دخولتسجيل الدخول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله جميعاً في هذا الصباح الطيب المبارك. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقني وإياكم الهمة على العلم النافع وعلى العمل الصالح.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الكرام في مجلس يتجدد فيه التعليق على كتاب عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير للإمام ابن سيد الناس، وهو كتاب في سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. ونحن نصل إلى المرحلة الأخيرة من هذه السيرة العطرة، بعد أن عشنا في أفيائها منذ أشهر، منذ ولادته صلى الله عليه وسلم إلى نشوئه وترعرعه في مكة، إلى أن أصبح نبياً عليه الصلاة والسلام. وكيف كانت المراحل، سواء في مكة ما مر فيها من الضيق والكربات، وأيضاً الأمور المشرقة الجميلة والمواقف العظيمة لثباته وثبات الصحابة الكرام، ثم انتقاله إلى المدينة النبوية وبناء مشروع الدولة، وبدأت الغزوات والمعارك والسرايا والبعوث، إلى أن فُتحت مكة، ثم دخلنا في غزوة تبوك والأحداث التي جرت بعدها.

وها هو النبي صلى الله عليه وسلم الذي نشأ في مكة وحده يدعو إلى الله سبحانه وتعالى، الآن أصبح يخاطب ملوك الأرض. الذي لم يكن يعرفه أحد في تلك الأثناء وفي تلك المناطق، أصبح الآن يتكلم مع ملوك الأرض في ذاك الزمان. أصبحت الدعوة عالمية، خرجنا من ضيق الجزيرة العربية إلى أفق الإسلام الفسيح. الآن نتكلم مع ملك الفرس، ومع ملك الروم، ومع ملك الحبشة، ومع ملك مصر، ومع ملوك الجزيرة. إذاً، هنا بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يخرج الدعوة، ما يسمى اليوم "تصدير الدعوة" إلى خارج الجزيرة العربية، ليدخل فيها من يدخل، ومن رفض فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخبره إخباراً واضحاً: أنك إذا أسلمت فلك، وإذا لم تسلم فإن جيشي سيأتي إلى مكانك وسينزل بساحتك وسيزول ملكك. هنا إذاً بدأت الدعوة تنتشر، وهذه سنة الله سبحانه وتعالى ليكون الدين كله لله، ولتعم هذه الشريعة الأرض بأسرها بإذن الله.

إذاً نحن نسير في هذا القسم الأخير، وهي المراحل الأخيرة من حياته صلى الله عليه وسلم، بحيث ما بعدها سيكون الحديث عن حجة الوداع، ثم الحديث عن تنفيذ جيش أسامة إلى وفاته عليه الصلاة والسلام. والقسم الأخير من هذا الكتاب سيكون فيه معلومات عامة عن أسماء زوجاته، وإعادة ترتيب بعض الأفكار، وأسماء مواليه، وأسماء أحصنته، وما شابه ذلك. أشرع إلى حيث انتهينا، وصلنا إلى ذكر توجيه عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك الفرس.

قال: ذكر توجه عبد الله بن حذافة بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى. ذكر الواقدي من حديث شفاء بنت عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة السهمي منصرفه من الحديبية إلى كسرى، وبعث معه كتاباً مكتوباً فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأن لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. أدعوك بداعية الله؛ فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، ﴿لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: 70]. أسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس».

قال عبد الله بن حذافة: فانتهيت إلى بابه، فطلبت الإذن عليه حتى وصلت إليه فدفعت إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأه، فاخذه ومزقه. فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مزق الله ملكه». كسرى كان من أسوأ ملوك الأرض رداً على رسائل النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه سيظهر لنا أن ملوك الأرض تفاوتوا في طبيعة الرد على هذه الرسائل؛ منهم من أسلم فعلاً كالنجاشي وملوك عمان، ومنهم من لم يسلم لكن رد باحترام كملك القبط في مصر، رد باحترام وأهدى هدية للنبي صلى الله عليه وسلم لكنه ضن بملكه، ومنهم للأسف مثل كسرى من رد رداً قبيحاً سيئاً.

قال: وذكر أيضاً من حديث أبي هريرة وغيره، أن كسرى بينه وفي بيت كان يخلو فيه، إذ رجل قد خرج إليه في يده عصا، فقال: يا كسرى، إن الله قد بعث رسولاً وأنزل عليه كتاباً، فأسلم تسلم واتبعه يبقى لك ملكك. قال كسرى: أخر هذا عني أثراً ما. يعني أجّل هذا الموضوع فترة. طبعاً من هو هذا الرجل الذي خرج على كسرى ومتى وقعت هذه القصة لكسرى؟ الله أعلم، لا نملك التفاصيل، لكن الظاهر أنها قبل أن يرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم رسوله. قصة وقعت لكسرى سابقاً وكان يخرج له رجل، هل هذا الرجل من حكماء الفرس؟ هل هو شيء توهمه كسرى؟ الله تعالى أعلم، لكن هذا الرجل خرج في المرة الأولى وكان في يده عصا، فدخل على كسرى فقال: يا كسرى، أسلم يبقى لك ملكك. فكسرى قال له: أجّل هذا الموضوع أثراً ما، يعني فترة من الزمن.

قال: فدعا حجابه وبوابه فتوعدهم وقال: من هذا الذي دخل علي؟ قالوا: والله ما دخل عليك أحد، وما ضيعنا لك باباً. شوف يعني حتى هم كسرى يقول: من هذا الذي دخل علي في خلوتي؟ فحرام دخل عليك أحد. فلذلك قلت لكم: من هو هذا الرجل الذي دخل؟ هل هو جني على صورة رجل؟ هل هو ملك على صورة رجل؟ الله تعالى أعلم بتفاصيل هذه القصة إن صحت.

قال: ومكث حتى كان العام المقبل، أتاه؛ قال لهم مكث عاماً كاملاً، إذ بهذا الرجل يدخل عليه مرة أخرى، وقال: ألا تسلم يا كسرى؟ العصا قال: لا تفعل. دخل الرجل على كسرى وقال: يا كسرى، أسلم، ألا تسلم؟ اكسر العصا التي معي. قال كسرى: لا تفعل، أخر ذلك أثراً ما. يعني لا تكسر العصا، تعال لي بعدين نتفاهم مرة أخرى.

قال: ثم جاء العام المقبل، ففعل مثل ذلك، وضرب بالعصا على رأسه فكسرها. في العام الثالث جاء الرجل مرة ثالثة، دخل على كسرى، أسلم يبقى لك ملكك، رفض كسرى، حاول يتفاوض معه، فإذا بهذا الرجل يكسر العصا على رأسه، وضرب بالعصا على رأسه هو فيما يظهر، وليس على رأس كسرى، هذا الرجل ضرب بالعصا على رأسه فانكسرت العصا.

قال: وخرج من عنده، ويقال إن ابنه قتله في تلك الليلة، وأعلم الله بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم لحسانه. كونه طبعاً انكسار العصا كان فيها إشارة إلى زوال ملك كسرى. وقيل طبعاً لما النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مزق الله ملكه»، يقال إن ابن كسرى قتله في تلك الليلة.

قال: فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك رسل باذان إليه، وكان باذان عامل كسرى على اليمن؛ الفرس كانت نفوذهم واصلة إلى اليمن، حتى تعرفوا الفرس منذ القدم بهم في اليمن، فالفرس كان وصولهم إلى اليمن، وكان مسؤول اليمن أو التابع للفرس اسمه باذان، وضعوا رجلاً على اليمن يحكمها اسمه باذان، لكن كان ولاؤه تابعاً للفرس.

قال: فلما بلغه ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ودعاؤه إلى الله، كتب إلى باذان أن يبعث إلى هذا الرجل الذي خالف دين قومه، فمره فليرجع إلى دين قومه. كسرى بعث إلى باذان قال له: يا باذان، ابعث إلى هذا الرجل الذي خالف دين قومه -يقصد النبي عليه الصلاة والسلام- قل له: خلص ارجع لدين قومك، وما بدناش مشاكل في الجزيرة العربية. وكسرى كان يتعامل مع الموضوع على أنه أمر سهل، أحد عمالي ممكن يتفاهم معه وينتهي الملف كامل.

قال: فإن أبى فابعث إلي برأسه، ويروى بكل وقاحة: إذا أبى هذا الرجل اقتله وابعث لي برأسه. قال: ويروى وإلا فلي وعدك يوماً تقتلون فيه. فلما ورد كتابه إلى باذان، بعث بكتابه مع رجلين من عنده، فلما قدما على باذان بعث رجلين من عنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: فلما قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنزله وأمره بالمقام، فأقام أياماً، ثم أرسل إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة فقال: «انطلقا إلى باذان، فأعلماه أن ربي عز وجل قد قتل كسرى في هذه الليلة». فانطلقا حتى قدما على باذان فأخبراه بذلك، فقال: إن يكن الأمر كما قال فوالله إنه لرجل نبي، وسيأتي الخبر بذلك إلي يوم كذا. فأتاه الخبر كذلك، فبعث باذان بإسلامه.

وإسلام باذان، أسلم لأنه عرف صدق النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبره بأمر من أمور الغيب، لماذا ربما يحتاج شهراً حتى يصل له الخبر في ذاك الوقت.

قال: ويقال إن الخبر أتاه بمقتل كسرى وهو مريض، اجتمعت إليه أساوته، فقالوا: من تؤمر علينا؟ قيل إن باذان لما بلغه مقتل كسرى كان باذان مريضاً مرض الموت. قال: فاجتمع إليه أساوته، يعني أهل مشورته، فقالوا: من تؤمر علينا؟ فقال لهم: ملك مقبل وملك مدبر، فاتبعوا هذا الرجل وادخلوا في دينه، وأسلموا، ومات باذان، فبعث رؤوسهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفدهم يعرفونه بإسلامه. يعني باذان يقول لهم: ملك يجيء وملك يروح، خلاص أسلموا واتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم وانضموا تحت دولته.

قال: ذكر إسلام النجاشي وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه مع عمرو بن أمية الضمري. ذكر ابن إسحاق أن عمراً قال له: يا أصحمة، إن علي القول وعليك الاستماع، إنك كما كنت في الثقة علينا منا، وكما كان في الثقة بك منا، لأنا لم نظن بك خيراً قط إلا لله، ولم نخفك على شيء قط إلا آمنا، وقد أخذنا الحجة عليك من فيك، الإنجيل بيننا وبينك، شاهد لا يُرد، وقاضٍ لا يجور. وفي ذلك الموقف طبعاً هذا كلام عمرو بن أمية الضمري لأنه يعرف النجاشي، النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إليه أكثر من مرة، مش بعثه حتى يرسل إليه أم حبيبة، وبعثه ليرسل فهو يعرف، هو يعرف أن النجاشي رجل فاضل مؤدب خلوق صادق، فبيتكلم معه بأريحية عمرو بن أمية.

قال: وقاضٍ لا يجور، وفي ذلك الموقع الحز وأصاب المفصل، وإلا فأنت في هذا النبي الأمي كاليهود في عيسى بن مريم. وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم رسله إلى الناس، اليهود في عيسى بن مريم لم يصدقوه وكذبوه وحاربوه. فقال له: يعني الأصل أن تتبع محمداً صلى الله عليه وسلم، ولا يكن موقفك من محمد كموقف اليهود من عيسى، لا يكن موقفك من محمد كموقف اليهود من عيسى عليهم الصلاة والسلام.

قال: وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم رسله إلى الناس، فرجا لما لم يرجُ له، وآمنك على ما خافه عليه. النبي عليه الصلاة والسلام يتوقع منك ما لا يتوقعه من غيرك، أنت الرجل الذي كان لك الأيادي البيضاء، وننتظر منك ما لا ننتظر من غيرك من ملوك الأرض من الاستجابة والدخول في سلك هذه الدعوة.

قال: لخير سالف وأجرٍ ينتظر. فقال النجاشي: أشهد بالله أنه للنبي الأمي الذي ينتظره أهل الكتاب، وإن بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل، وإن العيان ليس بأشفي من الخبر. قال وذكر الواقدي أن ذلك الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة». طبعاً يعني يقول: كما أن موسى بشر بعيسى، كذلك عيسى بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه موسى بشر بعيسى، وكان رمز عيسى راكب الحمار، وعيسى بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم وكان رمز محمد عنده ما هو راكب الجمل، وكان يعني هذه التي تدل على الجزيرة العربية، الجمل إشارة للجزيرة العربية.

قال: «سلم أنت، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته، ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده. وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بالله الذي جاءني؛ فإني رسول الله. وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى». قال: فكتب إليه النجاشي: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله من

النجاشي أصحمة. سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته. النجاشي اسمه أصحمة. الحقيقة في خلاف في بعض كتب السير؛ هل هذا النجاشي هو نفسه النجاشي الذي ذهب إليه الصحابة في الهجرة الأولى إلى الحبشة والثانية، أم هو رجل آخر من ملوك الحبشة اسمه أصحمة وأسلم؟ الحقيقة في خلاف، ستجد بعض المؤرخين يقول: هذا شخص يختلف عن ذاك الشخص الذي هاجر إليه الصحابة، وإن كان كلاهما من العدول الأفاضل، لكن ذاك يختلف عن هذا. والبعض قال: لا، هو هو، وليس شخصاً آخر.

قال: «أما بعد، فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فرب السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت ثفأ، إنه كما ذكرت». والثفأ هو قيل القمع الذي على رأس التمرة، تمسك تمرة تلاقي على رأسها قمعاً صغيراً، هذا هو الثفأ. والبعض قال: لا، الثفأ كما عرفه هنا ابن سيد الناس هو علاقة بين نواة التمرة وقمعها، ليس هو نفس القمع، هو خيط يربط بين نواة التمرة وقمعها. في خلاف في اللغة العربية، قيل يطلق على القمع، وقيل يطلق على خيط أو شيء الله أعلم ما هو يربط بين نواة التمرة وقمعها.

قال: «إنه كما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به». وطبعاً هو يستعمل كناية عن الشيء الحقير، عرفتم أن يكون شيء حقير جداً، إشارة لك كيف الفتيل والنقير في القرآن. قال: «وقد قربنا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صادقاً مصدقاً، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين». هذا فيه إشارة أن هو نفسه القديم، يعني قد يكون فيها إشارة أنه هو نفسه أصحمة القديم، يعني نفس الملك الذي استقبل الصحابة الأوائل.

وتوفي النجاشي سنة تسع بالحبشة، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بموته يوم مات، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم. أخبر الصحابة أنه مات، وخرج بهم فصلى عليه صلاة الغائب، صلاة الجنازة بصلاة الغائب. وخرج بالناس إلى المصلى فصلى عليه والناس خلفه صفوف، وكبر عليه أربعاً.

كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس مع حاطب بن أبي بلتعة. المقوقس هو ملك الأقباط، يلقب بمقوقس. قال: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، وهؤلاء كانوا في مصر، إذاً اليوم الأقباط في مصر. أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم القبط، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64]».

وختم الكتاب فخرج به حاطب حتى قدم عليه الإسكندرية، فانتهى إلى حاجبه، فلم يلبث أن أوصل إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال حاطب للمقوقس لما لقيه: إنه قد كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به ثم انتقم منه. حاطب عم بذكره فرعون، يقول: احذر أن تكون فرعون مصر. قال: فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك ولا يعتبر بك. قال: هات. يعني إياك أن تكون أنت العبرة، اعتبر بغيرك حتى لا يعتبر بك، لا تكن أنت العبرة التي يعتبر بها الناس.

قال: إن لنا ديناً لن ندعه إلا لما هو خير منه، وهو الإسلام الكافي به الله فقد ما سواه. هذه عبارة واحدة: هو الإسلام الكافي به الله فقد ما سواه، يعني ديننا دين الإسلام الذي هو يكفي عن كل شيء، مفقود فيه الكفاية عن كل شيء، أي شيء تفتقده من الأفكار وهذا لا حاجة إليه ما دام الإسلام موجوداً معك، فدين الإسلام يكفي به الله فقد ما سواه.

قال: إن هذا النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس، فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له يهود، وأقربهم منه النصارى، ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ﴾ [المائدة: 82]. النصارى كانوا أليق مع النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود. وعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد صلى الله عليه وسلم. وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعاء أهل التوراة إلى الإنجيل، وكل نبي أدرك قوماً فهم من أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدركه هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكننا نأمرك به.

فقال المقوقس: إني قد نظرت في أمر هذا النبي، فوجدت. نعم، دين المسيح من حيث أصله دين التوحيد، وقال: أنا ما أنهاك أن تترك دين المسيح الحقيقي دين التوحيد، بل محمد صلى الله عليه وسلم مصدق للمسيح في دعوته. فقال المقوقس: إني قد نظرت في أمر هذا النبي فوجدت لا يأمر بمزود فيه ولا ينهى إلا عن مرغوب عنه. قال المقوقس مؤدباً، حقيقة كان رده مؤدباً، قال: والله فعلاً الكلام الذي تقولونه كلام لا يزهد فيه، كلام جميل وأخلاق وقيم وكذا، يعني كلام لا غبار عليه.

لماذا لم يسلم؟ قال: ولم أجده بالساحر الضال ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آلة النبوة بإخراج المخبأ والإخبار بالنجوى. نعم، هذا الرجل يخبر بالنجوى يعني يخبر بالسر، ويخبر بالمخبأ، يعني يخبر بالأشياء المخبأة، كان عنده اتصال بعالم الغيب، وهذه من دلائل صدقه.

وأخذ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فجعله في حق من عاج وختم عليه ودفعه إلى جارية له، يعني في وعاء مصنوع من عاج، فبصراحة هذا معناه فخم، هذا وعاء عالٍ جداً، ودفعه إلى جارية له. ثم دعا كاتباً له يكتب بالعربية، فكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام، أما بعد: فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبياً بقي وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان. بعث معه بجاريتين إحداهما سيدتنا مارية، وهي والدة إبراهيم ابن النبي عليه الصلاة والسلام.

وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها، والسلام عليك. ولم يزد على هذا ولم يسلم. هذه البغلة اسمها دلدل. الجاريتان مارية وسيرين، والبغلة دلدل، بقيت إلى زمن معاوية، وكانت شهباء، يعني بيضاء. وذكر الواقدي في هذا الخبر أن المقوقس وصف لحاطب أشياء من صفة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: القبط لن تطاوعني في اتباعه، ولا أحب. إيوا، هذه هي المشكلة. لماذا لم يسلم؟ قال: انظر الدنيا، هو عرف أنه رسول الله لكن ماذا يقول؟ قال: القبط لن تطاوعني إذا قلت لهم أسلموا، وأنا أضن بملكي، يعني أنا إنسان بدي أظنني ملكاً. شوف الدنيا منعته أن يسلم، وأراد أن يخرج في النار من أجل لعاعة قصيرة.

ولا أحب أن تعلم بمحاورتي إياك، وأنا أضن بملكي أن أفارقه، يعني ما بدي أخسر ملكي. وسيظهر على البلاد، وينزل بساحتنا هذه أصحابه من بعده حتى يظهر على ما هاهنا. غريب والله غريب هذا الرجل، أقول وأنا أعرف أنه سيظهر على بلادي وسيملك مكاني في المستقبل هو وأصحابه، وعارف كل شيء لكن يريد أن يتمتع في الدنيا، فخسر آخرته والعياذ بالله.

قال: فارجع إلى صاحبك، فقد أكرمته له بهدايا وجاريتين أختين، وبغلة من مراكبي، وألف مثقال ذهب، وعشرة أثواب، وغير ذلك، وأمرت لك بمئة دينار وخمسة أثواب، فارحل من عندي، ولا يسمع منك القبط حرفاً واحداً. وخاف أنه حوله يسمعون أنه جاءه رجل من عند محمد صلى الله عليه وسلم، قالوا: بس ارحل ولا تحكي لأحد أنك شفتني. فرحلت من عنده، وقد كان لي مكرماً في الضيافة، ما أقمت عنده إلا خمسة أيام، وأن الوفود وفود العجم ببابه منذ شهر وأكثر. يعني أنا أعطاني مزية وأريح لم يعطها لغيري، الوفود الأخرى كانت جالسة شهراً ما استقبلهم زي ما استقبلني بالسرعة والأداء.

حاطب فذكرت قوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ظن الخبيث بملكه، ولا بقاء لملكه، ضاع آخرته. قال الدارقطني: اسمه جريج بن مينا، إن المقوقس ما اسمه، اسمه إن المقوقس لقب ملوك، أما اسمه جريج بن مينا، الله أعلم. أثبته أبو عمر في الصحابة، ثم أمر بأن يضرب عليه ابن عبد البر غفر الله له، ذكره أولاً في الصحابة ثم رجع فمسحها من كتابه الاستيعاب في أسماء الأصحاب، فعاد فمسح اسمه من الصحابة وقال: يغرب، ظناً أنه لم يسلم، وهذا هو المشهور.

وكانت شبهته في إثباته إياه في الصحابة أولاً رواية رواها ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: أخبرني المقوقس أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدحاً من قوارير، فكان يشرب فيه. ولكن أنا لا أدري ما هي الشبهة في هذا، يعني ما الدليل على إسلامه في هذا الأثر؟ وقال: وكان شبهته في إثباته من الصحابة هذا الأثر، لكن هل هذا الأثر فيه شيء يدل على إسلام المقوقس؟ أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدحاً من قوارير يعني أنه لم يرسل شيئاً محرماً، أظنها بعيدة، وجزاه الله خيراً ابن عبد البر أنه لم يذكره وضرب على اسمه، لا يوجد أي شيء واضح في إسلام المقوقس.

كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى العبدي مع العلاء بن الحضرمي بعد انصرافه من الحديبية. نعم هذا ملك البحرين المنذر بن ساوى ملك البحرين، والبحرين كما قلنا كانت تمتد من الكويت للبحرين حالياً لقطر، هذه كلها كانت تسمى البحرين. ذكر الواقدي بإسناد له عن عكرمة قال: وجدت هذا الكتاب في كتب ابن عباس بعد موته فنسخته، فإذا فيه: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى، وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً يدعوه فيه إلى الإسلام. فكتب المنذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما بعد يا رسول الله، فإني قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود، فأحدث إلي في ذلك أمرك. طبعاً المنذر بن ساوى أسلم وكان متبعاً للنبي صلى الله عليه وسلم فيما يأمره.

فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا». لاحظ لم يقل سلام على من اتبع الهدى، قال سلام عليك، هذا يدل على أنه مسلم. قال: «وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله. أما بعد فإني أذكرك الله عز وجل، فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وإنه من يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيراً، وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك». يعني أنت ستبقى، كان النبي عليه الصلاة والسلام سياسته أن أي رجل من الزعماء يسلم لا ينزع منه الملك ويعين رجلاً آخر مكانه، خلاص أسلم أبقيه على ملكه، فهذا أدعى لاستمراره على الإسلام. قال: «وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية». نعم، هنا النبي عليه الصلاة والسلام بدأ بضرب الجزية على اليهود والنصارى والمجوس.

أسلم المنذر بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحسن إسلامه، ومات قبل ردة أهل البحرين مسلماً رضي الله عنه. وذكر ابن قانع أنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، إذاً وفد فمعناته له صحبة، هو له صحبة، لكن أبو الربيع بن سالم قال: لا يصح ذلك، يعني لا يصح أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، بالتالي هو رجل عاش في زمن النبوة لكنه لا يعتبر صحابياً؛ لأن الصحابي لابد أن يلقى النبي صلى الله عليه وسلم.

كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى جيفر وعبد ابني الجلندى ملكي عمان. ملكي عمان الآن هذه.

رسالة إلى ملوك عُمان، وهما الأخوان جيفر وعبد. قال ملكا عُمان مع عمرو بن العاص، قال: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندى، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوكما بدعوة الإسلام، أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيت أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما، وخيلي تحل بساحتكما، وتظهر نبوتي على ملككما».

وكتب أبي بن كعب، وختم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب. وأبي بن كعب هو الذي كان يكتب أكثر هذه الرسائل. قال عمرو: ثم خرجت حتى انتهيت إلى عُمان، فلما قدمتها عمدت إلى عبد، وكان أحلم الرجلين. نعم، عمرو بن العاص راح إلى عبد، بدأ بعبد وليس بجيفر، لأن عبد كان ألين، يعني أكثر مرونة من جيفر. قال: فقلت إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك وإلى أخيك. فقال: أخي المقدم عليّ بالسن والملك، وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك. فإذاً واضح أن جيفر مرتبته أعلى، وعبد هو الشافع لدى أخيه.

قال: ثم قال لي: وما تدعو إليه؟ قلت: أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وتخلع ما عُبد من دونه، وتشهد أن محمداً عبده ورسوله. فقال: يا عمرو، إنك ابن سيد قومك، فكيف صنع أبوك؟ فإن لنا فيه قدوة. قلت: ما فعل؟ سأله: يا عمرو بن العاص أبوك ماذا فعل؟ هل أسلم العاص بن وائل لهذا النبي أم لم يسلم؟ فإنا سنقتدي بوالدك. قلت: مات ولم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ووددت أنه كان أسلم وصدق به، وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام. قال: فمتى تبعته؟ قلت: قريباً. يعني أسلمت قريباً، أنت تعرف عمر بن العاص أسلم قبيل فتح مكة. قال: فسألني أين كان إسلامي؟ فقلت: عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم.

قال: كيف صنع قومه بملكه؟ قلت: أقروه واتبعوه. فبدأ يسأل عن ملك الحبشة لما أسلم ماذا فعل به قومه؟ قال: اتبعوه. قال: والأساقفة والرهبان اتبعوه؟ قلت: نعم. قال: انظر يا عمرو ما تقول، إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له من كذب. قالوا: يا عمرو أنت متأكد أن النجاشي لما أسلم قومه أبقوا له ملكه؟ لاحظ أن عبد وجيفر خائفان من زوال الملك إذا أسلما، فلذلك هما يتأكدان ماذا حصل بالنجاشي لما أسلم؟ هل زال عنه الملك؟ قلت: ما كذبت، وما نستحل في ديننا الكذب. ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي. قلت: بلى. النجاشي هو تابع لمملكة الروم، كيف ملك اليمن كان تابعاً لكسرى؟ الحبشة كانت تابعة للروم، فالنجاشي وإن كان ملكاً على الحبشة لكن ولاؤه في النهاية لملك الروم، فيقول عبد لعمرو بن العاص: والله لا أظن أن هرقل ملك الروم عرف بإسلام النجاشي وإلا لأزاله عن ملكه. فقال: بلى، هرقل ملك الروم عرف أن النجاشي أسلم.

قال: بأي شيء علمت ذلك؟ قلت: كان النجاشي يخرج له خرجاً، فلما أسلم النجاشي كان يدفع سنوياً زي ضريبة لملك الروم، ثم امتنع عن دفعها. قال: فلما أسلم وصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم قال: لا والله لو سألني درهماً واحداً ما أعطيته. قال: فبلغ هرقل قوله، فقال له أخوه يناق: أتدع عبدك لا يخرج لك خرجاً ويدين دينك؟ هرقل بلغه أن النجاشي رفض دفع المال له، فأخو هرقل الذي اسمه يناق قال: يا هرقل كيف تجعل عبدك هذا النجاشي يخرج عن طاعتك ولا يرسل لك الضريبة السنوية؟ فماذا قال هرقل؟ هرقل كان رجلاً عاقلاً، حتى رأيتم محاورته مع أبي سفيان، رجل برجماتي عنده حرية في التعامل، قال: يدبر حاله، خلاص بده يسلم يسلم، ما كان إنساناً شديد الأخلاق صعب الميراث. قال هرقل: رجل رغب في دين واختاره لنفسه، ما أصنع به؟ قال: خلص الرجل رغب في دين آخر، قلت لك معطي مجال للحرية. قال: والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع. شوف هرقل يقول: والله لولا أني أخاف أن يذهب عني ملكي لفعلت كما فعل ولأسلمت، إنه هرقل عرف بالعلامات أن هذا نبي آخر الزمان، لكن سبحان الله حب الدنيا كيف يجعل الإنسان يخسر آخرته.

قال: انظر ما تقول يا عمرو، قلت: والله صدقتك. قال عبد: فأخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه؟ قلت: يأمر بطاعة الله عز وجل، وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم، وينهى عن الظلم والعدوان وعن الزنا وشرب الخمر وعن عبادة الحجر والوثن والصليب. فقال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه! لو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدق به، ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنباً. اه، عبد يعرف أخاه جيفر، قال له: اسمع يا عمرو، أخوي أنا أعرف أنه ضنين بملكه وليس من السهل أن يصبح ذنباً، يعني تابعاً لغيره، له بمجرد أن يسلم سيصبح تابعاً لمملكة النبي صلى الله عليه وسلم. هل سهل على أخوي جيفر أن يقبل هذا؟ والله ما أظن، بس خلينا نحاول.

قلت: إنه إن أسلم مَلَّكه رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه، فأخذ صدقة من غنيهم فردها على فقيرهم. قال: إن هذا لخلق حسن، وما الصدقة؟ فأخبرته بما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدقات في الأموال حتى تُؤدى إلى الإبل. فقال: يا عمرو، وتؤخذ من سوائم المواشي التي ترعى الشجر وترد الماء؟ فقلت: نعم. فقال: والله ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا. قال: فبالنفس الشيء، قال والله يا عمرو لا أظن أن قومي العمانيين سيقبلون دفع هذه الزكاة وأن يخرجوا شيئاً من إبلهم وبقرهم، أظنها صعبة على نفوسهم.

قال: فمكثت ببابه أياماً وهو يصل إلى أخيه فيخبره كل خبر. عبد بدأ يدخل على أخوه جيفر ويخبره أنه في رجل من محمد صلى الله عليه وسلم ويدعوك إلى كذا وكذا. ثم إنه دعاني يوماً فدخلت عليه، فأخذ أعوانه بضبعي، فقال: مسكوني من هنا، دخلوني بعدين تركوني. ثم قال: دعوه، فأرسلت فذهبت لأجلس فأبوا أن يدعوني أجلس، فنظرت إليه فقال: تكلم بحاجتك. فدفعت إليه الكتاب مختوماً ففض خاتمه، فقرأ حتى انتهى إلى آخره، ثم دفعه إلى أخيه وقرأه مثل قراءته، إلا أني رأيت أخاه أرق، يعني عبد كان أخف من جيفر كما قلنا.

ثم قال: ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت؟ فقلت: تبعوه، أما راغب في الدين وإما مقهور بالسيف. قال: ومن معه؟ قلت: الناس قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره، وعرفوا بعقولهم مع هدى الله إياهم أنهم كانوا في ضلال، فما أعلم أحداً بقي غيرك في هذه الحرجة، وأنت إن لم تسلم اليوم وتتبعه يوطئ الخيل ويبيد خضراءك. قال: فأسلم تسلم، ويستعملك على قومك، ولا تدخل عليك الخيل والرجال. قال: دعني يومي هذا، وارجع إلي غداً. جيفر قال له: اخرج اليوم وتعال غداً.

قال: فرجعت إلى أخيه، فقال يا عمرو: إني لأرجو أن يسلم إن لم يضن بملكه. عبد يحكي لعمرو: إن شاء الله أخوي بيسلم إلا إذا ضن بملكه، عاد ساعتها سبحان الله. قال: حتى إذا كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن لي، فانصرفت إلى أخيه فأخبرته أني لم أصل إليه، فأوصلني إليه، فقال: إني فكرت فيما دعوتني إليه، فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلاً ما في يدي وهو لا تبلغ خيله هاهنا، وإن بلغت خيله ألفت قتالاً ليس كقتال من لاقى. شوف جيفر ماذا قال: يقول يا عمرو، شوف يا عمرو أنا سأكون أضعف العرب شخصية إذا تبعت رجلاً وأصبحت تابعاً له، مع أن خيله بعيد عن خيلي ولا تستطيع أن تصل إليّ إلا بشق الأنفس، ولو وصلت إليّ فإنني سأقاتل قتالاً لم تعهده العرب. إذاً واضح أن جيفر إلى الآن عنده عناد ورفض ابتداء أن يسلم، لكن ماذا حصل في النهاية؟ قلت: وأنا خارج غداً، فلما أيقن بمخرجي، خلى به أخوه، فقال: فهنا عبد رجع على أخوه جيفر، قال له يا جيفر: أنا رأيي أن تسلم أفضل لك، لأن هذا الرجل وطئت له جزيرة العرب كلها جميعها، ملك البحرين والشمال والجنوب واليمن، الكل أسلم لم يبق إلا أنت.

فقال: ما نحن فيما قد ظهر عليه. وكل من أرسل إليه قد أجابه، فأصبح فأرسل إليه، فأجاب إلى الإسلام، هو وأخوه جميعاً. ففعلاً جيفر اقتنع، قال: سيزول ملكنا إذا لم نسلم، ففي اليوم التالي جيفر بعث إلى عمرو بن العاص، أسلم جيفر وأسلم عبد، وقالا: نحن نتبع محمداً صلى الله عليه وسلم، وأصبحا من الملوك الأفاضل رضي الله عنهما. وصدقا النبي، وخليا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم، وكان لي عوناً على من خالف. وكان لي عوناً، يعني أصبحا فعلاً من جنود النبي صلى الله عليه وسلم والأوفياء.

كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة مع سليط بن عمرو العامري، سليط هذا من السابقين للإسلام. قال: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي الحنفي، سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، واجعل لك ما تحت يديك». الخف هو رمز الجمل طبعاً، والحافر هو الحصان، يعني أن الجنود ستصل إلى أقصى ما تصله الجمال والخيول، هذا معنى العبارة: أن جنودي ستصل إلى أقصى ما يمكن أن تصله الجمال والخيول، دلالة أننا إن لم تسلم سنصل إليك.

فلما قدم عليه سليط بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم مختوماً، أنزله وحباه، وفرد رداً دون رد، وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا شاعر قومي وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني، فاجعل إليّ بعض الأمر أتبعك. الآن هوذة اشترط، قال: إذا تريد أن أتبعك يا محمد صلى الله عليه وسلم أريد أن تجعلني مثلاً خليفة بعدك، ونصبح أنا وإياك شركاء في الملك، يعني ما ينفع أكون تابعاً لك 100%، بده يساوم على ملك. وأجاز سليطاً بجائزة، وكساه أثواباً منسوجة هجر، جائزة يعني هدية، وقال له: ارجع إلى صاحبك وأخبره بذلك.

فقدم بذلك كله على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم كتابه وقال: لو سألني سيابة من الأرض ما فعلت، باد وما في يديه. قال: فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من الفتح، جاءه جبريل عليه السلام بأن هوذة قد مات. طبعاً هي تقرأ هكذا: ما فعلت، باد الرجل وباد ما في يده. باد معناه هلك، خلص، دع باد الرجل وباد ما في يديه. فجاء جبريل بأن هوذة مات، سبحان الله يعني هذا الرجل ظن أنه سيعيش وأنه سيقاسم الملك للنبي عليه الصلاة والسلام، مات اليوم الثاني. شوف كيف الإنسان مسكين الذي يؤمل ويعدهم الشيطان، وما يعدهم الشيطان إلا غروراً، يظن أحدهم أنه سيخلد، فإذا به يموت اليوم الثاني، خسر آخرته من أجل 24 ساعة من الأمان الباطلة فقط لا غير.

فقال صلى الله عليه وسلم: أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبأ يُقتل بعده، اللي هو مسيلمة الكذاب، سيخرج من اليمامة. إن اليمامة.

هذه منطقة الرياض وما حولها، وما بجانبها. فقال قائل: يا رسول الله، من يقتله؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنت وأصحابك». أنت وأصحابك، يعني هو لا يطول، يخرج قريباً.

قال: وفيما ذكر الواقدي أن أركون دمشق، عظيم من عظماء النصارى، كان عنده فهذه فسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: جاءني كتابه يدعوني إلى الإسلام فلم أجبه. فقال الأركون: لمَ لا تجيبه؟ قال: ظننت بديني وأنا ملك قومي، ولأن تبعته لم أملك. قال: بلى والله، لأن اتبعته ليملكن، وإن الخيرة لك في اتباعه. وإنه للنبي العربي الذي بشر به عيسى بن مريم، وإنه لمكتوب عندنا في الإنجيل محمد رسول الله. وذكر باقي الخبر.

نعم، شيخ، من يقصد أنت وأصحابك؟ يعني يقصد الصحابي، يعني يقول أنت وأصحابك، يعني هذا الجيل نفس جيلكم، لن يخرج متأخراً؛ أنت وأصحابك بعد أيام ولا أشهر ستكون قتلتهم.

القصة قبل لما قال عمرو بن العاص إنه وتبعه ساقفته، فقال: نعم. إشكال الأمر مشكل على النجاشي، هذا هو ابتداء لما ذهب جعفر، أشكل، لكن قيل إنه بعد ذلك دانت له مملكته، واقتفوه واتبعوه. فقد يكون كأنه ساقفه. قصدك نعم، هذا فيما يظهر لما كان جعفر بن أبي طالب، لكن لما عمرو بن أمية الضمري جاءه وأعلن لا، قيل إنهم دانوا له.

قال كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحارث بن أبي شمر الغساني مع شجاع بن وهب: ذكر الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث شجاعاً إلى الحارث بن أبي شمر، وهو بغوطة دمشق، مع هذا ملك غساني من غساسنة، وكان هذا الملك في غوطة دمشق عندكم.

قال: فكتب إليه مرجعه من الحديبية: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر، سلام على من اتبع الهدى وآمن به وصدق، وإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، ويبقى لك ملكك. قال: فختم الكتاب وخرج به شجاع بن وهب. قال: فانتهيت إلى حاجبه فأخذه يومئذ وهو مشغول بتهيئة الإنزال والطواف لقيصر، قال: وهو جاء من حمص، لأن هذا تابع لقيصر. قال: وهو جاء من حمص إلى إيلياء حيث كشف الله عنه جنود فارس. مر معنا أن قيصر كان يريد الحج في القدس، فكان مرة إيلياء التي هي بيت المقدس، فكان هذا الرجل يستعد لاستقبال قيصر، قيصر نازل من حمص باتجاه الغوطة، بدنا نعمل له هكذا، تعرف كيف الأذناب دائماً يخدمون الأسياد.

قال: فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة، فقلت لحاجبه: إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه. فقال حاجبه: لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا. وجعل حاجبه وكان رومياً اسمه مري يسالني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدعو إليه. الحاجب نفسه بدأ يسأل عن النبي عليه الصلاة والسلام.

قال: فكنت أحدثه فيرق حتى يغلبه البكاء، ويقول: إني قرأت في الإنجيل وأجد صفة هذا النبي بعينه، فكنت أراه يخرج بالشام، فأراه قد خرج أرض القرض، فأنا أؤمن به وأصدقه، وأنا أخاف من الحارث بن أبي شمر أن يقتلني. قال شجاع: فكان هذا الحاجب يكرمني ويحسن ضيافتي، ويخبرني عن الحارث باليأس ويقول: قال لي اسمع، هذا الحارث اغسل يديك منه، ما راح يسلم، رجل عايش على ملك الروم ومستفيد وانتفع لن يسلم. ويقول: هو يخاف قيصر.

قال: فخرج الحارث يوماً وجلس فوضع التاج على رأسه، فأذن لي عليه، فدفعت إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ ثم رمى به وقال: من ينتزع مني ملكي؟ وأنا سائر إليه ولو كان باليمن، جئوني بالناس. هذا من الناس الذين كان ردهم سيئاً للأسف. قال: عليّ بالناس، فلم يزل جالساً حتى الليل، وأمر بالخيل أن تنعل، ثم قال: أخبر صاحبك بما ترى. تنعل يعني توضع فيها الحذوة استعداداً للمعارك. قال: ثم قال: أخبر صاحبك بما ترى، وكتب إلى قيصر يخبره خبري. فصادف قيصر بإيلياء وعنده دحية الكلبي، وكما قلنا قيصر كان عاقلاً زعيم الروم، ما كان يتعامل باندفاع هؤلاء أوباش العرب.

قال: وقد بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قرأ قيصر كتاب الحارث، كتب إليه: ألا تسر إليه، والهَ عنه. فقيصر واضح، أرسل رسالة إلى الحارث: احذر أن تسير إلى محمد صلى الله عليه وسلم، اشتغل بشغل ثاني، فمنعه أن يقاتل النبي عليه الصلاة والسلام. وقال: وافني بإيلياء. قال: ورجع الكتاب وأنا مقيم، فدعاني وقال: متى تريد أن تخرج إلى صاحبك؟ قلت: غداً. فأمر لي بمائة مثقال ذهباً، ووصلني مري بنفقة وكسوة، وقال: اقرأ على رسول الله مني السلام، وأخبره أني متبع دينه.

قال شجاع: فقدمت على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: باد ملكه. وأقرأته من مري السلام، وأخبرته بما قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق. قال: وابن هشام يقول المرسل إليه جبلة بن الأيهم بدل الحارث بن أبي شمر. قال: وقد تقدم فيما ذكرناه عن ابن إسحاق كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى حارث بن عبد كلال ومن معه باليمن، كأنه في خلاف: هل هذا كان الذي أرسل إليه شجاع بن وهب هل هو الحارث بن أبي شمر أم جبلة بن الأيهم؟ جبلة بن الأيهم أسلم في زمن عمر وارتد، وهو الذي داس الأعرابي وطأ على إزاره وهو يطوف بالبيت، هذه قصة صارت في زمن عمر.

قال سرية علي بن أبي طالب إلى اليمن: قال ابن سعد: يقال مرتين، إحداهما في شهر رمضان، يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل علي بن أبي طالب إلى اليمن مرتين. قال: في شهر رمضان سنة عشر من مهاجره، وعقد له لواء وعممه بيده وقال: امض ولا تلتفت، فإذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك. قال: فخرج في ثلاثمائة فارس، وكانت أول خيل دخلت إلى تلك البلاد وهي بلاد مذحج، ففرق أصحابه، فأتوا بنهب غنائم وأطفال ونساء ونعم وشاء وغير ذلك، وجعل علي على الغنائم بريدة بن حصيب الأسلمي، فجمع إليه ما أصابوا.

ثم لقي جمعهم فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، ورموا بالنبل والحجارة، فصف أصحابه، ودفع لواء إلى مسعود بن سنان السلمي، ثم حمل عليهم علي بأصحابه فقتل منهم عشرين رجلاً، فتفرقوا وانهزموا، فكف عن طلبهم. ثم دعاهم إلى الإسلام فأسرعوا وأجابوا، وتابعه نفر من رؤسائهم على الإسلام، وقالوا: نحن على من ورانا من قومنا، وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله. وجمع علي الغنائم فجزأها على خمسة أجزاء، فكتب في سهم منها لله، وأقرع عليها، فخرج أول السهام سهم الخمس، وقسم علي على أصحابه بقية المغنم، ثم قفل فوافى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة قد قدم. هو جعل الغنيمة خمسة أخماس، أربعة أخماس للجيش وخمس لله ورسوله، فهو قسمها خمسة أخماس، بعدين أقرع ليخرج أي خمس سيكون منها لله ورسوله، فعمل قرعة فيما سيكون منها لله ورسوله، فخرج واحد من هذه الخمسة أخماس لله ورسوله فجعله لله.

قال: ثم قفل فوافى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة قد قدم للحج سنة عشر. قال الرشاطي: وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب في سرية إلى اليمن، وذلك في شهر رمضان سنة عشر من الهجرة، فأسلمت همدان كلها في يوم واحد، فكتب بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قرأ كتابه خر لله ساجداً، ثم جلس فقال: السلام على همدان، وتتابع أهل اليمن على الإسلام. انتهى كلام الرشاطي، يشبه أن تكون هذه هي السرية الأولى، وما في الأصل هو السرية الثانية، والله أعلم.

حجة الوداع: الآن انتهينا من قضية الرسائل إلى ملوك الأرض، سنأتي إلى حجة الوداع، الحجة الوحيدة التي حجها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وهو على رأس الدولة. قال الفقيه الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الفارسي: أعلم عليه الصلاة والسلام الناس أنه حاج، ثم أمر بالخروج معه، فأصاب الناس بالمدينة جدري أو حصبة منعت من شاء الله تعالى أن يمنع من الحج معه. فأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمرة في رمضان تعدل حجة.

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة عام حجة الوداع التي لم يحج من المدينة منذ هاجر عليه الصلاة والسلام إليها غيرها، فأخذ على طريق الشجرة، وذلك يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة سنة عشر نهاراً، بعد أن ترجل وادهن، وبعد أن صلى الظهر بالمدينة، وصلى العصر من ذلك اليوم بذي الحليفة ليلة الجمعة. وطاف تلك الليلة على نسائه ثم اغتسل، ثم صلى بها الصبح، ثم طيبته عائشة أم المؤمنين قبل أن يخرج بذريرة، وهي نبتة عشبية لها رائحة طيبة كانوا يصنعون منها الطيب، ويتطيب فيه مسك، ثم أحرم النبي صلى الله عليه وسلم.

من ذي الحليفة. وتعرفون ميقات ذي الحليفة؛ فهو بعيد عن المدينة كم كيلو. ولم يغسل الطيب الذي على بدنه؛ لأنه يجوز للمحرم أن يستمر على طيبه. ثم قال: ثم لبد رأسه. لبد رأسه وكان من عادتهم -لأن الشعر يكون طويلاً أحياناً- أن يضعوا عليه العسل؛ نحن كيف بعض الناس يضع اليوم الجل؛ مشان التثبيت، قديماً كانوا يضعون العسل؛ لأنه مع السفر ومع الذهاب والنزول وكذا، إذا كان الرأس دائماً والشعر طويلاً، أحياناً كان صلى الله عليه وسلم يتعب ويدخل فيه حتى الغبار والقمل، فكان من باب تثبيت الشعر يضعون مثبتاً، والمثبت كان يضعونه في العادة العسل أو شيئاً من ذلك.

قال: وقلد بدنه نعلين وأشعرها. تقليد البدن والنعال هذا إشارة إلى ماذا؟ كما قلنا، ليعلم قطاع الطريق أن هذه لله فلا يقتربون منها. وأشعر جماله، وما هو الإشعار؟ كما قلنا، أن يضرب السنام من الجهة اليمنى فينزل دم، وقطاع الطريق كانوا يعرفون أن هذه إذا أُشعر، إذاً أنها لله فلا يلمسونها، وسلت الدم عنها، يعني بعد ما أنت تضربها سنامها وينزل الدم تشفطه، يعني تزيله، نعم هذا معنى سلت زاله. قال: وكانت هدية تطوعاً، وكان عليه الصلاة والسلام ساق الهدي مع نفسه، ثم ركب راحلته وأهل حين انبعثت به من عند المسجد، مسجد ذي الحليفة، بالقران بالعمرة والحج معه، وذلك قبل الظهر بيسير. طبعاً هو في البداية لبى بالإفراد، لبى بحج الإفراد، ثم جاءه جبريل في وادي العقيق، فقال له أن يأتي بحج وعمرة، فتحول من مفرد إلى قارن صلى الله عليه وسلم.

نعم، قال: وذلك قبل الظهر بيسير، وقال للناس بذي الحليفة: من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، اللي هو القران، ومن أراد أن يهل بحج فليفعل، اللي هو الإفراد، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل، اللي هو التمتع، التمتع بتعمل عمرة أول شيء بعدين بتروح. قال: وكان معه عليه الصلاة والسلام من الناس جموع لا يحصيها إلا خالقهم ورازقهم عز وجل. ثم لبى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك». قال: وقد روي أنه عليه الصلاة والسلام زاد على ذلك فقال: «لبيك إله الحق». وأتاه جبريل عليه السلام وأمره أن يأمر أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية.

وولدت أسماء بنت عميس الخثعمية، زوج أبي بكر الصديق، محمد بن أبي بكر. أسماء بنت عميس كانت زوجة من أولاً؟ كانت زوجة جعفر بن أبي طالب، فاستشهد جعفر بن أبي طالب في غزوة مؤتة، فتزوجها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فولدته محمد بن أبي بكر الصديق. نعم، أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وتستثفر بثوب. الاستثفار هو وضع ثوب في المنطقة السفلية يشد حتى يمنع خروج الدم؛ لأنها الآن هي نفساء فالدم سينزل، فأمر أن تستثفر؛ أي تضع ثوباً على جهة مكان خروج الولد لتمنع نزول الدم.

ثم نهض عليه الصلاة والسلام وصلى الظهر بالبيداء، ثم تمادى واستهل هلال ذي الحجة ليلة الخميس، ليلة اليوم الثامن من خروجه من المدينة. ثم نهض وصلى الظهر في البيداء، والأصل أنه صلى العصر في ذي الحليفة، ثم تمادى واستهل هلال ذي الحجة. واستهل هلال ذي الحجة ليلة الخميس؛ ليلة اليوم الثامن من خروجه من المدينة، فلما كان بسرف حاضت عائشة رضي الله عنها. النبي الآن يسير باتجاه مكة، واستهل هلال ذي الحجة، احنا قلنا هو خرج ٢٤ ذو القعدة، احنا الآن أصبحنا في اليوم الأول من ذي الحجة، واستهل هلال ذي الحجة ليلة الخميس، اللي هي ليلة اليوم الثامن من خروجه.

فلما كان بسرف، وسرف أيضاً هي منطقة بين مكة والمدينة، حاضت عائشة فيها، وكانت قد أهلّت بعمرة، فامرها رسول الله صلى الله عليه وسلم. عائشة رضي الله عنها كانت تريد أن تحج متمتعة، فهي أهلّت بعمرة ابتداءً على أساس أنها بعد ذلك تحرم بالحج في اليوم الثامن -يوم التروية-، لكن للاسف ماذا حصل؟ حاضت، ما عادت تستطيع تعمل عمرة، فامرها النبي صلى الله عليه وسلم لما وصلت مكة -وبكت وأنها ما استطاعت ورأت الناس تذهب إلى الحج- وقالت: يا رسول الله، أنا متورطة، أنا بدي أعمل عمرة بعدين، قال: خلص، أدخلي العمرة إلى الحج وصيري قارنة، فتحولت من تمتع إلى قران.

قال: فامرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وتنقض رأسها. متى؟ طبعاً هنا القصة فيها شوية اختصار، أحياناً قد لا يفهم؛ أمرها أن تغتسل وتنقض رأسها، هذا في اليوم الثامن من الحج أو اليوم التاسع، هو شوي اختصر المسافة، أنه في اليوم التاسع من ذي الحجة أو الثامن لما بدأت الناس تنتقل باتجاه عرفة أمرها النبي، لكن هذا متأخر؛ لأنها إن تغتسل متى؟ لما طهرت من الحيض، وهذا متأخر. أمرها أن تغتسل وتنقض رأسها، بتعرفوا المرأة الحائض في المذهب عندنا إذا أرادت أن تغتسل لا بد أن تنقض شعر رأسها، وتترك العمرة وتدعها وترفضها، يعني لا تفعلها الآن، وإنما تدخل العمرة في الحج وتصبح قارنة، ولم تحل منها وتدخل على العمرة حجاً وتتحول إلى قارنة.

وتعمل بجميع أعمال الحج حاشا الطواف بالبيت ما لم تطهر. برضو شوي يقول لك الكلام هنا، أمرها أن تغتسل وتنقض رأسها، هذا متى؟ الكلام هنا فيه تداخل، وهذا أمرها فيه لما طهرت. هي طهرت، الكلام مش مرتب فيما يظهر لي؛ هو أولاً أمرها أن تدخل العمرة في الحج، هي الآن حائض صحيح، أولاً أمرها أن تدخل العمرة في الحج وتتحول إلى قارنة، ثم بعد جاء يوم عرفة وهي قارنة، وجاء مزدلفة، سياتي معنا بعد يومين ثلاث طهرت من الحيض -يعني بعد يومين ثلاث من عرفة، يعني تقريباً اليوم الأول أو الثاني من أيام التشريق طهرت- فامرها أن تغتسل وتنقض رأسها. الكلام هون شوي متداخل، يقول لك أمرها أن تغتسل وتنقض رأسها، وامرها أن تتخذ العمرة في الحج، وامرها، طب ما هو هي كانت حائض، طب لماذا امرها أن تغتسل وهي حائض؟ فانت بتشعر أنه الكلام أصبح مش مفهوماً، ولذلك أظن هنا اختصر اختصاراً لا يوضح المقصود، الترتيب كان ينبغي أن يقول: أمرها أن تدخل العمرة على الحج، وأن تنهي المناسك لكن لا تطوف حتى تطهر، فلما طهرت أمرها أن تغتسل وتنقض شعر رأسها وتطوف بالبيت. فالكلام شوية شارد في تقديم وتأخير لا يفهم الصورة النهائية.

وقال عليه الصلاة والسلام وهو بسرف للناس: «من لم يكن منكم معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا». هذه مسألة، مسألة اختلف الفقهاء، هل هي خاصة بالصحابة في ذاك الموسم أو لا، وهي مسألة فسخ الحج إلى عمرة، لما كانوا في الطريق إلى مكة. الآن خلص انتهينا موضوع عائشة، نرجع احنا لسه في سرف ما وصلناش مكة، نرجع للحالة الطبيعية. وهم في سرف، النبي عليه الصلاة والسلام قال لبعض الصحابة الذين كانوا أهلّوا بالحج: «الذي ليس معه هدي وأراد أن يفسخ نية الحج إلى عمرة، ويتحول إلى متمتع، له ذلك». تسمى مسألة أن من حج مفرداً هل له أن يفسخ نية الحج ويتحول إلى تمتع، فيعمل عمرة ثم يحل، ثم في يوم التروية يحج؟

جمهور الفقهاء ومنهم الحنابلة وأكثر أهل العلم أن هذه كانت خاصة بالصحابة؛ مسألة أن من حج يفسخ نية الحج -حج الإفراد أو القران- يفسخه إلى تمتع. هنا كأنك تنزل من الأعلى إلى الأدنى؛ أنت نويت حج، كيف تنزل إلى عمرة؟ فما هي تسمى مسألة فسخ الحج إلى العمرة. جمهور أهل العلم على أن هذه خاصة بالصحابة في حجة الوداع، وليس لغيرهم أن يفعلوا ذلك. والبعض قال: لا، يجوز أن يفعل ذلك حتى من كان من غير الصحابة في أي زمان أو أي مكان، ولكنني مع الجمهور في ذلك، أن الأصل أن هذه كانت خاصة به.

الفسخ إلى عمرة فقط ولا إلى تمتع؟ هو ماشي، أنت فعلياً إلى تمتع، بس حتى التمتع هو إلى عمرة ابتداء؛ لأنك ستصبح معتمراً، خلص تعمل عمرة وتتحلل، ثم تبدأ تحج، تحرم من جديد بالحج في يوم التروية. فهو فعلياً فسخت الحج إلى عمرة، ثم العمرة بعد أن تحل منها تستطيع أن تتمتع في اليوم السابع أو الثامن من ذي الحجة، في يوم التروية تحرم بالحج من جديد. هو في الأصل هو من لم يكن معه هدي، لا، هو كان معه هدي، من هو الحديث؟ من لم يكن... نعم، قال من لم يكن معه هدي، فاما اللي كان معه هدي وكان أحرم بالحج لم يجز لهم أن يفسخوها إلى عمرة. أنا أقصد أنه طب إذا فسخ، طب هيك لزم الهدي، إذا تحول إلى التمتع لزم الهدي. بس هو كيف نحكي من لم يكن معه هدي؟ يعني من لم يسق الهدي، هي مسألة اسمها مسألة سوق الهدي، اللي ساق الهدي معاه من بلده خلاص ما بيحق له يتحول من إفراد أو قران إلى تمتع، أما اللي ما ساق الهدي ابتداءً معه، يستطيع أن يبدأ متمتعاً ثم لما يأتي يوم العيد يذبح الهدي. عندئذ هي مسألة، وهذه لها أحكام في تأثيرها على إحرام الإنسان.

نعم، قال: فمنهم من جعلها عمرة كما أبيح له، ومنهم من تمادى على نية الحج ولم يجعلها عمرة، بعض الصحابة قال خلص يا رسول الله أنا بفسخ، وبعض الصحابة بقي مصراً على أن يجعلها حجة من البداية، حجة إفراد أو قران. نعم، قال: وهذا في من لا هدي معه، وأما من معه الهدي فلم يجعلها عمرة أصلاً، وأمر عليه الصلاة والسلام في بعض طريقه ذلك، من كان معه هدي أن يهل بالقران بالحج والعمرة معه.

ثم نهض عليه الصلاة والسلام إلى أن نزل بـ «طوى»، فبات بها، طوى هذه قبيل مكة، بات النبي صلى الله عليه وسلم بمنطقة طوى قبل أن يدخل مكة، واغتسل فيها. قال: فبات بها، أخذ مشروعية الغسل لدخول مكة، قال: فبات بها ليلة الأحد لأربع خلون لذي الحجة، وصلى الصبح بها، ودخل مكة نهاراً من أعلاها من كداء. إذاً وصل النبي صلى الله عليه وسلم مكة أربعة ذو الحجة، ودخل من كداء، وهي أعلى مكة، كداء طريق بين جبلين، وهو من علو مكة وليس من سفورها.

من الثنية العليا صبيحة يوم الأحد المذكور المؤرخ، واستلم الحجر الأسود، وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكعبة سبعة، ورمل ثلاثاً منها ومشى أربعاً. رمل ثلاثاً يعني ركض في ثلاث منها، ومشى أربعاً منها، يستلم الحجر الأسود والركن اليماني في كل طواف، ولا يمس الركنين الآخرين اللذين في الحجر. وقال بينهما: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ مع الركنين الشاميين. وقال بينهما: السنة أنك بين الركن اليماني والحجر الأسود تقول هذا الدعاء كل ما وصلت إلى الركن اليماني، وما بين الحجر الأسود.

ثم صلى عند مقام إبراهيم عليه السلام ركعتين، يقرأ فيهما مع أم القرآن، قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد، جعل المقام بينه وبين الكعبة. وقرأ عليه الصلاة والسلام إذا أتى المقام، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، ثم رجع إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا فقرأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، ابدأ بما بدأ الله به. فطاف بين الصفا والمروة أيضاً سبعاً، راكباً على بعيره، يخب ثلاثاً ويمشي أربعاً، ثم رقى الصفا. ثم رقى الصفا، استقبل القبلة ونظر إلى البيت، ووحد الله تعالى وكبره، وقال: «لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»، ثم يدعو، ثم يفعل على المروة مثل ذلك. فلما أكمل عليه الصلاة والسلام الطواف والسعي، أمر كل من لا هدي معه بالإحلال، قارناً كان أو مفرداً، وأن يحلوا الحل كله من وطء النساء والطيب.

والمخيط، وأن يبقوا كذلك إلى يوم التروية. وهنا تحول الموضوع إلى أمر في البداية؛ خيرهم في سرف، لما خطب قال: «من كان معه هدي ومن لم يكن معه هدي وأراد أن يحولها إلى عمرة فليفعل». فبعضهم حولها إلى عمرة وبعضهم أصر أن يبقى حاجاً.

بعد أن أنهى العمرة، هنا ألزم كل من ليس معه هدي أن يفسخ الحج إلى عمرة، فأصبحت عزيمة، ابتداءً كان نوعاً من التخيير، لكن هنا ألزم الجميع. قال: فلما أكمل الطواف أمر كل شخص لا هدي معه بالإحلال؛ أمر كل شخص بأن يفسخ نية الحج. كل شخص طبعاً لم يسق الهدي، أما الذي ساق الهدي فلا، خلص، بقوا زي النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ما فسخ، لماذا؟ لأنه كان ساق الهدي، أما كل من لم يسق الهدي أمره بالفسخ. في البداية كان تخييراً في سرف، هنا لا، ألزمهم، خلاص الكل بده يفسخ.

نعم، قال: «وأن يحلوا الحل كله من وطء النساء والطيب والمخيط». وما داموا حلوا من عمرتهم حلاً، فأحل لهم النساء والطيب وكل شيء. طيب، قال: «وأن يبقوا كذلك إلى يوم التروية»، وهو يوم منى، فيهل حينئذ بالحج ويحرم عند نهوضه إلى منى، وأما من معه الهدي، فأمر من معه الهدي بالبقاء على إحرامه.

وقال عليه الصلاة والسلام حينئذ إذ تردد بعضهم: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي حتى أشتريه، ولا جعلتها عمرة ولا أحللت كما أحللت، ولكني سقت الهدي فلا أحل حتى أنحر الهدي». وكان أبو بكر وعمر وطلحة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت»، يعني كأنه يفضل الحالة الثانية أن لا يسوق الهدي، وأن يشتري الهدي من مكة ويذبح فيها يوم العيد.

فيقول: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي حتى أشتريه من مكة ولجعلتها عمرة»، هذا لا يحثهم على أن يفعلوا ذلك، ومن هنا قال الحنابلة إن أفضل الأنساك ما هو التمتع، مع أنه حج قارناً، لماذا؟ أنه هو قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لحججت متمتعاً». نعم، قال: وكان أبو بكر وعمر وطلحة والزبير وعلي ورجال من أهل الوفر ساقوا الهدي فلم يحلوا، وبقوا محرمين كما بقي هو عليه الصلاة والسلام. يظهر لي أن كلمة من أهل الوفر معناها من أصحاب الأموال، يعني اللي كان معهم أموال استطاعوا أن يسوقوا الهدي كما ساق النبي صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء لم يحلوا.

نعم، قال: لأنه كان ساق الهدي مع نفسه، وكان أمهات المؤمنين لم يسقن هدايا، بالتالي أحل أمهات المؤمنين؛ ما كان معهم هدايا. نعم، قال: وكنا قرينات حجاً وعمرة، وكذلك فاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، بنت أبي بكر الصديق أحلت، حاشا عائشة رضي الله عنها، إلا عائشة ما استطاعت أن تحل، لماذا؟ لمشكلة الحيض التي وقعت فيه. طيب قال: من أجل حيضها لم تحل كما ذكرنا، وشكت علي فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذ أحلت، فصدقها عليه الصلاة والسلام في أنه أمرها بذلك.

نعم، علي رضي الله عنه كان قادماً من اليمن، مش قلنا بعثه النبي صلى الله عليه وسلم بسرية إلى اليمن قبل قليل، فهو مباشرة جاء من اليمن باتجاه مكة، يعني ما أنهى السرية واتجه إلا عرف أن النبي صلى الله عليه وسلم متجه إلى مكة لحجة الوداع، فمباشرة علي رضي الله عنه بقي مغضباً من فاطمة، ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله وجدت البنت فسخت حجتها إلى عمرة، فقال: «نعم، أنا أمرتهم بذلك»، يعني لا تغضب.

نعم، قال: وحينئذ سأله سراقة بن مالك بن جعشم الكناني، فقال: يا رسول الله، متعتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ أشعر في مشكلة في النص، متعتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ مشوا في هذا الحديث أنه سأله: متعتنا هذه لعامنا هذا أم هي للأبد؟ يعني هل هذا خاص بنا نحن، أم هو خلص حكم للمسلمين عموماً إلى قيام الساعة؟ هل هي من خصائصنا أم هي للمسلمين إلى قيام الساعة؟

الآن اختلف شراح الحديث في معنى هذا السؤال، هل قصد النبي صلى الله عليه وسلم للأبد جواز فسخ الحج إلى عمرة، أم الذي للأبد هو جواز التمتع؟ يعني هل المتعة، التمتع بالعمرة إلى الحج، هل هو للأبد أم الذي للأبد هو فسخ الحج إلى عمرة؟ فبعضهم ماذا فهم من سؤال سراقة أنه يسال عن فسخ الحج إلى عمرة، هل يجوز للأبد أن نفعله أم هذا خاص بنا؟ والبعض قال: لا، هو يقصد سراقة: هل التمتع كمتعتي للأبد؟ ولم يسأله عن الفسخ بحد ذاته. فإذاً في خلاف في فهم طبيعة سؤال سراقة بن مالك، فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأبد، البعض قال للأبد جواز الفسخ، فبالتالي قالوا بجواز الفسخ، والبعض قال لا، قصد النبي صلى الله عليه وسلم للأبد جواز التمتع بالعمرة إلى الحج.

طيب، قال: وأمر عليه الصلاة والسلام من جاء إلى الحج على غير الطريق التي أتى عليه الصلاة والسلام عليها، ممن أهل بإهلال كإهلال النبي، أن يبقوا على أحوالهم؛ فمن ساق منهم الهدي لم يحل. فكان علي من أهل هذه الصفة. نعم، الآن في ناس أتوا للحج لكن ليس من طريق الشجرة، عرفنا أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج عن طريق الشجرة، طيب في ناس أتوا لمكة زي علي بن أبي طالب جاي من اليمن من الجنوب، في ناس أتوا من مناطق مختلفة من جزيرة العرب، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر كل من ساق الهدي منهم أن يبقى على ماذا؟ على إهلاله. إذاً، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم من جاء إلى الحج على غير الطريق التي أتى بها عليها، في ناس أتوا من جنوب الجزيرة وناس أتوا من شمالها، بأن يبقوا على أحوالهم يعني على الإهلال، فمن ساق منهم الهدي لم يحل، ومن لم يسق الهدي أحل.

نعم، قال: فكان علي من أهل هذه الصفة، ومن كان منهم لم يسق الهدي أن يحل، فكان أبو موسى قدم أيضاً من جهة أخرى، قيل إن أبا موسى كان مع علي بن أبي طالب في سريته فلم يكن معه هدي، فأمره أن يحل، وأما علي بن أبي طالب كان معه الهدي فأمره أن يبقى على إحرامه.

طيب، قال: وأقام عليه الصلاة والسلام بمكة محرماً من أجل هديه يوم الأحد المذكور، والاثنين والثلاثاء والأربعاء، وليلة الخميس؛ ليلة الخميس اللي هي ليلة التروية، كانت ليلة التروية. نعم، قال: ثم نهض صلى الله عليه وسلم بكرة يوم الخميس، وهو يوم منى، وكان يوم منى اللي هو يوم التروية، نعم، قال: ويوم التروية مع الناس إلى منى، وفي ذلك الوقت أحرم بالحج من الأبطح كل من كان أحل من أصحابه رضي الله عنهم، فأحرموا في نهوضهم إلى منى في اليوم المذكور. بطح اللي هي بطحاء قريش، تسمى منطقة بطحاء قريش.

طيب، قال: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى الظهر من يوم الخميس المذكور والعصر والمغرب والعشاء الآخرة وبات بها ليلة الجمعة، وصلى بها الصبح من يوم الجمعة، ثم نهض عليه الصلاة والسلام يوم الجمعة كان يوم عرفة، كان يوم عرفة. ثم نهض بعد طلوع الشمس، بعد شروق الشمس، تحرك باتجاه عرفة. قال: من يوم الجمعة المذكور إلى عرفة بعد أن أمر عليه الصلاة والسلام أن تضرب له قبة من شعر بنمرة، قبة يعني مثل خيمة.

نعم، قال: فأتى عليه الصلاة والسلام عرفة ونزل في قبته التي ذكرنا، لكن هذه ابتداءً كانت في بطن عرنة، وكانت خارج حدود عرفة، إنه السنة أن تدخل عرفة بعد الظهر، فنزل في هذه الخيمة ولم تكن في ماذا في نمرة، والمنطقة المقدمة من نمرة هي ليست من حدود عرفة، نزل فيها قبل الظهر، حتى إذا زادت الشمس يعني دخل وقت الظهر، أمر بناقته القصواء فرحلت، ثم أتى بطن الوادي اللي هو وادي عرنة، فخطب على راحلته خطبة الجمعة، طبعاً هي أو خلينا نقول مش خطبة جمعة كانت، هو صح يوم جمعة لكنه كان مسافراً لأنه جمع وقصر، هذه خطبة يوم عرفة، هذه خطبة يوم ايش؟ عرفة.

فخطب على راحلته خطبة، ذكر فيها تحريم الدماء والأموال، «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا». طيب قال: ووضع فيها أمور الجاهلية والدماء، نعم، أنهى خلص كل ملفات الجاهلية، وضعها الدماء، الربا، الثأر، حرمها في تلك الخطبة. نعم، قال: وأول ما وضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، كان مسترضعاً في بني سعد بن بكر فقتلته هذيل، قتلته قبيلة هذيل. طيب قال: وذكر النسابة أنه كان صغيراً يحبو أمام البيوت، وكان اسمه إياس، فأصابه حجر عائر أو سهم غرب من يد رجل، غرب أي سهم طائش لا يعرف من أين مصدره، قال: من بني هذيل فمات.

طبعاً القضية أنه أرادوا أن يثأروا له، طبعاً هذا أول دم وضعه، أي وضع الثأر له، ولماذا بدأ به؟ لأنه دم الحارث بن عبد المطلب، هذا عم النبي عليه الصلاة والسلام، الحارث بن عبد المطلب هذا عم النبي، كان طبعاً مات قبل البعثة، الحارث كان هذا عمه، عبد المطلب جده، إذا الحارث سيكون عم النبي عليه الصلاة والسلام، يعني هذا أخو حمزة، أخو حمزة بن عبد المطلب. المهم، فالحارث كان له ابن اسمه ربيعة، وربيعة هذا ابن الحارث كان له ابن مسترضع في بني سعد بن بكر اللي هي منطقة السعدية، تمام؟ وقيل إن هذا الابن كان طفلاً صغيراً مسترضعاً هناك، فقتل على يد قبيلة هذيل، كيف قتل الله أعلم، المهم كانوا يريدوا الثأر له، فالنبي صلى الله عليه وسلم أنهى كل هذه القضايا، قال: «وأول دم أضعه دم ابن ربيعة ابن عمي»، يعني حتى يقول لك يعني إحنا راح نبدأ إحنا القرشيين بأنفسنا حتى لا نكون كمن يأمر بشيء ويغيره، ولا، قال: إحنا نحن بنو عبد المطلب نضع دماءنا، خلاص ما في ثأر.

نعم، قال: ثم نرجع إلى وصف عمله عليه الصلاة والسلام، نرجع إلى وصف الحج، وصف حجه، قال: ووضع أيضاً عليه الصلاة والسلام في خطبته بعرفة ربا الجاهلية، وأول نعم، أبطل كل ربا الجاهلية، وأول ربا أبطله ربا مين؟ العباس، لأن العباس كان يتعامل بالربا قبل إسلامه.

نعم، قال: وأوصى بالنساء خيراً، وأباح ضربهن غير مبرح إن عصين في بما لا يحل، وقضى لهن بالرزق والكسوة بالمعروف، يعني بين ما للنساء وما عليهن من الواجبات وما لهن من الحقوق. نعم، وقضى لهن بالرزق والكسوة بالمعروف على أزواجهن، وأمر بالاعتصام بعده بكتاب الله عز وجل، وأخبر أنه لا يضل من يعتصم به، وأشهد الله عز وجل على الناس أنه قد بلغهم ما يلزمهم، فاعترف الناس بذلك، وأمر عليه الصلاة والسلام أن يبلغ ذلك الشاهد الغائب.

وبعثت إليه أم الفضل، وبعثت إليه أم الفضل، أم الفضل هي زوجة العباس، بعثت إليه بقدح من اللبن لتتأكد هل كان صائماً يوم عرفة أو لا، فشرب فعرفوا أنه لم يكن صائماً. نعم، قال أم الفضل بنت الحارث الهلالية وهي أم عبد الله بن العباس، لبناً في قدح فشربه عليه الصلاة والسلام أمام الناس وهو على بعيره، فعلموا أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن صائماً في يومه ذلك.

فلما أتم الخطبة المذكورة، أمر بلالاً فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، إذاً هذيك خطبة عرفة، وليست خطبة جمعة لأنه كان مسافراً، والمسافر لا جمعة عليه، فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين، قال: ولم يصل بينهما شيئاً، ولكن صلاهما عليه الصلاة والسلام بالناس مجموعتين في وقت الظهر بأذان واحد لهما معه، وقامت لكل صلاة منهما إقامة.

ثم ركب عليه الصلاة والسلام راحلته حتى أتى الموقف، فاستقبل القبلة، وجعل حبل المشاة بين يديه، فلم يزل واقفاً للدعاء، وهنالك سقط رجل من المسلمين عن راحلته وهو محرم في جملة الحجيج فمات. إذاً دخل عرفة بعد الظهر ووقف في الموقف تمام، وفي عرفة بقي على راحلته إلى الغروب، يعني لم ينزل، بقي على راحلته إلى الغروب. إذاً قالوا كل المشاعر السنة أن تفعلها ماشياً، وبعضها يجب أن تفعله ماشياً كالطواف، إلا الوقوف بعرفة فإنه يفعل راكباً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام فعله راكباً، إلا الوقوف بعرفة.

طيب، وجعل حبل المشاة، الذي يظهر حبل الناقة زمامها، نعم قال: وهنالك سقط رجل من المسلمين عن راحلته وهو محرم في جملة الحجيج فمات، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يكفن في ثوبيه، ولا يمس بطيب، ولا يحنط، ولا يغطى رأسه ولا وجهه، وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه يبعث يوم القيامة ملبياً.

قال: وسأله قوم من أهل نجد هنالك عن الحج، فأعلم عليه الصلاة والسلام بوجوب الوقوف بعرفة ووقت الوقوف بها، وأرسل إلى الناس أن يقفوا على مشاعرهم. فلم يزل عليه الصلاة والسلام واقفاً حتى غربت الشمس من يوم الجمعة المذكور وذهبت الصفرة، أردف أسامة بن زيد خلفه، ودفع عليه الصلاة والسلام وقد ضم زمام القصواء ناقته حتى إن رأسها ليصيب.

حتى إن رأسها ليصيب طرف الرحل، ثم مضى يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص. وكلاهما ضرب من السير. لما يصيب طرف الرحل، معناه أنه شد الرأس عاليًا، حتى إنه ممكن الرأس كيف سيصيب موطن الرحل؟ الرحل يكون على السنام إلا أن الرأس عم يرجع إلى الخلف، هذا دلالة أنه شد وأنه أحكم؛ لم يعطها الأريحية الكاملة، وفي تمام شده لها حتى إن رأسها قد يصيب موضع مكان الرحل. نعم، قال: وكلاهما ضرب من السير والنص، ثم مضى يسير العنق. الآن طريقة النزول من عرفة إلى مزدلفة أنك أولًا تنزل رويدًا رويدًا، وهذا يسمى مشي العنق، فإذا وجد فجوة -لأنه بتكون زحام والناس أزمة- وجد متسعًا نص، والنص هو نوع من المشي للجمال أسرع من مشي العنق؛ لذلك قال: وكلاهما -أي العنق والنص- ضرب من السير، ولكن النص أكدهما، أي أسرع.

والفجوة الفسحة؛ وجد منطقة لأنه دائمًا مع الزحام الأصل يمشي شوي شوي حتى لا يضر الناس. كلما أتى ربوة من تلك الروابي أرخى للناقة زمامها قليلًا حتى يصعدها، الآن كما قلت هو كان شاد الزمام، فكلما أراد يصعد تلة خفف شوي من شد الزمام حتى الناقة يسهل عليها أن تصعد، لأن الناقة إذا كنت شادًا وأنت تصعد بها بتتعب، فلازم ترخي لها الحبل شوي. وهو عليه الصلاة والسلام يأمر الناس بالسكينة في السير. فلما كان في الطريق عند الشعب الأيسر نزل عليه الصلاة والسلام فيه فبال، وتوضأ وضوءًا خفيفًا، وقال لأسامة: «الصلاة أمامك»، أو كلامًا: لن نصلي هنا، سنصلي في مزدلفة؛ لأن السنة أن تصلي المغرب والعشاء جمع تأخير، وليس جمع تقديم.

ثم ركب حتى أتى المزدلفة ليلة السبت العاشر من ذي الحجة، فتوضأ ثم صلى بها المغرب والعشاء الآخرة مجموعتين في وقت العشاء الآخرة، دون خطبة، لكن بأذان واحد لهما معًا، وبإقامتين لكل صلاة منهما إقامة. لم يحتج أن يخطب هناك؛ لم يكن هناك خطبة في مزدلفة، لم يخطب فيها النبي عليه الصلاة والسلام. ولم يصلِّ بينهما شيئًا، ثم ضجع عليه الصلاة والسلام بها حتى طلع الفجر، فقام وصلى الفجر بالناس بمزدلفة يوم السبت المذكور وهو يوم النحر، وهو يوم الأضحى، وهو يوم العيد.

الآن صرنا يوم العيد يوم الأضحى، وهو يوم الحج الأكبر. إذاً يوم الحج الأكبر ليس عرفة على الصحيح، بل هو يوم العيد. مغلسًا أول ما سطع الفجر، مغلس يعني في بداية الفجر وما زالت الدنيا عتمة، والتغليس هو أول ما يؤذن الفجر. وهناك سأله عروة بن مضرس الطائي، قد ذكر له عمله الحج، هو ابن مدرس أتى من جبال بعيدة من جبال طيئ، وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة المزدلفة، وصل إلى عرفة، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حجك مقبول»، لأنه إذا وصلت إلى عرفة ليلًا هل يصح ولا لا يصح؟ يصح. فقال له عليه الصلاة والسلام: «إن من أدرك الصلاة -يعني صلاة الصبح- بمزدلفة في ذلك اليوم مع الناس فقد أدرك الحج، وإلا فلم يدرك».

لأن إذا هو وصل إلى عرفة ليلًا جاي من جبال بعيدة بالكاد أدرك عرفة في الليل، قالوا مش مشكلة، ما دمت أدركت قبل الصبح فأمور طيبة. والمراد أنه مر بعرفة وبين نزل على مزدلفة، فمر مرورًا بعرفة ولو ثانية أدى المنسك. واستأذنت سودة وأم حبيبة في أن تدفعا من مزدلفة ليلًا، سودة كانت ثقيلة الله يرضى عنها، وأم حبيبة، قالوا يا رسول الله نريد أن نذهب إلى رمي جمرة العقبة ليلًا قبل أن يحصل الزحام، فأذن لهما ولأم سلمة في ذلك، وكن وهن أمهات المؤمنين، وأذن أيضًا للنساء والضعفاء أن يدفعوا لرمي جمرة العقبة ليلًا حتى قبل أن يحصل الزحام نهارًا.

وذكرهم الله تعالى بها، إلا أنه عليه الصلاة والسلام أذن للنساء في الرمي بليل ولم يأذن للرجال في ذلك إلا لضعفاء ولا لغير ضعفائكم، وذكرهم الله تعالى بها؛ بالتالي هم حققوا المبيت بمزدلفة وذكروا الله بمزدلفة لكنهم لم يبقوا للفجر، هؤلاء النساء والضعفاء بل دفعوا قبل الفجر. ولم يأذن للرجال في ذلك لا لضعفاء ولا لغير ضعفائكم، المذهب عند الحنابلة حقيقة يجوز الدفع بعد منتصف الليل حتى لغير الضعفاء، وإنما قيل إن النبي عليه الصلاة والسلام أخذ الرجال بالعزائم وليس لأنه لا يجوز. وكان ذلك اليوم يوم كونه عليه الصلاة والسلام عند أم سلمة، يوم وجوده عند أم سلمة؛ لأنه هو حج بزوجاته، وأثناء حجه بزوجاته كل يوم يبيت في خيمة واحدة حتى يكون هناك عدل بين الزوجات، ففي هذه الليلة كانت ليلة المبيت عند أم سلمة.

فلما صلى عليه الصلاة والسلام الصبح كما ذكرنا بمزدلفة، أتى المشعر الحرام بها، فاستقبل القبلة، فدعا الله عز وجل، وكبر، وهلل، ووحد، ولم يزل واقفًا بها حتى أسفر جدًا. وقبل أن تطلع الشمس، فدفع عليه الصلاة والسلام حينئذ من مزدلفة، وقد أردف الفضل بن عباس وانطلق، أول رديف للنبي عليه الصلاة والسلام كان أسامة بن زيد، الآن من مزدلفة إلى منى كان رديفه الفضل بن عباس، وانطلق أسامة على رجليه في سباق قريش، وهنالك سألت الخثعمية النبي صلى الله عليه وسلم الحج عن أبيها الذي لا يطيق الحج، وكان الفضل ينظر إليها، والنبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، حتى يغض بصره، كانت فتاة شابة.

والخثعمية سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن أباها أدركته فريضة الله في الحج ولا يستطيع الحج على راحلته، فقال: «حجّي عنه». فامرها أن تحج عنه، وجعل صلى الله عليه وسلم يصرف بيده وجه الفضل بن عباس عن النظر إليها وإلى النساء، وكان الفضل أبيض وسيمًا، وسأله أيضًا عليه الصلاة والسلام رجل عن مثل ما سألت عنه الخثعمية، فأمر عليه الصلاة والسلام بذلك.

ونهض عليه الصلاة والسلام يريد منى، فلما أتى بطن محسر حرك ناقته قليلًا؛ الآن بين مزدلفة ومنى هناك وادٍ اسمه محسر، وهذا الوادي هو الذي حبس الله فيه فيل أبرهة عن هدم الكعبة ونزلت فيه الطير الأبابيل على جيش أبرهة، فكان منطقة عذاب، ومعروف أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في مناطق العذاب أن يمكث فيها، بل يمر مرورًا سريعًا تقريبًا مسافة 240 مترًا. وسلك عليه الصلاة والسلام الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى منى، فأتى الجمرة التي عند الشجرة، وهي جمرة العقبة الكبرى وهي الأخيرة. رمى عليه الصلاة والسلام من أسفلها بعد طلوع الشمس من اليوم المؤرخ، بحصى التقطها له عبد الله بن عباس من موقفه الذي رمى فيه، مثل حصى الخذف، وامر بمثلها ونهى عن أكبر منها وعن الغلو في الدين.

فرماها عليه الصلاة والسلام وهو على راحلته بسبع حصيات كما ذكرنا، يكبر مع كل حصاة منها، وحينئذ قطع عليه الصلاة والسلام التلبية، ولم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة التي ذكر، لما رمى جمرة العقبة انتهت التلبية وبدأ التكبير، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. الحاج متى يبدأ يلبي؟ من عند رمي جمرة العقبة ينهي التلبية ويبدأ بالتكبير. ورماها عليه الصلاة والسلام راكبًا، وبلال وأسامة أحدهما يمسك خطام ناقته عليه الصلاة والسلام والآخر يظله بثوبه من الحر.

وخطب عليه الصلاة والسلام الناس في اليوم المذكور وهو يوم النحر، هذه الخطبة الثانية التي خطبها النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع، وهي خطبة يوم العيد، إذ خطب أولًا في عرفة، هذه الخطبة الثانية خطبة يوم النحر. فيها تحريم الدماء والأموال والأعراض والأبشار، وأعلمهم عليه الصلاة والسلام بتحريم يوم النحر وحرمة مكة على جميع البلاد، وأمر بالسمع والطاعة لمن قاد بكتاب الله عز وجل، بشرط أن يحكموا بشرع الله. وأمر الناس بأخذ مناسكهم فلعله لا يحج بعد عامه ذلك، وأمرهم أن يتعلموا منه المناسك؛ فإني لا أدري لعلكم لا تلقوني بعد عامي هذا.

وعلمهم مناسكهم، وأنزل المهاجرين والأنصار والناس منازلهم، وأمر ألا يرجعوا بعده كفارًا ولا يرجعوا بعده ضلالًا يضرب بعضهم رقاب بعض، وأمر بالتبليغ عنه، وأخبر بأن رب مبلّغ أوعى من سامع. ثم صرف عليه الصلاة والسلام إلى المنحر بمنى فنحر 63، فنحر الآن بعد رمي جمرة العقبة عليه الصلاة والسلام نحر 63 بدنة، وعليّ كان معه 33، كملنا 96، وكان النبي صلى الله عليه وسلم معه 63 والباقي كان مع علي، وتشارك النبي صلى الله عليه وسلم مع علي في الهدي.

ثم أمر عليا فنحر ما بقي منها مما كان علي أتى به من اليمن، وكان تمام المئة. ثم حلق عليه الصلاة والسلام رأسه المقدس، وقسم شعره، فأعطى لمن. نصفه الشعرة والشعرتين، النصف الثاني كاملا أعطاه لأبي طلحة، وقال لأبي طلحة: اقسم على الناس إن أحببت. وضحى عن نسائه بالبقر، وأهدى عمن كان اعتمر منهن بقرة، وضحى هو عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم بكبشين، أي أن من حجت متمتعة لازم يكون هناك هدي لها بقرة.

مفردة الإفراد، فيش فيه هدي، ومع ذلك ضحى عنها ببقرة من باب السنية وليس من باب الوجوب، هذا الذي يظهر تماماً. أما قوله وضحى عن نسائه بالبقر، الذي يظهر أن كثيراً من نسائه ربما حججن مفردات، وإذا حجت مفردة، فإنه لا هدي عليها؛ فالمفرد لا هدي عليه.

وأهدى عمن كان اعتمر منهن بقرة، وهذا سيكون لازمه، لكن يشكل على هذا التفسير أنه النبي عليه الصلاة والسلام ألزم جميع النساء وألزم الجميع أن يتحولوا إلى عمرة؟ هل معقول أنه في واحدة بقيت حاجة؟ دعونا نرجع لما قال قبل قليل، وكنا قارنا حجا وعمرة، مش مر معنا في صفحة 385، وكنا أن أمهات المؤمنين لم يسقن هديا فحللن؟ مش النبي صلى الله عليه وسلم ألزم الجميع أن يحل؟ وقال معه في الصفحة إنه كان أمهات المؤمنين لم يسقن هديا فحللن، إذاً أمهات المؤمنين الأصل أن حجهن كان حج تمتع، فالأصل أن الهدي كان للجميع.

بالتالي نحتاج أن ننظر لماذا فرق؟ قال: وضحى عن نسائه بالبقر، وأهدى عمن كان اعتمر منهن بقرة. إذا قلنا قصد من اعتمر، يعني من حج متمتعاً، فالأصل أن الجميع حججن متمتع إلا عائشة هي الوحيدة التي حجت قارنة، والهدي واجب سواء على القارن أو على المتمتع، فلماذا فرق بين وضحى وأهدى؟ إلا أن يكون المراد وضحى عن نسائه بالبقر أن بعض أهل العلم يقول: إن الحاج يسن له في مكة الأضحية مثله مثل غير الحاج، وهذا موضوع آخر، يعني تكون هذه أضحية عيد، أضحية عيد للجميع. نعم يقوله الفقهاء، وأهدى عمن كان اعتمر منهن بقرة، أن هذا الكلام عن قضية حجة، ففي شيء أضحية للعيد، وفي شيء للحج، يعني هذه من التخريجات التي يمكن أن تقال.

قال: وحلق بعض الصحابة وقصر بعضهم، فدعا عليه الصلاة والسلام للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة، وأمر عليه الصلاة والسلام أن يؤخذ من البدن التي ذكرنا من كل بدنة بضعة، فجعلت بضعة، يعني قطعة لحم، فوضعها في قدر وطبخها، وأكل النبي صلى الله عليه وسلم، لأن هدي التمتع والقران لصاحبه أن يأكل منه. قال: فأكله عليه الصلاة والسلام من لحمها وشربا من مرقها، وكان عليه الصلاة والسلام قد أشرك عليا فيها، ثم أمر عليا بقسمة لحومها كلها وجلودها وجلالها، وألا يعطي الجازر منها على جزارته شيئا، نعم الجزار لا يعطى أجرته من نفس اللحم، وإنما مال مستقل، بصير تهديه، لكن أن تعطي الأجرة منها ما يجوز. وأعطى عليه الصلاة والسلام الأجرة على ذلك من عند نفسه.

وأخبر الناس أن عرفة كلها موقف حاشا بطن عرنة، وأن مزدلفة كلها موقف حاشا بطن محسر، وأن منى كلها منحر، وأن فجاج مكة كلها طريق، يعني النبي عليه الصلاة والسلام رسم حدود المشاعر، قال لهم عرفة تعتبر كلها موقف إلا عرنة، مزدلفة كلها منام إلا وادي محسر منطقة عذاب، ومنى لم يستثن منها شيئا، قال منى كلها مكان يجوز النحر فيه والمبيت فيه.

ثم تطيب عليه الصلاة والسلام قبل أن يطوف طواف الإفاضة، لأنه الآن خلص بمجرد أنه رمى جمرة العقبة وحلق حصل التحلل الأول، حصل التحلل الأول يعني حل لك كل شيء إلا النساء، فبالتالي حلل كل شيء، فتطيب ونزل حتى يطوف طواف الإفاضة. وللإحلال قبل أن يحل في يوم النحر وهو يوم السبت المذكور تطيبت عائشة رضي الله عنها أيضا بطيب فيه مسك، ثم نهض عليه الصلاة والسلام راكبا إلى مكة في يوم السبت المذكور نفسه، فطاف في يومه ذلك طواف الإفاضة وهو طواف الصدر قبل الظهر، وشرب من ماء زمزم بالدلو ومن نبيذ السقاية، ثم رجع من يومه ذلك إلى منى فصلى الظهر، هذا قول ابن عمر، وقالت عائشة وجابر بل صلى الظهر ذلك اليوم بمكة.

وهذا هو الفصل الذي أشكل علينا الفصل فيه لصحة الطرق في كل ذلك، نعم في حديث، هناك حديثان صحيحان، أحدهما يقول إنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم عيد الأضحى يعني بعد ما طاف طواف الإفاضة، طواف الإفاضة طاف النبي عليه الصلاة والسلام الساعة 10 الصبح تقريبا، تمام، لـ 10 الصبح أكيد بده ساعتين نحكي طواف الإفاضة، أذن الظهر، فاختلفوا هل صلى الظهر بمكة ولا رجع صلاه بمنى؟ هناك حديث صحيح يقول إنه صلاه بمكة في الحرم المكي، وهناك حديث صحيح آخر يقول إنه صلى الظهر مش في مكة لا رجع على منى فصلاه بمنى، ولذلك ابن سيد الناس يقول: وهنا اختلفت عندي الأحاديث ولا أستطيع الفصل لأنه في واحد صح وفي واحد خطأ، وهذا شيء طبيعي ممكن يكون صحابي أخطأ ووهم، كما وهم ابن عباس لما قال إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم، ممكن يصير خطأ، فلذلك أكيد أحدهما أخطأ، والمسألة إن شاء الله، لكن المشهور وأكثر أهل العلم على أنه صلاه بمنى، أنه صلى الظهر ليس في الحرم المكي بل عاد فصلاه بمنى.

قال: ولا شك أن أحد الخبرين وهم والثاني صحيح ولا ندري أيهما هو. قال: وطافت أم سلمة في ذلك اليوم على بعيرها من وراء الناس وهي شاكية، شاكية يعني مريضة، نعم، استأذنت النبي، الأصل أن الإنسان لا يجوز أن يطوف راكبا إلا لمرض، نعم استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فأذن لها. وطافت أيضا عائشة ذلك اليوم وفيه طهرت، وكانت رضي الله عنها حائضا يوم عرفة. وطافت أيضا صفية في ذلك اليوم، ثم حاضت بعد ذلك ليلة النفر، ثم رجع عليه الصلاة والسلام.

ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى منى، وسئل عليه الصلاة والسلام حينئذ عما تقدم بعضه على بعض من الرمي والحلق والنحر والإفاضة. كان النبي عليه الصلاة والسلام عندئذ سئل: طفت قبل أن أرمي، رميت قبل أن أحلق، فما سئل عن شيء إلا قال: افعل ولا حرج. فرمي جمرة العقبة والحلق والذبح وطواف الإفاضة، ها الأربعة لك أن تقدم ما شئت وتؤخر ما شئت منها، يعني لا يشترط فيها الترتيب، وإن كان السنة ما الخطوات التي عملها النبي عليه الصلاة والسلام، لكن أي شيء منها قدمته أو أخرته منها افعل ولا حرج، فيه سعة، هذا من تيسير الإسلام على الناس.

قال: وكذلك أيضا في تقديم السعي بين الصفا والمروة قبل طواف الكعبة، هي عبارة أنا استعجمت علي ماذا يقصد كذلك تقديم السعي بين الصفا والمروة قبل الطواف؟ الآن إحنا معروف أن السعي دائما بيكون بعد الطواف، فماذا يقصد بتقديم السعي قبل الطواف؟ فالذي ظهر لي معنى واحد حتى أصحح هذه العبارة: أن المفرد والقارن له أن يسعى السعي بين الصفا والمروة عند طواف القدوم، ولا يلزمه أن يسعى عندئذ بعد طواف الإفاضة، يعني يستطيع أن يقدم السعي، فبدلا من أن يسعى بعد طواف الإفاضة في اليوم العاشر، له أنه يسعى متى في البداية أول ما يدخل مكة عند طواف القدوم، وخلص يسقط عنه. أما أن يكون المقصود يجوز أن تسعى قبل أن تطوف في نفس الوقت يعني تروح تسعى بعدين ترجع تطوف هذا كلام غريب بالنسبة لجماهير المذاهب الأربعة وما هو معروف، الأصل أن السعي لا يكون إلا بعد الطواف، بدي أروح أعمل عمرة بصير أروح أسعى بين الصفا والمروة بعدين أروح أطوف البيت؟ فلذلك استغربت هذه العبارة وشعرت أنها تحتاج إلى توضيح أكثر من ابن سيد الناس.

قال: وأخبر عليه الصلاة والسلام بأن الله تعالى أنزل لكل داء دواء إلا الهرم، إلا الهرم فإنه ليس له دواء. وعظم إثم من اقترض عرض امرئ مسلم ظلما، يعني من خاض في عرض أخيه على وجه الظلم. فأقام هنالك، هذا معنى من اقترض عرض امرئ مسلم، يعني كأنك اقترضته وخضت فيه.

فأقام هنالك باقي يوم السبت وليلة الأحد ويوم الأحد وليلة الاثنين ويوم الاثنين وليلة الثلاثاء، هذه أيام التشريق الثلاث، يوم العيد الأضحى يوم سبت صحيح، إذا الأحد والاثنين والثلاثاء كانت أيام التشريق، يرمي الجمار الثلاثة كل يوم من هذه، في كل يوم من أيام التشريق بدك ترمي الجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، والرمي يكون بعد الظهر بعد الزوال وينتهي إلى الغروب. قال من هذه الأيام الثلاثة بعد الزوال بسبع حصيات كل يوم لكل جمرة، يبدأ بالدنيا، يبدأ بجمرة العقبة الصغرى تسمى الدنيا وهي التي تلي مسجد منى، مسجد منى يسمى مسجد الخيف، ويقف عندها للدعاء طويلا، ثم التي تليها وهي الوسطى ويقف أيضا عندها لدعاء كذلك، ثم جمرة العقبة الكبرى هذه تسمى، ويكبر عليه الصلاة والسلام مع كل حصاة.

وخطب الناس أيضا يوم الأحد ثاني يوم النحر، هذه الخطبة الثالثة التي خطبها، خطب الناس يوم الأحد يوم الأحد اللي هو اليوم الأول من أيام التشريق، قال وهو يوم الرؤوس، ويسمى يوم الرؤوس. وقد روي أيضا أنه عليه الصلاة والسلام خطبهم أيضا يوم الاثنين وهو يوم الأكار، الرؤوس والأكار هذه كلها في الأضحى. وأوصى بذي الأرحام خيرا، وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه لا تجني نفس على أخرى. مع أن المشهور أنه خطب، الذي أعرفه هو المشهور أنه خطب أوسط أيام التشريق اللي هو يوم الاثنين، فهل خطب يوم الأحد هذه تحتاج إلى بحث من حيث الإسناد، هنا جعل أنه خطب يوم الأحد ويوم الاثنين، لكن المشهور في روايات الأحاديث أنه خطب في أوسط أيام التشريق، فنحتاج إلى أن نتأكد من سندها لأنه إذا ثبت تكون هناك أربع خطب له صلى الله عليه وسلم، وإذا لم تثبت فيكون هي ثلاث خطب له في الحج.

واستأذن العباس عمه في المبيت بمكة من أجل سقايته فأذن له، العباس من أيام الجاهلية هو المسؤول عن سقي الحجاج وبقيت فيه هذه المنقبة، ومعروف في الفقه الإسلامي أن المسؤولين عن خدمات الحج من الوفود وأصحاب المسؤولين هناك يجوز لهم أن يبيتوا بعيداً عن منى، فهم معفون عن المبيت بمنى، المسؤولون عن الحج أو من سقاية وما شابه ذلك، رخص لهم النبي صلى الله عليه وسلم في ترك المبيت لمصلحة الناس.

قال فأذن له عليه الصلاة والسلام، وأذن للرعاة أيضا في مثل ذلك، الرعاة اللي كانوا أيضا مسؤولين عن رعي الإبل والغنم تبع الأضاحي، ما يستطيعون المبيت بمنى لأن هذا يضر مصلحتهم. ثم نهض عليه الصلاة والسلام بعد زوال الشمس من يوم الثلاثاء المؤرخ وهو آخر أيام التشريق، وهو الثالث عشر من ذي الحجة، وهو يوم النفر إلى المحصب، إذا هذا اليوم الثالث يسمى يوم النفر لأن الناس تنفر إلى بلادها، تطوف وتنفر إلى بلادها. وهو يوم النفر إلى المحصب وهو الأبطح، المحصب هو نفسه الأبطح اللي حكينا عنه قبل شوي، اللي منه أحرم أصلا ابتداء للحج، مش قلنا أحرم من الأبطح واتجه إلى منى؟ بعد ما خلص من كل أعمال الحج رجع على الأبطح اللي بطحاء قريش، فعندئذ ضرب خيمته هناك، ضربها له أبو رافع وكان أبو رافع هو المسؤول عن ثقل يعني أمتعة النبي عليه الصلاة والسلام. وقد كان عليه الصلاة والسلام قال لأسامة إنه ينزل غدا بالمحصب خيف بني كنانة، يعني كأنها قديما تاريخيا تسمى هذه المنطقة هكذا، وهو المكان الذي ضرب فيه أبو رافع قبته وفاقا من الله عز وجل دون أن يأمره عليه الصلاة والسلام بذلك. يعني أبو رافع لما ضرب الخيمة في الأبطح وما كان يعرف أنه هي منطقة النزول، لكن سبحان الله قدره وافق أنه ضربها في المكان الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن ينزل فيه من الله.

وحاضت صفية أم المؤمنين ليلة النفر بعد أن أفاضت، صفية بنت حيي حاضت، طيب الحائض كيف ستطوف طواف الوداع؟ الحائض معفو عنها طواف الوداع، خلاص لا يجب عليها أن تطوف طواف الوداع. فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفاضت يوم النحر؟ فقيل له نعم، قال خلاص طواف الوداع مسامحين فيه، فأمرها أن تنفر، وحكم في من كانت له حالة كحالها أيضا بذلك، يعني كل حائض لا يجب عليها طواف الوداع.

وصلى عليه الصلاة والسلام بالمحصب الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة من ليلة الأربعاء الرابع عشر من ذي الحجة، وبات بها ليلة الأربعاء المذكورة ورقد رقدة ليلة الأربعاء.

النبي صلى الله عليه وسلم بات بها ليلة الأربعاء ورقد، ولما كان يوم النحر ويوم النفر رغبت إليه عائشة بعد أن طهرت أن يعمر عمرة مفردة. عائشة الله يرضى عنها بقيت حازة في نفسها أنها ما عملت عمرة، خاصة أنه هي بس عملت حجة قرآن، وفي حج القران ما في عمرة، وحد خلص كله مع بعض؛ طواف واحد وسعي واحد عن الحج والعمرة، بس هي نفسها الله يرضى عنها أنها زيها زي باقي أمهات المؤمنين تعمل عمرة مستقلة.

النبي صلى الله عليه وسلم يجبُر الخواطر مع أنه هذا راح يؤخر السفرة كاملة، قال لأخيها عبد الرحمن بن أبي بكر: «خذ عائشة ولتعمل عمرة من التنعيم». فخرجت عائشة من حدود الحرم المكي، اليوم يسمى مسجد عائشة مسجد التنعيم، أحلت هنا، هذا يسمى الحل، أحرمت بالعمرة وذهبت، فعملت عمرة كاملة خاصة بها جبرًا للخواطر عليه الصلاة والسلام.

وبقي النبي صلى الله عليه وسلم والناس كلهم ينتظرون عائشة، ثم خرج فطاف طواف الوداع واتجه باتجاه المدينة. قال أخبرها عليه الصلاة والسلام أنها قد حلت من حجها وعمرتها، وأن طوافها يكفيها ويجزئها لحجها وعمرتها، فأبت إلا أن تعتمر عمرة مفردة؛ النبي صلى الله عليه وسلم عم بيقنع فيها أنه طوافك وسعيك اللي عملتيهم في الحج خلص هم عن حج وعمرة، دخلوا الاثنين ببعضهم البعض، قالت: لا بدي عمرة مستقلة.

فأبت إلا أن تعتمر عمرة مفردة، فقال لها: «ألم تكوني طفت ليالي قدمت؟»، قالت: لا. فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أخاها بأن يردفها، ويعمرها من التنعيم، ففعل ذلك، وانتظرها عليه الصلاة والسلام بأعلى مكة حتى انصرفت من عمرتها تلك، وقال لها: «هذه مكان عمرتك»، قال خلاص هذه مكان العمرة اللي ما عملتيها من البداية.

وأمر الناس ألا ينصرفوا حتى يكون آخر عهدهم طوافًا بالبيت؛ اللي هو طواف الوداع، ورخص للحائض كما قلنا. ثم إنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة في الليل من ليلة الأربعاء المذكورة، فطاف بالبيت طواف الوداع، إذا طواف الوداع قام به ليلًا النبي صلى الله عليه وسلم. لم يرمل في شيء منه، سحرًا قبل صلاة الصبح، طبعًا لم يرمل في شيء منه؛ لأنه الرمل إنما يكون فقط في أول طواف تدخله في مكة سواء طواف العمرة أو طواف القدوم، أما في طواف الإفاضة وطواف الوداع قلنا ما في رمل، ما في ركض. الرمل هو الركض في الأشواط الثلاثة الأولى، ما في رمل لا في طواف الإفاضة ولا في طواف الوداع، سحرًا قبل صلاة الصبح كان النبي عليه الصلاة والسلام منتهيًا من طواف الوداع من يوم الأربعاء المذكور.

ثم خرج من كداء، أسفل مكة، وخرج من طريق كداء في أسفل مكة، والتقى بعائشة رضي الله عنها وهو ناهض إلى الطواف المذكور، وهي راجعة من تلك العمرة التي ذكرنا. ثم رجع عليه الصلاة والسلام وأمر بالرحيل، ومضى عليه الصلاة والسلام من فوره ذلك راجعًا إلى المدينة، وخرج من مكة من الثنية السفلى، فكانت مدة إقامته عليه الصلاة والسلام في مكة منذ دخلها إلى أن خرج منها إلى منى إلى عرفة إلى مزدلفة إلى منى إلى المحصب إلى أن وجه راجعًا، عشرة أيام. إذا مدة الحج مدة إقامته في مكة لكل الشعائر كم كانت؟ هو دخل أربعة ذي الحجة وطلع 14 ذي الحجة، إذن نحكي إحنا عن عشرة أيام.

فلما أتى ذا الحليفة بات بها، فلما رأى المدينة كبر ثلاث مرات، وصل ذا الحليفة ثم رأى المدينة فكبر ثلاث مرات، وقال دعاء: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون». هذا دعاء يقوله المسافر إذا اقترب من وطنه: «صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». ثم دخل المدينة نهارًا من طريق المعرس، والحمد لله وحده.

وأما العمر فكم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في حياته؟ أربع عمرات صحيح روينا، روينا من حديث قتادة قال: قلت لأنس كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أربعة. عمرته التي صده عنها المشركون عن البيت من الحديبية في ذي القعدة أول واحدة، عمرة الحديبية وهي وإن لم تتم لكن حُسبت عمرة. اثنين وعمرته أيضًا من العام المقبل حين صالحوه في ذي القعدة، والتي تسمى عمرة القضاء، مش هم قالوا خلص بتعتمر العام القادم؟ فصارت عمرة القضاء هي الثانية. العمرة الثالثة عمرة الجعرانة، هذه بعد غزوة حنين وهي عمرة سريعة خفيفة لم يعرفها أكثر الصحابة، فعلها النبي صلى الله عليه وسلم مع عدد قليل. وأخيرًا عمرته مع الحجة لأنه حج قارنًا، والحج القران فيه عمرة زائد حج، هذه أربع عمر له صلى الله عليه وسلم، كلها في ذي القعدة إلا العمرة التي مع حجته، فشيء طبيعي أن تكون في ذي الحجة. وقد روي عن ابن عباس أن عمرة الجعرانة كانت لليلتين بقيتا من شوال، لكن الصحيح الأول أن عمرة الجعرانة كانت في ذي القعدة أيضًا وليست في شوال.

قال: سرية أسامة بن زيد بن حارثة إلى أبنى، وهي أرض الشراة ناحية البلقاء، قيل هي مدينة في فلسطين. النبي الآن خلص المرحلة الأخيرة من حياته صلى الله عليه وسلم، عاد إلى المدينة كما قلنا، كان عينه باتجاه الشام، وكان يدرك أن بوابته إلى العالم لن تكون إلا بفتح الشام، وبالتالي كان آخر أوامره صلى الله عليه وسلم تسيير جيش أسامة بن زيد باتجاه أراضي الشام لمواجهة الروم وإزالة ملكهم، فوجههم إلى منطقة اسمها أبنى، هي تسمى أرض الشراة البلقاء، أرض الشراة البلقاء هي بين الأردن وفلسطين، إحنا البلقاء عندنا مشهورة في الأردن بس هي تاريخيًا أرض الشراة بين الأردن وفلسطين، وهناك منطقة تسمى منطقة أبنى. لما تنظر في المؤرخين يتكلم عنها في خلاف فيها، إلى أن بعضهم أصر أن أبنى هي غزة، والبعض يقول لا، هي منطقة بين الأردن وفلسطين قرية من تلك القرى هناك.

ولست على تفحيص تمحيص دقيق في مكانها التاريخي، لكن المعروف أنها قرية من قرى فلسطين. لاحظ وين البعد الاستراتيجي للنبي صلى الله عليه وسلم، ووضع أسامة بن زيد وهو من أصغر الصحابة عندئذ، 17 سنة، وهذا أقول قد يكون فيه إشارة أن الذي سيحرر تلك البلدان ويفتحها هو الجيل القادم، يعني خلص أبو بكر وعمر وعثمان هذا الجيل القديم، كان فيه إشارة أن الجيل القادم أسامة وأمثال أسامة من الشباب الصاعدين سيكون على أيديهم هذه الفتوحات وهذه التوسيعات. الجيل القديم الله يعطيه العافية ما قصروا؛ غزوات بدر وأحد والمواقف العظمى، ولهم مواقف عظيمة أيضًا ستأتي لكن في الخلافة وفي عقر المدينة، لكن من سيقود الجيوش القادمة ويحرر هو دائمًا الجيل الثاني. لاحظوا الآن عند بلاد الشام الجيل الأول بدأ العمل، لكن نحن نتكلم اليوم 2024 الذي يقود العمل الآن هو جيل ثاني، الذي كان عمره 12 سنة في بداية اليوم هو الذي عمره 24 سنة، الجيل الثاني والثالث عادة يتم التوسع على أيديه.

قال: ولما كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة من مهاجره، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالتهيؤ لغزو الروم. فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد، فقال: «سر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل». هذا بعد آخر، لماذا اختار أسامة بالتحديد؟ أسامة له ثأر عند الروم لأنهم قتلوا والده زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، وهذا بعد آخر يجعل الإنسان أكثر حرصًا على إتمام الغزوة أنه له ثأر، لاحظ كيف عبر: «سر إلى موضع مقتل أبيك»، شوف العبارة، كأنه يهيجه للثأر لوالده.

فقد وليتك هذا الجيش، فأغر صباحًا على أهل أبنى، وحرق عليهم، وأسرع السير، وأمره أن يحرق عليهم شجرهم وقراهم، وأسرع السير تسبق الأخبار؛ ايش يعني؟ يعني خليك سريع حتى تصل إليهم قبل أن تصل إليهم الأخبار، أنه إذا وصل إليهم الأخبار تحصنوا واستعدوا، إحنا بدنا عنصر المفاجأة. قال: «فإن ظفرك الله تعالى فأقلل اللبث فيهم، وخذ معك الأدلاء، وقدم عيونك والطلائع معك»، يعني أمره أن يأخذ الأهبة.

فلما كان يوم الأربعاء بُدئ برسول الله صلى الله عليه وسلم بوجعه، فحم، وصدع. الآن بدأت رحلة مرض الوفاة للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواءً بيده، يعني يوم الأربعاء بدأ الوجع بجسده الشريف صلوات ربي وسلامه عليه، لكن لسه ما زلنا في البداية، فكان النبي صلى الله عليه وسلم لسه يستطيع الحركة، فعقد لواء أسامة يوم الخميس.

ثم قال: «اغز باسم الله وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله»، فخرج بلوائي معقودًا، فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي، بريدة بن الحصيب كان حامل الراية في هذه المعركة. قال: وعسكر بالجرف، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار إلا نُدب في تلك الغزوة. النبي صلى الله عليه وسلم أخرج معه الجيل القديم؛ أبو بكر كان في الجيش، عمر كان في الجيش، عثمان كان في الجيش. منهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وقتادة بن النعمان وسلمة بن أسلم بن حريش. فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين؟ بتعرف يعني شاب صغير 17 سنة يكون تحته عمر بن الخطاب، أبو بكر الرعيل الأول، يعني استقلها بعضهم.

فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا، فخرج وقد عصب على رأسه عصابة، عليه قطيفة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد أيها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة؟». طبعًا هذا يعطيك بعدًا معينًا إخواني، أنه مع أن الصحابة كلهم كانوا يرون انتصارات النبي صلى الله عليه وسلم وتوفيقه في صلح الحديبية وفي كل قراراته، ويوحى إليه من السماء، لكن بدك تعرف طبائع الناس حتى المؤمنين، سيبقى في أي مجتمع وفي أي بيئة، بعض الناس اللي عندها نفس شوي الاعتراض، تمام؟ هؤلاء صحابة واضحة الذين تكلموا، لم يظهر أنه منافق، لكن في ناس خلص يبقى في نفسها شيء من الاعتراض.

وهذا النبي الأعلى والقائد الذي يوحى إليه من السماء، ومع ذلك وبعد كل هذه الفتوحات وكل هذه البركات، ورأيت مكة وفتحت والانتصار وكل الجزيرة أصبحت معنا وخلال وقت تاريخي، أنت بتكلم كم مدة الدولة في المدينة الآن؟ عشر سنوات خضعت الجزيرة، ومع ذلك سيبقى هناك من يبقى، خلص شيء ما عدوه في القرارات السياسية يعلق عليه، حتى لا تطمح أو تظن حالة مثالية من الناس أن تجتمع على قلب رجل واحد في مواقفها. إذا كان النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه وأناس معه في المدينة ورأوا كل ما فعله من الأمور العظيمة، وما زال يقول: ليش حط أسامة؟ لماذا لم يضع رجلًا أكبر سنًا؟ هذا لا يظهر أنه منافق، ولكن هي النفوس البشرية التي يبقى في بعضها شيء من الوجد، فهذه فكرة بتخلي الإنسان يتحمل الناس، خلص هكذا الناس، هكذا الطبائع.

النبي عليه الصلاة والسلام خرج مغضبًا، وقال: «أما بعد أيها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة؟ ولئن طعنتم في إمارة أسامة لقد طعنتم في إمارة أباه من قبله، وإن الله»، نعم حتى في غزوة مؤتة البعض تكلم: لماذا وضع زيد بن حارثة؟ لماذا لم يضع من هو أمنع؟ زيد بن حارثة لم يكن يعتبر نسبه عاليًا في الصحابة، فبالتالي كانت النظرة إليه ليست كالنظر إلى زعماء القبائل من الأوس والخزرج.

قال: «ويم الله إن كان لخليقًا للإمارة»، يعني أنه لجدير بالإمارة، «وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وأنهما لمخيلتي لكل خير»، أي مظنة لكل خير، «فاستوصوا به خيرًا، فإنه من خياركم»، ثم نزل فدخل بيته، وذلك في يوم سبت لعشر خلون من شهر ربيع الأول سنة 11. شوف هنا الدعم المعنوي للقائد، شوف موقف عظيم من النبي عليه الصلاة والسلام أنه لو خلى أسامة بن زيد فريسة لمن يتكلم فيه، لبقي أسامة زعيمًا للجيش لكن شاعرًا بالنقص، أن الكل يطلع عليه أنه شاب صغير.

النبي عليه الصلاة والسلام أعطاه دعماً نفسياً ودعماً معنوياً حتى يكون واثقاً من سيره ولا يشعر بالنقص، لأن بعض الناس ينتقدون لماذا هو الشاب الذي يقود علينا. فهذه كانت دافعة قوية وموقفاً عظيماً؛ أن القائد عليه أن يدعم الأمراء الذين يضعهم، إذا استنقص أحدٌ من أحد منهم، يدعم ويقف في ظهره ويسنده.

وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخرجون إلى العسكر بالجرف، وثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يقول: «أنفذوا بعث أسامة». بدأ المرض يزداد على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك وهو في مرضه على فراشه يقول: «أنفذوا بعث أسامة». حرصاً منه صلى الله عليه وسلم على خلاص الجزيرة العربية، خضعت، لابد أن نبدأ نتجه لفتح العالم، لابد نتجه للشام ونبدأ نتحرك ببعد جديد.

قال: فلما كان يوم الأحد اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، فدخل أسامة من معسكره والنبي صلى الله عليه وسلم مغمور، وهو اليوم الذي لُدّوا فيه. نعم، هو يوم الأحد قبل وفاته بيوم، وصل أسامة، أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتد به المرض، طبعاً ستأتي قصة وفاته بالتفصيل، لكن هنا باختصار في جيش أسامة؛ دخل أسامة المدينة، بلغوه أن النبي صلى الله عليه وسلم في سكرات الموت، فدخل أسامة المدينة، كان معسكراً في الجرف، دخل إلى المدينة. طبعاً يوم الأحد لُدّوا، واللّدّ هو وضع شيء في الفم على أحد الشقين، كان نوعاً من أنواع الطب الشعبي عندهم في ذلك الوقت، والنبي صلى الله عليه وسلم ما أحبه وكرهه حتى غضب على الصحابة الذين لدّوه، وقال بعد أن استيقظ من إغماءته: «أي شخص لدّني الآن سألدّه». كان، تعرف أحياناً واحد يكون مريضاً ويأتي شخص يعطيه دواءً وهو غير مقتنع فيه ويكون في حالة لا يريد هذا الدواء، فانفعل عليه الصلاة والسلام بسبب وضعهم هذا الدواء في فمه.

طأطأ أسامة فقبله والنبي صلى الله عليه وسلم لا يتكلم، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة. قال أسامة: فعرفت أنه يدعو لي. ورجع أسامة إلى -لشدة المرض ما عاد يتكلم عليه الصلاة والسلام- ورجع أسامة إلى معسكره. ثم دخل يوم الاثنين وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم رفيقاً، فقال له: «اغدُ على بركة الله». فودعه أسامة وخرج إلى معسكره فأمر الناس بالرحيل، فبينما هو يريد الركوب، إذ رسول أمه أم أيمن قد جاءه يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت. خلاص هذا يوم الاثنين وكانت اللحظات الأخيرة.

فأقبل وأقبل معه عمر وأبو عبيدة، خلاص إذاً أسامة دخل ورجع وخرج للعسكر في الجرف. يوم الاثنين يوم وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، بعثت له أمه أم أيمن -أم أيمن من هي؟ هي أم أسامة- بعثت إليه: خلاص يا أسامة ارجع الآن للمدينة ضروري، النبي صلى الله عليه وسلم في لحظاته الأخيرة. فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت، فتوفي حين زاغت الشمس يوم الاثنين، الاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول. ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف إلى المدينة، وإن كل الجيش دخل إلى المدينة. ودخل بريدة بن الحصيب بلواء أسامة معقوداً حتى أتى به باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغرس عنده.

فلما بُويع لأبي بكر أمر بريدة بن الحصيب أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة ليمضي لوجهه، فمضى. هنا في اختصار للمشهد بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وتولي أبي بكر الخلافة، أبو بكر أصر على إنفاذ جيش أسامة. فمضى إلى معسكرهم الأول، فلما ارتدت العرب، كُلّم أبو بكر في جيش أسامة فأبى. وكلم أبو بكر لما صارت الردة العربية، جاء بعض الصحابة إلى أبي بكر وقالوا له: خلينا نؤخر بعث جيش أسامة، ما لنا مصلحة الآن. فأبو بكر أصر على إنفاذه، قال: سيمشي سيمشي. وكلم أبو بكر أسامة في عمر أن يأذن له في التخلف ففعل. طبعاً أبو بكر أنفذ جيش أسامة، لكن أبو بكر ذهب إلى أسامة قال له: بدي أستثني عمر، تخلي لي إياه لأني محتاجه في المدينة، أسامة أذن له أن يبقى عمر معه. تخيل شوف الأدب يا الله، الصحابة أبو بكر الصديق العظيم يستأذن شاب عمره 17 سنة: يا أسامة تسمح لي أن عمر يظل معاي؟ شوف النفسية السوية، شوف النفوس النقية، تماماً. ليس أن أبا بكر الصديق، يعني لو كان شخص صاحب سبق وله هيئة أبو بكر، لا، بدون ما يستأذن أسامة، أخذ عمر، قال له: خلص خلي الشاب يروح، شاب يعني أنت فهمت علي؟ بعض الناس ممكن ينظر أنه شاب صغير عمره 17 سنة، أنا أستأذنه؟ أنا أبو بكر الصديق من الراعي الأول؟ ايش أستأذن أسامة بن زيد؟ شوف الصحابة نفوس سوية يا إخواني، ما عندهم هذه القضايا التي توجد عند حتى كثير من المتدينين أو المتصدرين، بكل أدب وبكل رقي: يا أسامة تسمح لي أن آخذ أبا حفص معي؟ أبو بكر يستأذن شاباً عمره 17 سنة أن يترك معه عمر بن الخطاب وأسامة يقول له: خلص أذنت لك.

حقيقة موقف عظيم مهيب في الأخلاق. فلما كان هلال شهر ربيع الآخر سنة 11 خرج أسامة فسار إلى أهل أبنى 20 ليلة، فشن عليهم الغارة. فعلاً وصل أسامة إلى أبنى 20 ليلة وشن الغارة المطلوبة. وكان شعارهم: «يا منصور أمت». فقتل من أشرف له، وسبى من ظفر عليه، وحرق في طوائفها بالنار، وحرق منازلهم وحرث ونخل، لكن لم يحرق الناس، لا يجوز تحريق الناس، وإنما حرق المنازل كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت. فصارت أعاصير من الدخان، وأجال الخيل في عرصاتها، وأقاموا يومهم ذلك في تعبئة ما أصابوا من الغنائم، وكان أسامة على فرس أبيه سبحة. النبي صلى الله عليه وسلم خلاه يصعد على فرس أبيه، أبوه الله يرحمه كان عنده فرس اسمها سبحة، أسامة خرج عليها، وهذه فيها رسالة للروم أن الفرس التي قتلتم عليها والده، جاءكم ابن علي، وأن الأب منا يأتي بابن، وأن الأجيال القادمة من هذه الأمة ستبقى تقاتلكم يا أيها الكفرة. وقتل قاتل أبيه في الغارة، الله أعلم، لكن سبحان الله هذه إذا صحت أنه وجد قاتل أبيه، يعني كأنه بطريقة ما، الله أعلم، يجوز أحد الصحابة أشار له أن هذا الرجل هو الذي قتل أبوك في غزوة مؤتة، فأشار له، قال: هذا الرجل هو الذي قتل أباك في غزوة مؤتة، فقتله أسامة ويعني أخذ ثأره تماماً.

أسامة أسهم للفرس سهمين ولصاحبه سهماً وأخذ لنفسه مثل ذلك. فلما أمسى أمر الناس بالرحيل ثم أغذّ السير، فورد وادي القرى الآن في طريق العودة، عاد أسامة مر في وادي القرى في تسع ليال، ثم بعث بشيراً إلى المدينة بسلامتهم، ثم قصد في السير، فسار إلى المدينة ستة وما أصيب من المسلمين أحد. وخرج أبو بكر، أغذّ في السير أولاً يعني أسرع في السير، بعدين لما وصل وادي القرى قصد في السير يعني أصبح يمشي مشياً هيناً، هذا دلالة أنه كان مستعجل أولاً للوصول من وادي القرى إلى المدينة، لأنه هو كان يعرف أنه صار في مشاكل في جزيرة العرب، فكان بده يعود عودة سريعة ما بده يتأخر. وخرج أبو بكر في المهاجرين وأهل المدينة يتلقونه سروراً بسلامتهم، ودخل على فرس أبيه سبحة، واللواء أمامه يحمله بريدة بن الحصيب حتى انتهى إلى المسجد فدخل فصلى ركعتين ثم انصرف إلى بيته. يعني شوف الفخامة، دخول الجيش وانتصار وصلنا إلى الروم وهذه أول معركة لنا وحققنا أمنية النبي عليه الصلاة والسلام بالوصول إلى أراضيهم.

هرقل وهو بحمص، ما صنع أسامة؟ فهرقل وين كان؟ كما قلنا مقر إقامته كانت حمص، قلنا حمص معقل النصارى في ذاك الوقت، فهِرقل بلغه أن أسامة استطاع أن يصل إلى أبنى وحرق وفعل، هذه رسالة كبيرة تعتبر. أنت قد تقول أن أسامة ايش فاعل؟ يعني شو المقصد من هذا؟ هل هي قضية استعراضية؟ لا، هي مش استعراضية، هي رسالة. هرقل لم يكن يوم من الأيام قد يفكر بها بهذه الطريقة، ربما هرقل كان يعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم سيمسك مكان قدمين، لكن هرقل الذي هزم الفرس، هرقل الذي كسر ملك كسرى في معركة نينوى، وكان يذهب إلى إيليا يصلي فرحاً بهذا النصر كما مر معنا، هرقل بدأ يلاحظ أن هذا النبي العظيم، يعني أحفاده وأتباعه بدأوا يغزون بلادي، وهذه كسرة لهيبة هذا الرجل، كسرة عظيمة لهيبته أنهم بدأوا يفكرون بالوصول إلى مناطق ما كانت العرب تفكر تخوم الجزيرة العربية تقترب لها، أصبحوا يدخلون إلى عقر الشام وإلى عقر فلسطين ويقاتلون فيها. فهي رسالة معنوية أكثر من كونها رسالة يعني فيها قتل.

بعث رابطة يكونون بالبلقاء، فلم تزل هناك حتى... هرقل بعث من يرابط على تخوم البلقاء، يعني زي جنود عسكريين خلص يحموا البلقاء، حتى يمنعوا المسلمين أن يفكروا مرة أخرى بالغزو، فلم تزل هناك حتى قدمت البعوث إلى الشام في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، يعني انتهت مع معارك اليرموك وما غيرها من المعارك انتهى ملك الروم على بلاد الشام.

ذكر الحوادث جملة بعد قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم. الآن بدأ ابن سيد الناس بتلخيص السيرة النبوية التي مرت معنا، وبقي مشهد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام سيُفرد بعد قليل، يعني الآن خلص بده يختصر حياة النبي عليه الصلاة والسلام التي مرت معنا مفصلة، يختصرها وأسماء زوجاته وفرسه وأدواته، ثم نأتي إلى مشهد وفاته عليه الصلاة والسلام.

في السنة الأولى جعل صلاة الحضر أربع ركعات وكانت ركعتين بعد مقدمه عليه الصلاة والسلام وبشهر، وفيها صلاة الجمعة. إذاً في السنة الأولى من الهجرة كان صلاة الظهر والعصر والعشاء كانت ركعتين صارت أربعة. وفيها صلى الجمعة حين ارتحل من قباء إلى المدينة، صلاها في طريقه ببني سالم، بني سالم اللي هو مسجد الجمعة اليوم، وهي أول جمعة صلاها وأول خطبة خطبها في الإسلام. وفيها بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده ومساكنه ومسجد قباء، وفيها بُدئ الأذان، وفيها المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار بعد مقدمه بثمانية أشهر. وفيها أسلم عبد الله بن سلام، ومات أسعد بن زرارة، وأعرس النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة، وبعث حمزة بن عبد المطلب في 30 من المهاجرين يعترض عيراً لقريش في رمضان، وبعث عبيدة بن الحارث في 60 رجلاً من المهاجرين إلى بطن رابغ، وبعث سعد بن أبي وقاص إلى الخرار في ذي القعدة في 20 من المهاجرين يعترض لعير قريش، وغزوة الأبواء، وهي أول غزوة، غزوة الأبواء كانت فيها.

وفي السنة الثانية غزوة بواط، وطلب كرز بن جابر، وغزوة ذي العشيرة، وسرية عبد الله بن جحش إلى نخلة، وغزوة بدر الكبرى، ووفاة رقية ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، وسرية عمير بن عدي، وسرية سالم بن عمير، وغزوة بني قينقاع، وغزوة السويق، وغزوة قرقرة الكدر، وتحويل القبلة، وفرض صوم شهر رمضان في شعبان على رأس 17 شهراً، وفرض زكاة الفطر قبل العيد بيومين، ووفاة عثمان بن مظعون في مشهده بدراً. وفيها ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أحدهما عن أمته والآخر عن محمد وآل محمد، ومولد عبد الله بن الزبير ومولد النعمان بن بشير، وأعرس علي بفاطمة رضي الله عنهما، تزوج علي فاطمة.

وفي السنة الثالثة سرية قتل كعب بن الأشرف، وغزوة غطفان، وغزوة بني سليم، وسرية زيد بن حارثة إلى القرَدة، وغزوة أحد، وغزوة حمراء الأسد، وسرية أبي سلمة إلى قطن، وسرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد بعرنة وبئر معونة والرجيع، وتزويجه عليه الصلاة والسلام حفصة بنت عمر، وتزويجه زينب بنت خزيمة، وتزويج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم، ومولد الحسن بن علي، وتحريم الخمر وقيل في الرابعة، قيل إن الخمر حُرمت في الرابعة وقيل في الثالثة الهجري، ونحن هنا.

وفي السنة الرابعة تحريم الخمر -على القول الثاني يعني- وبدر الموعد، بدر الموعد مش تواعدوا بعد أحد أن يلتقوا في بدر مرة أخرى، لكن قريش خافت. وذات الرقاع، وذات الرقاع طبعاً هذه كلها قرأناها يا إخواني بالتفصيل، نحن بس الآن نفلتر.

صلاة الخوف، ورجمه عليه الصلاة والسلام لليهودي واليهودية، ومولد الحسين بن علي، ووفاة زينب بنت خزيمة؛ نعم، زينب بنت خزيمة لم تعش طويلاً عند النبي عليه الصلاة والسلام. وتزويجه عليه الصلاة والسلام أم سلمة، وتزويجه أيضاً زينب بنت جحش على الأصح، ونزول الحجاب، وفي السنة الخامسة نزل الحجاب؛ شرع الحجاب على النساء في السنة الرابعة، وقيل في الخامسة، وقيل في السادسة في خلافها.

وفي السنة الخامسة غزوة دومة الجندل، وغزوة المريسيع وحديث الإفك، وقد تقدم الخلاف في ذلك؛ لأنه المريسيع والإفك كانت في الخامسة أو في السادسة، في خلاف، وقد تقدم الخلاف في ذلك، وقول عبد الله بن أبي: «لئن رجعنا إلى المدينة»، وغزوة الخندق وبني قريظة، وتزويجه عليه الصلاة والسلام ريحانة بنت يزيد النضرية، وجويرية بنت الحارث، وسرية عبد الله بن عتيك إلى أبي رافع، وسرية محمد بن مسلمة إلى وطاء. وفيها زلزلت المدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يستعتبكم فأعتبوه». يستعتبكم أي يطلب منكم التوبة فتوبوا، لأن الزلازل هي نوع من أنواع تذكير الناس بضرورة التوبة إلى الله والرجوع إليه. وفيها سابقة بين الخير، عمل سباق بين الصحابة في الجري.

وفي السنة السادسة غزوة بني لحيان، وغزوة الغابة، وسرية عكاشة إلى الغمر، ومحمد بن مسلمة إلى ذي القصة فأصيبوا، وبعثوا أبا عبيدة إلى ذي القصة فأصيبوا؛ الصحابة تعرف هذه السرية حصل مقتل في الصحابة ونجا محمد بن مسلمة بأعجوبة، وبعثوا أبا عبيدة إلى ذي القصة ثأراً لهم فهربوا. وسرية زيد بن حارثة إلى بني سليم، وسريته إلى العيص، وسريته إلى الطرف، وسريته إلى حسما، وسريته إلى وادي القرى، وسريته إلى أم قرفة، وسرية ابن عوف إلى دومة الجندل، وعلي إلى بني سعد بن بكر، وابن عتيك إلى أبي رافع على قول وقد تقدم في الخامسة. وسرية عمرو بن أمية الضمري وسلمة بن أسلم لقتل أبي سفيان بمكة، وعمرة الحديبية وبيعة الرضوان، وفيها قحط الناس فاستسقى لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقوا في رمضان.

وفي السنة السابعة غزوة خيبر، وسرية عمر إلى تربة، وسرية أبي بكر إلى بني كلاب أو فزارة، وبشير بن سعد إلى بني مرة، وغالب بن الليثي إلى الميفا، وبشير بن سعد إلى يمن وجبار، وعمرة القضاء وتسمى عمرة القضية أيضاً، وسرية ابن أبي العوجاء إلى بني سليم، وسرية غالب إلى بني الملوح، وسريته إلى فتك. وتزويجه عليه الصلاة والسلام أم حبيبة بنت أبي سفيان، وصفية بنت حيي، وميمونة بنت الحارث، وقدوم جعفر من الحبشة وأبي موسى ومن معه، وإسلام أبي هريرة وعمران بن الحصين، وبعثه عليه الصلاة والسلام الرسل إلى الملوك واتخاذ الخاتم لختم الكتب، وتحريم الحمر الأهلية، والنهي عن متعة النساء.

وفي السنة الثامنة قدم خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة وعمرو بن العاص فأسلموا، وسرية شجاع بن وهب إلى بني عامر، وكعب بن عامر إلى ذات أطلاح، وغزوة مؤتة، وسرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل، وسرية الخبط، وسرية أبي قتادة إلى خضرة ثم إلى بطن إضم، وغزوة الفتح، وسرية خالد بن الوليد إلى العزة، وعمرو بن العاص إلى سواع، وسعد بن زيد الأشهل إلى مناة في رمضان حيث هدموا الأصنام الثلاثة. وسرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، وغزوة حنين، وسرية طفيل بن عمرو إلى ذي الكفين؛ الكفين الصنم، وغزوة الطائف، وسرية عيينة بن حصن إلى بني تميم، وسرية قطبة بن عامر إلى خثعم، وبعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق، واتخاذ المنبر والخطبة عليه وحنين الجذع، وهو أول منبر عمل في الإسلام. وفيها أقد النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من هذيل برجل من بني ليث؛ أقد أي اقتص، أي حكم بالقصاص. ومولد إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم، ووفاة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها وهبت سودة يومها لعائشة حين أراد النبي صلى الله عليه وسلم طلاقها.

وفي التاسعة إيلاء عليه الصلاة والسلام من نسائه، وسرح نساءه ولكن أقل من المدة المحرمة، وسرية الضحاك إلى بني كلاب، وعلقمة إلى الحبشة، وعلي إلى الفلس، وعكاشة إلى الجناب، وتبوك، وهدم مسجد الضرار، وقدوم الوفود، ولعان عويمر العجلاني مع امرأته؛ هي نزلت فيه آيات اللعان لما رأى امرأته على الفاحشة والعياذ بالله، وموت عبد الله بن أبي، وحج أبي بكر بالناس، ونداء علي بسورة براءة، وموت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموت النجاشي.

وفي السنة العاشرة سرية خالد بن الوليد إلى بني عبد المدان بنجران، وعلي إلى اليمن، وحجة الوداع، ونزلت: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3]، ونزول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: 58]. وكانوا لا يفعلونه قبل ذلك؛ كانوا يدخلون البيوت والغرف بدون إذن، فنزلت آيات الأذن ضرورة الاستئذان، اللي هي آخر ثلاث آيات في سورة النور، الصفحة قبل الأخيرة: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، أمر الله عز وجل بالاستئذان قبل دخول البيوت والغرف؛ ما كانوا يفعلون ذلك، كان طبيعتهم أنهم يدخلون مباشرة بدون ما يستأذنوا على البيوت والغرف، فأمروا بالاستئذان.

ذكر نبذة من معجزاته عليه الصلاة والسلام؛ هذا فصل عقده في المعجزات، وهذه الفصول الأخيرة جيدة للتدريس المختصر، فيها خلاصات، وإن كان أكثر ما نريده هنا قد سبق إيراده لكن مفرقة، والغرض الآن ذكره مجموعاً كما فعلنا في الباب الذي قبله؛ ذلك القرآن وهو أعظمها، وشق الصدر، وإخباره عن بيت المقدس -التي هي ليلة الإسراء- وانشقاق القمر، وإخباره أن الملاء من قريش تعاقدوا على قتله فخرج عليهم فخسف أبصارهم وسقطت أذقانهم في صدورهم، وأقبل حتى قام على رؤوسهم فقبض قبضة من تراب وقال: «شاهت الوجوه» وحصبهم، منهم شيء من ذلك الحصباء، هذا لما خرج ليلة الهجرة، ورمى يوم حنين بقبضة من تراب في وجوه القوم فهزمهم الله تعالى، وما كان من أمر سراقة بن مالك بن جعشم إذ تبعه في خبر الهجرة؛ لما ساخت قوائم فرسه في الأرض، والمسح على ضرع عناق لم ينز عليها الفحل فدرت؛ هذه في خيمة أم معبد، وقصة شاة أم معبد، ودعوته لعمر أن يعز الله به الإسلام؛ -جعلها قصة أخرى، ربما مع عبد الله بن مسعود- ودعوته لعلي أن يذهب الله عنه الحر والبرد وتفل في عينيه وهو أرمد فعوفي من ساعته ولم يرمد بعد ذلك، ورد عين قتادة بن النعمان بعد أن سلت على خده فكانت أحسن عينيه، ودعا لعبد الله بن عباس بالتأويل والفقه في الدين، ودعا لجمل جابر فصار سابقاً بعد أن كان مسبوقاً، ودعا لأنس بطول العمر وكثرة المال والولد، ودعا في تمر حائط جابر بالبركة فأوفى غرمائه وفضل ثلاثة عشر وسقاً، ودعا له بالبركة في البستان.

واستسقى عليه الصلاة والسلام فمطرنا، ثم استصح، فانجابت السحاب؛ استصح أي دعاء بذهاب السحاب بعد أن كثر المطر، ودعا على عتبة بن أبي لهب فأكله الأسد بالزرقاء من الشام، وشهدت الشجرة له بالرسالة في خبر الأعرابي الذي دعاه إلى الإسلام فقال: «هل من يشهد على ما تقول؟» فقال: «نعم هذه السمرة»، ثم دعاها فأقبلت فاستشهد فشهدت أنه كما قال ثلاثاً ثم رجعت إلى منبتها؛ الشجرة تحركت وعادت، وأمر شجرتين فاجتمعتا ثم افترقتا، وأمر أنساً أن ينطلق إلى نخلات فيقول لهن: «أمركن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تجتمعن»، فاجتمعن، فلما قضى حاجته أمره أن يأمرهن بالعود؛ فما كان في شيء يستر عورته فقال له: «اذهب لتلك الشجرات حتى يأتين يسترنني»، فأتى الشجرات فسترنه حتى قضى حاجته ثم عدن، فلما قضى حاجته أمره أن يأمرهن بالعود إلى مكانهن فعدن، ونام فجاءت شجرة تشق الأرض حتى قامت عليه، فلما استيقظ ذكرت له فقال: «هي شجرة استأذنت ربها في أن تسلم علي فأذن لها»، وسلم عليه الحجر والشجر،

وقال: «إني لأعرف حجراً كان بمكة يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن»، وحن إليه الجذع، وسبح الحصى في كفه، وسبح الطعام بين أصابعه، وأعلمته الشاة بسمها، وشكى إليه البعير قلة العلف وكثرة العمل، وسألته الظبية أن يخلصها من الحبل لترضع ولديها وتعود فخلصها فعادت وتلفظت بالشهادتين، وأخبر عن مصارع المشركين يوم بدر فلم يعد أحد منهم مصرعه، وأخبر أن طائفة من أمته يركبون البحر وأن أم حرام بنت ملحان منهم فكان كذلك، وقال لعثمان بن عفان: «تصيبك بلوى شديدة»، فأصيب وقتل، وقال للأنصار: «إنكم ستلقون بعدي أثرة»، فكانت زمن معاوية، وقال في الحسن: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»، وهذا ما حصل، إن الحسن أصلح، أي تنازل عن الحكم لمعاوية بن أبي سفيان، فصالح معاوية وحقن دماء الفئتين من المسلمين، وأخبر بقتل الأسود العنسي الكذاب وهو بصنعاء ليلة قتله، وبمن قتله؛ قتله فيروز الديلمي، وقال لثابت بن قيس: «تعيش حميداً وتقتل شهيداً»، فقتل يوم اليمامة.

وارتد رجل ولحق بالمشركين فبلغه أنه مات فقال: «إن الأرض لا تقبله»، فكان كذلك؛ الأرض لفظته كلما دفنوه تلقيه الأرض، وقال لرجل يأكل بشماله: «كل بيمينك»، فقال: «لا أستطيع»، فقال له: «لا استطعت»، فلم يطق أن يرفعها إلى فيه بعد؛ شلت يده. ودخل مكة عام الفتح والأصنام حول الكعبة معلقة وبيده قضيب، فجعل يشير بها إليها ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: 81] وهي تتساقط بمجرد أن يشير؛ يعني مش أنه يضرب، بس بمجرد أن يشير قبل أن يضرب الصنم يسقط الصنم. وقصة مازن بن الغضوبة، وخبر سواد بن قارب وأمثاله كثير. وشهد الضب بنبوته عليه الصلاة والسلام.

وأطعم ألفاً من صاع شعير بالخندق فشبعوا وطعم أكثر مما كان، وأطعم ألف جندي من صاعي شعير، وأطعمه من تمر يسير، وجمع فضل الأزواد على النطع، فدعا لها بالبركة ثم قسمها في العسكر فقامت بهم، وأتاه أبو هريرة بتمر قد صرّه في يده وقال: «ادع لي فيهن بالبركة»، ففعل، قال أبو هريرة: فخرجت من ذلك التمر كذا وكذا وسقاً في سبيل الله، وكنا نأكل منه ونطعم حتى انقطع في زمن عثمان، كان عبارة عن جراب من تمر أكل منه فوق الثلاثين سنة ما خلص إلا بعد أن حصل شيء في الجراب. ودعا أهل الصفة لقصة فريدة، قال أبو هريرة: فجعلت أتطاول ليدعي حتى قام القوم وليس في القصعة إلا اليسير في نواحيها، فجمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار لقمة فوضعها على أصابعه وقال: «قل بسم الله»، والذي نفسي بيده ما زلت آكل منها حتى شبعت.

ونبع الماء من بين أصابعه حتى شرب القوم وتوضؤوا وهم ألف وأربعمائة، وأُتي بقدح فيه ماء فوضع أصابعه في القدح فلم تسع، فوضع أربع أصابع منها وقال: «هلموا»، فتوضؤوا أجمعين، وهم من السبعين إلى الثمانين. وورد في غزوة تبوك على ماء لا يروي واحداً والقوم عطاش، فشكوا إليه فأخذ سهماً من كنانته وأمر بغرزه فيه ففارت، وسقى القوم وكانوا ثلاثين ألفاً، وشكى إليه قوم ملوحة في مائهم فجاء في نفر من أصحابه حتى وقف على بئر فتفل فيه فتفجر بالماء العذب المعين. وأتته امرأة بصبي لها أقرع فمسح على رأسه فاستوى شعره وذهب داؤه. انكسر سيف عكاشة بن محصن يوم بدر فأعطاه جذلاً من حطب فصار في يده سيفاً ولم يزل بعد ذلك عن تحول قطعت الخشب إلى سيف حاد، وكذلك وقع لعبد الله بن جحش يوم أحد. وعزت هدية بالخندق عن أن يأخذها المعول، هدية يعني صخرة عزت أي صعبت، صخرة أن يكسروها، فأخذ النبي المعول فضربها فصارت كثيباً أهيلاً، صارت تراباً، ومسح على رجل ابن عتيك في خبر أبي رافع لما قتلوا أبا رافع بن الحقيق اليهودي.

نعم قال: فكأنه لم يشكوه قط. ومعجز طبعاً. لاحظوا في معجزات النبي عليه الصلاة والسلام قضية أن معجزاته عليه الصلاة والسلام لم تكن في تغيير مجرى الأحداث، وإنما كانت معجزات طرفية لتثبيت المؤمنين.

صحيح، وأما الأحداث كغزوات كانت على السنن، حتى ما يقول أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إنه انتصر بالمعجزة؛ لا كانت على السنن، في دماء وفي استشهاد صحابة، وفي آلام تصيبه وفقد الأحبة، وإنما تلاحظون المعجزات وين كانت؟ في الأمور المطرفة؛ يعني ماء ينبع، طعام يكفي 80، صاع يذهب جرح لشخص يشفاه، صحيح. فكان المراد من المعجزات تثبيت النبوة وتصديقها وليس تغيير مجريات التاريخ. هذه مهمة، كل المعجزات التي قرأتم هل في معجزة شعرتم أنها غيرت مجرى التاريخ؟

تمام، ربما نقول قضية خروجه من البيت لحظة الهجرة، يعني ممكن نقول والله هذه فعلاً أثرت في الأحداث، لكن السواد الأعظم لما تقرأه تكثير الطعام، تكثير الماء، شفاء بعض المرضى، الحصى الذي يسبح، تسليم الشجر، تحرك الشجر، هي معجزات باهرة، المراد منها ماذا؟ تثبيت قلوب الناس وزيادة اليقين.

وأما مجريات الأحداث بدر وأحد والخندق والمعارك والأمور، كان يجريها صلى الله عليه وسلم على السنن؛ حتى يعرف الناس أنهم لا بد وأن يأخذوا بالأسباب، ولا ينتظروا حصول الكرامات، ولا يقول أحد: والله لا يمكن أن نفعل كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام؛ فإنما كانت كلها معجزات، لا، النبي عليه الصلاة والسلام عادي يوم أحد، قتل من الصحابة من قتل وحصلت هزيمة في النهاية، وجرح عليه الصلاة والسلام وفقد أحبة. فمجريات التاريخ كانت على السنن ليكون قدوة، وأما هذه الأمور فتثبيت لنا ولمن قبلنا للإيمان بصدق نبوته صلى الله عليه وسلم.

نعم، قال ذكر أولاده صلى الله عليه وسلم، روينا عن ابن سعد قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان أول من ولد لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة القاسم، وبه كان يكنى، ثم ولدت له زينب، ثم رقية، ثم فاطمة، ثم أم كلثوم، ثم ولد له في الإسلام عبد الله، فسمي الطيب الطاهر، وأمهم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي. فكان أول من مات من ولده القاسم، ثم مات عبد الله بمكة، فقال العاص بن وائل السهمي: قد انقطع ولده فهو أبتر، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 3]. العاص هو وائل، عمرو بن العاص، هذا وهذا معنا قبل شوي لما سألك أبوك أسلم ولا لا، هذا والده.

وقيل: بل الطيب والطاهر ابنان سواه، هذا قول لكنه ضعيف؛ أن عبد الله شيء والطيب والطاهر ولدان آخران غير عبد الله، لكن هذا قول ليس بالقوي. وقيل: كان له الطاهر والمطهر ولدا في بطن واحد توأم، هذه كلها أقوال لم تثبت. وقيل كان له الطيب والمطيب ولدا أيضاً في بطن توأم. وقيل: إنهم كلهم ماتوا قبل النبوة، المشهور أنه فقط القاسم وعبد الله، ثم إبراهيم بعد ذلك.

وقال الزبير بن بكار: ولد له القاسم ثم زينب ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية ثم عبد الله، هكذا رأيته بخط شيخنا الحافظ ابن محمد الدمياطي رحمه الله تعالى، قال وفيه نظر. وأما أبو عمر؛ ولد له القاسم. شو الفرق بين هذا الترتيب وبين الترتيب السابق؟ أم كلثوم وضعت قبل رقية، يعني عكس بين أم كلثوم ورقية، فبالتالي ابن سعد يرى ابن سيد الناس أن ترتيب ابن سعد أنه زينب ثم رقية ثم فاطمة ثم أم كلثوم، فأم كلثوم أصغر من فاطمة تمام، والزبير بن بكار عكس، فجعل أم كلثوم مبكرة ورقية هي المتأخرة.

وأما أبو عمر فحكى عن الزبير غير ذلك، قال: ولد له القاسم وهو أكبر ولده، ثم زينب، ثم عبد الله، ويقال له الطيب ويقال له الطاهر، ولد بعد النبوة، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية، هكذا الأول فالأول، ثم مات القاسم بمكة وهو أول ميت مات من ولده، ثم عبد الله مات أيضاً بمكة. وقال ابن إسحاق: ولدت له خديجة زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة والقاسم، طبعاً أبو عبد البر ايش حكى عن الزبير؟ حكى رواية أخرى أنه قال: القاسم ثم زينب ثم عبد الله. الرواية الأولى عن الزبير بن بكار عبد الله كان آخر واحد فيهم، الرواية الثانية التي نقلها ابن عبد البر عن الزبير بن بكار جعل عبد الله هو الثالث، لاحظتم في اختلاف الترتيب ماشي، بقيت أم كلثوم قبل فاطمة ما لكن الاختلاف في عبد الله أنه جعله الثالث.

وقال ابن إسحاق: ولدت له خديجة زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة والقاسم وبه يكنى، والطاهر والطيب، فأما القاسم والطاهر والطيب فهلكوا في الجاهلية، وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام وأسلمن، يعني ابن إسحاق جعل الطيب والطاهر ولدان آخران. قال أبو عمر، طبعاً هنا ماذا قال: القاسم والطاهر والطيب، يعني هو جعل عبد الله أما الطاهر وإما الطيب وجعل هناك ثلاثة، يعني ابن إسحاق جاعل ثلاثة القاسم والطاهر والطيب، طبعاً عبد الله يكون إما الطاهر وإما الطيب على هذا الكلام، فجعلهم ثلاثة، لكن المشهور كما قلت وما رواه ابن سعد لذلك بدأ به ابن سيد الناس.

قال ابن عبد البر: وقال علي بن عبد العزيز الجرجاني: أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم وهو أكبر ولده ثم زينب. وقال ابن الكلبي: زينب ثم القاسم ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية ثم عبد الله، وكان يقال له الطيب والطاهر، قال: وهذا هو الصحيح وغيره تخليط. إذاً الجرجاني يقول أن عبد الله هو الطيب والطاهر، وكل من يزعم أنهما شخصان آخران فهذا تخليط، هذا طبعاً فاطمة إذاً، لاحظ عادة الناس يظنوا أن فاطمة هي أصغر بناته، لا فاطمة مش أصغر واحدة على كل الأقوال، بما ذكر طيب.

وكانت سلمى مولاة صفية بنت عبد المطلب تقبل خديجة، تقبل يعني هي المولدة القابلة التي تولدها، وكانت تعق عن كل غلام بشاتين وعن الجارية بشاة، وكان بين كل ولدين لها سنة، وكانت تسترضع وتعد ذلك قبل ولادتها. فكانت تسترضع كان كعادة العرب تذهب أولادها إلى المرضعات، وكانت تعد هؤلاء المرضعات قبل الولادة، فإما زينب فتزوجها ابن خالتها أبو العاص.

زينب من تزوجها؟ المعروف أن بناته كلهم أسلموا وتزوجوا. زينب من تزوجها أبو العاص بن الربيع، ومر معنا شرف هذا الرجل وأخلاقه وكيف إسلامه، ابن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد المناف، أمه هالة بنت خويلد. فولدت له علياً، أردفه النبي صلى الله عليه وسلم وراءه يوم الفتح ومات مراهقاً، وأمامة، تزوجها علي بعد خالتها فاطمة، زوجها منه زبير بن العوام. وكان أبو أمامة بنت زينب، من تزوجها علي بعد خالتها بعد ما ماتت فاطمة الله يرضى عنها، تزوج علي أمامة بنت زينب.

وكان أبوها أبو العاص أوصى بها إلى الزبير، فلما قتل علي رضي الله عنه وأمامة انتهت عدتها، قالت أم الهيثم النخعي: أشاب ذوائبي وأذل ركني * أمامة حين فرقت القرينة تطيف به لحاجتها إليه * فلما سيست رفعت رنينا ثم تزوجها بعد علي المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب فولدت له يحيى بن المغيرة. أمامة حفيدة النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها بعد علي المغيرة بن نوفل، وهلكت عنده، وقد قيل أنها لم تلد لعلي ولا للمغيرة الله أعلم.

ولدت زينب سنة الثلاثين من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وماتت سنة ثمان من الهجرة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبها، وكان زوجها أبو العاص محباً فيها، وأبو العاص قصة حب بينه وبين زينب، حقيقة يعرف كل من يقرأ سيرة أبي العاص مع زينب يعرف أنه زواج بني على الحب، مش زواج أول سنتين ثلاث حب بعدين بصير يعني نأكل مع بعض، لا زواج مبني على الحب إلى آخر لحظاته. وهو القائل في بعض أسفاره إلى الشام، ذكرت زينب لما ورقت أرمة: فقلت سقيا لشخص يسكن الحرم * بنت الأمين جزاها الله صالحة وكل بعل سيثني بالذي علما

وأما رقية فتزوجها عثمان بن عفان، فولدت له عبد الله، مات بعدها وقد بلغ ست سنين، وتوفيت رقية يوم قدوم زيد بن حارثة بشيراً بقتلى بدر، وقيل كان مولدها يعني يوم بدر توفيت الله يرضى عنها. أما أم كلثوم فتزوجها عثمان بعد موت رقية وماتت سنة أيضاً تسع من الهجرة ولم تلد له، عثمان أم كلثوم لم تلد له.

وأما فاطمة فتزوجها علي وبنى بها مرجعه من بدر، فولدت له حسناً وحسيناً ومحسناً مات صغيراً، ومحسن لم يعش طويلاً، وأم كلثوم وزينب، وماتت فاطمة بعد أبيها صلى الله عليه وسلم بثلاث أشهر وقيل بستة، وهذا هو المشهور أنها بستة. نعم قال وقد اختلف في مولدها، قال المدائني قبل النبوة بخمس سنين، وقال ابن السراج سمعت عبيد الله بن محمد بن سليمان بن جعفر الهاشمي يقول: ولدت سنة 41 من مولد النبي صلى الله عليه وسلم.

قال عمر وذكر زبير، عبد الله بن حسن بن حسن دخل على هشام بن عبد الملك وعنده الكلبي، فقال هشام لعبد الله بن حسن: يا أبا محمد كم بلغت فاطمة من السن؟ فقال: 30 سنة. فقال هشام للكلبي: كم بلغت من السن؟ قال: 35 سنة. فقال هشام لعبد الله بن حسن: اسمع الكلبي يقول ما تسمع، وقد عني بهذا الشام. فقال عبد الله بن حسن: يا أمير المؤمنين، سلني عن أمي وسل الكلبي عن أمي، قال: يعني هذه جدتي أنا الذي أعرف بها من الكلبي، الكلبي بده يكون عارف عمر جدتي أكثر مني؟

وكان علي رضي الله عنه قد خطب عليها ابنة أبي جهل، فأنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، علي أراد أن يتزوج عليها ابنة أبي جهل كانت مسلمة، فالنبي صلى الله عليه وسلم عز عليه غضب ابنته فاطمة، فقال: ابنة أبي جهل التي حاربتني طوال فترة الإسلام! فقال: والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد، فترك علي خطبة بنت أبي جهل.

وروينا من طريق مسلم بإسناده، أن علي بن الحسين حدثه أنهم حين قدموا المدينة لقيه المسور بن مخرمة فذكر حديثاً وفيه: أن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل على فاطمة، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله مكاناً واحداً أبداً. قلت: كذا وقع في هذا الحديث في قول وأنا يومئذ محتلم، يعني إيش يعني محتلم؟ يعني بالغ، كنت أبلغ عندما وقعت، فبالتالي هو يقول أنا الضابط ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة.

قال وقوله عن المسور وأنا يومئذ محتلم، وهو وهم، فإن المسور ممن ولد في السنة الثانية من الهجرة بعد مولد ابن الزبير بأربعة أشهر، فلم يدرك من حياة النبي صلى الله عليه وسلم إلا نحو الثمانية أعوام، هو لم يكن محتلماً بالغاً كما قال، وقد روى الإسماعيلي في صحيحه هذا الحديث من هذا الوجه عن أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، حدثنا بإسناده عن المسور وأنا يومئذ كالمحتلم، آه والله الكاف بتفرق، وأنا يومئذ كالمحتلم، يعقوب ابن إبراهيم الخطأ في هذه الرواية على من دون يعقوب تمام بين أحمد ومسلم.

وقد رواه الطبراني في معجم الكبير، قد رواه عن عبد الله بن أحمد عن أبيه كرواية مسلم، فبرئ مسلم من عهدته، إذاً مسلم رواه نفس ما رواه أنه كالمحتلم، إذاً ممكن يكون الخطأ وقع من من قال كما برئ يعقوب وما فوقه. وقد رواه البخاري عن سعيد بن محمد الجرمي عن يعقوب كرواية مسلم عن أحمد، فهو حديث يختلف فيه على يعقوب، والله أعلم.

ثم ولدت له صلى الله عليه وسلم مارية بنت شمعون القبطية التي أهداها له المقوقس، ولدت له إبراهيم، نعم قال إبراهيم، وعق عنه بكبش يوم سابعه وحلق رأسه، وحلقه أبو هند، فتصدق بزنة شعره فضة على المساكين، وأمر بشعره فدفن في الأرض. تعرفوا الغلام.

الذكر يسن أن يحلق شعره ويتصدق بزنته من الفضة، وسماه يومئذ فيما قال الزبير، سماه اليوم الأول من ولادته، على قول الزبير بن بكار أنه سماه في اليوم السابع، والصحيح أنه سماه في اليوم الأول. وكانت قابلته التي ولدت مارية سلمى، وهي مولاة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي زوجة أبي رافع أيضاً، مولى النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: فخرجت إلى زوجها أبي رافع فأخبرته أنها قد ولدت غلاماً، فجاء أبو رافع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبشره، فوهب له عبداً. وكان مولده في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، وهي عادة العرب إذا الشخص بشرهم ببشارة يهبون للمبشر عبداً أو هدية، كما أن كعب بن مالك لما بشر بالتوبة خلع ثوبيه وأعطاهما للمبشر.

قال: ومات في ربيع الأول سنة عشر، وقد بلغ ستة عشر شهراً، وقد قيل في سنه ووفاته غير ذلك، مات في بني مازن عند ظئره أم بردة، أي عند مرضعته خولة بنت المنذر بن زيد بن لبيد. وغسلته وحمل من بيتها على سرير صغير، وصلى عليه وكبر أربعاً ودفن بالبقيع ورش عليه الماء، فقال: «الحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون»، لأنه دفن بجانبه، وقال: «إن له ظئراً تتم رضاعه في الجنة»، وقال: «لو عاش لوضعت الجزية عن كل قبطي»، إن صح الحديث.

وقال: «لو عاش إبراهيم ما رق له خال»، يعني من أخواله الأقباط، كناية على أنه لن يكون هناك عبيد في الأقباط احتراماً لإبراهيم، وهذا طبعاً هذان حديثان مرسلان، لم يثبتا بسند متصل عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ذكر أعمامه وعماته صلى الله عليه وسلم: أبو طالب، وعبد مناف، والزبير، وعبد الكعبة، وأم حكيم، وعاتكة، وبرة، وأروى، وأميمة، وأمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وعبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم منها.

عبد المطلب جد النبي عليه الصلاة والسلام تزوج عدة نساء، وكل امرأة أتت له بمجموعة. فالمرأة الأولى فاطمة بنت عمرو، أتت له بأبي طالب والزبير وعبد الكعبة وأم حكيم وعاتكة وبرة وأروى وأميمة، وأبوه عبد الله منها. وحمزة، والمقوم، وحجل واسمه المغيرة، وصفية، وصفية هي والدة الزبير، وزاد بعضهم العوام.

هذه أمهم زوجة ثانية لعبد المطلب، هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة، بنت عم آمنة بنت وهب أم النبي صلى الله عليه وسلم. والعباس، وضرار، وأمهما نتيلة بنت جناب بن كليب من النمر بن قاسط.

والحارث وهو أكبر ولد عبد المطلب وبه كان يكنى، وشقيقه قثم وهلك قثم صغيراً، وأمهما صفية بنت جندب. وأبو لهب عبد العزى، وأمه لبنى بنت هاجر. والمغيدق واسمه مصعب وقيل نوفل، ولقب المغيدق لجوده، وأمهم ممنع بنت عمرو بن مالك بن خزاعة.

الخلاصة: كم عم له عليه الصلاة والسلام؟ اثنا عشر، ومن الناس من يعدهم عشرة فيسقط عبد الكعبة ويقول هو نفس المقوم، ويجعل المغيدق وحجلاً نفس الشخص. ومن الناس من يعدهم تسعة فيسقط قثماً، وبعضهم يجعلهم تسعة ويقول هذا قثم أيضاً لم يثبت. وأما عماته صلى الله عليه وسلم فست باتفاق الجميع لا خلاف، وكلهن بنات فاطمة المخزومية إلا صفية فهي الوحيدة التي لم تأتِ من فاطمة، فهي من هالة الزهرية، هذا هو المشهور عند أهل النسب، وقد ذكر أن أروى لفاطمة المخزومية، وقد روي أن أروى أيضاً ليست من فاطمة بنت عمرو.

ولم يسلم من أعمامه عليه الصلاة والسلام إلا حمزة والعباس على الصحيح. وقد حكي إسلام أبي طالب، وقد سبق ذكر قضية إسلام أبي طالب، لا داعي للدخول في هذه التخرصات بلا علم. وأما العمات فأسلمت صفية بنت عبد المطلب وهي أم الزبير بن العوام، وفي أروى خلاف هل أسلمت، وأما الباقي من عماته فلم يسلمن.

قال أبو عمر وغيره: الأثر على أن أروى لم تسلم، وذكر الواقدي في خبر أنها أسلمت، وكذلك اختلف في إسلام عاتكة، والمشهور عندهم أن عاتكة لم تسلم، وهي صاحبة الرؤيا يوم بدر.

فأما أبو طالب فولد له طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي، وكان كل من هؤلاء أكبر من الذي يليه بعشر سنين، وأختهم أم هانئ، وأم هانئ هي فاختة، وقيل اسمها هند. وله ابنة أخرى زعموا اسمها جمانة، قسم لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين وسقاً من خيبر، وهي أم عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. أسلموا كلهم إلا طالباً لم يسلم.

وأما الزبير، فله ولد أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم اسمه عبد الله بن الزبير، وهذا ليس عبد الله بن الزبير بن العوام، بل ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، ثبت يوم حنين وكان فارساً مشهوراً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: «ابن عمي وحبي».

قال أبو عمر: لا أحفظ له رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روت أختاه ضباعة وأم الحكم، وكان سنه يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم نحواً من ثلاثين سنة، فقتل شهيداً بأجنادين في خلافة أبي بكر الصديق.

وأما حمزة، فأسلم قديماً وعز به الإسلام، وكفت قريش عن النبي صلى الله عليه وسلم خوفاً من حمزة، وكان عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخاه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة، وكان أسن منه بيسير، حمزة أكبر من النبي عليه الصلاة والسلام بسنتين أو ثلاث، وأم كل منهما ابنة عم للآخر. شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم وأحداً، وبها مات شهيداً وقتله وحشي بن حرب، قيل كان يقاتل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيفين ويقول: أنا أسد الله.

وروى الحاكم بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني جبريل فأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السماوات: أسد الله وأسد رسوله». وروى أن حمزة قتل جنباً فغسلته الملائكة، والمشهور الذي قتل جنباً حنظلة وليس حمزة.

وكان له من الولد يعلى وعمارة، وقال مصعب ولد لحمزة خمسة رجال لصلبه وماتوا ولم يعقب، وقال الزبير: لم يعقب أحد من بني حمزة إلا يعلى وحده. انقطع نسبه. ومن أولاد حمزة أمامة يقال لها أمة الله، وكان الواقدي يقول فيها عمارة، وقال أبو بكر الخطيب: انفرد الواقدي بهذا القول، وإنما عمارة ابنة لابنته، جعلوها عمارة وهو أخو يعلى وليس اسم فتاة. وله أيضاً ابنة تسمى أم الفضل، وابنة تسمى فاطمة، ومن الناس من يعدهم واحدة، وفاطمة هذه إحدى الفواطم التي قال عليه الصلاة والسلام لعلي وقد بعث له حلة: «شققها خمراً بين الفواطم».

وأما العباس فيكنى أبا الفضل بابنه، وكان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين أو ثلاث، كان رئيساً في قريش وإليه كانت عمارة المسجد الحرام والسقاية. شهد العقبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد بدراً مع المشركين مكرهاً، وفدى يومئذ نفسه وعقيلاً ونوفلاً، وأسلم قبل فتح خيبر، وكان يكتم إسلامه إلى يوم فتح مكة فأظهره، وقيل أسلم قبل يوم بدر وكان يكتم ذلك.

وهو القائل: "ألا هل أتى عرسي مكري ومقدمي.. غداة حنين والأسنة شرع.. ونصرنا رسول الله في الحرب سبعة.. وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا". وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في العباس: «أجود قريش كفاً وأوصلها». وروي أن العباس لم يمر بعمر ولا بعثمان وهما راكبان إلا نزلا حتى يجوز إجلالاً له.

واستسقى في الرمادة سنة سبع عشرة فسقوا، ففي ذلك يقول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب: "بعمي سقى الله الحجاز وأهله.. عشية يستسقي بشيبته الطلق.. توجه بالعباس في الجدب راغباً.. فما...".

حتى جاء بديمة المطر، والمراد أنه استسقى به؛ أي طلب منه أن يدعو للمؤمنين لفضل قرابته من النبي صلى الله عليه وسلم، وليس أنه قال: اللهم اسقنا بالعباس؛ لأنه لو كان كذلك لقال: اللهم اسقنا بالنبي صلى الله عليه وسلم. لماذا يستسقي بالعباس والنبي صلى الله عليه وسلم جسده الشريف موجود؟ فمراد استسقاء عمر بالعباس أي طلب من العباس أن يدعو للمسلمين بالمطر، فدعا العباس للمسلمين بالمطر فنزل.

وكان من دعاء العباس وهو يستسقي: «اللهم أنت الراعي، لا تهمل الضالة، ولا تدع الكبير بدار مضيعة، فقد ضرع الصغير، ورق الكبير، وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السر وأخفى. اللهم فأغثني من قبل أن يقنطوا فيهلكوا، فإنه لا ييأس من روحك إلا القوم الكافرون». وفضائل العباس كثيرة ومناقبه مشهورة، توفي سنة 32 وصلى عليه عثمان، وقيل في وفاته غير ذلك.

فولد العباس سبعة لأم الفضل لبابة بنت الحارث، وسيأتي ذكر نسبها عند ذكر أختها في زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: الفضل، وعبد الله، وعبيد الله، ومعبد، وقثم، وعبد الرحمن، وأم حبيب شقيقتهم، وتمام، وكثير. وفائدة: ميمونة بنت الحارث زوجة النبي عليه الصلاة والسلام هي أخت أم الفضل لبابة بنت الحارث، نعم. قال: وتمام وكثير لأم ولد، والحارث وأمه من هذيل، وعون بن العباس، قال أبو عمر: لم أقف على اسم أمه.

قال: وكل بني العباس لهم رؤية، والفضل وعبد الله وعبيد الله لهم رؤية؛ يعني لهم صحبة، والفضل وعبد الله وعبيد الله سماع ورواية، لهم زيادة على الرؤية؛ أي السماع والرواية عن النبي عليه الصلاة والسلام. الفضل وعبد الله بن عباس وعبيد الله بن عباس رووا أحاديث، وكان الفضل أكبرهم، وتمام كان أصغرهم. وقد روى تمام عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا علي قلحاً استاكوا»؛ يعني أسنانكم صفراء، استاكوا حتى تنظفوا أسنانكم، لكن الحديث يحتاج إلى أن ينظر إذا ثبت هذا فيكون أيضاً تمام له رواية وليس فقط الثلاثة السابقين.

وكان الفضل جميلاً، وعبد الله عالماً، وعبيد الله سخياً جواداً، وكان تمام من أشد الناس بطشاً، وكان العباس يحمل تماماً ويقول: تموا بتمام فصاروا عشرة، يا ربي فاجعلهم كراماً بررة، واجعل لهم ذكراً، وانم الثمرة. ويقال: ما رؤيت قبور أشد تباعداً؛ يقال في التاريخ قبور أولاد العباس متباعدة، كل ولد مات في جهة، كل واحد مات في بلد.

استشهد الفضل بأجنادين في الشام، ومات معبد وعبد الرحمن بأفريقيا؛ يعني جهة تونس، وعبد الله بالطائف، وعبيد الله باليمن، وقثم بسمرقند؛ يعني جهة ما وراء النهر وجهة أذربيجان ومناطق أفغانستان، وكثير بينبع؛ يعني هذا أقرب واحد على المدينة. وقد يقع في ذلك خلاف وليس هذا موضعه.

وأما الحارث وهو أكبر ولدي عبد المطلب وبه كان يكنى، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله: عبد المطلب كانت كنيته أبا الحارث. لم يدرك الإسلام، وأسلم من أولاده أربعة: نوفل، وربيعة، وأبو سفيان، وعبد الله. فكان نوفل أسن إخوته، وأسن من أسلم من بني هاشم، ولم يذكر المغيرة فيهم، وقد ذكره أبو عمر بن عبد البر في كتابه في الصحابة فيكون خامساً لهم أسلم، غير أنه قال: ومنهم من يجعل المغيرة اسم أبي سفيان، والصحيح الأول.

أما أبو لهب فكني بذلك لحسن وجهه، اختلفت في كناه بذلك، هل القرآن هو أصلاً في الجاهلية يكنى بأبي لهب؟ المشهور أنه في الجاهلية يكنى بأبي لهب لحمرة كانت في وجهه، ومع ذلك أصبحت كنيته التي في الجاهلية تناسب مأواه في الإسلام؛ يعني وافق هذا هذا، فهو أيضاً أبو لهب في نار جهنم. قال السهيلي: كني بأبي لهب تقدمة لما يصير إليه من اللهب، وهذا رأي السهيلي أن كني بأبي لهب في الإسلام لما سيصير له من لهب النار، لكن المشهور الأول أن أباه كناه لحسن وجهه، كان فيه حمرة جميلة.

وكان بعد نزول السورة فيه لا يشك مؤمن أنه من أهل النار، متفق بين المسلمين أنه في النار بخلاف غيره من الكفرة الموجودين، فإن الأطماع لم تنقطع من إسلامهم، لأنه لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: 1] معناه خلص انتهى أمره. أبو سفيان وغيره من الكفار خالد بن الوليد لم تنزل آية في انتهاء أمرهم، كل رجل من كفار قريش نزلت آية فيه بانتهاء أمره زي الوليد بن المغيرة وهؤلاء، عرفوا أنه لم يقدح فيه القرآن إلا لأنه سيموت على الكفر، وفعلاً ختم له بالكفر.

امرأته أم جميل بنت حرب بن أمية، اسمها العوراء، فولد أبو لهب عتبة ومعتب، شهدا حنيناً وثبت فيه هذا؛ أسلم أبو لهب له ولدان أسلم عتبة ومعتب، وأختهم درة لها صحبة. وأخوهم عتيبة قتله الأسد بالزرقاء عند جماعتنا، جاء الأسد وأكله بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم بالهلاك، وبعضهم يجعل عتبة المكبر عتيبة الأسد وعتيبة الصحابي، وفي خلاف فهل هو عتبة ولا عتيبة اللي أكله الأسد. وأما ضرار فإنه مات أيام أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسلم، وكان من فتان قريش.

جمالاً وسخاء الغيداق، فكان أكثر قريش مالاً، وكان جواداً، والمقوم وحجل فولد لهما وانقطع العقب منهما، وعبد الكعبة فلم يدرك الإسلام ولم يعقبه، وأما قثم فهلك صغيراً كما تقدم، فهؤلاء ما في داعي أن يفصل في أولادهم.

وأما أم حكيم وهي البيضاء، فكانت عند كريز بن ربيعة بن حبيب، كانت هي زوجة كريز بن ربيعة، وولدت له عامراً وبنات؛ منهن أروى أم عثمان بن عفان، وهي توأمة عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما التوأم ولدا في بطن واحد مع عبد الله والد النبي عليه الصلاة والسلام على خلاف في ذلك. وهي التي وضعت جفنة الطيب للمطيبين، هي التي دخلت في حلف المطيبين ووضعت لهم جفنة الطيب الذي تحالفوا فيها على نصرة الضعيف، وكانت تقول: إني لحصان فما أُكلَم، وصناع فما أُعلَم؛ حصان يعني أن امرأة حصينة فما أحد يكلمني من الرجال، وصناع يعني مش محتاج حدا يعلمني، بعلم حالي.

وأما عاتكة فكانت عند أبي أمية بن المغيرة، ولدت له عبد الله له صحبة، وزهير وقريبة مختلف في صحبتهما، وهم إخوة أم سلمة لأبيها، وهي صاحبة رؤيا يوم بدر وقد تقدمت.

وأما برة فكانت عند أبي رهم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، فولدت له أبا سبرة له صحبة وشهد بدراً والمشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خلف عليها عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم؛ خلف عليها يعني زوجها الثاني. وقيل بل كانت عنده قبل أبي رهم، فولدت لعبد الأسد أبا سلمة عبد الله زوج أم سلمة منها، صحابي مشهور توفي وهو أيضاً أخو النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، توفي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة زوجة أبي سلمة.

وأما أميمة فكانت عند جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة، فولدت له عبد الله المجدع في الله بدعائه؛ المجدع في الله؛ عبد الله بن جحش لما قتل في غزوة أحد جدع أنفه وأذنه، المقتول يوم أحد شهيد رضي الله عنه، وأبا أحمد الشاعر الأعمى، وعبيد الله أسلم أيضاً وهاجرا إلى أرض الحبش، ثم تنصر هناك عبيد الله بن جحش، المشهور أنه تنصر. وزينب أم المؤمنين وحمنة؛ زينب بنت جحش أمها أروى أيضاً أميمة هذه، وكانت عند مصعب بن عمير ثم خلف عليها طلحة بن عبيد الله، فولدت له محمداً وعمران. وكانت تستحاض، وكانت ممن خاض في حديث الإفك وجلدت فيه للأسف، وتكنى حمنة، هذه أم حبيبة وقيل أم حبيبة واحدة أخرى، وعند الأكثرين أم حبيبة غير حمنة.

وكانت أم حبيبة تحت عبد الرحمن بن عوف كانت زوجة عبد الرحمن بن عوف، أختها أم حبيبة، فإذاً زينب بنت جحش وحمنة بنت جحش وأم حبيبة بنت جحش هن ثلاث أخوات، وقيل الثلاث كن يُستحضن؛ الثلاثة يبتلين بالاستحاضة، وكانت تستحاض حديثها في صحيح مسلم. قال: وكان شيخنا الحافظ أبو محمد الدمياطي رحمه الله يقول هنا زينب وحمنة وأم حبيبة، ويعد ما عدا ذلك وهما وقيده بخطه على صحيح مسلم في الفوائد التي كتبها، يعني هو يقول إن اسمها ليست أم حبيبة هي اسمها أم حبيب واسمها حبيبة؛ يعني هي ليست أم حبيبة، أما الثالثة اسمها إيش أم حبيب وهي اسمها حبيبة؛ يعني خلاف الأسماء.

وأما أروى مختلف في إسلامها كما تقدم، وحكاه أبو عمر عن الواقدي في خبر يسنده أن ابنها طليبة بن عمير حملها على ذلك فوافقته وأسلمت، وكانت بعد ذلك تعاضد النبي صلى الله عليه وسلم وتحض ابنها على نصرته، لكن في خلاف في هذه القصة حقيقة، وقد رواه الحاكم وزعم أنه على شرط البخاري. وكان تحت عمير بن وهب بن عبد الدار بن قصي، فولدت له طليبة بن عمير وكان بدرياً من فضلاء الصحابة، قتل بأجنادين شهيداً ولا عقب له. ثم خلف عليها كلدة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، وهو عند أبي عمر كلدة بن عبد مناف، والصحيح الأول، ولدت له فاطمة. ورأيت في كتاب أبي عمر أروى وليس بشيء، فولدت فاطمة هذه زينب؛ زينب ابنة أروى بنت عبد شرحبيل بن هاشم المذكور آنفاً، فولدت زينب كيسة بنت الحارث بن كريز بن ربيعة زوج مسيلمة بن حبيب الكذاب.

ثم خلف على كيسة ابن عمها عبد الله بن عامر بن كريز، ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعوذه وتفل في فيه، فجعل يتسوى ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: إنه لمس، فكان لا يعالج أرضاً إلا ظهر له الماء، وهو الذي أخذ ريق النبي صلى الله عليه وسلم بكل قوة فقال: هذا الرجل فيه بركة. وهو الذي عمل السقايات بعرفة وشق نهر البصرة، جمع له عثمان بين ولاية البصرة وفارس وهو ابن 24 سنة، وكان سخياً جواداً، وفيه يقول زياد الأعجم:

أخ لك لا تراه الدهر إلا على العلات مبتسماً جواداً أخ لك ما مودته بمذق إذا ما عاد فقر أخيه عادا سألناه الجزيل فما تلكأ وأعطى فوق بنيتنا وزاد وأحسن ثم أحسن ثم عدنا فأحسن ثم عدت له فعاد مراراً ما رجعت إليه إلا تبسم ضاحكاً وثنى الوسادة

وأما صفية فأسلمت وهاجرت، وكانت عند الحارث بن حرب أخ أبي سفيان بن حرب وولدت له صيفي بن الحارث، ثم خلف عليها العوام بن خويلد فولدت له الزبير بن العوام الصحابي الجليل، وولدت له الزبير والسائب صحابيين أيضاً، وعبد الكعبة، وأم حبيب تزوجها خالد بن حزام فولدت له أم حسن لا عقب لها، وتوفيت صفية رضي الله عنها سنة 20 ودفنت بالبقيع ولها 73 سنة. الآن نقف عند هذا المقدار اليوم إن شاء الله ونعلق على هذه.

هذين الصفحتين حتى يكون المجلس الختامي هو المجلس القادم إن شاء الله، نختم هذا الكتاب. أقرأ بس الفوائد سريعاً، ذكر فوائد تتعلق بهذا الفصل سوى ما تقدم.

جحل بتقديم الجيم على الحاء المهملة، هو السقاء الضخم. قال ابن دريد: واسمه مصعب، وجحل لقب، وغيره يقول اسمه المغيرة كما سبق. جعل اسم أحد أمام النبي عليه الصلاة والسلام؛ هو أصله في اللغة العربية لما يكون عندك السقاء الضخم هو الذي يسمى جحلاً عند العرب، أي سقاء ضخم يسمى جحل، ثم سمي به هيأة الناس كناية عن الكرم.

والجحل نوع من اليعاسيب عن صاحب العين، وهناك قول آخر أن الجحل نوع من اليعاسيب الحشرات. نعم، وقال أبو حنيفة: كل شيء ضخم فهو جحل. أبو حنيفة هذا الدينوري وليس أبو حنيفة الفقيه، هذا أبو حنيفة اللغوي، إن هناك أبو حنيفة اللغوي وهناك أبو حنيفة الفقيه. نعم، قال ذكره السهيلي، وكان القطني يقول هو حجل بتقديم الحاء، البعض يقول هو ليس جحل هو حجل، حاء جيم لام، نعم، ويفسر بالخلخال أو القيل، والحجل هو الخلخال.

وقثم قد ذكرنا أنه شقيق الحارث، وكان القدامى يقولون الحارث لا شقيق له، والذي رواه ابن سعد بسنده عن ابن الكلبي أن قثماً شقيق العباس وضرار. قال ابن سيده، وقثم شيء يقسمه قسماً جمعه ويقال قسام، أي ويقال قثم، مطرد عند سيبويه، مطرد لأن على وزن فعالي، هذا وزن من كل فعل ثلاثي يجوز أن تشتق منه اسم فعل أمر على وزن فعالي، قال: مطرد عند سيبويه، وموقوف عند أبي العباس، وهو سماعي عند أبي العباس ثعلب؛ أبو العباس ثعلب يقول لا يجوز أن تشتق من كل فعل ثلاثي اسم فعل أمر على وزن فعالي، قال هذا متوقف على السماع فقط؛ مسألة لغوية.

وقثم له من العطاء قسماً أكثر، وقثم اسم رجل مشتق منه، وقثم من أسماء الضبع، وقثم الذكر من الضباع، وكلاهما معدول عن فاعل وفاعلاً، وقد تكرر؛ نعم قثم معدول عن قاسم، وهذا ياتي في باب الممنوع من الصرف. وقد تكرر هذا الاسم لابن عبد المطلب ولابن العباس، وكان قثم بن العباس والياً لعلي على مكة، أردفه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له.

واستشكل مرقم قال ابن عبد البر، وقال الزبير في الشعر الذي أوله: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم، أنه قاله بعض شعراء المدينة في قثم بن العباس وليس في الحسين بن علي زين العابدين. نعم، وزاد الزبير في الشعر بيتين أو ثلاثة منها، زاد الزبير بن بكار: كم صارخ بك مكروب ومصرخ تدعوك يا قثم الخيرات يا قثم. قال: ولا يصح في قثم بن العباس، وذلك شعر آخر على عروضه وقافيته، وما قاله الزبير فغير صحيح، والصحيح أنها في زين العابدين قيلت هذه الأبيات.

ثم قال أبو عمر: وفي قثم بن العباس هذا يقول داود بن سلم: عتقت من حلي ومن رحلتي يا ناق إن بلغتني من قثم، أنك إن أدنيت منه غداً خالفني البؤس ومات العدم، في كفه بحر وفي وجهه بدر، لأنه سيكون جواداً كريماً يعطيني، نعم لذلك سيذهب البؤس والعدم، في كفه بحر وفي وجهه بدر، وفي العرنين منه شمم، عرنين الأنف أشم، أصم عن قيل الخنى سمعه، وما عن الخير به من صمم، فلم يدر ما لا وبلى قد عافها، وأعطى منها نعم، هو لا يجيب إلا بنعم، أحسنت يعني لم يدر ما هي لا وبلى قط، تمام فعافها وأعطى منها، نعم هو لا يحب لا وإنما يحب نعم.

كذا قال أبو عمر، وإنما الشعر في قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب كان والياً على اليمامة لأبي جعفر المنصور، قال: وكان داود بن سلم من شعراء الدولة العباسية، فأين هو من ذلك الزمن؟

وقد تقدم ذكر أبي سفيان بن الحارث، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: «أبو سفيان خير أهلي» أو «من خير أهلي»، وفيه كان يقول عليه الصلاة والسلام ابن الحارث هذا أسلم، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ثم مر معنا أسلم عند فتح مكة وثبت يوم حنين، وفيه كان يقول عليه الصلاة والسلام: «كل الصيد في جوف الفراء»، وقيل في أبي سفيان بن حرب. نعم كل الصيد في جوف الفراء، هي مثل عربي أنه كل الموضوع عند فلان، كل القضية عنده، هذا يقوله العرب، وكان أبو سفيان بن الحارث، والمشهور أن قول هذا المثل كان في أبي سفيان بن حرب وليس في سفيان بن الحارث، هذا المثل قاله الله أعلم.

وكان أبو سفيان بن الحارث أخا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، وكان ابن عمه، وكان فارساً مشهوراً وشاعراً مطبوعاً، أنشد له شاعراً مطبوعاً، أي الشعر من سجيته: لقد علمت قريش غير فخر بأنا نحن أجوده حصانا، وأكثرهم دروعاً سابغات وأمضى إذا طعنوا سنانا، وأدفع للذي الضراء عنهم وأبين إذا نطقوا لسانا.

قال أبو عمر: وكان أحد الخمسة المشبهين بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهم جعفر بن أبي طالب، والحسن بن علي، وقثم بن العباس، وأبو سفيان بن الحارث، والسائب بن عبيد. نعم، فائدة جميلة من الخمسة الذين كانوا يشبهون النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه جعفر بن أبي طالب، والحسن بن علي، وقثم، وأبو سفيان بن الحارث، وأخيراً السائب بن عبيد. قال: لم يزد على ذلك، وإلى السائب هذا ينسب الإمام الشافعي، فالشافعي مطلبي، ينسب إلى السائب هذا، عفواً إلى السائب، قال المؤلف:

فقلت في ذلك شعراً لخمسة شبه المختار من مضر، يا حسن ما من شبهه الحسن، لجعفر وابن عم المصطفى قثم، وسائب وأبي سفيان والحسن.

قلت: وممن كان يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم أيضاً عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صغير فقال: «هذا شبهنا»، وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال له إذا رآه: «يا بني عبد شمس، هذا أشبه بنا منكم»، يعني هذا والله يشبهنا أكثر مما يشبهكم.

وأبو لهب اسم أمه لبنى، كذا هو عند الجماعة، وفسره السهيلي بشيء يتميع من بعض الشجر عن أبي حنيفة، شو معنى لبنا؟ كأنه مادة صمغية تخرج من بعض الشجر، قال عن أبي حنيفة قال: ويقال لبعضه الميعة، والذي ذكره أبو عمر في اسم أمه لبا على وزن فعلاً، لبا وليس لبنى من اللب، على قياس قول ابن دريد في حبا من الحب، وقال إذا من اللب، عفواً إذا مكتوب اللب لب لازم تكون لبا من اللب مثل حبا من الحب. وقال السهيلي: بنت هاجر بكسر الجيم، يعني هي اسم أم لهب، ونحن معلومات أهم من هذه المعلومة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذا الجمع وفي هذا اللقاء، إن شاء الله، كأننا في نعمة، بقية نختم الأسبوع القادم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.