. وقال لها: «إن شئت سبعت لك وسبعت لنسائي، وإن شئت ثلثت ودرت»، فقالت: بل ثلث. أنتم تعرفون إذا تزوج الرجل امرأة بكراً فالسنة أن يعطيها سبعة أيام خالصة في بداية الزواج، من باب كسر حاجز الحياء بينهم وتأليف قلبه، وإذا تزوج ثيباً فالسنة أن يعطيها فقط ثلاثة أيام.
النبي صلى الله عليه وسلم خير أم سلمه، وهي ثيب لأنها سبق لها أن تزوجت، فقال: تريدين أن أعطيك سبعة وأسبعت لك أطوف على نسائي وأعوض، ولا أعطيك ثلاثاً كما هو الوضع الطبيعي للثيب، وبعد ذلك أطوف خلص تعود اللفة على وضعها الطبيعي، فقالت: لا، خلص، ثلث لي، يعني ثلاثة أيام وتعود اللفة على وضعها الطبيعي. وخطبها عليه الصلاة والسلام فقالت: إني مسنة وذات أيتام وشديدة الغيرة. فقال لما جاء يخطبها النبي عليه الصلاة والسلام ذكرت ثلاث مشاكل، قالت له: يا رسول الله، أولاً أنا امرأة مسنة، أنا كبيرة، ما كانت صغيرة أم سلمه رضي الله عنها، ثانياً ذات أيتام يعني عندي زينب وأبو سلمه وعمر وأولاد الذين جابتهم، والنبي أيضاً، وأنا أيضاً شديدة الغيرة، يعني صعب علي أن يكون لي ضرائر.
وعيالك عيال الله ورسوله، فقال: «أولاً أنا أسن منك، بالتالي ما هي مشكلة قضية أنك مسنة، عمري أكبر من عمرك، وأما عيالك فعيال الله ورسوله، يعني عيالك عيالنا، كيف نحكي نحن عيالك عيالنا، نحن ندير بالنا عليهم، وأدعو الله لك فيذهب عنك الغيرة». فدعا لها فكان كذلك، لم يذكر أنها كان عندها إشكالات الغيرة الموجودة عند أمهات المؤمنين، كان أمهات المؤمنين يذهبن عندها حتى تحل مشكلة الغيرة، يذهبن عندها حتى إذا غارت إحداهن، وكانت امرأة عاقلة، وهي التي أشارت على النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية بما أشارت إليه، فكانت امرأة عاقلة وأيضاً فقيهة، يعني هي بعد عائشة رضي الله عنها في الفقه.
توفيت في خلافة يزيد بن معاوية سنة ستين على الصحيح، وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن مالك بن خزيمة بن علقمة بن فراس، وقد قيل في اسم أم سلمه رملة وليس بشيء. ثم زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد. رملة هي أم حبيبة وليست أم سلمه.
قيل في اسمها إنها رملة، وليس بشيء، بل اسمها هند، وقيل أم حبيبة، وقيل أم رملة. قال: ثم زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، وكان اسمها برة، فسماها زينب، أمها أميمة بنت عبد المطلب، حتى هذه أيضاً كان اسمها برة رضي الله عنها، وغيره إلى زينب بنت أم سلمة. قال: أمها أميمة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت قبله عند زيد بن حارثة مولاه، قال: ثم طلقها، فلما حلت زوجه الله إياها من السماء، تزوجت بوحي من السماء.
قال: سنة أربع، وقيل سنة ثلاث، وقيل سنة خمس، وهي يومئذ بنت خمس وثلاثين سنة، وأولم عليها وأطعم المسلمين خبزاً ولحماً، وفيها نزل الحجاب، وهي التي قال الله في حقها، أو بسبب زواجها كان سبب نزول آية الحجاب، فأمر النساء بالاحتجاب عن الرجال الأجانب. قال: وهي التي قال الله في حقها: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37]، ولما تزوجها تكلم في ذلك المنافقون، وقالوا: حرم محمد نساء الولد، وقد تزوج امرأة ابنه، باعتبار أن النبي صلى الله عليه وسلم تبنى زيد بن حارثة، فكانوا يقولون: كيف يتزوج امرأة ابنه؟
وهنا كان من مقاصد زواجه أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يؤكد إبطال قضية التبني، وأن زيد بن حارثة ليس ابنه، ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: 40]، فزيد ليس ابن النبي عليه الصلاة والسلام، وبالتالي لو طلق امرأة هي حلال له عليه الصلاة والسلام. وقال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 5]، فدعي زيد بن حارثة، وكان يدعى زيد بن محمد.
وكانت تفخر على نساء النبي عليه الصلاة والسلام، وتقول: إن آباءك أنكحوك، وإن الله أنكحني إياه من فوق سبع سماوات، أي جاء الأمر بالزواج مني من فوق سبع سماوات. ولذلك قلت لكم إن الحديث الذي ابتدأ به أنه ما من زوجة إلا وقد أمرني الله بالزواج منها، قد يعترض عليه البعض أنه أصلاً زينب قالت إن الله أنكحني من فوق سبع سماوات، فلو كان سائر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم حالها كحال زينب إن الله أمره بنكاحها، لما كان لها فضيلة في هذا الحديث الذي بدأنا به الفصل، أن ما من امرأة تزوجتها إلا بوحي من الله، فبالتالي يصبح ما في خصيصة لزينب بنت جحش بهذه القضية حتى تفتخر على سائر الزوجات، إلا أن يكون له تأويل آخر في قول: إن آباءك ينكحون، وإن الله أنكحني، قد تكون لها خصيصة زيادة، أو أن الله ممكن يكون مقصده أن الله أنزل زواجها في القرآن، ممكن هذا الذي تقصد محاورة للجمع بين الأحاديث.
قال: وغضب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم لقولها لصفية بنت حيي تلك اليهودية، فهجرها ذي الحجة والمحرم وبعض صفر ثم أتاها. قال: وكانت كثيرة الصدقة والإيثار، وهي أول نسائه لحوقاً به، توفيت سنة عشرين أو إحدى وعشرين، وكانت عائشة تقول: هي التي تساميني في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي كانت تنافس عائشة كما قالوا جمالاً، وحب النبي صلى الله عليه وسلم لها من حيث الجمال، وحب النبي عليه الصلاة والسلام لها كانت زينب. قال: وما رأيت امرأة قط خيراً في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وقال عليه الصلاة والسلام لعمر بن الخطاب في حقها إنها أوّاه. قال رجل: أي رسول الله وما الأوّاه؟ قال: الخاشع المتضرع، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: 114]، أوّاه منيب.
ثم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة، وهو المصطلق بن سعد بن كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء، سباها يوم المريسيع في غزوة بني المصطلق، وقد تقدم ذكرها، وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، كاتبها على تسع أواق، فأدى عليه الصلاة والسلام عنها كتابتها وتزوجها. قال الشعبي: كانت جويرية من ملك اليمين فأعتقها عليه الصلاة والسلام وتزوجها، وقال الحسن: منّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على جويرية وتزوجها، وقيل جاء أبوها فافتداها، ثم أنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك.
لكن خلينا نأخذ القدر المشترك بين جميع الروايات أنها وقعت غنيمة، والمشهور أنها وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها منه. قال: وكان اسمها برة، فحولها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماها جويرية، وهذه الحالة الثالثة التي تمر معنا في هذا الموضوع، ظاهر اسم برة كان اسماً مميزاً عند الجاهليين. وكانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مسافع بن صفوان المصطلقي، وكانت جميلة، قالت عائشة: كان لجويرية عليها ملاحة وحلاوة لا يكاد يراها أحد إلا وقعت بنفسه، وعندما تزوجها عليه الصلاة والسلام، قال الناس: صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا ما بأيديهم من سبايا بني المصطلق، قالت عائشة: فلا نعلم امرأة كانت أكثر بركة على قومها منها؛ لأنها كانت سبباً في عتقهم. توفيت بالمدينة في شهر ربيع الأول سنة ست وخمسين، وصلى عليها مروان بن الحكم وهو أمير المدينة، وقد بلغت سبعين سنة، لأنه تزوجها بنت عشرين سنة، وقيل توفيت سنة خمسين وهي بنت خمس وستين سنة.
ولأبيها الحارث بن أبي ضرار صحبة، وكان قد قدم في فداء ابنته جويرية، بأباعر له بالعقيق، في شعاب، ولم يعترف بهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم عنهما، وقال: والله لم يطلع على ذلك أحد، فأشهد أنك رسول الله، وأسلم.
ثم ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة بن شمعون بن زيد من بني النضير، وبعضهم يقول: الان هذه امرأة فيها خلاف كبير، والمشهور أنها ليست زوجة، ريحانة بنت زيد المشهور أنها ليست زوجة لكن فيها خلاف، لذلك ذكرها ابن سيد الناس، وهي كانت من اليهود، هل هي من يهود بني النضير وقيل من يهود بني قريظة؟ قال: وكانت متزوجة فيهم رجلاً يقال له الحكم، وكانت جميلة وسيمة، وقعت في سبي بني قريظة، وكانت صفيّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تعرفوا النبي عليه الصلاة والسلام كان له في الغنيمة سهم خاص به اسمه سهم الصفي، وهو سهم للنبي عليه الصلاة والسلام، واختلف هل هو أيضاً للخليفة في كل زمان ومكان أم هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ والمشهور أنه من خصائصه، تعرف النبي عليه الصلاة والسلام له خصائص، قيل إنه من خصائصه أن الله أعطاه سهم الصفي، وهو أن يختار من الغنيمة قبل أن تقسم سيفاً أو فرساً أو جارية يصفيها لنفسه صلى الله عليه وسلم، هدية من الله له. فقيل إن ريحانة كانت من الصفي، يعني من هذا السهم من سبي بني قريظة، فخيرها بين الإسلام ودينها، فاختارت الإسلام فأعتقها وتزوجها، وأصدقها اثنتي عشرة أوقية، وأعرس بها في المحرم سنة ست في بيت سلمى بنت قيس النجارية، بعد أن حاضت حيضة، وضرب عليها الحجاب، فغارت عليه غيرة شديدة، فطلقها تطليقة، فأكثرت البكاء، فدخل عليها وهي على تلك الحال، فراجعها، ولم تزل عنده حتى ماتت مرجعها من حجة الوداع سنة عشر. هذا هو القول الأول فيها أنها زوجة وماتت عنده، لذلك تذكر قبل قليل لما قال ريحانة فيها خلاف.
الآن القول الثاني في ريحانة، قال: وقيل كانت مطوعة له بملك اليمين، والأول أثبت عند الواقدي، وأما أبو عمر فقال: ريحانة سرية النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد على ذلك، ووالدها شمعون يأتي ذكره في موالي النبي صلى الله عليه وسلم، وحقيقة هذا هو المشهور خلاف الواقدي، الواقدي جعلها زوجة، ولكن ابن عبد البر كما قال وغيرهم قالوا: هي لم تكن زوجة بل كانت ملك يمين، وقيل هي التي أصلاً وقعت بسببها سورة التحريم: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1]، لما وطئ جارية في بيت إحدى زوجاته، وعائشة وحفصة فعلتا ما فعلتا، قيل إن هذه كانت أن وطئ من هي ملك اليمين التي وطئها وغضبت عليها عائشة وحفصة، ريحانة، فالمشهور أن ريحانة ملك يمين وليست زوجة، وعلى هذا أكثر المؤرخين في السير.
ثم أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، رملة وحبيبة هي رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنه، أبو سفيان الرجل المشهور صاحب المواقف، بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموية، أمها صفية بنت أبي العاص بن أمية، عمة عثمان بن عفان، هجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، فولدت له حبيبة، وبها كانت تكنى، وتنصر عبيد الله هناك، وثبتت هي على الإسلام، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، فزوجه إياها، والتي عقد عليها خالد بن سعيد بن العاص، وأصدقها النجاشي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي عقد عليها، يعني من كان وليها من الرجال، الآن المرأة لما تتزوج تحتاج ولي، فالذي كان وليها خالد بن سعيد بن العاص، يعني هذا يعتبر من أبناء العمومة كما تحكي.
قال: صدقها النجاشي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة دينار، على خلاف محكي في الصداق والعاقد من كان، وبعثها مع شرحبيل بن حسنة، وجهزها من عنده، كل ذلك في سنة سبع، وقد قيل في اسمها هند، وزوجها من النبي صلى الله عليه وسلم، لا في تخليط بين اسم أم سلمة واسم أم حبيبة، قيل أم حبيبة اسمها هند، وأم سلمة اسمها رملة، هذا عكس وقلب، الصحيح أن أم سلمة اسمها هند، أم حبيبة هي رملة.
قال: وزوجها من النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان، وكان صداق مائتي دينار، وقيل أربعة آلاف درهم، وقيل عقد عليها النجاشي، وكان قد أسلم، وقيل إنما تزوجها عليه الصلاة والسلام بالمدينة مرجعها من الحبشة، والأول أثبت في ذلك كله، والأول كله أثبت، عثمان بن عفان لم يتدخل في الموضوع، وهند ليس اسمها، الصحيح أنها تزوجت في الحبشة، وأن الذي زوج هو ابن عمها خالد بن سعيد بن العاص، وأن النجاشي هو الذي أصدقها، وأن اسمها رملة، يعني هو سرت رواية ثانية مختلفة، ثم قال: والصحيح السيناريو الأول يعني، وليس الثاني.
سأل سائل: لفظة عقد عليها ممكن أحياناً تكون بمعنى تزوجها؟ أحسنت، عقد عليها يعني تزوجها، وأحياناً تأتي معنا تولى العقد.
قال: وكان أبو سفيان في حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل له إن محمداً قد نكح ابنتك، فقال: هو الفحل لا يُقدع أنفه، يعني هو في النهاية رجل، يعني تمام يعني ليس عيباً، فهمت ماذا يقول؟ تمام يعني ليس عيباً، هذا رجل عظيم يعني بغض النظر بيني وبينه حرب. وكان أبو عبيدة يقول: تزوجها عليه الصلاة والسلام سنة ست، وليس بشيء، يعني هذا الكلام ليس بصحيح، بل المشهور سنة سبع.
وقد وقع في الصحيح قول أبي سفيان يوم الفتح للنبي صلى الله عليه وسلم: أسألك ثلاثة، فذكر منهم أن تتزوج يا رسول الله أم حبيبة، يعني ابنته، فأجابه عليه الصلاة والسلام لما سأل، وهذا مخالف لما اتفق عليه أرباب السير والعلم بالخبر، وقد أجاب عنه الحافظ، نعم أنه أصلاً مشهور أن أبا سفيان دخل عليها قبل أن يضنّ بالفراش، وقال هل ضننت بالفراش عني؟ فالمشهور أنها كان قبل أن أبو سفيان يطلب منه ذلك. قال: وقد أجاب عنه الحافظ المنذري جواباً يتساق هزالاً فقال: يكون أبو سفيان ظن أن بما حصل له من الإسلام تجددت له عليها ولاية، فأراد تجديد العقد يوم ذاك لا غير، طبعاً هو يقول ابن سيد الناس إنه هذا.
الجواب تبع المنذري ما معنى يتساوق هزله؟ جواب هزيل ضعيف ما كان ينبغي للمنذري أن يدخل فيه. إنه بعد أن أسلم أبو سفيان أراد أن تكون له وجاهة، فأراد أن يجدد العقد من جديد؛ فلذلك لما عرض ابنته على النبي صلى الله عليه وسلم، فعل ذلك فقط من باب تجديد العقد حتى تكون له عزة وأنفة في الإسلام. فابن سيد الناس يقول: أيها المنذري ما كان ينبغي أن تخوض في هذا كله؛ هذا جواب هزيل.
قال: توفيت أم حبيبة سنة 44، وبعد موتها استلحاق زياد. من هو زياد؟ كان لا يعرف له أب؛ كان يسمى زياد بن أبيه، تمام، لكنه هو فعلياً كان من أبي سفيان، فعله أبو سفيان في الجاهلية. فلذلك لأنه هذا في الجاهلية، فبالتالي الأصل أن يلحق بأبيه في هذه القضية. هو صح اسمه زياد بن أبيه، لكنه حسب على أبي سفيان في النهاية، مع أن أبا سفيان ما كان معترفاً به ويقول: أنا ما لي علاقة بهذا، لكن معاوية كان يعرف أنه من أخطاء أبي سفيان.
إذاً توفيت أم حبيبة سنة 44، وبعد موتها كان استلحاق زياد أنه من فعل أبيه. نعم، قال: والأول أشبه، وقيل قبله. والأول أشبه أنه تحرج من دخوله عليها، وكان الذي جسره على استلحاق إياه الأبيات التي لأبي سفيان يخاطب بها علياً:
أما والله لولا خوف واشٍ يراني يا علي من الأعادي لأظهر أمره صخر بن حرب ولم تك المقالة عن زياد فقد طالت مجاملتي ثقيفاً وتركي فيهم ثمر الفؤاد
إذاً هو واضح أنه نوع من الحياء وليس نوعاً آخر، وأبو سفيان كان يعرف حقيقة زياد.
نعم، قال: ثم صفية بنت حيي بن أخطب بن سعية بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النضير بن النحام بن حومة من بني إسرائيل من سبط هارون بن عمران عليه الصلاة والسلام. كان أبوها سيد بني النضير وقد قتل مع بني قريظة. وأمها برة بنت سموأل أخت رفاعة بن سموأل القرظي، وكانت عند سلام بن مشكم، ثم خلف عليها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق الشاعر النضري، فقتل عنها يوم خيبر ولم تلد لأحد منهما شيئاً. فاصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه، فأعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها.
وبعض العلماء يعد ذلك من خصائصه عليه الصلاة والسلام. هل يجوز أن يجعل العتق للأمة صداقاً لها؟ بعض العلماء يقول: نعم يجوز ذلك قياساً على فعل النبي عليه الصلاة والسلام. والبعض يقول: لا، العتق لا يكون صداقاً، وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم؛ جعل مجرد إعتاق للجارية صداقاً، وإلا فأنت إذا أعتق أمة ثم أردت أن تتزوجها يلزمك مهر كامل، ولا يعتبر العتق صداقاً في حق غيره.
نعم، قال: وكانت جميلة لم تبلغ 17 سنة. روى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى صفية بنت حيي بسبعة أرؤس، وخالفه عبد العزيز بن صهيب وغيره عن سبعة أرؤس؛ يعني مقابل سبع سبايا اشترى صفية، وهذه رواية أخرى طبعاً مختلفة. هل هي من الصفي، أم أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتراها من رجل من الصحابة وقعت في سهمه؟ بسبعة إماء أو سبعة عبيد بمبادلة.
نعم، قال: وخالفه عبد العزيز بن صهيب وغيره عن أنس فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جمع سبي خيبر جاءه دحية الكلبي فقال: أعطني جارية من السبي. قال: اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية بنت حيي، فقيل يا رسول الله إنها سيدة قريظة والنضير وإنها لا تصلح إلا لك. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: خذ جارية من السبي غيرها. وبالتالي تكون لم تتم مبادلة مالية عليها، بل هي من البداية أخذها عليه الصلاة والسلام، لأن هكذا هو العرف العربي في التعامل مع بنات الزعماء؛ أنها لو وقعت في السبي، فالأصل أن تذهب إلى الزعامات إلى القيادة من باب الاحترام، ولو كانت سبية في النهاية.
نعم، قال: وقال ابن شهاب: كانت مما أفاء الله عليه فحجب، وأولم عليها بتمر وسويق، وقسم لها. وهذا يدل على أن وليمة العرس لا يشترط أن تكون لحماً؛ يعني بالنسبة لزينب مر معنا أولم عليها بلحم، لكن هنا مثلاً الوضع المادي لم يكن في أفضل أحواله، فأولم عليها النبي صلى الله عليه وسلم بتمر وسويق، ممكن تكون وليمة الغداء شيئاً فيه شعير ومعجنات وأشياء عادية، مش لازم تكون دائماً لحماً، فالإنسان على حسب المتوفر، المهم أن تحقق هذه السنة.
نعم، قال: ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على صفية وهي تبكي، فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: بلغني أن عائشة وحفصة تنالان مني وتقولان: نحن خير من صفية، نحن بنات عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه. قال: ألا قلت لهن: كيف تكون خيراً مني وأبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: وكانت صفية حليمة عاقلة فاضلة. قال أبو عمر: روي أن جارية لها أتت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالت: إن صفية تحب السبت وتصل اليهود. فبعث إليها عمر فسألها، فقالت: أما السبت فإني لم أحبه منذ أبدلني الله به يوم الجمعة، وأما اليهود فإني لي فيهم رحماً فأنا أصلها. نعم، ثم قالت لجاريتها: ما حملك على ما صنعت؟ قالت: الشيطان. قالت: اذهبي فأنت حرة. وهذا يدل على أن الإنسان له أن يتعامل بأخلاق مع أقاربه الكفار، يعني الإسلام لا يمنع أنك تعامل أقاربك الكفار باحترام وأخلاق، بل يمكن أن تهدي لهم هدايا، وليس هذا من الموالاة المحرمة في شيء، بل هذه من صلة الرحم العامة.
نعم، قال: وكانت صفية قد رأت قبل ذلك أن قمراً وقع في حجرها، فذكرت ذلك لأبيها فضرب وجهها ضربة أثرت فيه، وقال: إنك لتمدين عنقك إلى أن تكوني عند ملك العرب. فلم يزل الأثر في وجهها حتى أتي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عن ذلك فأخبرته الخبر.
نعم، قال: وماتت صفية سنة 50 في رمضان، وقيل سنة 52، ودفنت بالبقيع، وتركت 100 ألف درهم قيمة أرض وعرض، وأوصت لابن أختها بالثلث، وكانت يهودية.
قال: ثم ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رؤيبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة. وكان اسمها برة، فسماها ميمونة، زوجها إياها العباس عمه، وكانت خالة ابن عباس، وهي أخت لبابة الكبرى أم بني العباس؛ اللي هي أم الفضل. بنقول هي أخت أم الفضل، يعني العباس زوجته من زوجات العباس عبد الله بن المطلب، أم الفضل لبابة وأختها ميمونة، فلذلك هي خالة عبد الله بن عباس لأنها أخت أمه.
نعم، قال: وهي أخت لبابة الكبرى أم بني العباس، ولبابة الصغرى أم خالد بن الوليد، وعصماء وعزة وأم حفيد، هزيلة لأب وأم، وأخواته لأمهن أسماء وسلمى وسلامة بنات عميس، وزاد بعضهم زينب بنت خزيمة، وأمهن هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حماطة الحميرية. يعني هن في أربع أخوات ميمونة بنت الحارث، ولبابة الكبرى، ولبابة الصغرى، وعصمة، ومش أربعة كمان أكثر، وعزة وأم حفيد، هذول الست أخوات شقيقات لأب وأم، ومعهم أيضاً أخوات لأم هن أسماء وسلمى وسلامة بنات عميس؛ فبالتالي بيطلع مجموعهم تسعة، لكن ست شقيقات وثلاثة لأم.
نعم، قال: وكانت ميمونة في الجاهلية عند مسعود بن عمرو بن عمير الثقفي، ففارقها، وخلف عليها أبو رهم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي. توفي عنها فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال سنة سبع، وفيها اعتمر عمرة القضاء في ذي القعدة. وقد اختلفت الرواية هل تزوجها عليه الصلاة والسلام وهو محرم أو وهو حلال؟ نعم تزوج في عمرة القضاء، وهي التي كانت بعد صلح الحديبية بسنة، وصارت القصة الطويلة أنه هل تزوج وهو محرم؟ هل تزوج وهو حلال؟ والصحيح أنه تزوجها وهو حلال، لأن المحرم لا يتزوج، وليس لم يثبت أنه من خصائصه أنه يتزوج وهو محرم.
نعم، قال: فلما قدم مكة أقام عليه الصلاة والسلام بها ثلاثة، فجاءه سهيل بن عمرو في نفر من أصحابه من أهل مكة، فقال: يا محمد اخرج عنا، اليوم آخر شرطك. نعم، المشترط عليه إذاً في عمرة القضاء أن تكون مدة إقامته في مكة كم؟ فقط ثلاثة أيام ثم يغادر، هكذا كان بنود صلح الحديبية أنه في عمرة القضاء بتدخل تعتمر ثلاثة أيام وتخرج، ففي نهاية اليوم الثالث جاء سهيل بن عمرو قالوا: يا محمد صلى الله عليه وسلم، يعني على آخر شرطك اليوم تكون طالع بره مكة. طيب فقال: يا محمد اخرج عنا، اليوم آخر شرطك. فقال: دعوني أبتني بامرأتي وأصنع لكم طعاماً. فقال: لا حاجة لنا بك ولا بطعامك، اخرج عنا. فقال سعد: يا عاض بظر أمه، أرضك وأرض أمك دونه لا يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يشاء. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعهم، فإنهم زارونا لا نؤذيهم.
قال: فخرج فبنى بها بسرف حيث تزوجها، وهناك ماتت في حياة عائشة سنة 51، وقد بلغت 80 سنة. وقد قيل في وفاتها غير ذلك. وهذه العبارة تحت واضح في الهامش: زارونا، يعني في مشكلة في حتى في روايتها في الهامش، أزارونا وفي رواية لعله أزارونا وفي رواية زارونا، وكتب هامشها في الحاشية: الزوار، يعني أخرجونا، يعني الظاهر أن العبارة مشكلة. طيب، فخرج فبنى بها بسرف، منطقة سرف بين مكة والمدينة، وهذا هو المشهور أنه في خيمة له بنيت في منطقة سرف بنى بميمونة بنت الحارث.
نعم، قال: هناك ماتت في حياة عائشة سنة 51، وقد بلغت 80 سنة وماتت هناك، سبحان الله يعني ميمونة بعد سنوات وهي في طريقها ربما في سفر ماتت في نفس المنطقة التي تزوج فيها النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وقد بلغت 80 سنة، وقيل في وفاته غير ذلك، وهي آخر من تزوج عليه الصلاة والسلام. وقال ابن شهاب: هي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا غير مشهور، الهبة نفسها لم يتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام.
قال: وقال السهيلي: لما جاءها الخاطب وكانت على بعير، رمت نفسها من على البعير وقالت: البعير وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فهؤلاء نساؤه المدخول بهن اثنتا عشرة امرأة، من هن ريحانة على اعتبار ريحانة تكون الزوجات 12، بدون اعتبار ريحانة 11. نعم، قال: وقد ذكرنا الخلاف فيها، ومات عليه الصلاة والسلام عن تسع منهن.
قال الحافظ أبو محمد الدمياطي: وأما من لم يدخل بها، ومن وهبت نفسها له، ومن خطبها ولم يتفق تزويجها فـ 30 امرأة، على اختلاف في بعضهم والله أعلم.
قال المؤلف: ولنذكر من تيسر لنا ذكره من هؤلاء على سبيل الاختصار. هنا سريعا سيذكر كل امرأة عقد عليها ولم يدخل بها أو خطبها، يعني طلبها من أهلها، خطب هنا طلبها من أهلها، لكن لم يحصل اتفاق على الزواج، تمام، أو وهبت نفسها له ولم يردها النبي صلى الله عليه وسلم. وهؤلاء لا يعتبرن من أمهات المؤمنين. هذه الأصناف الثلاث: من عقد عليها وطلقها قبل أن يدخل بها، أو جرى حديث على أن يتزوجها ولكنه بعد ذلك لم يتم، أو وهبت نفسها ولم يقبلها النبي صلى الله عليه وسلم، كل هؤلاء لا يعتبرن من أمهات المؤمنين.
سريعاً مثل: أسماء بنت الصلت السلمية، وأسماء بنت النعمان بن الجون بن شراحيل، وقيل بنت النعمان بن الأسود بن حارثة بن شراحيل من كندة، وأسماء بنت كعب الجونية ذكرها ابن إسحاق من رواية يونس بن بكير عنه، ولا أراها والتي قبلها إلا واحدة. يعني هن نفسها هي نفسها جعل جعلهن اثنتين خطأ.
نعم، قال: وجمرة بنت الحارث الغطفاني خطبها عليه الصلاة والسلام من أبيها، فقال: إن بها سوءاً، ولم يكن، فرجع فوجدها قد برصت. وأميمة بنت شراحيل لها ذكر في صحيح البخاري فقيل إن بها سوءاً ولم يكن، تمام، فوجدها قد برصت؛ يعني أصابها البرص. كان هذا الشيخ لم يكن، ولكنه حصل بسبب قول أبيها؛ يعني الذي يظهر لي أن جمرة بنت الحارث خطبها النبي صلى الله عليه وسلم، فأباها أنف أن يزوجها للنبي صلى الله عليه وسلم، أباها أنف، لم يرد، الله أعلم يعني. استغربت لما فقال إن بها سوءاً، يعني أراد أن يعتذر من النبي صلى الله عليه وسلم، قال: والله البنت فيها مرض، ولم يكن هذا المرض فيها، فرجع إليها فوجدها قد ابتليت بمرض، تمام، سبحان الله.
نعم، قال: وحبيبة بنت سهل الأنصارية التي اختلعت من ثابت بن قيس، كان النبي صلى الله عليه وسلم أراد.
أن يتزوجها ثم تركها فتزوجها ثابت، قاله ابن الأثير. وخولة بنت الهذيل بن هبيرة بن القبيص بن الحارث بن حبيب التغلبي؛ ذكرها أبو عمر عن الجرجاني. وخولة أو خويلة بنت حكيم السلمية؛ كانت امرأة فاضلة صالحة، تُكنى أم شريك، قيل: هي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد تكونان اثنتين، فالله أعلم. قال: وسن بنت الصلف، وهي عند أبي عمر بنت أسماء بن الصلف، وقيل: أسماء أخ لها، قيل تزوجها أسماء -طبعاً هذا اسم شخص رجل مش اسم امرأة- قيل تزوجها ثم طلقها، وقيل ماتت قبل أن تصل إليه، وقيل لما علمت أنه عليه الصلاة والسلام تزوجها ماتت من الفرح.
قال: وسودة القرشية كانت مصبية، خطبها عليه الصلاة والسلام فاعتذرت ببنيها، وكانوا مصبية، إيش يعني مصبية؟ عندها صبيان كثر نعم. قال: وكانوا خمسة أو ستة، فقال لها خيراً، قال لها خيراً يعني عرف عذرها وأقر خمس وست حمولة.
قال وشراف بنت خليفة أخت دحية الكلبي، تزوجها فهلكت قبل دخوله بها. وصفية بنت بشامة بن نضلة أخت الأعور بن بشامة، أصابها سبي فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن شئت أنا، وإن شئت زوجك». قالت: الزوج، فأرسلها فلعنت بنو تميم.
قالت: العالية اخترت زوجك على النبي عليه الصلاة والسلام. قال: والعالية بنت ظبيان بن عمر بن عوف بن عبد بن أبي بكر بن كلاب، تزوجها عليه الصلاة والسلام وكانت عنده ما شاء الله، ثم أصابها سبي، يعني وقعت في السبي، فخيرها النبي بين أن تبقى عنده وبين أن ترجع إلى زوجها، قالت: لا أرجع إلى زوجي، نعم. قال: وكانت عنده ما شاء الله ثم طلقها، قاله أبو عمر وقال قل من ذكرها. وعمرة بنت يزيد بن الجون الجابية، تزوجها فبلغه أن بها برصاً فطلقها ولم يدخل بها، وقيل هي التي تعوذت منه، فقال لها: «لقد عذت بمعاذ»، فطلقها وأمر أسامة فمتعوهن. وعمرة بنت معاوية الكندية ذكرها لأنه طلقها قبل أن يفرض لها صداقاً.
قال وأم شريك العامرية، قال ابن عبد البر: اسمها غزية بنت دودان بن عوف بن عامر بن رفاعة بن حجر، ويقال حجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي، يقال هي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد قيل ذلك في جماعة سواها، يعني واضح أن الواهبة نفسها منطقة خلافية؛ يعني أعطي على أكثر من امرأة أنها الواهبة، واضح أنها مش قضية متفق عليها.
أم شريك بنت جابر الغفارية ذكرها أحمد، هي أم شريك الثالثة التي تمر معنا التي لقبت بأم شريك، وكان يراد الزواج منها ولم يتم ذلك. قال ذكرها أحمد بن صالح في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. فاختة بنت أبي طالب بن عبد المطلب؛ خطبها عليه الصلاة والسلام لأبيها عمه أبي طالب، وخطبها هبيرة بن أبي وهب، فزوجها أبو طالب من هبيرة.
فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي؛ تزوجها وخيرها حين نزلت آية التخيير، واختارت الدنيا ففارقها، فكانت بعد ذلك تلقط البعر وتقول: أنا الشقية اخترت الدنيا، حكاه عمر ورده. وقيل التي كانت تقول أنا شقية هي المستعيذة، من المستعيذة من؟ هي عمرة بنت الجون التي مرت معنا قبل قليل، التي قالت أعوذ بالله منك، طبعاً هي قالت ذلك بسبب حيلة من عائشة وأمهات المؤمنين، يعني هم اللي قالوا لها إن النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يقال ذلك، فوقع في كيسها والهي ما كانت تقصد ذلك ابتداء.
قال فاطمة بنت شريح، قال ابن الأمين ذكرها أبو عبيدة في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. قال قتيلة ابنة قيس بن معدي كرب أخت الأشعث، تزوجها قبل موته بيسير ولم تكن قدمت عليه ولا رآها قبل، وأوصى أن تُخير؛ فإن شاءت ضرب عليها الحجاب وحرمت على المؤمنين، وإن شاءت طلقت ونكحت من شاءت، فاختارت النكاح فتزوجها بعده عكرمة بن أبي جهل.
قال وليلى بنت الخطيم؛ وهذا -شوف- وهذا النص يدل على -جيد أن يعرف الإنسان نفسه تمام- أن النبي صلى الله عليه وسلم هو إذ هو تزوجها قبل وفاته وقال إنها ستعامل معاملة أمهات المؤمنين، طبعاً ما معنى تعامل مع أمهات المؤمنين؟ أنه خلاص لا في زواج بعد النبي عليه الصلاة والسلام. قد تكون هي عرفت نفسها أنها قد تحتاج للزواج، فهي قالت: لا أنا قد لا أطيق مثل هذا الحكم، فما دمت مخيرة خلاص لا، أعفوني من هذا واجعلوني أستطيع أن أتزوج. هذا أقول أحياناً الإنسان قد يعرف نفسه أنه لا يطيق حكماً معيناً، وله خيار، طبعاً هناك خيار، ولا يطيق حكماً معيناً ويرى أن هذا فوق إمكانياته، فيرضى بنفسه بالمعقول، وهذا جيد في الإنسان التبصر بالنفس. فهي لما قيل لها نضرب عليك الحجاب وتعتبر من أمهات المؤمنين، أو إن شاءت طُلقت ونكحت من شاءت، يعني خلاص يطلقك النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يدخل بك وبالتالي لا تعتبري من أمهات المؤمنين وبعد وفاته تستطيعين أن تنكحي من شئت. يعني هي قد تكون استبصرت في نفسها أنها تحتاج الزواج، فتقول: لا، ألا أتزوج بعد النبي صلى الله عليه وسلم قد يكون هذا فوق طاقتي، فبالتالي لا أختار، أن يطلقني ما دام لم يرني ولم يدخل بي أختار أن يطلقني وأستطيع أن أنكح بعده وأعيش.
قال وليلى بنت الخطيم أخت قيس الأنصارية، عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم فتزوجها ثم رجعت فقالت: أقلني، فقال: «قد فعلت». قال مليكة بنت داوود، ذكر ابن حبيب قال: مليكة بنت كعب الليثي تزوجها، وقيل دخل بها وقيل لم يدخل. قال هند بنت يزيد بن البرصاء من بني أبي بكر بن كلاب، ذكرها أبو عبيدة في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وقال أحمد بن صالح: هي عمرة بنت يزيد، وقال أبو عمر: فيه نظر لأن الاضطراب فيه كثير جداً.
وأما سراريه فكن أربعة؛ مارية بنت شمعون القبطية أم ولده إبراهيم، وكانت من حفن من كورة أنصنا من صعيد مصر، يعني منطقة من مصر. أهداها له المقوقس ومعها أختها سيرين، وألف مثقال وعشر ثياب من قباطي مصر، والبغلة الشهباء دلدل، وحمار أشهب يقال له يعفور أو عفير، وخصي يسمى مابور، قيل إنه ابن عمها. خصي يعني عبد خصي، والعبد الخصي هذا أغلى من العبد غير الخصي؛ ليه هكذا؟ طبعاً لا تسألني أنت قانون، بعض الناس يقول لك شو عبد؟ بعض الناس قد يسمعنا يقول لك شو القصص هذه؟ هذاك عرف زمانهم وعرف ملوك الأرض والحياة الاجتماعية، فالعبد الخصي الذي لا يكون لديه شهوة، وهذا يفضل أنه يدخل على النساء بسهولة لأنه لا يفكر فيهن ببعد مختلف. ومن عسل بنها، فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم العسل، ودعا في عسل بنها بالبركة؛ بنها منطقة أظن معروفة الآن في مصر، أليس كذلك؟ فولدت له عليه الصلاة والسلام مارية إبراهيم، وقد تقدم ذكره.
قال وريحانه بنت يزيد النضرية، ريحانة التي وقع فيها الخلاف والصحيح أنها من السراري. وقال أبو عبيدة: كان له أربع؛ مارية وريحانة وأخرى جميلة أصابها في السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش. وقال قتادة: كان للنبي صلى الله عليه وسلم ولدان؛ مارية وريحانة، وبعضهم يقول ربيحة الرضية. إذاً هو -شوف- إذا هو قال: وأما سراريه فكن أربعة، هو ذكر المشهورات، المشهورات هن حقيقة اثنتين؛ ريحانة ومارية هما المشهورات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعاشرهن، الآن أبو عبيدة أضاف على مارية وريحانة، قال وأخرى جميلة أصابها في السبي، وجارية وهبتها له زينب ابنة جحش؛ وكان يطؤها عليه الصلاة والسلام، فبالتالي هكذا يصبح أربعة. وأما المشهورات منهن كأسماء فهي ريحانة وماريا القبطية.
ذكر خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنس بن مالك الأنصاري، وهند، وأسماء ابن حارثة الأسلمي، طبعاً المقول "الخدم" ليس عبداً أو لا يشترط أن يكون عبداً، خلينا نقول خادم النبي صلى الله عليه وسلم بعضهم كان من أحرار الصحابة، بل أكثرهم كانوا من أحرار الصحابة. قال وربيعة بن كعب الأسلمي، وكان الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «سل»، فقال: أسألك مرافقتك في الجنة، وربيعة بن كعب.
وكان عبد الله بن مسعود صاحباً عليه، المسؤول عن نعل النبي صلى الله عليه وسلم، كلما خرج ودخل يأتيه بالنعل، كان إذا قام ألبسه إياهما، وإذا جلس جعلهما في ذراعه حتى يقوم. وكان عقبة بن عامر الجهني صاحب بغلته يقود بها في الأسفار، وأسلم بن شريك صاحب راحلته، إذاً في شخص للبغلة وفي شخص للراحلة، والراحلة هي الجمل يعني.
وبلال بن رباح المؤذن، وسعد مولى أبي بكر الصديق، وأبو الحمراء قيل اسمه هلال بن الحارث، وقيل هلال بن ظفر، وحديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يمر ببيت علي وفاطمة فيقول: السلام عليكم أهل البيت، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33]. وذو مخمر ابن أخي النجاشي أيضاً من خدمه، يقال ابن أخي النجاشي ويقال ابن أخته، ويقال ذو مخبر بالباء. وبكير بن شداخ الليثي، ويقال بكر وأبو ذر الغفاري، ورزينة امرأة حديثها عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل يوم عاشوراء عند أهل البصرة.
وأربد، كان كذا وجدته فيهم غير منسوب، وقد ذكر إبراهيم غير منسوب يعني لا يعرف من والده، وقد ذكر إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق فيمن هجر إلى المدينة أربد بن حمير، فهل هو ولا ليس هو الله أعلم، لكن في شخص كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم اسمه أربد.
والأسود بن مالك الأسدي اليمني، وأخو الحدرجان بن مالك، وجزء بن الحدرجان، ذكرهم ابن منده. قال وثعلبة بن عبد الرحمن الأنصاري؛ له حديث حسن طويل من طريق المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر، قال: كان فتى من الأنصار يحف برسول الله صلى الله عليه وسلم ويخدمه، يحف يعني حوله، ويحدثه أنه مر بباب رجل من الأنصار فأطلع فيه، فوجد امرأة الأنصاري تغتسل فكرر النظر، وذكر باقي الحديث في توبة الرجل. تعرفون هذا الرجل؟ قيل إنه تاه في الجبال ودخل، ولكن القصة فيها ضعف حقيقة، قصة نظر إلى امرأة تغتسل وتاه في الجبال ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبكي، قصة مشهورة لكن فيها ضعف.
ذكره أبو محمد الرشاطي وقال: أغفله أبو عمر ولم ينبه عليه ابن فتحون، وقد رأيت عن أبي حاتم البستي قال: إذا علبت هذا مات خوفاً من الله في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو إشارة إلى هذا الحديث. إشارة لأنه قيل إنه بعد أن تاه في الجبال وبسبب بكائه على معصيته أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبكي، وقيل إنه مات خوفاً من الله، يعني هي القصة أدت إلى موته بسبب كثرة بكائه وحسرته على معصيته.
وسالم خادمه عليه الصلاة والسلام، وبعضهم يقول مولاه، ومنهم من يقول هو أبو سلمى راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر بعضهم سلمى خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل هو سليم المذكور. هذا باب الخدم حقيقة والموالي فيها خلافات كثيرة، يعني كثير منها لا يصفو لك فيه شيء واضح أن تجزم به. وسابق ذكره أبو عمر، شخص اسمه سابق وقال روي عنه حديث واحد من حديث الكوفيين اختلف فيه على شعبة ومسعر، والصحيح فيه عنهما ما رواه شيم وغيره عن أبي سفيان عن سابق بن ناجية عن أبي سلام خادم النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح سابق في الصحابة والله أعلم.
اعلم، والحديث الذي أشار إليه عن أبي سلام، خادم رسول الله ﷺ، عن رسول الله ﷺ قال: «ما من عبد يقول حين يمسي وحين يصبح ثلاث مرات: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، إلا كان حقا على الله أن يرضيه يوم القيامة».
قال أبو عمر: ومن قال في أبي سلام إذاً سابق بن ناجية، هو يروي عن أبي سلام، فبالتالي هو ليس صحابيا أصلا؛ لذلك هو ذكر الحديث. قال: اختلف فيه على شعبة ومسعر، والصحيح أن سابق يروي عن أبي سلام، وأبو سلام هو خادم النبي ﷺ، لذلك قال: ولا يصح إذاً سابق من الصحابة.
قال أبو عمر: ومن قال في أبي سلام هذا أبو سلامة فقد أخطأ، وهو أبو سلام الهاشمي، ذكره في الصحابة وفي خدم النبي ﷺ. خليفة بن خياط، نعم، وصفية؛ قال: وصفية خدمت النبي ﷺ، روت عنها أم هانئ بنت أبي طالب في الكسوف مرفوعة، قاله ابن عبد البر، وهنا لم ينسب صفية بنت من، لم يذكر بنت من.
قال: ومهاجر مولى أم سلمة، روى أبو عمر من حديثه قال: خدمت رسول الله ﷺ خمس سنين، لم يقل لشيء صنعته لما صنعته، ولا لشيء تركته لما تركته، وهذا يشبه حديث أنس بن مالك.
قال: ونعيم بن ربيعة بن كعب، ذكر عن ابن منده وأبي نعيم وأبي عبيد، قال أبو عمر: قيل خادم رسول الله ﷺ، وقيل مولاه، لا أقف على اسمه، اسمه أبو عبيد خادم النبي ﷺ، وقيل ليس خادما بل هو أيضا من مواليه عليه الصلاة والسلام، وعبيدة.
قال: ومن النساء سوى من تقدم، ممن خدم النبي ﷺ من النساء سوى من تقدم: أم هانئ بنت أبي طالب، وهي التي مرت معنا أنها كانت تروي عن صفية، وقد تقدم ذكر أمها. روت عنها أم هانئ بنت أبي طالب.
قال: وخولة جدة حفص بن سعيد، إذا هذه أم هانئ بنت أبي طالب، إذا هي ابنة صفية، إذا وصفية خدمت النبي ﷺ روت عنها أم هانئ بنت أبي طالب، إذا هذه تكون ابنتها.
قالوا: من النساء ممن خدم النبي ﷺ أم هانئ بنت أبي طالب، وقد تقدم ذكر أمها، أين أمها؟ أظن في بداية الصفحة التي هي صفية لما ذكرناها قبل قليل. وخولة جدة حفص بن سعيد ذكرها أبو عمر، وقال لها حديث في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: 1-2]، ليس إسناده مما يحتج به. وماريا أم الرباب أيضا، هذه امرأة أخرى لها حديث عند البصريين، ذكرهما كلتاهما أبو عمر، دائما أبو عمر -من هو؟ ابن عبد البر اتفقنا عليه- وذكر حديثيه، وما قال في الثانية وهي ماريا أم الرباب، لا أدري أهي التي قبلها أم لا. لاحظوا حتى مع كثرة الأسماء يصبح المؤرخ نفسه يستشكل، يعني هل ماريا أم الرباب هي نفسها ماريا جدة ولا هي واحدة أخرى؟ فتصبح بعض القضايا تحريرها صعبا جدا.
قال: ذكر موالي رسول الله ﷺ، ابن حارثة، ابني شراح، المولى من كان عبدا ثم أعتق، فإنه يصبح ماذا؟ يسمى علاقتك بينك وبينه علاقة ولاء، كان عبدا لك ثم أعتق.
قال: وابنه أسامة بن زيد، أولهم زيد بن حارثة كان عبدا للنبي ﷺ وتبناه، ثم حرم الإسلام التبني، والنبي ﷺ جعله حرا فأصبح فقط مولى له. قال: وأخوه لأمه أيمن بن عبيد، ابن أم أيمن، استشهد أيمن يوم حنين، وكان على مطهرة النبي ﷺ.
أخوه لأمه، يعني الآن زيد بن حارثة مولى للنبي ﷺ، وابنه أسامة بن زيد، هو الآن يعطيك معلومات، يعني هو لا يصد أن أسامة بن زيد مولى لأمه، هو من زيد بن حارثة، أنا أعطيك معلومات عنه: ابن أسامة بن زيد، وأخو أسامة بن زيد لأمه. الآن أسامة بن زيد ابن من؟ أم أيمن، حاضنة النبي ﷺ، زيد بن حارثة تزوج أم أيمن حاضنة النبي ﷺ، فأنجبت له أسامة، لكن أم أيمن كانت متزوجة قبل زيد بن حارثة، وكان لها ابن قبلهم اسمه أيمن؛ لذلك أصلا هي كنيتها أم أيمن، وهذا الوضع الطبيعي، يعني اسمها أم أيمن إذا لها ابن اسمه أيمن. من أين جاء أيمن هذا؟ مش ابن زيد بن حارثة، هذا من رجل آخر كانت متزوجة، لأن هي كانت أصلا تحت عبد الله، يعني هي كانت أم لعبد الله، وأرث النبي ﷺ عبد الله، فمات عبد الله فورثها النبي ﷺ، فهذا واضح أنه حتى هي من القديم كانت متزوجة فيما يظهر لي، وكان عندها ابن اسمه أيمن من زوج، ثم بعد ذلك تزوجت زيد بن حارثة وأنجبت له أسامة، فبالتالي أسامة له أخ من أمه اسمه أيمن، أي يشتركان في الأم.
أخوه لأمه أيمن بن عبيد، ابن أم أيمن، والله مشكلة هذا لأنه والمشهور أنه زيد بن حارثة تزوج أم أيمن فأنبت له أسامة، وهي لها ابن اسمه أيمن، فيكون هو أخوه لأمه، يعني هذه أحتاج فيها إلى نظر.
كان على مطهرة النبي ﷺ المسؤول عن وضوئه وعن النظافة. قال: وأسلم بن عبيد، وأبو رافع، واسمه أسلم وقيل إبراهيم وقيل هرمز، وكان للعباس بن عبد المطلب، وقيل كان لسعيد بن العاص، وأبو أحيحة، وأبو رافع أيضاً والد الباهي بن أبي رافع، وقيل كان اسمه رافعا، وأبو رافع هذا من أشهر موالي النبي عليه الصلاة والسلام وله أحاديث كثيرة.
قال: كان لأبي أحيحة سعيد بن العاص، فمات فورثه بنوه، فبعضهم وهب نصيبه لرسول الله ﷺ، فأعتق رسول الله ﷺ، وهو الأول عند ابن أبي خيثمة والبخاري ومصعب بن الزبيري، ومنهم من يقول هم اثنان، وأبو أثيلة، رأيته بخط شيخنا الحافظ أبي محمد الدمياطي ولم يسمه ولم ألق له ذكرا أكثر من أن أبا عمر قال في الصحابة: أبو أثيلة، وقيل اسمه...
راشد حجازي له صحبة، وكذلك قال أبو أحمد الحاكم، وكأنه أبا أثيلة مصغراً، وأبو كبشة واسمه سليم شهد بدراً، وأنيسة ويكنى أبا مسرح، وثوبان ويكنى أبا عبد الله، وشقران واسمه صالح، ورباح أسود كان يؤذن على النبي صلى الله عليه وسلم، كان كأنه حاجب، هو الذي إذا جاء رجل يريد أن يدخل هو الذي يستأذن.
قال ويسار النوبي من النوب، هم كانوا أظلم سكان السودان أو الحبشة وما شابه ذلك. قال وفضة أبو السمح، قيل اسمه إياد ضل فلا يُدرى أين مات، وأبو ميهب، ورافع وكان لسعيد بن العاص، وأفلح، ومأب، ومدعم أسود وهبه له رفاعة بن زيد الجذامي، وكركرة كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم.
وزيد كركرة هذا مولى له كان مسؤولاً عن أمتعته في الحروب، الثقل هي الأمتعة التي توضع على الجمل أو الفرس أثناء المعارك، ولازم يكون لك عبد يشيلها ويضعها. قال وزيد جد بلال بن يسار بن زيد، وعبيد، وطهمان، وكيسان، وذكوان، ومروان، وواق، وأبو واقد، وسندر، وهشام، وحنين، وسعيد، وأبو عسيب واسمه أحمر، وأبو لبابة.
هنا في أخت تعلق بالنسبة لأيمن، ما هو يقول في هناك نسخة أخرى زوج أم أيمن اسمه عبيد، عان قضية أم أيمن في نسخة أخرى من الكتاب؛ عندنا زوج أم أيمن اسمه عبيد وليس عبيد ابن أم أيمن، عرفت في نسخة من كتاب عيون الأثر نسخة أخرى أنه هذا هو الطبيعي، أن أيمن بده يكون أخو أسامة بن زيد لأمه، ممكن تكون أم أيمن أمه هي غير أم أيمن زوجته، تمام بس استبعد ذلك. وفي نسخة أخرى الآن هي تتكلم عن نسخة أخرى من كتاب عيون الأثر، هناك نسخة أخرى أن عبيد هو زوج أم أيمن السابق، تمام وهذا هو الطبيعي أن يكون أيمن هذا ابن أم أيمن ومن شخص اسمه عبيد، كان هذه معلومة نحن استفدنا الآن أن أم أيمن من زوجها السابق قبل زيد بن الحارثة كان متزوجاً من شخص اسمه عبيد أنجبت له أيمن، ثم تزوجت زيد بن حارثة فأنجبت أسامة، فتقول هنا عبيد ابن أم أيمن هذا خطأ. عرفتم؟ في بداية النسخة أيمن ابن عبيد ابن أم أيمن كأنه يتصور أنه هنا صار أيمن حفيدها لأم أيمن وليس ابنها، فهنا هذه جيدة هذه النسخة أن أيمن ابن أم أيمن وزوجها الذي أنجبت منه أيمن اسمه عبيد في نسخة أخرى.
قال وسعيد، وأبو عسيب واسمه أحمر، وأبو لبابة، وأبو وسفينة واسمه مهران بن فروخ مولى أم سلمة، وأبو عبيد، وسعد، وضميرة بن أبي ضميرة جد الحسين بن عبد الله بن ضميرة، وأبو هند، وأبو بكرة نفيع، وأبو نافع، وأبو كندي، وأبو كندير سعيد، وسلمان الفارسي، وسالم، وسابق، وقد تقدم في الخدم ذكر شيء من ذلك. قال وعبيد الله بن أسلمة، ونبيه، وهشام، وبدان، وأنجشة وكان حادياً، وهو الذي قال له: «رفقاً بالقوارير».
وباذام ذكره النووي كان حادياً الذي يسوق الجمال، الحادي هو الذي يسوق الجمال، فكان ينشد وكانت الجمال ترقص على صوت قصائده، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «رفقاً بالقوارير»، يقصد النساء اللواتي فوق الجمال حتى لا يسقطن. قال وباذام ذكره النووي عن أبي موسى ونقل له حديثه، وحاتم ذكره ابن الأثير عن أبي موسى، وزيد بن بولى، ودو، ودوس، ورويفع، وأبو ريحانة شمعون، وتقدم ذكر ريحانة. هذه طبعاً البعض قد يتعجب يقول لك كل هؤلاء كانوا من عبيد النبي عليه الصلاة والسلام، أنت إذا نظرت إلى المعارك وأنت عندك معارك وغزوات، وبالتالي دائماً يتم توزيع الغنائم، فشيء طبيعي يكون عندك شيء متكرر وأعداد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عادة يعتق، فهذه الكثرة هي نتيجة كثرة المعارك والسبي الذي كان يقع.
قال أو حتى الإهداء، أهدى له فلان وأهدى له ملك، هذا كثير ما كان يبعث له زعماء قبائل العرب وزعماء الأرض كانوا يهدون له عبيداً، وبالتالي شيء طبيعي أن يكون له عبيد كثر، وبعضهم حتى لا نعرف أسماءهم. قال وعبيد بن عبد الغفار، وقفيزها عبد الغني بن سعيد، والدارقطني في المؤتلف والمختلف من طريق أنس بن مالك، وكريب، ومحمد بن عبد الرحمن، ومحمد غير منسوب، ومكحول، وذكر أنه عليه الصلاة والسلام وهبته أخته من الرضاعة الشيماء، ونبيل، وهرمز، وأبو البشير، وأبو الصفية، وكان يسبح بالنوى. كانوا اليوم يسبحون بالمسبحة، وكان يسبح بنوى التمر.
قال ومن النساء أم أيمن الحبشية واسمها بركة. طبعاً أم أيمن الحبشية شيء طبيعي لأنه أصلاً هو ورثها من أبيه، ورثها من أبيه فكانت له من ورثها من أبيه، أعتقها واسمها بركة. قال وسلمى أم رافع، وماريت سلمى وهي زوجة أبي رافع، فأبو رافع كما كان عبداً له كذلك سلمى كانت أمة له ثم أصبحا من مواليه، وماريت وريحان وقد عرفنا أنهما هاتان إماء وسرار له صلى الله عليه وسلم، وربيع وقد تقدم ذكرهن، وخضر، ورضوى، وميمونة بن سعد، وميمونة بنت أبي عسيب، وأم ضميرة، وأم عياش، وأميمة كل مولات النبي، أميمة هذه التي كانت روت حديث أنه كان له صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه، هذه أيضاً مولاة النبي صلى الله عليه وسلم، روى عنها جبير بن نفير. وأيضاً وقيصر القبطية أهداها له المقوقس مع مارية وسيرين، طبعاً وبعض الأسماء غير موثوقة حقيقة، يعني الرواية فيها تحتاج إلى نظر، قيل إنه صلى الله عليه وسلم وهبها لأبي جهم بن حذيفة، وقيل وهبها لجم بن قيس العبدي.
وذكر ابن يونس أن زكريا بن الجهم بن قيس، قال لقيصر القبطية أخت مارية هذه، وأما سيرين فوهبها لقيصر، يعني أن زكريا بن الجهم ولده الجهم من هذه المرأة من قيصر القبطية، وأما سيرين وهي التي بعث بها المقوقس مع مارية فوهبها النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت فولدت لحسان عبد الرحمن.
قال وقد ذكرنا في هذا الفصل ميمونة بنت سعد وميمونة بنت أبي عسيب، ذكرهما أبو عمر وذكر معهما الميمونة الثالثة وقال في كل منهن مولاة النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينسب الثالثة غير أنه فرق بينهن بماذا بروايته. الآن ستقول لي كيف عرف ابن عبد البر وغيرهم وجود هؤلاء الموالي والنساء للنبي صلى الله عليه وسلم، يعني من أشهر الطرق رواية الحديث، رواية الحديث تعطي إشارة للمؤرخ خاصة إذا المرأة روت حديثاً من خصائصه البيتية أو شيء أن لعلها أمة من إمائه أو لعله عبد من عبيده.
قال ذكر أسماءه عليه الصلاة والسلام، قد قدمنا في أول كتاب حديث الترمذي أن لي أسماء: «أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي». قال وقد ذكر في أسماء الرسول: المرسل، النبي الأمي، الشهيد، المصدق، النور، المعلم، البشير، المبشر، النذير، المنذر، المبين، الأمين، العبد، الداعي، السراج المنير، الإمام، الذكر، المذكر، الهادي، المهاجر، العامل، المبارك، الرحمة، الآمر، الناهي، الطيب، الكريم، المحلل، المحرم، الواضع، الرافع، المجير، خاتم النبيين، ثاني اثنين، منصور، أذن خير، وردت في القرآن: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾ [التوبة: 61]، مصطفى، مأمون، قاسم، نقيب، المزمل، المدثر، العلي، الحكيم، المؤمن، الرؤوف، الرحيم، الصاحب، الشفيع، المشفع.
هذه الأسماء كما يصح إطلاقها على الله يصح إطلاقها على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن طبعاً مع فرق في إطلاقها على المخلوق عن الخالق، المخلوق يجوز أن يسمى أنه علي بمعنى أنه علي القدر وعلي بن أبي طالب وغيرهم ما فيش مشكلة، ورؤوف لكن رأفة الله شيء ورأفته هنا شيء، يعني لا يقاس الخالق على المخلوق في مقدار الرأفة وإن كان يشتركان في المعنى. قال نبي التوبة، نبي الرحمة، نبي الملحمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبارك. كل هذه الأسماء قمنا طبعاً شرحناها في ألفية العراقي، وشرحنا في كثير من الكتب المختصرة التي قرأناها، وأخذت إما من أوصاف له في القرآن الكريم، مثلاً بالمؤمنين الرؤوف الرحيم، خلاص يصبح من اسمه الرؤوف الرحيم، وإما أخذت من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والأحاديث التي تحدث بها عن نفسه.
أسماء محمد أنه هو يحمده أهل السماء وأهل الأرض أو محمود في السماء وفي الأرض، فالبعض يستنبط هذا استنباطاً، وهنا البعض يجعل بعض هذه الأسماء أوصافاً يعني بعضها يصح أن يكون وصفاً وليس علماً، بمعنى أنه علم وإلا فالأعلام المشهورة هي محمد، وأحمد، والحاشر، والعاقب، وأما مثلاً هنا ذكر بشيراً ونذيراً هي أقرب أن تكون أوصافاً تماماً، أقرب أن تكون أوصافاً منها أن تكون أعلاماً.
قال ذكر كتابه عليه أفضل الصلاة والسلام، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعامر بن فهيرة، وخالد، وأبان بن سعيد بن العاصي بن العاصي أبي أحيحة، وذكر شيخنا الحافظ أبو محمد الدمياطي أيضاً أخاهما سعيداً، وعبد الله بن الأرقم الزهري، وحنظلة بن الربيع الأسيدي، وأبي بن كعب وهو أول من كتب له من الأنصار، وثابت بن قيس بن شماس، وزيد بن ثابت، وشرحبيل بن حسنة، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن زيد، وجهم بن الصلت، وزبير بن العوام، وخالد بن الوليد، والعلاء بن الحضرمي، وعمرو بن العاصي، وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن عبد الله بن أبي، ومعيقيب أبي فاطمة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري، وهو أول من كتب له من قريش ثم ارتد فنزلت فيه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: 93]، ثم أسلم كما عرفنا في فتح مكة.
قال وذكر في كتابه عليه الصلاة والسلام أيضاً طلحة، ويزيد بن أبي سفيان، والأرقم بن أبي الأرقم الزهري، والعلاء بن عقبة، وأبو أيوب الأنصاري، وخالد بن زيد، وبريدة بن الحصيب، والحصين بن نمير، وأبو سلمة المخزومي، وعبد الله بن عبد الأسد، وحويطب بن عبد العزى، وأبو سفيان بن حرب، وحاطب بن عمرو.
قال وروينا من طريق أبي داود من حديث أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: السجل كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال وروينا من طريق النزال بن سبرة عن علي، ولذلك بعضهم قال في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: 104]، يعني وهذه من التفاسير المتكلفة، قالوا: السجل هو كاتب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد يوم نطوي السماء كما يطوي السجل الكتب بين يدي محمد صلى الله عليه وسلم باعتبار أن السجل هو اسم أحد كتابه، لكن هذا تفسير بعيد.
قال وروينا من طريق النزال بن سبرة عن علي قال: كان ابن خطل يكتب قدام النبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا نزل غفور رحيم كتب رحيم غفور، وإذا نزل شيء.. هذا الذي أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه وقال: «اقتلوه وإن رأيتموه متعلقاً بأستار الكعبة»، وتم قتله وتصفيته، نعم كان قيل إنه كان يحرف القرآن ويبدل الآيات، فلذلك أصر النبي صلى الله عليه وسلم على قتله ولم يجعله ممن أذهبوا فأنتم الطلقاء. قال وفيه فقال ابن خطل: ما كنت أكتب إلا ما أريد، ثم كفر ولحق بمكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل ابن خطل فهو في الجنة»، فقتل يوم الفتح وهو متعلق بأستار الكعبة. قال هذا وهم، هذا وهم. والنزال بن سبرة له صحبة وروايته عن علي مخرجة في الكتب، يعني هذا أن ابن خطل كان من كتاب الوحي هذا وهم.
للأسف النسخة رديئة، جعلت "هذا وهم" تحت الأصل، تجعل فوق هذا وهم، كل القصة السابقة وهم، لأن ابن خطل المشهور أن سبب قتله أنه كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن من كتاب الوحي ولا شيء. قال والنزال بن سبرة له صحبة وروايته عن علي مخرجة في الكتب، وإنما الحمل فيه على من هو دونه. وهذه الواقعة معروفة يعني، والحمل فيه إيش يعني، يقول إن النزال بن سبرة لأنه قال وروينا من طريق النزال بن سبرة عن علي هي القصة، يقول لك هذه القصة موضوعة لا تصح. قال والنزال بن سبرة له صحبة وروايته عن علي مخرجة في الكتب، لكن الوضع في هذه القصة في قصة أن ابن خطل كان من كتاب الوحي ليس الخطأ فيه على النزال، يعني ليس هو الذي وضع هذا؛ صحابي، الصحابة لا يضعون حديثاً، وليس ضعيفاً، الصحابة كلهم عدول، وإنما الحمل فيه يعني الخطأ في هذه القصة السابقة على من روى عن النزال، على من دونه في السند، هو لم يذكر من دونه في السند، لكنه يقول لك ارجع ستعرف أن المشكلة في السند السابق أن ابن خطل كان يؤلف القرآن على أنها ليست من النزال بل ممن روى عن النزال أو من دونه. نعم، قال وهذه الواقعة معروفة عن ابن أبي السرح، لو رويت هذه القصة عن ابن أبي السرح والله كانت معقولة، لأن ابن أبي السرح فعلاً كان معروفاً أنه من كتاب الوحي وارتد، فذكره عن ابن أبي السرح معقول، أما ابن خطل فلا يعرف أنه كان من كتاب الوحي.
حتى يقال عنه تلك القصة. نعم، قال: وهو ممن كان النبي صلى الله عليه وسلم أهدر دمه يومئذ، ابن خطل. قال: فقتل ابن خطل، ودخل ابن أبي سرح على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعثمان بن عفان هو الذي أجاره، نعم، رجا الإسلام بين يديه فقبله بعد تلوم. وقد أوردنا بعد تلوم؛ يعني بعد انتظار؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتداءً لم يقبل، وكان ينتظر أحد الصحابة يقوم فيقتل عبد الله، لكن لما لم يقم أحد، النبي صلى الله عليه وسلم انتظر قليلاً، لما لم يقم أحد قال: أجرته، وقبل إسلامه. قال: وقد أوردنا ذلك قبل هذا، ولم ينقم على ابن أبي سرح بعد ذلك شيء في إسلامه، ومات ساجداً رحمه الله ورضي عنه، وكان صاحب معركة ذات الصواري، هو قائد الجيش الإسلامي.
قال: وذكر ابن دحية فيهم رجلاً من بني النجار غير مسمى، قال: كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تنصر، فلما مات لم تقبله الأرض. هذا رجل آخر، نعم، مشهور قيل كان يكتب الوحي ثم ارتد، ومات على ردته، ولما دفنوه كانت تلفظه الأرض، كلما دفن تلفظه الأرض والعياذ بالله.
قال: ذكر حراسه ومن كان يضرب أعناق بين يديه، ومؤذنيه. قال: حرسه يوم بدر حين نام في العريش سعد بن معاذ، ويوم أحد محمد بن مسلمة، ويوم الخندق زبير بن العوام. وحرسه ليلة تبوك بصفية أبو أيوب الأنصاري، بخيبر أو ببعض طريقها، فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني». وبوادي القرى بلال وسعد بن أبي وقاص وذكوان بن عبد قيس، وكان على حرسه عباد بن بشر، فلما نزلت ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67] ترك الحرس. والذين كانوا يضربون بين يديه الأعناق: علي والزبير والمقداد ومحمد بن مسلمة وعاصم بن ثابت. ومؤذنه بلال وعمرو بن أم مكتوم الأعمى وسعد القرظي ابن عائذ مولى عمار بن ياسر وأبو محذورة سمرة بن معير، وقيل أوس. طبعاً والذين كانوا يضربون بين يديه الأعناق، هل يقصد هنا الذبائح ولا يقصد هنا الإعدامات؟ نعم، يعني هو المشهور يعني الإعدامات، تمام. يعني الآن أي حاكم له شخص ينفذ حكم القصاص والإعدامات، سواء الإعدام قصاص في المجتمع المسلم أو إعدامات ممن يؤسر من الكفار، كانوا مسؤولين عن الإعدام، والأسماء المذكورة أصلاً كلها من المقاتلين، يعني الأسماء تشير إلى طبيعة الوظيفة.
قال: ذكر العشرة من أصحابه والحواريين وأهل الصفة، وليس من العشرة والحواريين إلا من تقدم نسبه فينظر في موضعه، وهم، أراد أن يختصر على نفسه هنا، ابن زيد، الناس العشرة المبشرون بالجنة، والحواريون، والحواريون هم الأنصار، يعني من هو حواري الرجل؟ ناصره، هذا معنى كلمة حواري، الناصر المعين. قال: هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة الجراح، هؤلاء العشرة مبشرون بالجنة. قال: وأنشأت بيتاً جمعت فيه ناظمه، والذي تقدمه توطئة له: لقد بشرت بعد النبي محمد بجنة عدل زمرة سعداء سعيد وسعد والزبير وعامر وطلحة والزهري والخلفاء وأما الحواريون؛ فالحواري الخليل، ويقال الناصر ويقال الصاحب المستخلص. طبعاً الزهري هو سعد بن أبي وقاص من بني زهرة، لكنه اختصره. قال: فكله من قريش، والخلفاء الراشدون أربعة، بالتالي هو يكون حط العشرة في البيت. استنى شوي، سعيد لا، سعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وعامر، وعامر اللي هو أبو عبيدة، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، عفواً عبد الرحمن بن عوف هو الزهري، عبد الرحمن بن عوف هو الزهري، والخلفاء يعني الراشدون الأربعة، عبد الرحمن بن عوف، وإن كنت أنا أعتقد أن سعد بن وقاص أيضاً من بني زهرة بشكل من الأشكال، لكنني أراجعه. نعم قال: فكله من قريش، وهم الخلفاء الأربعة وحمزة وجعفر وأبو عبيدة عثمان بن مظعون وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة والزبير.
وأما أصحاب الصفة، فقوم فقراء لا منزل لهم غير المسجد. قال: روينا عن ابن سعد، أخبرنا محمد بن عمر قال بإسناده قال: سمعت أبا هريرة يقول: رأيت ثلاثين رجلاً من أهل الصفة يصلون خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس عليهم أردية. ففكرة أهل الصفة طبعاً ناقشناها في الجلسة السابقة في درس الاعتصام للشاطبي؛ لأن الصوفية يستدلون عليها في جواز وضع الزوايا والأربطة، وأن هذا كان في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وعرفنا أن وجود أهل الصفة لم يكن زاوية، هي ليست زاوية للتعبد، وإنما هم فقراء لم يكن لهم مسكن ولا بيت ولا مال ولا شيء، فاضطروا أن يجلسوا في المسجد النبوي في آخره. وذكر الشاطبي فيما نقله عن أهل العلم أنه كانوا حول الثمانين رجلاً وكانوا متغيرين، يعني ممكن شخص يغتني خلاص يترك الصفة، يأتي مكانه شخص فقير آخر وهكذا. نعم قال: عد منهم أبو هريرة وأبو ذر وبديل بن الأشقراء وقيس بن طخفة الغفاري، وقد ذكر في عدده أكثر من ذلك بكثير.
قال: ذكر سلاحه عليه الصلاة والسلام؛ سيف يقال له مأثور، ورثه من أبيه، وقدم به المدينة. والعضب، أرسل إليه به سعد بن عبادة، سيف آخر اسمه العضب عند توجهه إلى بدر. وذو الفقار، كان في وسطه مثل فقرات الظهر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا؛ أنه رأى في ثلمة سيفه رأى فيه الرؤيا بالنسبة ليوم أحد. غنمه يوم بدر وكان للعاص بن منبه السهمي، وكان ذو الفقار مع النبي صلى الله عليه وسلم في حروبه كلها، وكانت قائمته وقبيعته وحلقته وعلاقته فضة، وهو بكسر الفاء وقيد أيضاً بفتحها فقار، وقيل فقار. والصمصام سيف عمرو بن معدي كرب، وكان مشهوراً. وأصاب من سلاح بني قينقاع ثلاثة أسياف؛ سيفاً قلعياً بفتح اللام نسبة إلى مرج القلعة بالبادية، والبتار، وهذه تكون مناطق يصنع فيها السيف فيصبح ينسب لها، سيف قلعي، سيف هندي. وكان له أيضاً الرسوب والمخذم، فلس صنم طيئ، وهو صنم طيئ لما هدموه كان عليه سيوف، فأعطوا هذين السيفين للنبي صلى الله عليه وسلم، كانت قديمة من العرب يعني من باب توقير أصنامها تضع عليها سيوفاً تضع عليها رماحاً تضع عليها ذهب أساور. والقضيب، فتلك تسعة.
وكانت له درع يقال لها ذات الفضول لطولها، أرسل إليه بها سعد بن عبادة حين سار إلى بدر، وذات الوشاح، وذات الحواشي، ودرع أصابه من بني قينقاع السعدية، ويقال السعدية. كان درع داوود التي لبسها، قال جالود والبتراء والخرنوب، وسبعة أدرع. وعادة الدرع هو الذي يوضع هنا يلبسه على صدره وبطنه، كيف اليوم الرؤساء يكونون حاطين واقيات الرصاص هذه تكون تحت الملابس، حتى إذا وقع عليه سيف أو شيء يتقي.
قال: وكان له من القسي خمس؛ الروحاء والصفراء من النبع، والبيضاء من شوحط أصابها، والروحاء والصفراء وهذه مصنوعة من شجرة النبع، شجرة عند العرب كانوا يصنعون منها القسي، البيضاء هذه قوس صنعت من خشب الشوحط وهي شجرة أخرى أصابها من بني قينقاع، والزوراء، والكتوم، الكتوم هذه الأخيرة سميت كتوم لانخفاض صوتها إذا رمى عنها. وكان له الجعبة، الجعبة هي التي توضع فيها الأسهم وهي الكنان، يجمع فيها نبله. وكانت له منطقة؛ يعني في الحرب المقاتل يربط حول وسطه مثل ما يربط الحاج حول وسطه حزاماً، منطقة من أديم من جلد مبشور، ثلاث حلقها، وأزيرها، وأبزيمها، وطرفها فضة؛ لأنه مثل هذه الأمور للمحارب يتسامح فيها بوضع الفضة بالنسبة لهذه، سواء السلاح قبيعة السيف كما درسنا في الفقه، منطقة المحارب هذه لو وضع عليها شيء من الفضة أو حتى الذهب أجازوه.
وثلاثة أتراس؛ الزلو، وفتق، وأهدي له ترس فيه تمثال عقاب أو كبش، فوضع يده عليه فأذهب الله ذلك صورة الكبش؛ لأن صورة ذوات الأرواح فوضع يده حتى تزول صورة الكبش. وخمسة أرماح، ثلاثة بني قينقاع، والمثوى، والمثنى، خمسة رماح كان له يرمي بها ثلاثة أخذها من غنيمة بني قينقاع، والرابع اسمه المثوى، والخامس اسمه المثنى. وكانت له حربة، والحربة أصغر من الرمح، الحربة تكون نصف طول الرمح، وكان له أيضاً حربة تسمى النبعة، والظاهر أنها مصنوعة من شجرة من هذا الشجر ذكرها السهيلي، وكان له حربة كبيرة اسمها البيضاء، وحربة صغيرة دون الرمح شبه العكاز يقال لها العنزة، وكان هي التي يضعها أمامه سترة في الصلاة ليصلي إليها.
وكان له مغفر، الموشح والسبوغ أو ذو السبوع، والمغفر ما هو يا شيخ حذيفة؟ الخوذة، هي خوذة الرأس توضع على الرأس، توضع على المقاتل. كان له خوذته الموشح والسبوغ أو ذو البوغ على خلاف في الاسم. وراية سوداء مربعة يقال لها العقاب، وهي الراية المشهورة له صلى الله عليه وسلم، وراية بيضاء يقال لها الزينة، وربما جعل فيها الأسود يعني لم تكن بيضاء خالصة، وروى أبو داوود في سننه من حديث سماك بن حرب عن رجل من قومه: رأيت راية النبي صلى الله عليه وسلم صفراء، لكن هذا الحديث ضعفه كثير من أهل العلم، ومنشور أن رايته كانت سوداء، وراية أخرى بيضاء، وروى أبو الشيخ بن حبان من حديث ابن عباس قال: مكتوب على راية: لا إله إلا الله محمد رسول الله. قال وقال الحافظ أبو محمد الدمياطي، قال يوسف بن الجوزي: روي أن رايته بيضاء مكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وكان فسطاطه يسمى الكن، وكان له محجن قدر ذراع أو أكثر يمشي ويركب به، المحجن عصا مثل العصا، وهي التي كان يلمس بها الحجر الأسود، ويعلقه بين يديه على بعيره. وكانت له مخصرة تسمى العرجون، وقضيب يسمى الممشوق من شوحط، وقدح من شوحط أي من خشب شجر الشوحط، وقدح يسمى الريان، وآخر مضبب، يقدر أكثر من نصف المد فيه ثلاث ضبب، القدح هو إناء يوضع فيه ماء أو طعام، يسمى الريان، وآخر مضبب أي عليه ضبة من فضة، مرمم يعني يقدر أكثر من نصف المد، يعني يسع أكثر من نصف المد، يعني ربع الكيلو، فيه ثلاث ضبب من فضة، يعني واضح أنه كان مكسراً كثيراً لدرجة أنه فيه مرمم من ثلاث جهات في الفضة، وكانت له حلقة كأنه للسفر، وثالث من زجاج.
وكان له تور من حجارة يقال له المخضب يتوضأ فيه، وكان له مخضب من شبه، التور زي الطست اليوم، الطست الكبير. الشبه والنحاس، وكان له كوة تسمى الصادرة، ومغسل من صفر، وربعة إسكندرانية من هدية المقوقس يجعل فيها مشطاً من عاج ومكحلة ومقراضاً. الربعة هي مثل الحقيبة شنطة صغيرة، هي مرت معنا في "إرواء الغليل" لما تكلمنا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، كانت له الربعة، والربعة مثل الشنطة الصغيرة تحط فيها مشطك تحط فيها السواك تحط فيها كذا.
وكانت له أربعة أزواج خفاف أصابها من خيبر ونعال سبتية، وخف ساذج أسود من هدية النجاشي، الساذج الذي ليس فيه تطريز، يعني لون واحد ما فيه تطريزة. وقصعة وسرير وقطيفة، وقد اختلفت الروايات في صفة الخاتم، فيحتمل أن يكون له خواتم متعددة، وقد كان له خاتم من فضة، وخاتم من ذهب لبسه ثم طرحه، بعد أن حرم الله لبس الذهب طرحه صلى الله عليه وسلم على المنبر، وخاتم حديد ملوي بفضة نقشه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمشهور كان خاتمه فضة، وأنه نحن عند الحنابلة أيضاً حتى خاتم الحديد مكروه عندنا، فهل له كان خاتم حديد هذه مسألة فيها نقاش، وكذلك مما يحتاج إلى نظر المشط الذي من عاج؛ لأن الأصل في العاج أنه عظم الفيل، فكيف يكون مشطه من عاج ويتركه النبي صلى الله عليه وسلم؟ هذه أيضاً تحتاج إلى أن ينظر هل كان قصده فعلاً عاجاً أم فيه لأن الأصل أن هذا مشط.
وكان يتبخر بالعود ويطرح معه الكافور. وقال ابن فارس: ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ثوبي حبرة، وإزار عماني، ثوبي حبرة الحبرة هي ثياب يمنية كانت مزينة وهي تكون من قطعتين عادة إزار ورداء، وكان يلبسها زينة، وكان إزاراً عمانياً، وثوب صحاري، وقميصاً صحارياً نسبة إلى منطقة صحار.
هذه المنطقة مشهورة بصناعة الثياب. قال: وآخر سحوري نسبة إلى قرية يمنية اسمها سحول، وجبة يمنية، وكساء أبيض، وقلنسوات صغار لاطئة ثلاثاً أو أربعاً، وإزار طوله خمسة أشبار، وخميصة، وملحفة مورثة. وكان يلبس يوم الجمعة برده الأحمر ويعتمده صلى الله عليه وسلم عمامة، يعتم ببرده الأحمر؛ طبعاً لم يكن يلبس الأحمر الصافي عليه الصلاة والسلام، برده الأحمر الذي يغلب عليه لون الحمرة، وإلا فالرجل لا يلبس الأحمر الصافي، بل لا بد أن يكون أحمر مشوباً بسواد أو ألوان أخرى.
قال: وكان له صلى الله عليه وسلم عمامة يعتم بها يقال لها السحاب، وهبها لعلي، وعمامة سوداء، ويلبس يوم الجمعة ثوباً غير ثيابه المعتادة كل يوم؛ يعني يوم الجمعة يستحب التزين. ولا يخرج يوم الجمعة إلا معتماً بعمامة يرسلها بين كتفيه ويديرها ويغرز. وكان له رداء مربع، يرسلها بين كتفيه ويديرها على رأسه ويغرز. الظاهر أنه يغرز العمامة؛ يعني يدخلها في بعضها البعض، كيف يلف الإنسان العمامة على رأسه فيدخل طرفها هنا. لكن هنا هل هو يرسل أطرافها بين كتفيه ويديرها ويغرز؟ هل هو يصف حالة واحدة أم حالات متعددة؟ يعني أحياناً يرسلها بين كتفيه وأحياناً يديرها ويغرز.
نحن عندنا في المذهب العمامة التي يمسح عليها هي العمامة ذات الذؤابة وهي التي تسمى التحنك، فقوله: ويديرها، قد يكون المقصد ويديرها أي تحت حنكه، ثم يغرز. يعني أحياناً يرسلها إلى الخلف، هذه طريقة العرب، وأحياناً يديرها قد يكون المراد تحت حنكه ويغرز، والله أعلم. قال: وكان له رداء مربع، وكان له فراش من أدم وحشوه ليف، كان فراشه صلى الله عليه وسلم من أدم، والأدم جلد، وحشوه الليف، والليف هو الذي يؤخذ من جذع النخيل، تكون هذه الخيوط التي على جذوع النخل، العرب كانت تجمعها وتلفها حتى تصبح زي الحشوة.
قال: وكساء أحمر، وكساء من شعر، وكساء أسود، ومدين يمسح به وجهه. قال: وسئلت حفصة ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: مسح، نثنيه ثنيتين فينام، نخليه طبقتين. قال: فلما كان ليلة ثنيته أربع ثنيات ليكون أوطأ، لما تثنيه أربعة بصير ألين، بالتالي لا يكون قريب من الأرض. فلما أصبح قال: ما فرشت لي؟ قالت: هو فراشك، لكن ثنيناه أربعاً، وإذا مثني اثنين يا رسول الله. فقال: ردوه لحالته الأولى، فإنه منعتني وطأته صلاة الليل، سبحان الله، لما ينام على فراش وفير يكسل، لكن لما ينام على فرشة خفيفة ينشط. ذكر الترمذي في الشمائل: وكان له قدح من عيدان يوضع تحت سريره، والعيدان نوع من الخشب، كانوا يصنعون منه القدح، وكان هذا القدح يضعه تحت فراشه ليبول فيه؛ لأن العرب قديماً لم تكن هناك دورات مياه داخل البيوت، كان الكنيف يكون بعيداً عن البيت، فكانوا إذا استيقظوا في الليل وكان البرد والصحراء يصبح صعباً أن تخرج خارج البيت، فكانوا يبولون داخل الأواني وفي الصباح يفرغونها.
قال: وكان له سرير ينام عليه قوائمه من ساج، بعث به إليه أسعد بن زرارة، فكان الناس بعده يحملون عليه موتاهم تبركاً. قال: ذكر فوائد تتعلق بهذا الفصل سوى ما تقدم؛ البتار والمخمس والمثور والرسوب، من رسب في الماء إذا غاص فيه، لأن ضربته تغوص في المضروب به، أحد أسماء سيفه الرسوب، سمي بالرسوب لأن ضربته كأنها تغوص في المضروب به. قال: ومرج القلعة قريب من حلوان على طريق همذان، والسد موضع تصنع به الدروع عن ابن القطاع، والغرنوق، والفسطاط البيت من الشعر، والكن ما ستر من الحر والبرد، والمغفر ما يلبسه الدارع على رأسه من زرد أو نحوه.
ورداء مربع طوله أربعة أذرع، وإنما اختلف في عرضه فقيل ذراع وشبر وقيل ذراعان وشبر. قال: وقدح من عيدان، بالتالي هو اسمه مربع لكنه مستطيل؛ لأنه قال: رداء مربع طوله أربعة أذرع، وأما عرضه ذراع وشبر وقيل ذراعان، إذاً هو اسمه مربع لكنه مستطيل. يعني المربع من الأربعة مش من اه نعم طوله أربعة أذرع باعتبار الطول، يعني هو مربع باعتبار طوله كأنه من أربعة. قال: مفتوح العين المهملة، والعيدان النخلة السحوق؛ قال الشاعر: إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت عيدان نجد، ولم يعبأ بالرتم بنات نعش، ونعش لا كسوف لها، والشمس والبدر منها الدهر في الرقم. بالتالي كما قلنا العيدان هو كأنها نخلة معينة اسمها النخلة السحوق.
قال: ذكر خيله عليه أفضل الصلاة والسلام وما له من الدواب والنعم. السكب، وكان اسمه قبل أن يشتريه الضريس، اشتراه بعشر أواق، أول ما غزا عليه أحداً ليس للمسلمين غيره، وفرس أبي بردة بن نيار ويسمى ملاوح، وكان أغر محجلاً طلق اليمين كميتاً. وأول ما غزا عليه أحداً ليس للمسلمين غيره؛ يعني كأنه يقول يوم أحد لم يكن إلا هذا الفرس، كنا في كل غزوة نقول كم عدد الأحصنة كم عدد الذي يظهر، قول أول ما غزا عليه أحداً لم يكن للمسلمين غيره في هذه الغزوة، وإن كان مر معنا شيء من الخلاف في هذا.
وفرس أبي بردة بن نيار ويسمى ملاوح، وكان أغر محجلاً طلق اليمين كميتاً، وقيل كان أدهم، روي ذلك عن ابن عباس، شبه بفيض الماء وانسكاب، والكميت هو القريب من الأحمر، والضرس الصعب السيئ الخلق، والملاوح لا يسم، والعظيم الألواح، وهو الملاوح أيضاً. وكان له فرس يقال له المرتجز سمي بذلك لحسن صهيله، كأنه ينشد رجزاً، وكان أبيض، وهو الذي شهد له فيه خزيمة بن ثابت فجعل شهادته شهادة رجلين، وقيل هو الطرف بكسر الطاء نعت المذكر خاصة، وقيل هو النجيب، والطرف والنجيب الكريم من الخيل. وكان له أيضاً اللحيف ولزاز والظرب، فأما اللحيف فأهداه له ربيعة بن أبي البراء، وأما لزاز فأهداه إليه المقوقس، وأما الظرب فأهداه له فروة بن عمر الجذامي. والحيف فعيل بمعنى فاعل، كانه يلحفني فيه، بضم اللام وفتح الحاء على التصغير، ولزاز من قولهم لاز، لزاز أيضاً من قوله لاز، كانه يلتصق بالمطلوب لسرعته، إذا أنت طلبت شخصاً فلزاز يلصق فيه مباشرة لشدة سرعته. وقيل لزاز لاجتماع خلقه فكأنه من ملز، أي خلقه مجتمع. والظرب واحد الضراب وهي رواب صغار، وسمي به لكبره وسمنه، وقيل لقوته وصلابته.
وفرس يقال له الورد أهداه له تميم الداري لعمر بن الخطاب، فحمل عليه في سبيل الله، ثم وجده يباع برخص فقال له: لا تشتره، فإنك كالعائد في هبتك، والعائد في هبته كالكلب يعود في قيئه. وفرس يدعى سبحة، من قولهم فرس سابح إذا كان حسن مد اليدين في الجري وسبح الفرس جريه، قال شيخنا الحافظ أبو محمد الدمياطي رحمه الله: فهذه سبعة أحصنة متفق عليها، السكب، والمرتجز، واللحيف، ولزاز، والظرب، والورد، وسبحة.
قال: وقيل كانت له أفراس أخر غيرها، وهي الأبلق حمل عليه بعض أصحابه، وذو العقال، وذو اللمة، والمرتجى، والمراوح، والسرحان، واليعسوب، واليعقوبي، والكميت، والأدهم، والشح، والسجل، وملاوح، والطرف، والنجيب؛ هذه 15 مختلف فيها. وذكر السهيلي في خيله عليه الصلاة والسلام الضريس، وذكر ابن عساكر فيها مندوباً. وذو العقال بضم العين وبعضهم يشدد القاف وبعضهم يخففها، وهو ظلع في قوائم الدواب، والظلع هو كانه نوع من الانحراف أو الاعوجاج في قوائم الدابة. واللمة بين الوفرة والجمة، فإذا وصل شعر الرأس إلى شحمة الأذن فهي وفرة، فإذا زادت حتى ألمت بالمنكبين فهي لمة، فإذا زادت فهي جمة.
والارتجال خلط الفرس العنق بالهم لجة، وهما ضربان من السير، والمراوح من الريح لسرعته، والسرحان الذئب وهذيل تسمي الأسد سرحاناً. واليعسوب طائر وهو أيضاً أمير النحل، والسيد يعسوب قومه، واليعسوب غرة تستطيل في وجهه.
الفرس واليعقوب والجواب وجدول يعبوب شديد الجري، والشح من قولهم فرس بعيد الشحوة بعيد الخطوة، ومندوب من ندبه فانتدب أي دعاه فأجاب.
وأما البغال والحمر فكان له صلى الله عليه وسلم بغلة شهباء يقال لها دلدل أهداها له المقوقس مع حمار يقال له عفير، وبغلة يقال لها فضة أهداها له فروة بن عمرو الجذامي مع حمار وقالوا له يعفور، فوهب البغلة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه. وبغلة أهداها له صاحب دومة الجندل، وبعث صاحب دومة الجندل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة وجبة من سندس. وقيل أهدى له كسرى بغلة ولا يثبت، وعن ابن عباس أهدى النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة فكان يركبها، فهذه ست بغال.
وأما النعم، فكانت له ناقته التي هاجر عليها تسمى القصواء والجدعاء والعضباء، وكانت شهباء، والشهباء يعني كما قلنا بيضاء. وعن قدامة بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجته يرمي على ناقة صهباء، والصهباء الشقراء. وعن نبيط بن شريط قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجته على جمل أحمر. وبعث عليه الصلاة والسلام خراش بن أمية يوم الحديبية إلى قريش على جمل يقال له الثعلب. وكان في هديه عام الحديبية جمل كان لأبي جهل في رأسه برة من فضة، غنمه يوم بدر ليغيظ به المشركين.
وكان له عشرون لقحة بالغابة وهي التي أغار عليها عيينة بن حصن، واللقحة هي الغنم التي يكون فيها لبن والإنسان يستفيد من لبنها. ولقحة غزيرة تحلب كما تحلب لقحة غزيرة أهداها له الضحاك بن سفيان. وكانت له خمس عشرة لقحة بذي الجدر يرعاها يسار أغار عليها العرنيون وقد تقدم الخبر في ذلك. وكانت له بذي الجدر أيضاً سبع لقاح، وهذه مادة العرب، يعني العرب كانوا يهتمون أن يكون له غنم حتى توفر له بشكل عام النسل، يبقى عنده نسل بالتالي يبقى يذبح ويطعم من أهل بيته ويأخذ منها اللبن.
وكانت له لقحة تسمى الحفدة، والحفدة السريعة، ومهرية بعث إليه بها سعد بن عبادة من نعم بني عقيل. واللقحة يعني ليس شرطاً أن تكون غنماً، هذا أيضاً ننتبه، اللقحة قد تكون ناقة، هي اللقحة قد تكون أنت عندك بقر تستفيد وتنتج منه، قد تكون عندك غنم، وقد تكون إبل، لما ذكرها بعد الإبل الذي يظهر لي أنه يتكلم عن إبل. ممكن بعد قليل يتكلم عن البقر والغنم، فاللقحة ليس شرطاً أن تكون من الغنم، بل العرف اللغوي إذا أطلقت فإنما تطلق على النوق. وكانت له لقحة تسمى مروة.
وكان له صلى الله عليه وسلم من الغنم مائة شاة، لا يريد أن تزيد على ذلك، كلما ولدت الراعية بهمة ذبح مكانها شاة، كان يريد أن يحافظ عليها مائة ما بده إياها تزيد، فكلما أنتجت ذبح وأطعم أهل بيته. وكانت له شاة تسمى غوث، وقيل غيثة، وشاة تسمى قمرا، وعنز تسمى اليمن، وكانت له سبعة أعنز منائح ترعاها أم أيمن. وأما البقر فلم ينقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ملك منها شيئاً. والمناح هي التي يمنحها الإنسان لغيره، يعيرها لغيره يستفيد من لبنها وما شابه ذلك.
ذكر صفته صلى الله عليه وسلم، قد تقدم في حديث أم معبد شيء من ذلك، صفة خلقه عليه الصلاة والسلام. بإسناده عن علي قال: كان الحسن بن علي يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بأحاديث سمع بعضها منه وسأله أن يحل لنا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: كان فخماً مفخماً، يتلألأ وجهه كالقمر ليلة بدر، أقصر من المشذب وأطول من المتردد، عظيم الهامة، رجل الشعر، إن انفرقت عقيقته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه. إذا انفرقت عقيقته أي كان إذا شعره طويل يفرقه هكذا وأحياناً يرسله إلى خلفه.
أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحاجبين سوابغ في غير قرن، أزج الحاجبين يعني حواجب فيها دقة وفيها طول. أقنى العرنين له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم، سهل الخدين، يحسبه من يراه من البعيد أشم، الأشم هو الذي أنفه يرتفع، لكن أنفه لم يكن أشم، كان أنفه هكذا وهذا هو الأجمل، لكن القصبة كانت مرتفعة وليست داخلة إلى الداخل كما في حال مثلاً دول شرق آسيا تكون القصبة داخلة إلى العمق، أما الإنسان العربي قصبته وهي هذه العظمة تكون بارزة إلى الأمام، وكلما كانت بارزة كانت أفضل.
مفلج الأسنان، دقيق المسربة، مفلج الأسنان يعني أسنانه مفلجة هناك تباعد بينها، دقيق المسربة، والمسربة هي الشعر الذي يكون من أعلى الصدر إلى السرة. كان عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، دلالة على أنها رقبة من ينظر إليها من بعيد تلمع. معتدل الخلق بادناً متماسكاً، بادناً جسده متماسك الأعضاء ما فيه ارتخاء لحمي. سواء البطن والصدر، عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، ضخم الكراديس يعني المفاصل هذه، مفاصل اليد والقدم ضخمة وهذه قوة.
أنور المتجرد، جسده إذا تجرد من الثياب إذا نظرت إلى يده إلى صدره عندما يتجرد فإن جسده هو يفوح نوراً أو ينبعث منه النور صلى الله عليه وسلم. موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط على الثديين والبطن وما سوى ذلك هناك شعر خفيف، وإلا هو في العادة ليس له شعر على جسده إلا شعر خفيف هنا وهنا. أشعر الذراعين والمنكبين، الذراع عليها شعر وهذا من صفات الرجال عموماً. طويل الزندين سائل الأصابع، الزند هي هذه المنطقة منطقة الذراع.
شثن الكفين والقدمين، شثن الكفين يعني كفه واسع، لما تسلم عليه يد واسعة وليست بمعنى خشنة، لا كفه واسعة الرحم. سبط العظام، خمصان الأخمصين، خمصان يعني هذه المنطقة التي في الأسفل هلالية، وليست كما يسمى اليوم فلات، أنها تكون منبسطة تماماً، هذا أصلاً يسبب ضعفاً في المشي بخلاف عندما تكون أسفل القدم هلالية. مسيح القدمين ينبو عنهما الماء صلى الله عليه وسلم، مسيح القدمين من أعلى، المراد أنه من أعلى لا يوجد نتوءات عظمية، مسيح القدمين بالتالي من أعلى إذا مجرد ما تضع ماء ينزل بسهولة وسلاسة في المنطقة العلوية.
وأخذ رواية حديث الحسن بن علي قال: حدثنا ابن خالي هند بن أبي هالة عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق، وفيه أزج الحواجب سوابغ من غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب. حواجبه سوابغ لكن ما كانت تقترن، هذا هو الصحيح، وفيه كث اللحية، أدعج، سهل الخدين، ضليع الفم. أدعج العينين وهو يعني العين الدعجاء كبيرة واسعة مع شدة سواد بؤبؤها، فعينه سوداء صلى الله عليه وسلم.
إذا زال زال تقلعاً، ويخطو تكفؤاً، إذا زال تقلعاً يعني مشيته مشية قوية كأنه يقتلع قدمه من الأرض، وهذا دلالة ليست مشية راخية كسولة. ويمشي هوناً، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، ذريع المشية يعني يمشي في مسافة في بين خطواته، لا يقارب بين الخطى، مشيته في الرفع عالية. وإذا التفت التفت جميعاً، إذا التفت إلى شيء التفت جميعاً هكذا، لا يلتفت فقط برأسه بل يلتف دلالة الاهتمام، يعطي الشيء اهتمامه إذا التفت.
نظره إلى الأرض أطول من السماء عليه الصلاة والسلام، وهذا من توقيره لربه. جل نظره الملاحظة، يعني لا يركز في الشيء من أمور الدنيا، يعني إذا لحظه لحظة بطرف عينه خلص ويرفع مباشرة، نحن مبحلق في الشيء يبقى ينظر إليه، ولا تمدن عينيك إلى، إذا نظر إلى رجل أو إلى دابة أو إلى أي شيء من أمتعة الحياة نظر نظرة ملاحظة سريعة لا يديم النظر إلى شيء، وهذا قد يكون مثل إلى شخص قد يكون منعاً للإحراج، وإذا متاع من متاع الدنيا لعدم الاكتراث به.
يسوق أصحابه ويبدأ من لقيه بالسلام. يسوق أصحابه، فأصحابه يتبعونه يكونون خلفه. قلت: صف لي منطقه. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائماً الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه. يتكلم بجوامع الكلم، فصلاً لا فضول فيه ولا تقصير، يتكلم فصلاً، كلمة واضحة، لا يوجد فيها إخلال ولا إطالة وحشو، كلمة في مكانها ونقطة.
دمث ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت، دمث الأخلاق سهل الأخلاق في التعامل. لا يذم شيئاً، لم يكن يذم ذواقاً ولا يمدحه، لم يكن يذم طعاماً قط صلى الله عليه وسلم ولا يمدح أيضاً لأنه ليس من دأبه الانشغال بالدنيا، وقد يمدح الطعام أو شيئاً من ذلك طبعاً هذا كلام عام إلا إذا كان عند ضيف أو شيء إنسان يشكر ضيفاً، لكن المراد أنه لم يكن صلى الله عليه وسلم كحال بعضنا أنه أكلت مطعم فلان، ويقعد لك المطعم وكذا واللحم وكانت، تعرف أنت كيف نتكلم في أمور الدنيا، هو صلى الله عليه وسلم لم يكن هذا من شأنه، فكان يرى أن الطعام بلغة.
ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، هو لا يغضب إلا لله، فإذا غضب لله لم يقم شيء أمام غضبه. لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها. إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها، فضرب بإبهام اليمنى راحته اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه.
جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام، يعني أسنانه كحب الغمام، يعني الثلج، لونها أبيض. يعني هو عادته في ضحكه التبسم، ما كان يفتح فاه إذا ضحك، ابتسامة غالباً، أحياناً كان يضحك فإذا ضحك بدا لنا كحب الغمام في أسنانه صلى الله عليه وسلم، يعني أسنانه كانت كحب الغمام أي كالثلج الأبيض.
الحسن فكتبتها الحسين بن علي زماناً، ثم حدثته، الحسن يقول كتمتها عن أخي ما أعطيته هذه الأوصاف زماناً، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه، قال ثم حدثته مفكر أني بدي أمن عليه، شايف يا حسين هيني أعطيتك معلومات عن صفة خلق النبي عليه الصلاة والسلام.
فوجدت الحسن سأل خالي قبلي أو في نفس الوقت؛ نعم، قال فسأل أباه عن مدخل رسول الله ﷺ ومخرجه ومجلسه، كيف كان يدخل ويخرج بأبي وأمي صلوات ربي وسلامه عليه، قال: فلم يدع منه شيئاً. قال الحسين: سألت أبي رضي الله عنه عن دخول رسول الله ﷺ، فقال: كان دخوله لنفسه مأذوناً له في ذلك، فكان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزء لله تعالى، وجزء لأهله، وجزء لنفسه.
فكان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءاً لله؛ عبادة وتسبيح وذكر وقراءة قرآن خاصة، وجزءاً لأهله؛ العشرة الأهلية التي لا بد منها، وجزءاً لقضاء حوائج نفسه؛ إنسان قد يريد أن يقص أظفاره، يريد أن يصلح هندامه، يريد أن يقضي حوائجه الشخصية الحياتية. قال: ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس؛ فيرد ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدخل عنهم شيئاً. فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل ذي الفضل بإذنه، وقسمته على قدر فضلهم في الدين؛ منهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتلهى بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم؛ لما يسأله عن شيء يجيبهم بما يصلح حالهم، ويشغل الناس دائماً بما ينفعهم.
قال: وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من أبلغ سلطاناً حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبّت الله قدميه يوم القيامة». إذاً في حدا ما بيستطيع يصل إليه أوصل إليَّ حاجته. قال: لا يُذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون روّاداً ولا يفترقون إلا عن ذواق، ويخرجون أدلّة. يعني كل من دخل مجلسه يخرج وقد استفاد علماً ليعلمه للناس؛ يخرجون معلمين للناس الخير. هذا حال من يجلس إلى مجلسه.
قلت: فأخبرني عن مخرجه كيف كان يصنع فيه؟ قال: كان رسول الله ﷺ يخزن لسانه إلا مما يعنيهم، ويؤلّفهم ولا يفرّقهم، يكرم كريم كل قوم ويولّيه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره وخلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويصوّبه، ويقبّح القبيح ويوهّنه. معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملّوا. لكل حال عنده عتاد، لا يقصّر عن الحق ولا يجاوزه إلى غيره. الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.
عن مجلسه عما كان يصنع فيه؛ إذا تكلمنا عن مدخله تكلمنا عن مخرجه، الآن عن مجلسه. هو الحسين سأل والده عن ماذا؟ كيف كان مدخله في منزله، ثم مخرجه كيف كان يتعامل مع الناس في البيئة الخارجية، الآن كيف كان مجلسه؟ فقال: كان رسول الله ﷺ لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطّن الأماكن، وينهى عن إيطانها. وهذا أصلاً من أكثر ما يرد على أصحاب الزوايا؛ أنه ما كان عنده مكان معين؛ خلاص لا أذكر الله إلا فيه، بل كان يكره ذلك. كان يذكر الله حيثما أتت به الأمور، ما كان يوطّن مكان معين فقط للذكر؛ يقول خلاص هذه زاوية أوطنها للذكر. مثلاً في المسجد يذكر مرة عند هذه السارية، مرة عند هذه السارية، يصلي مرة هنا مرة هنا، في بيته يذكر الله في الصالة، يذكر الله في غرفة المعيشة، يذكر الله في غرفة النوم، وكان يكره إيطان مكان معين.
وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه. يعطي كل جليس وقته الكافي، يسمع منه ويبتسم، ولا يفضل جليساً على جليس حتى لا يشعروا بالحزن. من جالسه أو قامه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه؛ إذا أحد طلب منه حاجة يصبر النبي ﷺ ولا يشعر جليسه بالملل، صابره حتى يسأل ويقضي حاجته ويخلص أموره، ثم هو الرجل ينصرف، لا يظهر له الملل منه. من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، إذا لم يكن عنده ما يستطيع يرده بالكلام اللين.
وقد وسّع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أباً، وصاروا عنده في الحق سواء متفاضلين فيه بالتقوى. مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تُؤبّن فيه الحرم، ولا تُنث فلتاته؛ يتعاطون بالتقوى متواضعين. لا تُنث فلتاته؛ هذا خلق عالٍ جداً؛ يعني إذا أحد تكلم في المجلس بكلمة غير لائقة لا يتم إخراجها خارج المجلس؛ أنت اليوم أمانات المجالس باختصار، ممكن شخص يقول في المجلس كلمة غير لائقة، يغتاب مثلاً، فالنبي ﷺ يزجره أو يقول قولاً لا ينبغي أن يقال، فالنبي ﷺ ينبهه. كل ما يقال في مجلسه من الفلتات التي تصدر من بعضهم، تبقى في المجلس ولا أحد يذكرها وينقلها خارج المجلس، أنه والله في أحد في مجلس النبي ﷺ قال كذا، لأنه هذه أمانات مجالس. المتواضعين يوقّرون فيه الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة.
فسألت عن سيرته ﷺ في جلسائه؟ فقال: كان رسول الله ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخّاب ولا فحّاش ولا عيّاب ولا مدّاح، يتغافل عما لا يشتهي. ولا مدّاح؛ يعني لا يشتغل بمدح الطعام والشراب كما قلنا واللذائذ. يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه؛ يعني كأنه يقول لك لا يقطع الرجاء، من بخلي ممكن غيره يستفيد منه، أنت أحياناً ممكن لا تشتهي شيئاً لكنك تقعد تذمه فيصبح الناس كلهم يقولون آه ما دام ذمه النبي ﷺ لا نريده، فهو لا يشتهيه لكنه لا يقطع منه، ممكن غيره يشتهيه فيتركه لغيره. قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً ولا يعيّره، ولا يطلب عورته. ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه.
إذا تكلم أطرق، جلس كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا. لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصت له حتى يفرغ حديث أولهم. يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، ويقول: «إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فارفدوه». ولا يطلب ثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوّزه فيقطعه بانتهاء أو قيام.
قلت: فكيف كان سكوته؟ قال: كان سكوته على أربعة: على الحلم والحذر والتقدير والتفكر. فما تقديره؟ إذا كان يسكت حلماً؛ يعني لماذا كان يسكت ﷺ لأربعة أشياء؟ إما يسكت حلماً؛ يعني واحد تصرف تصرفاً من الأعراب ما أعجبه، يسكت ولا يعلق حلماً عليه. أو حذراً؛ الحذر أنا أسكت لأنه موقف إذا استعجلت ممكن أتكلم بكلمة في غير، خاصة في موقف غضب فقد يسكت حذراً. وقد يسكت تقديراً، يعني يفكر في الأمر، والتقدير والتفكر. التقدير قد يكون المراد تقدير الشيء كيف يجب أن يخرج الكلام له، والتفكر؛ التفكر التعبدي التي هي الخلوة مع الله سبحانه وتعالى، فالتقدير الذي يظهر لي المراد به يقدر ماذا يقول، فيسكت حتى يقدر ماذا ينبغي أن يخرج منه هنا. والتفكر؛ هو السكوت التفكر العام، يعني أن يتفكر في خلق السماوات والأرض، أن يتفكر في حال أصحابه عموماً، فإذًا سكوته إما حلم، وإما حذر، وإما تقدير -يعني يقدر ماذا يقول في هذا الموقف- وإما تفكر وهذا أعم.
قال: فأما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع من الناس، وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم في الصبر فكان لا يغضبه شيء يستفزه، وجمع له في الحذر أربع: أخذه بالحسن ليقتدوا به، والقبيح لينتهى عنه، واجتهاد الرأي بما أصلح أمته، والقيام لهم بما جمع لهم أمر الدنيا والآخرة.
قال القاضي أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي، صاحب كتاب الشفاء، بعد إيراد حديث هند بن أبي هالة: هذا فصل في تفسير غريب هذا الحديث ومشكلة. قوله: إنه كان ليس بالمشذب، المراد الآن سيعلق على الألفاظ التي مرت خلال هذا الفصل، المشذب هو البائن الطول في نحافة، وهو مثل قوله في الحديث الآخر: ليس بالطويل المُمغّط. والشعر الرجل: الذي كأنه مشط فتكسر قليلاً، ليس بسبط ولا جعد، كان شعره رجلاً ليس سبطاً كشعر النساء ولا مجعداً كالشعر المفلفل بالوسط. والعقيقة هي شعر الرأس، أراد أنها إن انفرت من ذات نفسها فرقها، وإلا تركها معقوصة إلى الخلف.
وأزهر اللون: أي نيّراً، ويقال أزهره حسنه ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: 131]، وهكذا في الحديث ليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم، فقد كان لون بشرته أبيض مشرباً بالحمرة، والأبيض المشرب بالحمرة يسمى أزهر عند العرب، فهو ليس أمهق، والأمهق هو بياض الأجانب، لونه أمهق يعني الأبيض تمام البياض، وهذا لا يعجب العرب، وليس آدم وهو الأسمر اللون، ومثله في الحديث كان أبيض مشرباً وفي رواية مشرباً بالحمرة.
والأقنى السائل الأنف المرتفع من حيث الوسط لهذه العظمة تمام، والأشم قصبة الأنف، وهذا ليس هو التعريف المشهور للأشم، وإنما الأشم هو المرتفع قصبة الأنف، هو المرتفع الأشم لأنه قال كنا نظن أشم، وليس بالأشمونين ﷺ، بل كانت أرنبتاه وقصبة الأنف يعني هذه تحتاج إلى نظر، والقرن هو اتصال شعر الحاجبين ولم يكن مقروناً، وضده البلج وهو أن لا يتصل شعر الحاجبين، وهذا هو الصحيح، ووقع في حديث أبي سعيد وصفه بالقرن لكنه ضعيف والصحيح أنه.
الداء هو العين، مع شدة سواد البؤبؤ. وفي الحديث الآخر كان أشكل العين، وأشكل العين هو الذي في المنطقة البيضاء شيء من الحمرة؛ فهو كان أدعج وأشكل. الشكل هو حمرة في البياض، وأما الدعج فهو في البؤبؤ. وضليع الفم أي واسع الفم صلى الله عليه وسلم، ليس فمه صغيرًا. والشنب هو رونق الأسنان وماؤها، «بأبي أنت وفوك الأشنب» كما جاء في الشعر، وقيل رقتها وتحزيزها كما يوجد في أسنان الشباب. والفلج هو أن يفرق بين الثنايا، أن تكون الأسنان ليست ملتصقة بل مبتعدة عن بعضها البعض؛ خاصة هنا وهنا.
ودقيق المسربة، وهو خيط الشعر الذي بين الصدر والسرة. والباد هو ذو لحم متماسك معتدل الخلق، يمسك بعضه بعضًا، مثل قوله في الحديث الآخر: لم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم؛ أي ليس بمسترخي اللحم. والمكلثم هو قصير الذقن. المطهم إذا هو المسترسل لحمًا، ولا بالمكلثم أي قصير الذقن. وسواء البطن والصدر أي مستويان. ومسيح الصدر -إن صحت هذه اللفظة- فيكون معناها من الإقبال، وهو أحد معاني أشج، أي أنه كان بادي الصدر، لم يكن في صدره قعس، يعني كيف تجد الإنسان هكذا صدره باد إلى الأمام وليس داخلاً إلى الداخل.
لم يكن في صدره قعس، وهو تطامن فيه. والقعس هو تطامن، وبه يتضح قوله سواء البطن والصدر؛ يعني هذا فيه أيضًا توضيح أكثر لمعنى سواء البطن والصدر، أنه أحدنا يكون سمينًا من الأمام وصدره إلى الخلف داخل، فتشعر أنه مثل درجات، لا هو صلى الله عليه وسلم صدره وبطنه على نفس المستوى. ليس بمتطامن الصدر ولا مفاض البطن، ولعل لفظ مسيح بالسين وفتح الميم بمعنى عريض كما وقع في الرواية الأخرى وحكاه ابن دريد. والكراديس هي رؤوس العظام رؤوس المفاصل، ومثل قوله جليل المشاش والكتد؛ لكن المشاش هي نوع من الكراديس، والمشاش هي منطقة عظم المنكبين، والكتد هي عظمة الكاهل.
مجتمع الكتفين الذي هو الكاهل. وشثن الكفين والقدمين أي لحمهما؛ معناه كما قلنا يده فيها لحم، شثن كأنك بتسلم على عظام، وهذا يعطيه ملمسًا جميلًا طيبًا. والزند عظما الذراعين، كما قلنا، وسائح الأطراف يعني طويل الأصابع. وذكر ابن الأنباري أنه روي "سائن" وليس "سائل"، بدل سائل سائن بالنون، وهما بنفس المعنى، تبدل اللام من النون إن صحت الرواية به. وأما الرواية الأخرى "سائل الأطراف" فهو إشارة إلى فخامة جوارحه، سائل الأطراف يعني فخم الجوارح، كما وقعت مفصلة في الحديث، بمعنى أنه أصابعه أيضًا أصابع رجل قوية، يعني تجد أنك تتكلم عن أصابع رجل، ليست أصابع نحيلة ونحيفة، فيها نوع من السمنة.
ورحب الراحة أي واسعها، وقيل كنى به عن سعة العطاء والجود، يعني أظن هذا بعيد لأنه كان يتكلم عن وصف جسده وليس عن وصف أخلاقه، أنه رحب الراحة؛ هو نعم عليه الصلاة والسلام من أجود الناس، لكن الحديث كان في وصف خلقه وليس في وصف خلقه. وخمصان الأخمصين أي متجافٍ أخمص القدم، كما قلنا قدمه من الأسفل الهلالية، وهو الموضع الذي لا تناله الأرض من وسط القدم. ومسيح القدمين يعني أملس هما من الأعلى، ولهذا قد ينبو عنهما الماء، لا يوجد نتوءات كما قلنا. وفي حديث أبي هريرة خلاف هذا، قال فيه: إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها، ليس أخمص. أبو هريرة لما وصف قدم النبي صلى الله عليه وسلم من الأسفل لم يقل إنه كان أخمص، بل كان قدمه على الأرض تمامًا، لكن هذا ضعيف، والمشهور الروايات الأولى أنه كان أخمص. لذلك قال إن أبا هريرة قال كانت قدمه كلها على الأرض، وهذا يوافق معنى مسيح القدمين إذا قلنا مسيح من الأسفل، لكن نحن فسرنا المسيح ليس من الأسفل، فسرنا المسيح من الأعلى، وبالتالي نجمع بين كونه أخمص ومسيحًا؛ أن أخمص من الأسفل ومسيح من الأعلى. لكن على رواية أبي هريرة أنه لم يكن أخمص صلى الله عليه وسلم فيمكن يفسر مسيح القدمين أن قدمه كانت كلها على الأرض، فكلمة مسيح تحتمل هذا وهذا، لكن المشهور هو الأول، وبه قالوا سمي المسيح ابن مريم مسيحًا؛ سمي مسيح ابن مريم مسيحًا لأنه كانت قدمه مسحة على الأرض، ولكن ليس هذا هو المشهور أنه كان يمسح على الأكمه والأبرص فيشفيه.
وقال السهيلي في المسيح بن مريم فَعَيل بمعنى فاعل، أنه كان يؤتى بذوي العاهات كما قلنا فيمسح على مواضعها فتزول، وليس أنه سمي المسيح من باب القدم، والمسيح الدجال سمي مسيحًا لأنه مسح إحدى العينين. رجع إلى الأول، وقيل مسيح لا لحم عليهما، وهذا أيضًا يخالف إذا قيل إن الأقدام كانت مسيحة بمعنى لا لحم عليها، هذا يتعارض مع قول إنه كان شثن الكفين والقدمين، والشثن يعني المليء باللحم. لذلك المسيح فيما يظهر كما قلنا أن قدمه لا يوجد فيها نتوءات، هذا أفضل شرح لمعنى كلمة مسيح القدمين: لا يوجد نتوءات في أعلى القدم ولا تجاويف.
التقل رفع الرجل بقوة. التكفؤ إلى صبب الممشى وقصده، تمام يعني السنن الذي هو الطريق، وقصده كأنه يقول يركز في طريقه لا يذهب يمينًا ولا شمالًا؛ مثلاً أنا رايح للمسجد خلاص بيمشي في الطريق دغري، لا يذهب يمينًا ولا شمالًا. الهون هو الرفق والوقار. الذريع واسع الخطوة، أي أن مشيته كان يرفع فيها رجليه بسرعة ويمد خطوه، خلاف مشية المختال الذي عم يتبختر، يعني الذي ماشي على راحته؛ ويقصد سمته صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك برفق وتثبت دون عجلة، كما قال: «كأنما ينحط من صبب»، أي كانما مشيته قوي كأنه ينزل من موطن عالٍ.
كقوله: يفتتح الكلام ويختمه بأشدادها، وتضم بصغر الفم، نعم. وأشاح أي مال وانقبض، وحب الغمام البرد. وقوله فيرد ذلك بالخاص على العام، أي جعل من جزء نفسه ما يوصل الخاصة إليه، فتوصل عنه للعامة، وقيل يجعل منه للخاصة ثم يبدلها في جزء آخر بالعام ويدخلون. إذًا فيرد ذلك بالخاص على العام، مش قلنا النبي صلى الله عليه وسلم قسم جدوله ثلاثة؛ الجزء الذي لنفسه جعله بينه وبين الناس، بس كيف بينه وبين الناس؟ الآن صعب كل الناس تدخل بيته صلى الله عليه وسلم، صعب، وإنما المراد أي جعل من جزء نفسه ما يوصل الخاصة إليه، أبو بكر وعمر خواص أصحابه، وهذه الخاصة توصل الفقه إلى العامة الذين في العادة لا يدخلون إليه. وقيل يجعل منه للخاصة ثم يبدلها في جزء آخر بالعام؛ يعني وقيل هناك معنى آخر لمعنى قوله فيرد ذلك بالخاص على العام، أي يجعل من وقته الخاص للخاصة، ثم في يوم آخر يبدلها في جزء آخر بماذا بالعام، يعني أحيانا يدخل عليه الخاصة، كأنه يقول، وأحيانا يدخل عليه العامة، يعني يراوح بين هذا وهذا.
معنى قوله يدخلون روادًا، ارتاد الشيء إذا احتاج إليك ارتدت، يعني إذا احتجت إليك، فيدخلون روادًا أي محتاجين إليه صلى الله عليه وسلم ولا ينصرفون إلا عن ذواق، هنا فسرها بالتفسير غير الذي فسرناه، قال عن علم يتعلمونه، ويشبه أن يكون على ظاهره الذي هو الطعام. والعتاد هو العدة والشيء الحاضر المعد. والمؤازرة أي لا يتحدث بها، لا ينشر السر، المجالس أمانات. ويرفد أي يعينون. والصلخاب هو الكثير الصياح، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، تمام؛ قيل مقتصد في ثنائه ومدحه، وقيل إلا من مسلم؛ لأن المكافأة هنا بمعنى الإسلام، وقيل إلا من مكافئ على يد سبقت من النبي صلى الله عليه وسلم له؛ يعني النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل أحدًا يثني عليه إلا شخصًا يريد أن يكافئه، طب ما معنى المكافأة هنا؟ قيل المكافئ هو المعتدل في الثناء، هذا هو التفسير الأول للمكافئ؛ يعني لا يقبل واحدًا أن يثني عليه إلا شخصًا معتدلًا في الثناء. وقيل المكافئ مسلم، لا يقبل الثناء إلا من مسلم. وقيل إلا من مكافئ، وهذا هو المشهور، هو المعنى الثالث: لا يقبل الثناء إلا من شخص يريد أن يكافئ النبي صلى الله عليه وسلم على معروف سبق من النبي صلى الله عليه وسلم له؛ يعني كيف أنا أعطيك شيئًا فأنت تقول لي جزاك الله خيرًا، بس هذا ثناء، بس هذا ثناء مقابل ايش معروف أنا قدمته لك، فإذا كان الثناء مقابل معروف قدمه يتسامح فيه صلى الله عليه وسلم، أما شخص يأتي يمدحني وأنا مش عامل له شيء، ما كان يحب صلى الله عليه وسلم هذه الحالة، يستفزه، يعني يستخفه.
وفي حديث آخر في وصفه منهوس العقب، بالنسبة لعقب وهي خلف القدم كان قليل اللحم، هنا منهوس العقب يعني قليل اللحم بمنطقة الأعقاب وهي المنطقة الخلفية من القدم. أهدب الأشفار، الأشفار هي ماذا؟ أشفار العينين الشعر الذي على الجفن، ومعنى أنه أهدب الأشفار يعني طويل شعر الجفنين.
قال ذكر خاتم النبوة، قال عن جابر بن سمرة قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم عند كتفيه مثل بيضة الحمامة، يشبه جسمه، نعم خاتم النبوة كان بحجم بيضة الحمامة ولونه لون جسده صلى الله عليه وسلم، يعني لم يكن لونه أسود أو مختلفًا عن لون الجسد، لونه هو بروز لحمي يشبه بيضة الحمامة ولونه من لون سائر الجسد حتى لا يعتبر برصًا أو عاهة، نعم. قال وفي لفظ سلعة مثل بيضة الحمامة، قال وروي عن أبي رمثة: السلعة هي الثالول؛ يعني السلعة تطلق على الغدة أو الثالول أو البروز اللحمي يسمى عند العرب سلعة، قال وأقدر، يعني أبي رمثة، أنه شعر مجتمع عند كتفيه، هو شعر، الصحيح قالوا إنها هو بروز لحمي عليه شعر، فكل صحابي وصف ما رآه، يعني أحيانًا لماذا يختلف الوصف مع أنه شيء واحد؟ سبحان الله كل واحد ينظر إلى زاوية معينة، ففي صحابي شاف شعرًا على الثالول فقال شعر، في صحابي دقق أكثر فكان قريبًا منها، لا هو مش مجرد شعر هو شعر على بروز لحمي، فكل شخص رأى، وليس هذا تعارضًا نعم.
وروي عنه أيضًا أنه مثل بيضة الحمامة، وأنه قال: يا رسول الله ألا أداويك منها؟ فقال: «يداويها الذي وضعها»، يعني خليها في حالها، هذه علامة أصلًا، يعني هو هذا الرجل فكرها حالة مرضية، نعم. قال وروي عنه أيضًا قال مثل التفاحة، وعن سلمان الفارسي أنه قال كان مثل بيضة الحمامة بين كتفيه، وقيل على نغض كتفه الأيسر؛ يعني هو بين كتفيه والبعض قال هو أقرب إلى الكتف الأيسر وليس في المنتصف تمامًا، هكذا ذكر البعض، نعم. وقيل كانت بضعة لحم كلون بدنه، نعم. قال وقيل كانت كزر الحجلة، زر الحجلة اختلفوا من مربط الحجلة، إذا قيل الحجلة هي الطير فزر الحجلة هو بيضها، فصار قريبًا من وصفه بأنها بيض الحمامة، وقيل الحجلة هي خيمة كانت تصنع للعروس في ليلة دخلتها ويدخل عليها الزوج فيها وكان لها أزرار، كيف أزرار الثوب أزرار تسكر بها لأنه هذه جلسة خاصة، فكان كزر الحجلة، وقالوا زر الحجلة هي أزرار هذه الخيمة، وهي في المقدار قريبة من بيضة الحمامة، فالبعض وصف بيض الحمام والبعض وصفه كزر الحجلة وكل واحد سبحان الله يصف الشيء على ما يخطر في ذهنه، نعم. وقيل كانت ثلاث شعرات مجتمعات، وقيل كانت شامة خضراء محتة في اللحم، لا خضراء هذه يعني هذا النص وقيل هذا ضعيف، لم تكن شامة خضراء. وقال عبد الله بن سرجس: رأيت خاتم النبوة جمعًا، جمعًا عليه خيلان كأنها الثاليل عند نغض، وروي عند غضروف كتفه اليسرى، جمعة منطقة لحمية مجتمعة عليه خيلان يعني مثل شامات، نسمي الخيلان هي شامات، أيوه قال وفي رواية سود، رواه مسلم، قال وقيل مثل البندقة، وقيل كأثر المحجم، وقيل كركبة العنز، أثر المحجم، تمام تحط كاسة الهواء على ظهرك بتعمل زي أثر، ولكن كاسات الهواء الصغيرة مش كاسة الهواء المحاجم حتى اليوم في كاسة كبيرة وفي كاسة صغيرة، هي الكاسة الصغيرة، نعم.
قال أسنده أبو عمر عن عباد بن عمر، وقيل نور عن ابن عائذ في مغازيه بسنده إلى شداد بن أوس، فذكر حديث الرضاع وشق الصدر، وفي وأقبل الثالث -يعني الملك- وفي يده خاتم له شعاع، فوضعه بين كتفيه وثدييه ووجد برده زمانًا، وقيل ولد هو به. قال وذكر الواقدي عن شيوخه قالوا: لما شكوا في موت النبي صلى الله عليه وسلم وضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قد توفي، وقد رفع الخاتم من بين كتفيه؛ فهذا الذي عرف به موته عليه الصلاة والسلام.
قال ذكر جملة من أخلاقه عليه أفضل الصلاة والسلام، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. قال: لما شكوا في موت النبي صلى الله عليه وسلم وضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قد توفي وقد رفع الخاتم من بين كتفيه، هذه القصة فيها نظر، هذه القصة كلها فيها نظر؛ يعني أسماء بنت عميس تضع يدها بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم.
وهي ليست محرماً له، تمام. هذه واحدة قضية.
هل فعلاً رفع الخاتم من كتفيه؟ هذا كله مروي عن الواقدي، وهذا يحتاج إلى نظر، والمشهور ليس هذا.
نأتي إلى وصفنا قبل قليل خلقه، الآن نصف أخلاقه صلى الله عليه وسلم. قالت عائشة رضي الله عنها: «كان خلقه القرآن»؛ يعني التأدب بآدابه، والتخلق بمحاسنه، والتزام لأوامره وزواجره. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وقال أنس: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً».
وكان عليه الصلاة والسلام أرجح الناس حلماً. روي أنه لما كسرت رباعيته وشج وجهه يوم أحد، والرباعية هي الأسنان الرباعية، شق ذلك على أصحابه وقالوا: لو دعوت عليهم! فقال: «إني لم أبعث لعاناً، ولكني بعثت داعياً ورحمة، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون».
وكان صلى الله عليه وسلم أعظم الناس عفواً، كان لا ينتقم لنفسه. ولما تصدى له غورث بن الحارث ليقتله والسيف بيده، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من يمنعك مني؟ قال له: «الله». فسقط السيف من يده، فقال له عليه الصلاة والسلام وقد أخذ السيف: «من يمنعك مني؟» قال: كن خير آخذ. فتركه وعفا عنه، فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس.
وعفا عليه الصلاة والسلام عن اليهودية التي سمته في الشاة بعد اعترافها على الصحيح. عفا عنها ابتداءً، لكن لما قتل الصحابي الآخر الذي أكل معه، اقتص منها له؛ لذلك الصحابي الآخر، أما بالنسبة له فقد عفا صلى الله عليه وسلم عن حقه.
ولم يؤاخذ لبيد بن الأعصم إذ سحره، ولا عبد الله بن أبي وأشباهه من المنافقين بعظيم ما نقل عنهم قولاً وفعلاً. وكان أسخى الناس كفاً، ما سئل شيئاً فقال: لا. وأعطى صفوان بن أمية غنماً ملأت وادياً بين جبلين، فقال: أرى محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. ورد على هوازن سباياها، وكانت 6 آلاف.
وأعطى العباس من الذهب ما لم يطق حمله، وحملت له تسعة آلاف درهم فوضعت على حصير، ثم قام إليه فقسمها، فما رد سائلاً حتى فرغ منها. وذكر عن معوذ بن عفراء قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بقناع من رطب وقثاء، فاعطاني ملء كفه حلياً وذهباً، فكان عنده حلي وذهب قدم من البحرين أو من بلد فأعطاه هدية.
وروينا عن الشافعي بإسناده عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا طبخت فأكثر المرقة وقم فاقسم في أهلك وجيرانك».
وكان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس، سئل البراء: أفررتم يوم حنين؟ قال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، وفيه فما رئي يومئذ أحد كان أشد منه. وقال ابن عمر: ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أنس: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أنجد»، أنجد من النجدة يعني فزعة.
وعن أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، لقد فزع أهل المدينة ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً قد سبقهم إلى صوته واستبرأ السبب، هذا الصوت يعني، سمع الصحابة في المدينة صوت شيء عالٍ، فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم سبقهم وقد عرف سبب هذا الصوت ورجعوا وأمنهم. على فرس لأبي طلحة عري، والسيف في عنقه، ويقول: «لن تراعوا، لن تراعوا»؛ يعني لا تخافوا، لا تقلقوا، كانه شيء عارض.
وقال عمران بن حصين: ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم كتيبة إلا كان أول من يضرب. وقال علي بن أبي طالب: أنا كنا إذا حمي أو اشتد البأس احمرت الحدق التقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أقرب إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأساً. وقيل كان شجاعته هو الذي يقرب منه صلى الله عليه وسلم لقربه من العدو.
وكان صلى الله عليه وسلم أشد الناس حياء، وأكثرهم عن العورات إغضاءً. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: 53]. ولقد رأيتني يوم بدر، أنا أظنها تحتاج إلى نظر وأظنها يوم أحد، إن يوم بدر لم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم شارك في القتال، فقد كان في العريش والصحابة في يوم بدر كانوا مبادرين، وإنما وقع ما وقع في غزوة أحد لما افتتن الصحابة ووقع الإشكال.
وعن أبي سعيد الخدري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئاً عرفناه في وجهه. يعني كان إذا كره شيء ما عنده موقف تصرف، ما يحب النبي صلى الله عليه وسلم يعلق، لكن يعرف ذلك في وجهه لشدة حيائه صلى الله عليه وسلم.
وعن عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن أحد ما يكره لم يقل: ما بال فلان يقول كذا وكذا، ولكن يقول: «ما بال أقوام يصنعون أو يقولون كذا»، ينهى عنه ولا يسمي فاعله.
وعن أنس في حديث أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يواجه أحداً بما يكره؛ يعني لا يتكلم مع شخص بشيء يكرهه، لا يواجه أحداً بما يكره، لا يتكلم معك بشيء يزعجك إلا إذا في معصية ينبه عليها، لكن الأمور الحياتية لا، ما كان يتكلم مع شخص بكلمة تزعجه.
وعن عائشة: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً ولا سخاباً بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح. وعنها: ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، طبعاً هذا ضعيف، واستدل به على أن المرأة يستحب لها ألا يرى من الرجل ما يرى فرجه، أو الرجل لا يرى من زوجته، لكن العلماء قالوا هذا ضعيف.
وروي عنه أنه كان من حيائه لا يثبت بصره في وجه أحد، وأنه كان يكني عما اضطره الكلام إليه مما يكره، الحديث عن يعني يكني عن الجماع، يكني عن ما يخرج من الإنسان، ما كان يحب أن يسمي شيئاً باسمه إذا كان من الأشياء التي تستقبح.
وكان صلى الله عليه وسلم أوسع الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة. وألينهم عريكة يعني إنسان سهل التعامل.
وعن قيس بن سعد قال: زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أراد الانصراف قرب سعد حماراً، وطأ عليه بقطيفة فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال سعد: يا قيس، اصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال قيس: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اركب. فأبيت. فقال لي: «إما أن تركب وإما أن تنصرف»؛ يعني اصحب، معناه النبي قال إما تركب وراي، قال: لا أنا بمشي أمامك، مشي، قال: لا يا بتركب يا بتروح؛ يعني إذا بدك تمشي معي شوف تواضعه صلى الله عليه وسلم، ما بده أن قيس يمشي على قدميه وهو راكب عليه الصلاة والسلام.
قال: أما أن تركب وإما خلص لا تمشي معي. وفي رواية: اركب أمامي فصاحب الدابة أولى بمقدمها. وعن عائشة في حديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه ما دعاه أحد من أصحابه ولا أهل بيته إلا قال: لبيك.
وقال جرير: ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم. وكان صلى الله عليه وسلم يمازح أصحابه ويلاطفهم ويحدثهم، ويدع صبيانهم ويجلس في حجره، ويجيب دعوة الحر والعبد والأمة والمسكين، ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر.
قال أنس: ما التقم أحد أذن النبي صلى الله عليه وسلم فينحاز حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه. التقم أحد أذنه يأكلها، أيوه، ما عدا يفهم كذا يا جماعة المراد أن أحداً يريد أن يعطيه سراً أو يتكلم معه في موضوع خاص.
وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر، إذا واحد أخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم حتى يسلم عليه أو يقضي، النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يده حتى يكون ذاك الرجل هو الذي يبدأ.
ولم ير مقدماً ركبتيه بين يدي جليس، وكان يبدأ ملاقيه بالسلام. إذا كان جلسوا في حلقة ما كان صلى الله عليه وسلم يتصدر، بل تكون ركبته على مسام ركبة من بجواره، البعض لا ببروز عن أصدقائه وبيكون هو مقدم وهم وراءه، لا، صلى الله عليه وسلم كان دائماً ركبته على مسام ركبة جليسه صلى الله عليه وسلم.
ويبدأ أصحابه بالمصافحة، لم ير قط ماداً رجليه بين أصحابه حتى يضيق بهما على أحد، يكرم من يدخل عليه، وربما بسط له ثوبه، يؤثره بالوسادة التي تحته، ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى، ويكني أصحابه ويدعوهم بأحب أسمائهم تكريماً لهم.
وإنه كان يجلس إليه أحد ولا يصلي إلا خفف صلاته وسأله عن حاجته، فإذا فرغ عاد إلى صلاته. وكان أكثر الناس تبسماً وأطيبهم نفساً، ولم ينزل عليه قرآن أو يعظ أو يخطب؛ فإنه عند إذ بتعرفوا حالة الوحي وحالة الخطبة كانت شديدة، فكان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، وإذا نزل عليه الوحي كما مر معنا في الآثار يرى ذلك في تغير وجهه، لون وجهه يتغير، يصبح العرق ينزل منه، فحاله أكثر الناس تبسماً وأطيبهم نفساً ما لم ينزل عليه قرآن أو يعظ أو يخطب، هنا يصبح الناس يرون فيه ماذا أنه يختلف لونه، يعلو صوته، فهي حالات تختلف عن حالاته الطبيعية.
قال عبد الله بن الحارث: ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم. الخطبة والموعظة ليست مكان للتبسم أصلاً، هي مكان للحزم.
أما شفقته صلى الله عليه وسلم على خلق الله تعالى ورأفته بهم ورحمته لهم فقد قال تعالى فيهم: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. قال بعضهم من فضله عليه الصلاة والسلام أن الله أعطاه اسمين من أسمائه فقال: بالمؤمنين رؤوف رحيم.
ومن ذلك تخفيفه وتسهيله عليهم، وكراهته أشياء مخافة أن تفرض عليهم، كقوله: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء»، وتخفيف صلاة الليل، ونهيهم عن الوصال، وكراهته دخول الكعبة لئلا عرفنا طبعاً الوصال وهو أن يصوم الإنسان يومين وثلاثة بدون أن يفطر ليلاً ولا نهاراً، وكراهته دخول الكعبة لئلا يعني أمته، ورغبته لربه أن يجعل سبه ولعنه لهم رحمة، يعني كان النبي صلى الله عليه وسلم دعا ربه إذا سببت إنساناً بالخطأ أو لعنته بالخطأ اجعل سبي له أو لعنتي رحمة عليهم وبركة.
وإنه كان يسمع بكاء الصبي فيتجوّز في صلاة الجماعة، قد أمر ملك الجبال لتأمر بما شئت فيهم، فناداه ملك الجبال وسلم عليه وقال: مرني بما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، الأخشبين جبلان في مكة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً».
وإن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله أمر السماء والأرض والجبال أن تطيعك، فقال: «أؤخر عن أمتي لعل الله أن يتوب عليهم»، وقال: أؤخر عن أمتي يعني أم تطيعك يعني في العذاب، فقال: لا لا أريد أن يعذب كفار، أؤخر عن العذاب لعل الله أن يتوب عليهم.
وقالت عائشة: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما. وقال ابن مسعود: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة عليه، يتخولنا يعني لا يديم الموعظة، بل يتفقده مثلاً في الأسبوع مرة مرتين، هذا معنى التخول التعاهد، لكن لا يكون يومياً حتى لا يسأم الإنسان، كل يوم موعظة، كل يوم درس، كل يوم كذا، ماذا يسمع فيه الإنسان، يمل.
وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر». وكان صلى الله عليه وسلم أوصل الناس للرحم وأقواهم بالوفاء وحسن العهد.
وبإسناد عن عبد الله بن أبي الحمساء: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث، وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاث، فجئته فإذا هو في مكانه، سبحان الله يعني وعدت بعد ثلاثة أيام قلت بعد ثلاث أيام.
توعدنا أن نلتقي، قال: فأتيت بعد ثلاثة أيام، فوجدته في نفس المكان، وهذا يدل على وفائه بالوعد؛ توعدا في نقطة معينة فوجده بعد ثلاثة أيام في المكان. نعم، وقال: يا فتى، لقد شققتها علي، إنها هنا، تلاحظ ما. عفواً، فوعدت أن آتي بها في مكانه، فنسيت في اليوم، ثم تذكرت بعد ثلاثة أيام. بعد ثلاثة أيام تذكرت أني أريد أن أسد له المبلغ، فأتيت بعد ثلاثة أيام فوجدته في نفس المكان لم يغادر.
هي هكذا القصة، هو اشترى أو باع النبي شيئاً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بقيت له بقية، وأريد أن أرجع له إياها أو أسلمه إياها أو يسلمني إياها بغض النظر عن التفصيل، فنسيت الموعد؛ هو يقول: نسيت الموعد، تذكرت الموعد بعد ثلاثة أيام، فرحت على المكان الذي تواعدنا فيه، فوجدت النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرني ثلاثة أيام. طبعاً المراد أنه ثلاثة أيام ما راح نام في بيت صلى الله عليه وسلم، لا، لا يظهر ذلك؛ المراد أنه كان يذهب إلى البيت ينام ثم يعود في الصباح عند النبي صلى الله عليه وسلم في نفس المكان خشية أن يأتي الرجل.
نعم، قال: وعن أنس، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي بهدية قال: «اذهبوا بها إلى بيت فلانة، فإنها كانت صديقة خديجة»، الوفاء أنها كانت تحب خديجة. ودخلت عليه امرأة فهش لها وأحسن السؤال عنها، فلما خرجت قال: «إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان»، هش لها يعني ابتسم في وجهها.
نعم، وقال عليه الصلاة والسلام: «إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، غير أن لهم رحماً سأبلها ببلالها»، نعم، ليسوا لي بأولياء لأنهم ليسوا مؤمنين، وهنا يتكلم عن فخذ من قريش كانوا كفاراً، قال: هم ليسوا أولياء لي، إنما أولياؤه المؤمنون، ولكن لهم رحم بيني وبينهم سأصلها فقط لصلة الرحم.
عن أبي قتادة، وقد وفد وفده للنجاشي، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يخدمهم، فقال له أصحابه: نكفيك، يا رسول الله، نحن نخدمهم، تعرف مثلاً تدخل عند شيخ أو كذا فيصير الشيخ يخدمك بنفسه، فالصحابة قالوا: يا رسول الله، لا، نحن نخدمهم بدل ما أنت تتعب نفسك، قال: «إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين جماعة النجاشي، وأني أحب أن أكافئهم»، وإن كان يعني يحتاج إلى نظر في سنده.
نعم، قال: ولما جاءت أخته من الرضاعة الشيماء، وهي بنت حليمة السعدية، قال في سبيلها، وبسط لها رداءه، وخيّرها بين المقام عنده أو التوجه إلى أهلها فاختارت قومها، فمتعها. واضعاً على علو منصبه، يعني مع أن منصبه عالٍ، رئيس الدولة المسلمة رسول الله، ومع ذلك متواضع. اليوم حط شخص فقط إمام مسجد بيصير يشوف حاله على الناس. نعم، قال: فمن ذلك أن الله خيره بين أن يكون نبياً ملكاً أو نبياً عبداً، فاختار أن يكون نبياً عبداً صلى الله عليه وسلم. قال له إسرافيل عند ذلك: فإن الله قد أعطاك بما تواضعت له أنك سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع.
وخرج على قوم من أصحابه فقاموا له، فقال: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضاً»، وقال: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد». وكان يركب الحمار ويردف خلفه؛ عادي، يعني كان يركب الصحابة خلفه بكل تواضع صلى الله عليه وسلم. قال: ويعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجيب دعوة العبد، ويجلس بين أصحابه مختلطاً بهم، حيثما انتهى به المجلس جلس.
وقال للمرأة التي أتت في حاجة: «اجلسي يا فلانة في أي طرق المدينة شئت، أجلس إليك حتى أقضي حاجتك»، فجلست وجلس؛ تكون امرأة مسنة كبيرة بدها تقضي حوائجها فيقضي لها النبي صلى الله عليه وسلم. وكان يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة، يعني الدهنة التي فيها زنخ، ومع ذلك يجلس؛ تعرفوا مش كل الصحابة كان وضعهم المادي متقدماً، ممكن بعض الصحابة عنده شوية دهن من اللحم بقيت عنده، يحب يعملها صينية دهنة وشيء، ومع ذلك يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يجلس معه عليه.
نعم، قال: وحج على رحل رث، عليه قطيفة ما تساوي أربعة دراهم، وأهدى في حجة ذلك مئة بدنة، وكان يبدأ من لقيه بالسلام. قال وبإسناد عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبيان فسلم عليهم، يعني حتى الصبيان كان يسلم عليهم؛ لا يستصغر، يقول: خلاص، الصبيان ما أسلم عليهم، حتى الصبيان يسلم عليهم عليه الصلاة والسلام.
وكان في بيته في مهنة أهله، يفلي ثوبه يعني ينظف ثوبه يزيل عنه الوسخ، ويحلب شاته، ويخصف نعله يعني يصلحها إذا صار فيها ثقب، ويخدم نفسه بنفسه، ويعرف ناضحه يعني ناقته التي يجلب عليها الماء، الناقة تسمى ناضحة لأنه يستقي عليها، ويقم البيت يعني ينظف البيت، عادياً كيف تتكنس في البيت لوالدتك أو لزوجتك، ويعقل البعير يعني يربطه، ويأكل مع الخادم ويعجن معها.
نعم، قال: ويحمل بضاعته من السوق. وإن كانت الأمة من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنطلق به حيث شاءت حتى يقضي حاجتها. المراد هنا ملامسة البشرة للبشرة، لأن البعض خلص يأت إلى هذا وهو في سياق يريد أن يجر أصل في جواز مصافحة النساء، وغفر الله له، وإنما المراد يأخذ بيده، ليست يعني تأخذ بيده ممكن من هنا، يعني ما في داعي أن تكون «آخذة بيده» تعني أنه لامست البشرة البشرة. نعم، وكان صلى الله عليه وسلم يسمى الأمين قبل النبوة لما عرف من أمانته. وعن الربيع بن خثيم، كان يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية قبل الإسلام. وقال النضر بن الحارث لقريش: قد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه شيباً وجاءكم بما جاءكم به، قلتم ساحر. الصدغ هو هذا الشعر هنا، ويقولون هو أول ما يشيب من الإنسان، يعني لما يصير عمرك على الأربعين الأصل أنه يبدأ، فبدأ هنا.
قال: حتى إذا رأيتم في صدغيه شيباً. نعم، وفي الحديث عنه: «ما لمست يده يد امرأة قط لا يملك رقها»، هذه واضحة، ما لمست يده يد امرأة قط، يعني نحن عندنا نص صريح أنه ما كان يلامس النساء، ما لمست، واللمس هو الذي يكون مباشرة، فهذا مباشرة هو رد على من يستدل بالحديث السابق على أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت المرأة تلامس يده يدها، وقال: «ويحك، فمن يعدل؟ إنما أعدل».
حسناً، ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ أحداً بجرم أحد، ولا يصدق أحداً على أحد. وكان أوقر الناس في مجلسه، لا يكاد يخرج شيئاً من أطرافه. ما معنى لا يأخذ أحداً بجرم أحد؟ يعني بجريمته، يعني إنسان جنى لا يأخذ أباه أو أخاه بجريمته، كما تفعل كثير من الأنظمة المعاصرة؛ إذا الإنسان جنى أبوه وابنه والعائلة كلياتها تسجن لأنه شخص ارتكب جرماً. نعم، قال: وكان صلى الله عليه وسلم لا يصدق أحداً على أحد، ما معنى ذلك؟ يعني إذا شخص قالوا: ترى يا رسول الله، فلان فعل هيك، لا ما يصدق، ممكن تكون أنت تكذب عليه أو تبالغ، حتى يتأكد بنفسه صلى الله عليه وسلم.
وكان صلى الله عليه وسلم يحب الطيب والرائحة الحسنة ويستعملها كثيراً ويحض عليها. ومن مروءاته صلى الله عليه وسلم: النهي عن النفخ في الطعام والشراب، والأمر بالأكل مما يلي، والأمر بالسواك، وإنقاء البراجم والرواجب، البراجم هي المفاصل هذه الثنايا لأنه عادة ما يجتمع فيها الوسخ ولا ينتبه إليها الإنسان، فكان ينقيها، والرواجب هي ما بينها. نعم، قال: واستعمال خصال الفطرة. وأما زهده في الدنيا وعبادته وخوفه ربه عز وجل.
كان عليه ديْن، اشترى لأهله به شعيراً، لم يكن من أغنياء الأرض وهو رضي لنفسه ذلك وأراد ذلك، مع أن جبريل أتاه أنه إذا يريد أن يجعل ملكاً جعلك الله ملكاً، لكنه رضي لنفسه الزهد صلى الله عليه وسلم ليعلم أمته عدم الحرص على الدنيا. نعم، قال: وكان يدعو: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً»، قوتاً يعني ما يكفيهم يومهم وليلتهم، وألا يجعل حياتنا فيها غنى زائد، كان يدعو: «اللهم اجعل حياتنا كفافاً»، خلاص، يعني طعام اليوم يوجد، لا نحتاج للناس، لكن لا يوجد عندنا زيادة لليوم التالي، قوت اليوم التالي، يوم بيوم، زي ما حكينا يوم بيوم.
نعم، قال: وعن عائشة قالت: ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام تباعاً من خبز بر حتى مضى لسبيله، وفي رواية من خبز شعير يومين متواليين. وقالت عائشة: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ديناراً ولا درهماً ولا شاة ولا بعيراً. وقالت: ولقد مات وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي. وقال لي: إني عرض علي أن تجعل لي بطحاء مكة ذهباً، فقلت: لا يا رب، بل أجوع يوماً وأشبع يوماً، فأما اليوم الذي أجوع فيه فأضرع وأدعوك، وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمد وأثني عليك.
وقال ابن عباس: كان صلى الله عليه وسلم يبيت وأهله الليالي المتتابعة طاوياً، لا يجدون عشاءً، طاوياً يعني جائعاً. وكان يقول: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً». وفي حديث المغيرة: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه. وقالت عائشة: كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديماً، وأيكم يطيق ما كان يطيق؟ ديمة، كان يحرص على الدوام على الطاعة عليه الصلاة والسلام، الأعمال أدومها وإن قل.
نعم، وقالت: كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، أي صوم النوافل، أحياناً يسرد صوماً وأحياناً يسرد فطراً. وعوف بن مالك قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فاستاك ثم توضأ ثم قام يصلي، فقمت معه، فبدأ فاستفتح البقرة، فلا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، ثم ركع فمكث بقدر قيامه ويقول: سبحان ذي الجبروت والملكوت والعظمة، ثم سجد وقال مثل ذلك، ثم قرأ آل عمران، ثم سورة سورة، يفعل مثل ذلك. وعن عائشة، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بآية من القرآن ليلة كاملة، وهو يردد آية واحدة من القرآن يرددها ويعيدها. وقال صلى الله عليه وسلم: «إني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة».
الآن سيختم ابن سيد الناس كتابه بهذا الفصل، وهذا من حسن صنعه أنه قدم ذكر أخلاقه وشمائله وأحواله وزوجاته، ثم أراد أن يختم كتابه بماذا؟ بوفاته صلى الله عليه وسلم. لاحظ أنه هذا لم يذكره سابقاً، يعني نحن بعد حجة الوداع وقدومنا من المدينة آخر شيء ذكرناه بعث أسامة، لم يذكر قصة الوفاة تفصيلياً؛ أراد أن يؤجلها ليختم بها كتابه. فذكر الأزواج، والأحصنة، والأنفع، وما شابه ذلك، ثم الآن أراد أن يختم بذكر المصيبة العظمى التي ابتلي بها المسلمون من الأولين والآخرين، وأعظم مصيبة ابتلينا بها هي فقد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ذاك الشخص الذي كان يمثل نوراً وهداية وبركة على هذه الأمة، وكان مشعل نور وقائداً ومربياً، فلذلك كل مصيبة يصاب بها الإنسان فليتذكر مصيبته بفقد النبي صلى الله عليه وسلم تهون عليه مصيبته الشخصية؛ أي مصيبة يصاب بها في رزق أو مال أو فقد حبيب، تذكر مصيبتك بفقد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهي أعظم مصيبة مرت على المسلمين؛ لأنك فقدت مصدر النور الذي كان موجوداً في هذه الأرض من البشر، وإن كان بقي كتابه وسنته بالتأكيد، لكن هو كشخص كإنسان مصلح للبشرية هادٍ للناس بشيراً ونذيراً، تجتمع عليه القلوب ويتنزل عليه الوحي. بموته صلى الله عليه وسلم توقف نزول جبريل، وهذا أيضاً انقطاع خبر السماء عن الأرض، ما بقي إلا الرؤية الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له، لكن به وبموته انقطع الوحي من السماء، فعموماً فقده صلى الله عليه وسلم.
مصيبة عظمى نسأل الله سبحانه وتعالى أن يأجرنا بها، وأن يجعلنا ممن يلتقي به في جنات النعيم، وأن يجعلنا من زمرته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
نختم إذاً بهذا الفصل، قال: ولما قفل صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع أقام بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم وصفر، وضرب على الناس بعثاً أميره أسامة بن زيد، وقد تقدم ذكره وهو آخر بعثه. فبين الناس على ذلك ابتدئ صلوات الله عليه وسلامه بشكواه الذي قبضه الله فيه إلى ما أراد من رحمته وكرامته في ليال بقين من صفر أو في أول شهر ربيع الأول؛ اختلف هل بداية المرض كانت آخر صفر أو بداية ربيع الأول.
قال: فكان أول ما ابتدئ به صلى الله عليه وسلم أنه خرج إلى بقيع الغرقد، المقبرة التي هي القبور كانت في منطقة البقيع، من جوف الليل فاستغفر لهم، ثم رجع إلى أهله. فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك. قالت عائشة: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعاً في رأسي وأنا أقول: وراساة! فقال: بل أنا والله يا عائشة وراساة! قالت: ثم قال: وما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنت وصليت عليك ودفنتك؟ قلت: والله لكأني بك لو قد فعلت ذلك لرجعت إلى بيتي فعرسْت فيه ببعض نسائك، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان يتم به وجعه وهو يدور على نسائه حتى اشتد به الوجع. فكان يدور على نسائه ليلة فلانة وليلة فلانة حتى اشتد به الوجع وهو في بيت ميمونة بنت الحارث. قال: فدعا نساءه فاستأذنهن أن يمرض في بيت عائشة، فأذن له. قالت: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن عباس ورجل آخر، عاصب رأسه تخط قدماه الأرض من شدة الألم. قال حتى دخل بيتي؛ قال ابن عباس: الرجل الآخر علي بن أبي طالب.
ثم أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد به وجعه فقال: أهريقوا علي من سبع قرب من أبار شتى، حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم، فأقعدناه في مخضب لحفصة بنت عمر، ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول: حسبكم حسبكم. وعن الزهري قال: حدثني أيوب بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أول ما تكلم به أنه صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم. فأكثر الصلاة والدعاء لهم، ثم قال: ﴿إِنَّ عَبْدًا مِّنْ عِبَادِ اللَّهِ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِندَهُ فَاخْتَارَ مَا عِندَ اللَّهِ﴾. ففهمها أبو بكر وعرف أنه نفسه يريد أنه هو الذي خُيِّر، فقال: نفديك بأنفسنا وآبائنا. فقال: على رسلك يا أبا بكر. ثم قال: انظروا هذه الأبواب الشارعة في المسجد فسدوها، إلا باب بيت أبي بكر؛ فإني لا أعلم أحداً كان أفضل في الصحبة عندي يداً منه.
وأراد عمر فتح كوة لينظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم منها فمنعه من ذلك. وقال عليه الصلاة والسلام للعباس: ما فتحت عن أمري ولا سددت عن أمري، واستبطأ أسامة. فخرج صلى الله عليه وسلم عاصب رأسه حتى جلس على المنبر، وقد كان الناس قالوا في أمر أسامة: أمر غلاماً حدثاً على جلة المهاجرين والأنصار، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال: أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة؛ فلئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبل. وإنه لخليق للإمارة وإن كان أبوه لخليقاً بها. ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وانكمش الناس في تجهيز المعركة.
واستعر برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، فخرج أسامة وخرج جيشه معه حتى نزلوا الجرف من المدينة على فرسخ، فضرب به عسكره وتمت إليه الناس. وثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام أسامة والناس لينظروا ما الله قاض في رسوله. ومن حديث عبد الله بن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بالأنصار يوم صلى واستغفر لأصحاب أحد، فقال: يا معشر المهاجرين، أوصيكم بالأنصار خيراً، فإن الناس يزيدون وإن الأنصار على هيئتها لا تزيد، وإنهم كانوا عيبتي التي أويت إليها؛ فأحسنوا إلى محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم.
ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عليه الصلاة والسلام يوعك وعكاً شديداً. دخل عليه أبو سعيد الخدري وعليه قطيفة، فوضع يده عليه فوجد حرارتها فوق القطيفة فقال: ما أشد حماك! فقال: إنا كذلك يشدد علينا البلاء ويضاعف لنا الأجر. وعن علقمة قال: دخل عبد الله بن مسعود على النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه ثم قال: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكاً شديداً؟ قال: أجل، إني أوعك كما يوعك رجل منكم. قلت: يا رسول الله، ذلك بأن لك أجرين؟ قال: أجل.
وأمر صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس، فصلى بهم في مرضه سبع عشرة صلاة، وصلى النبي متماً به ركعة ثانية من صلاة الصبح، ثم قضى الركعة الباقية وقال: لم يقبض نبي حتى يؤمه رجل من قومه. وقال عليه الصلاة والسلام في مرضه ذلك: مروا الناس فليصلوا، يقول ذلك لعبد الله بن زمعة بن الأسود، فذهب ابن زمعة فقدم عمر لغيبة أبي بكر، فلما سمع صلى الله عليه وسلم صوته أخرج رأسه حتى أطلعه للناس من حجرته فقال: لا، لا، ليصلِّ لهم ابن أبي قحافة. وعن أبي سعيد الخدري في هذا الخبر قال: فانتقضت الصفوف وانصرف عمر، فما برحنا حتى طلع ابن أبي قحافة فتقدم فصلى بالناس، وتبسم عليه الصلاة والسلام لما رأى من هيئة المسلمين في صلاتهم سروراً بذلك.
وقال: ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي، فتنازعوا فلم يكتب. وقالت عائشة: آخر ما عهد إلينا ألا يترك بجزيرة العرب دينان. وقالت أم سلمة: عامة وصيته عند الموت الصلاة وما ملكت أيمانكم، لا تظلموا الإماء والعبيد. وكانت عائشة سمعته قبل ذلك يقول: ما من نبي يموت حتى يخير، فسمعته وهو يقول: اللهم الرفيق الأعلى، فعلمت أنه ذاهب. وفي خبر عنها: فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت وعنده قدح فيه ماء، وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: اللهم أعني على سكرات الموت.
وذكر ابن سعد في وفاته عليه الصلاة والسلام خبراً فيه أنه لما بقي من ثلاث نزل عليه جبريل فقال: يا أحمد، إن الله أرسلني إليك إكراماً لك وتفضيلاً لك وخاصةً لك، يسألك عما هو أعلم به منك يقول لك: كيف تجدك؟ وفي الثالثة صحبه ملك الموت فاستأذنه، ثم استأذنه في قبض نفسه أو تركها، وإن الله أمره بطاعته في ذلك. فقال جبريل: يا أحمد، إن الله قد اشتاق إليك. قال: فاقبض يا ملك الموت كما أمرت به. قال جبريل: السلام عليك يا رسول الله، هذا آخر موطئ الأرض. فتوفي صلى الله عليه وسلم، وجاءت التعزية يسمعون الصوت ولا يرون الشخص: السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. إن في الله عزاءً عن كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل ما فات.
ويدرك به تدرك أي شيء يفوتك، فدراؤه إنما يكون بعلاقتك بالله؛ فبالله فثقوا وإياه فارجوا، فإنما المصاب من حرم الثواب. وكان هذا فيه تصبير لأهل البيت وللصحابة الذين كانوا في ذاك الموقف حتى لا يفتنوا. نعم، قال: إنما المصاب من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وقد ذكر أن هذا المعزي هو الخضر عليه السلام، وهذا كلام غير صحيح، وهذا من عمل الصوفية، وما علم أن الخضر دخل في هذا الموقف.
نعم، قال: واختلف أهل العلم في اليوم الذي توفي فيه بعد اتفاقهم على أنه يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فذكر الواقدي وجمهور الناس أنه الثاني عشر. قال: هذا هو المشهور أنه توفي صلى الله عليه وسلم في الثاني عشر من ربيع الأول.
نعم، قال أبو الربيع ابن سالم: وهذا لا يصح، وقد جار فيه على العلماء من الغلط ما علينا بيانه، وقد تقدمه السهيلي إلى بيانه. هذا رأي لبعض المؤرخين مثل السهيلي وأبي الربيع بن سالم، كانوا يرون أن تحديد 12 ربيع الأول يوم وفاته غير صحيح بناءً على أنه ماذا قال؟ قال: لأن حجة الوداع كانت وقتها وقفة عرفة في حجة الوداع كانت يوم الجمعة، فلا يستقيم من حيث التاريخ أن يكون يوم الاثنين الذي مات فيه صلى الله عليه وسلم من ذاك السنة 12 ربيع الأول؛ هكذا هم عدوا والله أعلم. نعم، قال: سواء أتمت الأشهر كلها أو نقصت كلها، أو سواء كل الأشهر كانت 29 أو كانت 30، أو تم بعضها ونقص بعضها، لا يمكن أن يأتي الاثنين 12 ربيع الأول، والله أعلم.
وقال الطبري: يوم الاثنين لليلتين مضتا من شهر ربيع الأول، وهذا القول الثاني أنه مات لليلتين مضتا من شهر ربيع الأول. وقال أبو بكر الخوارزمي: أول يوم منه، وكلاهما ممكن. وقيل: أول ربيع الأول وفاته صلى الله عليه وسلم.
قال: ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجى، دهش الناس وطاشت عقولهم، كان موقفاً بالنسبة للناس ما كان أحد يتوقع أن محمداً صلى الله عليه وسلم يموت، فدهش الناس؛ كانت صدمة لأهل المدينة. نعم، قال: فأما عمر فكان ممن خبل، فجعل يقول: إنه.. والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران حين غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم. وأما عثمان فأخرس، ما عاد يستطيع يتكلم. نعم، قال: حتى جعل يذهب به ويجيء وهو لا يتكلم، وأقعد علي ما عاد يستطيع أن يقوم من مجلسه، وضني عبد الله بن أنيس من الضنى وهو المرض.
وبلغ أبا بكر الخبر وكان بالسنح، كان في منطقة كأنها من آخر المدينة أو خارجها اسمها السنح، بلغه الخبر، وكان هو رجل المواقف الصعبة؛ فجاء وعيناه تهملان تبكيان، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، وقال: بأبي أنت وأمي، طبت حياً وميتاً. أبو بكر كان عنده مشاعر جياشة وهو ثاني اثنين إذ هما في الغار ورفيق الحياة الطويلة.
قال: وتكلم كلاماً بليغاً سكن به نفوس المسلمين وثبت جأشه، وكان كلامه المشهور: من كان يعبد محمداً، صعد على المنبر لما رأى ما رأى من الدهشة وقال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. وكان أثبت القوم رضي الله عنه.
قال: وغسله عليه الصلاة والسلام علي والعباس وابناه الفضل وقثم. وإنما هؤلاء الأربعة لأن الأولى في تغسيل الميت أن يغسله أقاربه، فالذي تولى غسل النبي صلى الله عليه وسلم ليسوا الأفاضل وإنما الأقارب؛ هكذا كانت القاعدة، لذلك غسله علي وهو ابن عمه، والعباس وهو عمه، وأبناء العباس أيضاً الفضل وقثم، ومواليه أسامة وشقران، وحضر التغسيل أوس بن خولي الأنصاري، كانه مندوب عن الأنصار.
قال: وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، من القطن مصنوعة في قرية سحول اليمنية، ولم يكفن لا في قميص ولا في عمامة، هذا هو المشهور. نعم، قال: وصلى عليه المسلمون فرادى، لم يؤمهم أحد؛ صلاة الجنازة كانت على النبي صلى الله عليه وسلم فرادى لم تعقد صلاة جماعة، كان يدخل الناس منفردين، كل جماعة تدخل تصلي وحدها وتخرج.
قال: وفرش تحته قطيفة حمراء كان يتغطى بها، ودخل قبره العباس وعلي والفضل وقثم، وهدوا تحته في القبر. وقيل: إن هذه القطيفة أزيلت، والله أعلم. قال: وأطبق عليه تسع لبنات، لما وضع جسده الشريف في الحفرة وضعوا فوق جسده الشريف تسع طوبات، ودفن في الموضع الذي توفاه الله فيه حول فراشه، دفن في حجرة عائشة؛ لأن هذه سنة الأنبياء أن يدفنوا في المكان الذي يموتون فيه.
نعم، وكانوا قد اختلفوا في غسله، فقالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرد موتانا، أو نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم، وكلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن يغسل النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه؛ لذلك من خصائصه أنه عندما يغسل لا تنزع عنه الثياب. فقاموا فغسلوه وعليه دشداشته، يصبون الماء فوق القميص ويدلكه والقميص دون أيديهم، فالقميص حاجز بين أيديهم وبين أن تصل إلى جسده، فدلك فوق القميص. فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوا عليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص ويدلكه، فأسنده علي إلى صدره، والعباس والفضل وقثم يقلبون جسده الشريف معه، وأسامة وشقران يصبان الماء، وعلي يغسله بيده.
قال: واختلفوا في موضع دفنه، هل يكون في مسجده أو مع أصحابه؟ فقال أبو بكر: ادفنوه في الموضع الذي قبض فيه، فإن الله لم يقبض روحه إلا في مكان طيب، فعلموا أنه قد صدق. وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح كأهل مكة، وأبو طلحة زيد بن سهل يلحد؛ يضرح يعني يصنع الشق، الان القبور على نوعين، إما أن يكون لحد وهو الذي يكون مثل حرف اللام في اللغة، أو شق وهذا كما في بلادنا عادة القبور تكون عبارة عن شق، لا يوجد فيه دخله على اليمين. فأبو عبيدة كان يصنع القبور على طريقة الشق، وأما أبو طلحة فكان يبنيها لحداً، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يفضل اللحد على الشق، اختلفوا كيف يصنع بالنبي صلى الله عليه وسلم، فوجه العباس رجلين أحدهما لأبي عبيدة والآخر لأبي طلحة، وقال: يا رب خر لنبيك، الذي يسبق هو الذي سنجعله يحفر، فأتى أبو طلحة فصنع اللحد.
نعم، ولما فرغ من جهازه يوم الثلاثاء، توفي النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، تم تغسيله وتكفينه صبيحة الثلاثاء. قال: وكانت وفاته يوم الاثنين حين زاغت الشمس. قال علي: لقد سمعنا همهمة ولم نرَ شخصاً، هاتفاً يقول: أدخلوا رحمكم الله فصلوا على نبيكم. ثم دفن من وسط الليل ليلة الأربعاء؛ الثلاثاء كما قلنا من بعد التكفين والتجهيز من الصباح إلى المساء، يدخل المسلمون أفواجاً أفواجاً للصلاة على الجسد الشريف، وحتى انتهت الصلاة عليه أخذت فترة، أتكلم عن كل الصحابة كانوا يدخلون جماعات جماعات حتى انتهت الصلاة عليه مساء الثلاثاء التي هي ليلة الأربعاء، فليلة الأربعاء دفن جسده الشريف صلى الله عليه وسلم. قال: وكانت مدة شكواه ثلاث عشرة ليلة، مدة مرض موته صلى الله عليه وسلم استمرت إلى ثلاث عشرة ليلة.
نعم، قال: ولما دفن عليه الصلاة والسلام قالت فاطمة ابنته رضي الله عنها: أغبرَّ آفاقُ السماءِ وكُوِّرتْ شمسُ النهارِ وأظلمَ العصرانِ فالأرضُ من بعدِ النبيِ كئيبةٌ أسفاً عليهِ كثيرةُ الرجفانِ فليبكِ شرقُ البلادِ وغربُها ولتبكِ مُضَرٌ وكلُّ يمانِ وليبكِهِ الطودُ المعظمُ جَوُّهُ والبيتُ ذو الأستارِ والأركانِ يا خاتمَ الرسلِ المباركُ ضوءُه صلَّى عليكَ مُنَزِّلُ الفُرقانِ
ويروى أنها تمثلت في شعر فاطمة بنت الأحم: قد كنتَ لي جبلاً ألوذُ بظلهِ فتركتني أمشي بِبَثٍّ ضاحي قد كنتَ ذاتَ حميةٍ ما عشتَ لي أمشي البرازَ وكنتَ أنتَ جناحي واليومَ أخضعُ للذليلِ وأتقي منه وأدفعُ ظالمي براحي صرتُ ضعيفةً.
وهذا معنى انكسر ظهري يا رسول الله بموتك، وهو أب ونبي بالنسبة لفاطمة رضي الله عنها. وإذا دعت قمرية شجناً لها ليلاً على فَنَنٍ دعوتُ صباحي. إذا كانت القمرية في الليل تبكي فأنا أبكي في الصباح.
ومما ينسب لعلي أو فاطمة رضي الله عنهما: ماذا على من شمَّ تربةَ أحمدا ألا يشمَّ مدى الزمانِ غواليا صُبَّت عليَّ مصائبٌ لو أنها صُبَّت على الأيامِ عُدْنَ لياليا
وقال أنس بن مالك: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا الأيدي من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا. يعني كأنه مش عارفين من نحن، أنكرنا قلوبنا يعني معقول؟ كان الإنسان ما عاد يعرف من هو، هويتهم كأنها ذهبت بوفاته صلى الله عليه وسلم.
قال: وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لتعزَّ المسلمين في مصائبهم المصيبةُ به. أي إنسان ابتلي بمصيبة فلتكن مصيبته بفقد النبي صلى الله عليه وسلم هي عزاء له. وفي حديث عنه: أنا فرط لأمتي، يعني كيف الصبي إذا مات ابنك الصغير يكون فرطاً لك عند الله، كأنه صلى الله عليه وسلم سابق لنا عند الله، فلن يصابوا بمصيبة أعظم من وفاته.
وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب -عرفنا من هذا الرجل الذي كان يهجوه ثم أسلم قبيل فتح مكة ثم أصبح من الثابتين العظماء في الإسلام-: أرقتُ فباتَ ليلي لا يزولُ وليلُ أخي المصيبةِ فيه طولُ وأسعدني البكاءُ وذاكَ فيما أصيبَ المسلمونَ بهِ قليلُ لقد عظمتْ مصيبتُنا وجَلَّتْ عشيةَ قيلَ قد قُبِضَ الرسولُ
نعم، صلوا عليه، لاحظ هم شعروا بالفقد هنا أيضاً. السماء كانت تنزل على الأرض، تعرف ما معنى أن جبريل كان هذا آخر نزول له إلى الأرض؟ هذا معناه أن الأرض ستقدم على أهوال عظيمة إلى قيام الساعة، فالصحابة كما فقدوا النبي صلى الله عليه وسلم هم أيضاً فقدوا الاستئناس بأن الله ينزل ملائكته عليه، فهناك وحي كان ينزل يصوب يصلح؛ فهذه كانت مصيبة عظيمة، فقد جبريل ونزوله.
قال: وذاك أحقُّ ما سألتْ عليه نفوسُ الناسِ أو كَرُبَتْ تسيلُ نبيٌّ كان يجلو الشكَّ عنا بما يُوحَى إليهِ وما يقولُ ويهدينا فلا نخشى ضلالاً علينا والرسولُ لنا دليلُ أفاطمُ إن جزعتِ فذاك عذرٌ وإن لم تجزعي ذاك السبيلُ
يعني يقول لفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم: إن جزعت فأنت معذورة، والله الجلل عظيم والمصيبة كبيرة، وإن لم تجزعي فهذا هو الصحيح الصبر عند المصائب. فقبرُ أبيكِ سيدُ كلِّ قبرٍ وفيهِ سيدُ الناسِ الرسولُ.
فتحنا باب الإكثار وسمحنا بإيراد ما يستحسن في هذا الباب من الأشعار، لخرجنا عما جنحنا إليه من الإيجاز والاختصار؛ فلا أشعر في هذا كثيراً، وأنواع الأسى والأسف مثيرة: فله من خطبٍ جَلَّ عن الخطوبِ ومصابٍ علَّمَ دمعَ العينِ كيف يصوبُ ورزءٍ غربتْ له النيراتُ ولا تعللْ بشروقٍ بعد الغروبِ وحادثٍ هجمَ هجومَ الليلِ فلا نجاةَ منه لهاربٍ ولا فرارَ منه لمطلوبِ ولا صباحَ له فيجلو غياهبَه.
يعني خلاص، هذا الحادث الوقع العظيم لا يوجد له حل، لا يمكن أن يحل، هي مصيبة حلت ولا يمكن أن ترفع ولا أن تعوض، وهي موت الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. ودجيةُ المدِّ لهمَّةٍ ولكلِّ ليلٍ إذا دجى صباحٌ يؤوبُ، إلا موتَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فهو ليلٌ لا صباحَ له. ومن سرَّ أهلَ الأرضِ ثم بكى أسىً بكى بعيونٍ سَرَّها وقلوبٍ.
فإنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون من نارٍ حنيت عليها الأضلاع لا تخبو ولا تخمد، ومصيبةٌ تشتكي منها المسامع، لا يبلى على مرِّ الجديدين -أي الليل والنهار- حزنها المجدد. وهل عدلتْ يوماً رزيةَ هالكٍ رزيةَ يومٍ ماتَ فيه محمدُ عليه الصلاةُ والسلامُ؟ وما فقدَ الماضونَ مثلَ محمدٍ ولا مثلُه حتى القيامةِ يُفقدُ، كما قال حسان بن ثابت.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، فقد انتهى بنا الغرض.
فيما أوردناه إلى ما أردناه، ولم نسلك بعون الله غير الاقتصاد الذي قصدناه، فمن عذر فيه على وهم أو تحريف أو خطأ أو تصحيف، فليصلحه، عليه من ذلك في هذا الكتاب، ويسلك سبيل العلماء في قبول العذر هنالك. ومن مر بخبر لم أذكره أو ذكرت بعضه، فلعله بحسب موضعه من التبويب، أو نسخ في الترتيب، أو الاختصار الذي اقتضاه التهذيب، أو لنكتة في متنه تنقب على مواضعه، أو لأني ما مررت به في مواضعه، وما برئت من الإحاطة، أيها الناظر إليك، فليس لك أن تلزمه بكل ما يرد عليك.
وهنا انتهى كلام ابن سيد الناس، ثم ذكر أسانيد في هذا الكتاب إلى الأئمة الأعلام. وأجيز من حضر هذا الكتاب كاملاً معنا وسمعه كاملاً مباشرة معنا بالأسانيد المتصلة إلى الإمام ابن سيد الناس رحمه الله تعالى عليه. عظم الله أجرنا وأجركم، ومصابنا ومصابكم في فقد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. ونختم بالدعاء في ختام هذه المجالس الطيبة المباركة، في بركة قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأشهر التي عقدت في هذا السفر الطيب المبارك عيون الأثر للإمام ابن سيد الناس، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء على هذا السفر الطيب المبارك، المختصر الجميل العذب في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام.
وخير ما تختتم به مجالس ختم المصنفات هو الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى والالتجاء إليه، فلعلها أن تكون ساعة إجابة. بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نحمدك حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما تحب يا ربنا وترضى. لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم. اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق. اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، ونعوذ بك منك، لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، عز جاهك وعظم سلطانك، الأمر أمرك والحكم حكمك والعبيد عبيدك والمرجع إليك، ولا حول لنا ولا قوة إلا بك.
اللهم صل وسلم وبارك وأكرم وأنعم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. اللهم صل عليه صلاة تنحل بها العقد وتنفرج بها الكرب وتقضى بها الحوائج. اللهم صل وسلم وبارك على حبيبنا وقرة أعيننا وقائدنا ومعلمنا، صاحب اللواء المعقود والمقام المحمود، صل عليه صلاة تدوم يا أكرم الأكرمين، واجعلنا من زمرته وارزقنا صحبته. اللهم إنا لم نره في الدنيا ولم يكتب لنا أن نكون من جلسائه، ولكننا جلسنا سيرته ونظرنا في حياته وقلبنا الصفحات تلو الصفحات شوقاً إليه، فنعوذ بك أن تحرمنا من صحبته في جنات النعيم.
اللهم اجعلنا ممن يسير على هديه ويتعلم من سمته، وينشر سنته، ويعلم سيرته، ويقتدي بهديه. اللهم اجعلنا ممن يسير على خطاه، اللهم اسقنا من حوضه الشريف شربة لا نظمأ بعدها أبداً. اللهم اجزه عن أمة الإسلام خير ما جزيت نبياً عن أمته، اللهم آجره على صبره وثباته، آجره على تعليمه لأمته، آجره على جهاده، آجره يا ربنا على العناء الذي تحمله في قبول الوحي ونشره. اللهم آجره على كل صبر صبره، وعلى كل فقد فقده، وعلى كل هم أصابه، وعلى كل تعب ألمّ به.
اللهم إنا نحبه حباً عظيماً ساقنا إلى تعلم سيرته وإلى الشوق إلى لقائه، فاللهم يسر لنا أعمالاً صالحة وتمسكاً بهديه يقودنا إلى صحبته في الفردوس الأعلى في جنات النعيم. اللهم إنك وهو صلى الله عليه وسلم قال: «إن المرء مع من أحب»، وإننا نعترف أن بضاعتنا مزجاة، ولكن المرء مع من أحب، فإنا نشهدك أنا نحبك يا الله ونحب نبيك صلى الله عليه وسلم، نحب صحابته الأعلام، الرعيل الأول نحبهم يا ربنا، فاجمعنا بهم وبلغنا منازلهم على ضعفنا.
اللهم أعنا على توبة نصوح تبلغنا بها منازل الصادقين، منازل الصحابة الأبرار والصحبة الكرام. اللهم يا ربنا اجز عنا الخلفاء الراشدين، واجز عنا الصحبة المجاهدين، واجز عنا أئمة الصحابة الكرام وكبارهم وصغارهم ورجالهم ونساءهم، اجزهم عن أمة حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم خير الجزاء على ما ضحوا وبذلوا وأفنوا حياتهم وقدموا لإيصال هذا الدين لنا، ونحن نرفل في هذا الإيمان في بلادنا وبلاد المسلمين عامة ببركة دأبهم وثباتهم ونضالهم وصبرهم على الأواء ليكون الدين كله لله، فاللهم اجزهم عنا خير الجزاء واجمعنا بهم في جناتك جنات النعيم.
واجعلنا على خطى الصحب الكرام ثابتين، داعين إلى دينك هداة مهتدين، لا ضالين ولا مبدلين. اللهم يا ربنا بلغنا منازل السائرين، اللهم نعوذ بك من الحور بعد الكور، نعوذ بك من الإحجام بعد الإقدام، ونعوذ بك من الهدم بعد البناء. اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا العمل بعلومنا، واجعلنا اللهم من العاملين الثابتين الراسخين في العلم. اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، ونسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، ونسألك اللهم مَرداً غير مخز ولا فاضح. اللهم اغفر لنا ببركة هذه المجالس، اغفر لنا ذنوبنا كلها، دقها وجلها، علانيتها وسرها، اغفر لنا جدنا وهزلنا وخطأنا وعمدنا وكل ذلك عندنا. اغفر لنا اللهم ذنوب الخلوات، اللهم اغفر لنا ما لا يعلمه الناس من سوء أعمالنا، اغفر لنا اللهم ما سترته علينا من سوء أعمالنا وخبايا نفوسنا، يا من تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، اللهم أتمم سترك علينا، أتمم سترك علينا كما سترتنا في الدنيا فاسترنا يوم العرض عليك.
اللهم لا تفضحنا بذنوبنا، فإنا نعترف بذنوب وقصور، ونعترف اللهم أننا لم نتمم كما أمرتنا، ولكن عزاؤنا أننا لم نعصك جرأة على مقامك، ولكنها النفوس الضعيفة الأمارة. اللهم إنا نعظمك ونوقر ونجل في نفوسنا، فارحم ضعف قلوبنا، وارحم زلات أعيننا، وارحم سوء خواطرنا، وارحم اللهم ضعفنا واجبر كسرنا ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. اللهم أنت الصاحب في السفر، فاعنا ولا تكلنا، اقبلنا ولا تطردنا، اشملنا برحمتك التي وسعت كل شيء، لا نكون أشقى الناس يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا نسألك ببركة هذا المجلس أن تفرج عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها عامة وفي غزة خاصة. اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجاً ومن كل هم فرجاً ومن كل بلاء عافية. اللهم احفظ غزة وأهلها، أرضها وسماءها، شيبها وشبابها، نساءها وأطفالها. اللهم أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، رد عنهم كيد المعتدين، اللهم فض عنهم جمع الأحزاب، فض عنهم جمع اليهود والصليبيين والمنافقين من هذه الأمة.
اللهم يا ربنا عوضهم عما فقدوا من أحبتهم وأموالهم، ضمد جراحهم، اشف جرحاهم، تقبل شهداءهم، آنس وحشتهم. اللهم كن لقلوب الأيامى والثكالى والأطفال الرضع والبهائم الرتع والشيوخ الركع. اللهم كن لأهل الشام مؤيداً، كن لأهل السودان مؤيداً، كن لأهلنا حيثما كانوا في أقاصي الأرض ممن قال لا إله إلا الله، كن لهم مؤيداً يا أرحم الراحمين، وأعنا على نصرة إخواننا. اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، أحينا على طلب العلم وتعلمه، وأشغلنا به زهرة حياتنا حتى مماتنا، واجعلنا اللهم ممن ثبت ونبت ولا تجعلنا ممن أعرض بعد البناء.
اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى قائدنا ومرشدنا، على خير الأولين والآخرين، وعلى قائد الغر المحجلين، على المعلم الأول والقائد الأعلى والنبي المقتفى والرسول المجتبى، على قرة العين وألف فؤاد على حبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
جزاكم الله خيراً ممن شاهدنا وآنسنا خلال رحلتنا في هذا الكتاب، وقريباً إن شاء الله نعلن عن الكتاب الآخر، وبارك الله فيكم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل