بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن نهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين. اللهم أعنا على ملء ساعات العمر بما ينفعنا وبما يقودنا إليك، اللهم آتنا أنفسنا تقواها وزكها، أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
حياكم الله في مجلس يتجدد بنا في التاريخ على كتاب «عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير» للإمام ابن سيد الناس رحمه الله تعالى، عليه في سيره خير الناس محمد ﷺ. ونحن نسير في أفياء هذه السيرة العطرة، ونتجول في حدائقها، ونقتطف أو نخطف من أزهارها، ونتعلم من هديه ﷺ ومن أدبه وسمته وأخلاقه وأيامه ما يكون زادًا للمسلم ولطالب العلم في رحلته الحية.
وصل بنا الحديث أيها الكرام في هذه السيرة العطرة إلى قضية إسلام وفد ثقيف. وقد مر معنا في المجلس الماضي أن النبي ﷺ حاصرهم بضع عشرة ليلة، ولكن لم يستطع النبي ﷺ أن يدخل عليهم حصنهم، كان حصنًا منيعًا وكانوا أعدوا عدة طويلة. وقد رأى النبي ﷺ أن المصلحة للمسلمين في الاستمرار بهذا الحصار، وأراد الله عز وجل بهؤلاء القوم خيرًا، فأتوا إلى النبي ﷺ بعد ذلك معلنين إسلامهم. دعونا ننظر ماذا وقع في هذه الحادثة.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولمشايخنا ولمسامعينا، ونجِّ المستضعفين من المؤمنين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: أمر وفد ثقيف وإسلامها في شهر رمضان سنة تسع. قال ابن إسحاق: قدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الوقت وفد ثقيف. وكان من حديثهم أن رسول الله ﷺ لما انصرف عنهم، اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يقبل إلى المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالاسلام. فقال له رسول الله ﷺ: «كما يتحدث قومك أنهم قاتلك»، وعرف رسول الله ﷺ أن فيهم نخوة للامتناع الذي كان منهم. فقال عروة: «يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبصارهم». وكان فيهم كذلك محببًا مطاعًا، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام، ورجا ألا يخالفوه لمنزلته فيهم.
فلما أشرف عليهم وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه فأصابهم، فأصابه سهم فقتله. فيزعم بنو مالك أنه قتله رجل منهم يقال له أوس بن عوف أخو بني سالم بن مالك، ويزعم الأحلاف أنه قتله رجل منهم من بني عتاب بن مالك يقال له وهب بن جابر. فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: «كرمني الله بها وشهادة ساقها الله إليه، فليس فيّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم»، فدفنوه معهم.
فزعموا أن رسول الله ﷺ قال فيه: «إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه». صاحب يس هو الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، قال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [يس: 10-11]. وهذا يدل على أن صاحب يس -إن صح هذا - أنه قُتل، ولما دخل الجنة قال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: 26-27]. وهذا يدل على أن صاحب يس قُتل ولما دخل الجنة قال ذلك.
ثم قامت ثقيف بعد قتل عروة بأشهر، ثم إنهم ائتمروا بينهم ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا لأن العرب أكثرهم بايعت وأسلمت، فرأوا ثقيف أنه لا قدرة لنا على أن نقاتل هؤلاء. قال: واجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله ﷺ رجلًا كما أرسلوا عروة، فكلموا عبد يال بن عمر بن عمير، وكان سن عروة بن مسعود، وعرضوا عليه ذلك، فابى أن يفعل وخشي أن يصنع به إذا رجع كما صنع بعروة. فقال: «لا يا عم، اذهب إلى النبي ﷺ وترسل لي إليه ثم أعود إليه وأطلب منكم أمرًا فتغضب مني فتقتلني كما قتلتم عروة».
قال: فقال: «لست فاعلاً حتى ترسلوا معي رجالًا». فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك، فيكونون ستة. فبعثوا معه عبد يال الحاكم بن عمر بن وهب بن معتب، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب، ومن بني مالك: عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد دهمان أخا بني يسار، وأوس بن عوف أخا بني سالم، ونمير بن خرشة بن ربيعة أخا بني الحارث. فخرج بهم، فلما خرجوا من المدينة ونزلوا قناة، ألوفوا بها المغيرة بن شعبة.
فاشتد لأبي بكر أن يبشر رسول الله ﷺ بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر فقال له: «أقسمت عليك لا تسبقني إلى رسول الله ﷺ حتى أكون أنا أحدثه»، ففعل، فدخل أبو بكر على رسول الله ﷺ فخبره بقدومهم عليه. وهذا من حرص الصحابة على إدخال السرور على قلب النبي ﷺ.
قال: ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظُّهر معهم، وعلمهم كيف يحيون رسول الله ﷺ، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية. ولما قدموا على رسول الله ﷺ، خرج المغيرة إلى هذا الوفد وعلمهم أدبيات الدخول على النبي ﷺ، وكيف تلقون السلام، وأين تجلسون، وكذا؛ لكن القوم كانوا عنيدين فأبوا أن يسلموا إلا بسلام الجاهلية. ولما قدموا على رسول الله ﷺ ضرب لهم قبة في نَحَان. وروّح الظُّهر معهم، والظُّهر هي الإبل التي كانوا راكبين عليها.
هذا المراد أنه قاد لهم ظهرهم، أو أوصل لهم ظهرهم، يعني الإبل التي كانوا عليها إلى المكان الذي سينزلون فيه، فالظاهر أنه ساعدهم في موضوع إبلهم.
قال: «ولما قدموا على رسول الله ﷺ ضرب عليهم قبة في ناحية مسجده كما يزعمون، فكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم بين رسول الله ﷺ حتى اكتتبوا كتابهم، وكان خالد الذي كتبه، وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عند رسول الله ﷺ حتى يأكل منه خالد حتى أسلموا، وقد كان فيما...».
لماذا لم يكونوا يأكلون الطعام حتى يأكل منه خالد؟ لأنهم كانوا متخوفين من أن يكون في الطعام تسميم، يظنون أن النبي ﷺ سيتعامل معهم بهذه الطريقة ويضع لهم سماً في الطعام، فكانوا حريصين جداً وأخذوا احتياطاتهم؛ قالوا لا نأكل حتى تأكل يا خالد، وكان خالد هذا من الصحابة من أهل المدينة، وهو الواسطة بينهم وبين النبي ﷺ.
قال: «وقد كان فيما سألوا رسول الله ﷺ أن يدع لهم الطاغية وهي اللات لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله ﷺ ذلك عليهم».
هنا بدأت مساومات على حساب العقيدة؛ قالوا: يا رسول الله نحن نسلم، لكن نريد ألا تُهدم اللات. فهنا النبي ﷺ عرف أن هذا خلل يمس العقيدة، فأنتم لم تطلبوا جزئية فرعية يمكننا أن نتناقش فيها أو نؤجل الفصل فيها، بل طلبتم أمراً يمس جناب التوحيد، فالنبي ﷺ يعلمنا أنه لا مساومة في الأمور التي تمس جناب التوحيد مباشرة.
عندما يكون القائد متمكناً، وهذا مهم هنا؛ فالنبي ﷺ كان متمكناً، وأصلاً ثقيف إنما دفعها إلى اتخاذ هذا الموقف كما مر معنا قبل قليل؛ أن العرب أسلمت ولا طاقة لهم، فالنبي ﷺ يتكلم من منطق القوة هنا، وليس من منطق المستضعفين الذين كانوا في مكة. أحياناً يحدث عند بعض الإخوة أنه يأتي ليقول: «شوف كيف النبي ﷺ لم يساوم»، ولكن يجب أن تنتبه على قضية متى اتخذ هذا القرار؟ وأحياناً لابد إذا أردت أن تستدل بمسألة في السيرة أن تأخذ المشهد كاملاً؛ فأكبر خطر في الاستدلال بالسيرة هو أن تأخذ جزءاً من المشهد ولا تعرف الظرف الذي قيل فيه ذلك.
فلما تأتي لتستدل على أن النبي ﷺ منعهم من أي جزء يمس جناب التوحيد، فذلك لأنه هو الآن القائد في الجزيرة العربية. لذا سأفرغ كلمتي؛ إذا كان الإنسان ليس في موطن النبي ﷺ، أي أنه في موضع المستضعف، فلا تتوقع أن يتخذ نفس القرار في مسائل العقيدة عموماً.
قال: «فما بقي يسألونه سنة سنة، وأبى عليهم حتى سألونه شهراً واحداً بعد قدومهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئاً مسمى، وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم».
وفد ثقيف لماذا أرادوا بقاءها فترة؟ قالوا: لا نريد أن نبدأ بهدمها الآن، ونخرج لنا النساء والذراري، وكيف تُهدم اللات وقد جلسنا عليها عقوداً.
قال: «ويكرهون أن يروعوا قدومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام، فأبى رسول الله ﷺ إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدمها، وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم، فقال رسول الله ﷺ: «أما كسر أوثان بأيديكم فسنعرف منه، وأما الصلاة فإنه لا خير في دين لا صلاة فيه»».
كيف يعني؟ ما تريدون الصلاة؟ لا خير في دين لا صلاة فيه، لابد من الصلاة.
قال: «فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابهم، أمر عليهم عثمان بن أبي العاص، وكان من أحدثهم سناً، وذلك أنه كان أحرسهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن».
لاحظ كيف أن النبي ﷺ تفرس فيهم خلال هذه المدة؛ كم جلسوا أياماً؟ ومع ذلك لاحظ خلال هذه الأيام المحدودة أن عثمان بن أبي العاص كان أكثر واحد فيهم مهتماً بأن يسأل عن أمر دينه، فلذلك أمره عليهم مع أنه لم يسلم إلا أيامهم. هذه تفرس النبي ﷺ، وأي إنسان يريد أن يكون في مشروع أو مؤسسة، لابد أن تكون له فراسة في الناس، ويعرف من الذي يصلح فيهم ومن الذي فيه لبث خير أكثر من غيره.
قال: «فلما فرغوا من أمرهم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين، بعث رسول الله ﷺ معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية، فخرجا مع القوم حتى إذا قدموا الطائفة، أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان، فأبى أبو سفيان ذلك وقال: ادخل أنت على قومك، وأقام أبو سفيان بماله، والمغيرة يقول له: لا، يريد ألا يتورط هو ابتداءً في هدم اللات لئلا ينفض القوم، فقال: يا أبا سفيان، اسبقني أنت، وقال له أبو سفيان: لا، أنت تريد أن تدخل هؤلاء قومك، ولك فيهم نسب، أنت من تبدأ بالدخول عليهم».
قال: «فلما دخل المغيرة بن شعبة عليها، بدأ يضربها بالمعول، وقام قومه دونه بنو معتب خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة، وخرجت نساء ثقيف حسرات يبكين عليها. ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفأس: آه لك، آه لك! فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها، أرسل إلى أبي سفيان، وحليها مجموع ومالها من الذهب والفضة والجزع».
فقد كان أبو مليح بن عروة، وقال ابن الأسود: قدم على رسول الله ﷺ وقارب ابن الأسود، قدم على رسول الله ﷺ.
أسلم وفد ثقيف حين قتل عروة، يريدان فراق ثقيف وأن لا يجمعهم على شيء أبداً. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «توليا يا من شئتما». فقالا: نتولى الله ورسوله.
خرجوا يريدون اعتزال قومهم تماماً ونبذ قومهم بعد أن قتل سابقاً عروة بن مسعود، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «ابحثوا لكم عن ولي تولوه». وكانت العرب طريقة علاقتها التحالفات. فقالوا: نحن ولينا الله ورسوله، خلاص، لا نريد أن نتولى قبيلة من القبائل.
قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وخالك أبا سفيان بن حرب»، فقالا: وخالنا أبا سفيان. فلما أسلم أهل الطائف ووجه أبا سفيان والمغيرة إلى هدم الطاغية، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا مليح بن عروة أن يقضي عن أبيه عروة ديناً كان عليه من مال الطاغية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم». فقال له قارب ابن الأسود: يا رسول الله، فاقضه، وعروة والأسود أخوان لأم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأسود مات مشركاً». فقال قارب: يا رسول الله، لكن تصل مسلماً ذا قرابة، وإنما الدين علي، وإنما أنا الذي أطلب به. قال: يا رسول الله، والدي مات مشركاً بس أنا راح أتحمل الدين، فأنت لما تسد دين الأسود أنت تخفف عن هذا المسلم أنه من متحمل لدين أبيه.
قال: «وإنما الدين علي، وإنما أنا الذي أطلب به». فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان أن يقضي دين عروة والأسود من مال الطاغية فقضى. شوف كيف النبي عليه الصلاة والسلام تفهم وجهة النظر.
النبي عليه الصلاة والسلام طلب منه قارب أن يقضي دين أبيه، فقال له: «أما أبوك يا قارب فقد مات مشركاً»، أي أبوك الأسود، قارب ابن الأسود أبوه مات مشركاً فكيف أقضي دينه؟ فقال: يا رسول الله، فعلياً أنت ستساعدني، أنا والدي مات مشركاً انتهى، لكن الدين أنا الذي سأطلب به، أنا المطلوب مني السداد، فأنت بقضائك له تعين مسلماً. فانظر كيف النبي عليه الصلاة والسلام تقبل هذه الفكرة ورأى أنها فكرة صحيحة؛ لم يصر النبي عليه الصلاة والسلام على الموقف الأول، في الموقف الأول قال: لا لن أقضي بمعنى أن والدك مات مشركاً، لكن لما عرف أن هذا الشاب هو المسؤول عن قضاء دين أبيه، رأى أنه فعلاً من المنطق السوي أن أعينه، لأن هذه مصلحة مسلم.
وكان كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لهم: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي رسول الله، المؤمنين، إن عضاه وج وصيده لا يعضد، من وجد يفعل شيئاً من وج...». هذا وادي في الطائف، اعتمد بعض أهل العلم على هذا الحديث أن وادي وج حرم مثل حرم المدينة ومثله مثل حرم مكة، فلا يقطع شوكه ولا يقطع شجره. إن «عضاه» الوج، والعضا ما هو؟ وشجر البادية عادة يسمى العضا، الشجر البري في البادية يسمى عضاه. قال: «إن عضاه وج وصيده لا يقتل»، وهذا دلالة عند بعض أهل العلم على أنه حرم، لكن جمهور أهل العلم لم يصححوا هذه الرواية.
قال: «فإنه يجلد وتنزع ثيابه، فإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ النبي محمد صلى الله عليه وسلم». وأن هذا أمر النبي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب خالد بن سعيد بأمر رسول الله محمد بن عبد الله، فلا يتعدى أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكتب خالد بن سعيد، وخالد بن سعيد هو الصحابي الذي كان واسطة بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين وفد ثقيف وكان كاتباً، وكتب في نهاية الرسالة أو في نهاية العهد: «بأمر رسول الله محمد بن عبد الله، فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد صلى الله عليه وسلم»، وضعها كختم نهائي للرسالة.
قال: حج أبو بكر بالناس في سنة تسع. قال ابن سعد: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق على الحج، فخرج في ثلاثمائة رجل من المدينة، وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرين بدنة قلدها وأشعرها بيده. هذا ماذا يسمى في الفقه؟ هذا اسمه الهدي؛ أنك ما تروح حج أو عمرة وليس عندك فرصة تروح، لكن تستطيع وأنت في المدينة، وأنت في الأردن، وأنت في أي مكان، تبعث مع الذاهبين للحج أو العمرة هدياً لهم ليصلوا إلى بيت الله الحرام، واذبحوا لي في مكة. هذه عبادة للأسف أغلب الناس اليوم تناسوها أو جهلوا بها، وهي من السنن، اسمها سنة الهدي.
قال عليها ناجية بن جند الأسلمي: «قلدها» أي وضع عليها القلائد، و«أشعرها» يعني ضرب صفحة سنامها الأيمن بالسيف بحيث ينزل دم. ما معنى وضع القلائد على الدواب وضرب سنام الجمل الأيمن أو البقرة الأيمن؟ هذه كانت أموراً عند العرب وأقرها الإسلام. أمور كانت عند العرب في الجاهلية وأقرها الإسلام، وهي تدل على أن هذه البدن لله ذاهبة إلى الكعبة، فلا يتعرض لها قطاع الطريق وإن كانوا صوصاً. كان عند العرب تعظيم لشعائر الله، فكانوا إذا رأوا الهدي المقلد عرفوا أن هذا لله فلا يسرقونه، فهذه أمور كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام لما فيها من المصلحة والحفاظ على هذه البدن وهذه الهدايا لتصل إلى بيت الله سالمة آمنة.
قال: وساق أبو بكر خمس بدنات، فلما كان بالعرج -وابن عابد يقول بضج نان- لقيه علي بن أبي طالب على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء، فقال له أبو بكر: استعملك رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني لأقرأ براءة. استعملك، أي هل أنت مرسل بدلاً مني؟ هل أنت يا علي بن أبي طالب مرسل لتكون زعيماً على الحج بدلاً مني؟ قال: لا، أنت ستبقى يا أبا بكر المسؤول عن هذا الموسم، لكن أنا بعثت لأقرأ سورة براءة: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 1]، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ [التوبة: 2]، ثم فيها أذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر.
﴿إِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 3]. هذه السورة نزلت تطلب أن لا يحج بعد العام مشرك، خلاص ولا يطوف بالبيت عريان. ولذلك لم يحج النبي ﷺ في هذه الحجة. إذا قيل إن الحج على الفور، وأنت تقول يا حنابلة الحج على الفور، فلماذا لم يحج النبي ﷺ في هذه الحجة؟
نعم، كان في مظاهر الشرك، أحسنت، هو أن مظاهر الشرك ما زالت قائمة في مكة، فكان لابد من تطهير مكة من المشركين، من الحجاج المشركين، لتكون حجة الوداع، الحجة العظمى له ﷺ، في مكان طاهر من أي مظهر من مظاهر الشرك. وهذا يدل على قضية معينة إخواني، وهي أن النبي ﷺ متى فتح مكة؟ من ثمانية هجري إلى تسعة هجري، واضح أنه كان يسمح للمشركين بممارسة طقوسهم العبادية في مكة. هم كانوا مشركين كفار وكان حجهم فيه مظاهر شرك، تتخيل أنت في العام التاسع بعث أبو بكر بأن ينادي: لا يحج بعد العام مشرك. إذاً مع أن النبي ﷺ سيطر على مكة سيطرة، ووضع مسؤولاً لها عتاب بن أسيد، وكانت تحت حكمه، لكن عندك سنة كاملة كان يسمح فيها للمشركين بالذهاب إلى مكة وممارسة شعائر الحج والعمرة بالطرق الشركية؛ مشركين يعني أكيد في شرك، في كلام في شرك، يدعو صنم، يدعو شيئاً من أصنامهم.
نستطيع أن نقول، وهذا فقه في السياسة الشرعية، أنه أنا ما كنت متمكناً من مكة تمكناً حقيقياً، ومع ذلك غضضت الطرف لمدة سنة عن هؤلاء الذين سيأتون إلى مكة ويمارسون شعائر لا ترضي الله، لكن بعدما جاء الوقت المناسب، رأى أن المصلحة من إبقاء هذا الأمر انتهت، أنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ الْحَجَّ الْأَكْبَرُ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ۚ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 3].
هذا يمكن يستفاد منه في السياسة الشرعية، أنه مجرد سيطرة الإنسان على موطن معين أو مكان معين من مرحلة معينة، ورأى أن منع أصحاب الديانات الأخرى من ممارسة شعائرهم قد يسبب مفسدة معينة، يمكن أن يدعهم إلى أن يأتي الوقت المناسب لإيقافه. هل أنا مطالب بمجرد أن أسيطر على مكان معين مباشرة أن أنهي كل مظاهر الخطأ والخلل العقدي؟ حقيقة الأمر منوط بالمصلحة.
النبي ﷺ تأنّى بالعرب لأنه يدرك أن القوم ملفاتهم الجاهلية لسه شغالة، وأن مجرد السيطرة على مكة لا يعني أن الناس دخلت في دين الله أفواجاً، هي سيطرة لكن لا يعني أن العرب وقبائل العرب كلها دخلت في هذا الدين. لو منعتهم أن يقتربوا من مكة، ممكن أججت قلوباً، في وقت أنا ما كانت مصلحتي أن أجج قلوباً، لأن مكة بالنسبة له منطقة معظمة. فلو أنه بمجرد فتح مكة قال: الذين يقرب من مكة من المشركين بدنا نقطع رجله، ذا كان الوقت غير مناسب، أنا جديد خارج معركة فتح مكة، وجديد داخل في غزوة حنين، لو صدر فرمان بذاك الأمر، ممنوع حتى يقرب من مكة في ذاك الوقت، لربما تجمعت قبائل من العرب للقتال، وأنا لست صالحاً الآن أن أدخل في صراع مع قبائل عربية من أجل القدوم لمكة.
هم مشركون يريدون عمل حج وعمرة وطقوسهم، أنا الآن أغض الطرف عنهم، أنا الآن حققت مصلحة، حققت مكسباً دعوياً لهذه الدعوة، سيطرت على مكة وغزوة حنين وكان لها فوائدها وثمارها، ليس المطلوب مني أن أحصل جميع المصالح مرة واحدة، بل في تروٍّ. بعد سنة، بعد غزوة تبوك، المشركون ما زالوا يذهبون إلى مكة حجاجاً ومعتمرين ولم يمنعهم من ذلك، إلى أن جاء الوقت المناسب الذي شعر فيه النبي ﷺ، وجاء وحي من الله بالنسبة له أنه انتهت الآن القضية: ﴿لَا يَحُجُّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِكٌ﴾. فبعث أبو بكر الصديق.
أنت متخيل أن أبا بكر الصديق في هذه الحجة، وهناك مشركون يحجون معه، أبو بكر الصديق يطوف بالبيت بالشعائر، وهناك مشركون من العرب يطوفون بالبيت ويمارسون طقوسهم الدينية وأحوالهم ماشية، لكنهم سمعوا النداء: أنه آخر مرة، لو سمحتوا، إذا جئت المرة القادمة يجب أن تكون مسلماً. هذا إخواني فقه في السياسة الشرعية، وفهم هدي النبي ﷺ في التمكين للإسلام، وكيف نطبق هذا في واقعنا المعاصر ضمن معادلات صعبة.
ضمن أناس لا يفهمون إلا أنه إما أن تطبق شريعة كاملة بكل تفاصيلها وبكل شيء، أو أني لا أفكر أصلاً أن أتحرك للإسلام، وهذا الذي أعتقد أنه سبب من أسباب العجز؛ أنك أصلاً متصور أنه إذا أردت أن أتحرك للإسلام فكل شيء يجب أن يُطبق مرة واحدة، وأنت عارف أنه لن تطبق كل شيء مرة واحدة، فيحدث عندك عجز: أنا لا أريد أن أشتغل، لا أريد أن أتقرب، لا أريد أن أعمل للإسلام، لماذا؟ لأنني مطالب أن أعمل كل شيء مرة واحدة، وأعرف أن هذا في قاسم وظهري وسيف اجتمع عليّ بالكامل الغرب والعجم والعرب والمنافقون.
فهذا الشعور مهم جداً أن نفهمه، لأنه أصلاً دافع للعمل للإسلام؛ فهمك أن الإسلام يعطيك مساحة من المناورة، ومساحة من السياسة الشرعية، ومساحة من الصبر على الناس، ولا يطالب منك الدخول في مغامرات غير محسوبة. هذا جزء مما يعطي الإنسان دافعية للعمل، فبدون هذا التصور ستشعر بالعجز، أنك غير قادر على تقديم الإسلام بالنموذج الكامل الصافي الذي يريده بعض المشايخ -الله يجزاهم الخير- لأن الواقع يفرض عليك معادلات مختلفة. فهم هذه المناورة مهم جداً ضمن معادلات الواقع، وإلا سنبقى كمسلمين للأسف في نفس النقطة، لن نتحرك.
وكما قال ابن عساكر: «إن المشركين كانوا يحجون مع المسلمين، ويعضهم المشركون بأعلى أصواتهم ليغلو بذلك: لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه ما ملك». شوف حتى أثناء الحج، المسلمون يحجون والمشركون يحجون، وهذا ما نسميه اليوم "الثورة المضادة"، أو "الدولة العميقة"؛ هي فعلاً الدولة العميقة عند المشركين، الدولة العميقة التي تكون مقهورة من وجود الإسلاميين في الحكم. فهم أثناء حج المسلمين معهم، كانوا يعاملون بمضايقة، يضايقون المسلمين ويرفعون...
يرفعون أصواتهم بالشرك، هذا ما كان يحدث في قراءة السيرة؛ تخيل أنه لم يأتِ ناس يعلقون على هؤلاء المسلمين قائلين: «الله أكبر! كيف تخلون هؤلاء المشركين يطوفون معكم؟ أين تحقيق التوحيد؟ خلصوا عليهم!». اليوم يتكرر هذا الأمر؛ تجد إذا صبر المسلمون على بعض المشركين في مظاهر شركهم بحجة وجود مصلحة تقتضي الصبر، يهاجمونهم. الحياة معادلاتها ليست سهلة، وليست لأننا سيطرنا على مكة المكرمة يعني أننا سيطرنا على كل العالم.
لقد كانت سيطرة النبي ﷺ على مكة سيطرة حقيقية بإرادة تامة وبدون أي تحالفات دولية أو إملاءات معينة، ومع ذلك صبر النبي ﷺ على المشركين الذين كانوا يحجون مع المسلمين، بل وكانوا يتعمدون استفزاز المسلمين. فما بالكم بالعلمانيين اليوم عندما يكون هناك إسلاميون في الحكم، ويتعمدون استفزاز المسلمين وإظهار مظاهر معينة، ويكونون مأجورين ومدفوعين!
المطلوب منك يا مسلم أن تصبر، وليس مطلوبًا منك أن تقتل أي إنسان يقوم بتصرف استفزازي ضد الإسلام، أو تدمره حتى تحقق التوحيد. بالعكس، نحن بعثنا الله سبحانه وتعالى لإهداء الناس، وهذا مفهوم عميق في الإسلام. هذا المشرك قد يستفزك بتصرف ما، والمطلوب منك هو الصبر. أعتقد أن هذه من الآفات التي تدخل على الشباب لعدم فهمهم للدين؛ فهم يظنون أن المطلوب هو القتل، بينما يمكن لهذا المشرك أن يصبح مسلمًا بالتأني عليه.
إن من إقامة التوحيد إدخال الناس في هذا الدين، والصبر على الطغاة والمستبدين، أو الصبر على بعض السفهاء واليهود والنصارى من أجل إلحاقهم بالمربع الصحيح، فمقصدي أن يصبحوا مسلمين، وليس فقط إقامة دولة للإسلام أغلب من فيها منافقون وكفار. هدفي هو إصلاح أحوال الناس وأديانهم وإدخالهم في هذا الدين، وأن أكون رحمة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. ومن هذه الرحمة أن يصبر الإنسان ويتحمل.
قد يقول قائل: يا شيخ، يمكن أن أتأذى! أخي، استشهد في سبيل الله، ولكن ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 120]. الأمر يحتاج إلى صبر، وتقوى الله عز وجل، وهدوء واتزان في إصدار الأحكام والتعامل مع الواقع.
لقد ذكر الله تعالى طائفة من المشركين يطوفون بالبيت عراة: ﴿وَيَطُوفُ رِجَالٌ مِّنْهُمْ عُرَاةً لَّيْسَ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُم ثَوْبٌ﴾ [الحج: 28]، يعظمون بذلك الحرمة، ويقول أحدهم: «أطوف بالبيت كما ولدتني أمي، ليس علي شيء من الدنيا خالطه الظل». فكرة رسول الله ﷺ أن يحج الرجل بذلك، أي أن ثيابه التي كان فيها في بيته خالطها الظلم والمعاصي، فأراد أن يحج بنقاء.
أمر الله ببراءة، وفي الخبر أنه لما كان يوم النحر، يوم الحج الأكبر، أذن ببراءة من عهد كل مشرك، فلم يسلم إلا يدخل المسجد الحرام بعد ذلك العام. وبين لهم مدة الله التي ضربها على لسان نبيه: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَسِيحُونَ فِيهَا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: 2]. لقد أعطاهم الله أربعة أشهر لإصلاح أوضاعهم؛ لتسوية أوضاعهم النفسية والفكرية وترتيب أمورهم، فإما أن يسلموا أو يرحلوا، وإذا انسلخ الأشرم الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتم.
كانت هذه الأربعة أشهر بمثابة هدنة عامة لإصلاح الأوضاع، وليست صلحًا أو معاهدة دائمة، لأن الهدف هو إقامة الإسلام في جزيرة العرب كاملة. لكنهم قالوا: «بل الآن لا نبتغي تلك المدة، نبرا منك ومن ابن عمك إلا من الضرب والطعن». فانظر إلى هؤلاء المجرمين؛ ما زالوا في مكة وهم في قمة الإجرام وأبو بكر الصديق يحج في مكة!
هذا الواقع يرسم لك صورة أنه حتى وأنت متمكن من مكة وصاحب الحكم، قد يخرج لك مشرك يقول: «لسنا سالمين في عهد الأربعة أشهر، ولا بيننا وبينكم إلا الحرب». لو كان هناك شاب عنفواني لقال: «اقتلوه»، لكن في النهاية يجب أن تعرف أن هناك من المشركين والعلمانيين والليبراليين والمنافقين من هو متجذر في شركه. لذا، ليس مطلوبًا مني أن تكون تحركاتي وليدة استفزاز، أنا لست مجرد ردة فعل، أنا كمسلم أحمل مشروعًا وأمشي وفق أحكام الله، فاصبر ولو سمعت ما يغضبك، حتى في عقر دار الإسلام.
في مكة الآن، المشركون ماذا قالوا لما قال لهم أبو بكر، ونادى علي بن أبي طالب أنه في إصلاح أوضاع أربعة أشهر؟ قالوا: من الآن ما بدنا هذه المدة، خلص، مش بعد الأربع أشهر إعلان حرب، أنتم تقولون نحن من الآن مستعدون للحرب، ما بيننا وبينكم إلا الطعن، من الآن بدنا أربعة أشهر، خلينا من الآن نبدأ معركة.
ومع ذلك، أبو بكر لم يكن خاضعاً للاستفزاز، وعلي بن أبي طالب لم يكن خاضعاً للاستفزاز؛ لأنه ليس هذا وقت المواجهة، سنبقى على مدة الأربع أشهر حتى لو استفزوا. قال: فحج الناس عهدهم ذلك، فلما رجعوا لعب الله المشركين فدخلوا في الإسلام.
طبعاً والنتائج تأتي، إخوان، قال ماشي هم عادوا إلى بيوتهم، لكن هنا في جند لله اسمه جند الرعب، في جند لله اسمه الوساوس والخطرات التي يفكرون فيها. العالماني هو لما قدام الكاميرا يطلع يعمل حالة "أبضاي" وكذا، وبوش، في النهاية في البيت وهو خائف ويرتجف، لا تظن أنه هكذا دوماً. هناك جند لله اسمه جند الرعب، وهناك قوة الله الحاضرة، لكن هذا متى يأتيك؟ إذا انضبطت بأحكام الشريعة، وبأمر الله، لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يعطي مساحة للناس حتى يسلموا.
أنت باستعجالك في قتل الناس ترى أنت تخالف مراد الله، فلذلك الله لا يوفقك، هذا بدك تفهمه. الله سبحانه وتعالى يريد أن يمهلهم، وإن الله عز وجل الصبور، أليس كذلك؟ وهو الحليم، فهو سبحانه يريد أن يعطي الناس، حتى الكافرين والمشركين، مساحة حتى يتوبوا. ولذلك عاتب نبيه ﷺ لما لعن أناساً معينين من المشركين، وقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: 128]. موضوع هؤلاء إن يموتوا على الكفر هذا ليس من اختصاصك، وإنما هذا من أمر الله، فحتى لو قاتلوك أو واجهوه يمكن أن يؤذن لهم بالإسلام بعد ذلك.
وفعلاً هؤلاء الذين لعنهم بأعيانهم أسلموا بعد ذلك وأصبحوا من خيار الصحابة، كأبي سفيان بن حرب أسلم. الفكرة أنك لما تتجاوز الأحكام الشرعية وأنت تظن أنك تنصر التوحيد، أنت تخالف التوحيد وتخالف مراد الله سبحانه وتعالى في الصبر على الناس وضمن المساحة التي يريدها الله سبحانه وتعالى أن تكون. فلاحظ هؤلاء العرب الذين كانوا في مكة وكانوا مشركين وكانوا يقولون لأبي بكر: نحن الآن مستعدون للمواجهة، أكثرهم أسلم بعد ذلك ودخل في الدين، وصاروا، فخلصنا بأقل الخسائر وبأقل الدماء، واستفاد هؤلاء أنهم أسلموا. هذا كله يحتاج إلى نفسية سوية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة حكم الله في الأرض.
قال: وكان العهد بين رسول الله ﷺ وبين المشركين عاماً وخاصاً. فالعام أن لا يصد أحد عن البيت، ولا يخاف أحد في الأشهر الحرم، فانتقد ذلك سورة براءة. والخاص بين رسول الله ﷺ وبين قبائل العرب إلى آجال مسمّاة، ولذلك قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 4]. ذكر مع هؤلاء قبيلتان معينتان أمر النبي ﷺ بإتمام العهد إليهما، وقيل إن عهدهم كان أكثر من أربعة أشهر ووفوا بهذا العهد.
ذكر ابن إسحاق في تفسيرها في سنة تسع، قدمت وفود العرب على رسول الله ﷺ، وفيها قدم وفد بني تميم الذي تقدم ذكره، وفيها قدم وفد بني عامر، فيهم عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر، وجبار بن سلمى بن مالك بن جعفر. قال ابن إسحاق: وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم.
فقدم عامر بن الطفيل عدو الله على رسول الله ﷺ وهو يريد الغدر به، وقد قال له قومه: يا عامر إن الناس قد أسلم فأسلم، قال: والله لقد كنت أقسم لا أنتهي حتى أتبع العرب عقبي، فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش. ثم إذا لاحظ الحسد وحب الشهرة والزعامة جعله يريد أن يقتل النبي ﷺ حتى يكون هو زعيم العرب. ثم قال لأربد: إذا قدمنا على الرجل فإني شاغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فافعله، فعله بالسيف.
فلما قدم عامر بن الطفيل حكى لأربد: «هم شياطين هذول»، قالوا: «أنا سأشغل محمداً ﷺ، أنت إذا شفتني أشغلت مباشرة اطلع عليه بالسيف»، فعلوه بالسيف. فلما قدموا على رسول الله ﷺ، قال عامر بن الطفيل: «يا محمد»، قال: «لا والله حتى تؤمن بالله وحده»، قال: «يا محمد»، وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به، فجعل أربد لا يحرك شيئاً.
عامر يريد أن يخلو معه ليتم المؤامرة، والنبي ﷺ من البداية قال له لا والله، إنه يعرف أن هذا رجل غدار. وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به، فجعل أربد لا يحرك شيئاً. فلما رأى عامر ما يصنع أربد، قال: «يا محمد، خالني»، قال: «لا حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له». فلما أبى عليه رسول الله ﷺ، قال: «أما والله لأنها عليك خيلاً ورجالاً».
فلما ولى، قال رسول الله ﷺ: «اللهم اكفني عامر بن الطفيل». فلما خرجوا من عند رسول الله ﷺ قال عامر لأربد: «ويلك يا أربد! أينما كنت أمرتك به، والله ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف عندي على نفسي منك، والله لا أخافك بعد اليوم أبداً». فماذا يقول عامر بن الطفيل لأربد؟ "وينك يا أربد؟ أنا فعلت وحاورت وحاولت وكنت أنتظر منك أن تعلوه بالسيف، والله يا أربد إنني كنت أخافك وأعتقد أنك رجل شديد ورجل جريء، بعد موقفك هذا عرفت أنك لا تستحق أن أخاف منك". عامر كان يخاف من أربد وكان يراه إنساناً جباراً، فلما رآه أربد لا يستطيع أن يرفع السيف على النبي ﷺ قال: "أما بعد هذا اليوم لا أخافك أبداً"، طلع رجل ضعيف هش. قال: «لا، لا تعجل علي، والله ما هممت بالذي أمرتني به من أمره إلا دخلت بيني وبين...»
«لا أرى غيرك»، فإنه كلما أراد وهمّ أن يعلو على محمد صلى الله عليه وسلم بالسيف لا يرى إلا أنت، ربنا أعمى بصره عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ قال: «لا أرى إلا أنت، حابب أضربك أنت بالسيف». وهذه من معجزات النبي عليه الصلاة والسلام أن الله أعمى بصر أربد عن النبي عليه الصلاة والسلام، فكان لا يرى إلا عامرًا.
وخرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله على عامر بن طفيل الطاعون في عنقه، فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول. انظروا يا إخواني، هذه فكرة مهمة؛ أن نصر الله سبحانه وتعالى يأتي بأهون الأسباب. عامر بن طفيل أحد الذين كانوا ينافسون النبي صلى الله عليه وسلم على زعامة العرب، فبقي مشركًا محاربًا سفاكًا ومجرمًا كبيرًا، فانتهى أمره بأهون الأسباب، طاعون يسير ومات في الطريق وانتهى أمره.
بالتالي لا يظن الناس أن هؤلاء المستبدين والظالمين الانتهاء منهم صعب، بأهون الأسباب ينتهون. السرطان إذا دب بجسدك تتخلص منه، لكن هي فترة امتحان وابتلاء لنا. عامر بن طفيل فعلاً ملأ جزيرة العرب رعبًا، وكان من القيادات الكبرى لبني عامر، ولذا قاد شياطين، كم عاش مستبدًا ظالمًا؟ كم عاش يمكر ويخادع ضد الإسلام والمسلمين؟ وجاءت موتته بأسهل الأسباب؛ طاعون وانتهى، وربنا أراح الإسلام والمسلمين منه.
قال: فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يقول: «يا بني عامر، أغدُ كغدة البكر في بيت امرأة من بني سلول». ثم خرج أصحابه حين واروه التراب حتى قدموا أرض بني عامر، فلما قدموا أتاهم قومهم فقالوا: «ما وراءك يا أربد؟» قال: «لا شيء، لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله».
فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه، فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما. هو يستهزئ بالله، هذا أربد تترف كم هو فاجر! قال: «والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أن هذا الشيء عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله»، يريد أن يقتل الإله، والعياذ بالله، هو يشتم الله بأنه يريد أن يقتل الله. فأهلك الله عز وجل جبروته بصاعقة هو وجمله، أنت تتطاول على الله وتطغى على الله سبحانه، من أنت أيها الإنسان؟ نطفة من ماء مهين تستعلي على رب العالمين؟
قال: قدوم ضمام بن ثعلبة. قرأت بإسناده عن أبي هريرة قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه متكئ -أو قال جالسًا- جاءهم رجل من أهل البادية، فقال: «أيكم ابن عبد المطلب؟» قالوا: هذا الأمير المرتفق. قال: «حمزة؟» قال: «الأبيض المشرب بحمرة، والمرتفق؟» النبي عليه الصلاة والسلام أزهر اللون، أبيض مشرب بالحمرة، والمرتفق الذي يعني متكئ هكذا.
فدنا منه وقال: «إني سائلك، فمشت عليك في المسألة». فقال: «سل»، ما بدلك؟ قال: «أنشدك برب من قبلك ورب من بعدك، أالله أرسلك؟» قال: «اللهم نعم». قال: «أنشدك بالله، أالله أمرك أن تصلي خمس صلوات في كل يوم وليلة؟» قال: «اللهم نعم». قال: «وأنشدك بالله، أالله أمرك أن تأخذ من أموال أغنيائهم؟» قال: «اللهم نعم». قال: «وأنشدك بالله، أالله أمرك أن تصوم هذا الشهر من اثني عشر شهرًا؟» قال: «اللهم نعم». قال: «وأنشدك بالله، أالله أمرك أن يحج هذا البيت من استطاع إليه سبيله؟» قال: «اللهم نعم». قال: «فإني قد آمنت وصدقت، وأنا ضمام بن ثعلبة، وأما هذه الهنات فوالله إن كنا لنتنزه عنها في الجاهلية». قال حمزة: سمعت أبي يقول: الهنات الفواحش.
فلما أوى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فقه الرجل فقهًا». ولماذا فقه الرجل؟ بناءً على حديث آخر أكيد تعرفه: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام». إذاً فقه هذا الرجل من الجاهلية، وهو جاهلي كان يتنزه عن الفواحش، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون من معادن الناس، أنه أصلاً في الجاهلية عمومًا كان نفسًا سوية؛ ربما يشرب خمرًا أو يقع في الزنا، لكنه لا يفعل الفواحش السيئة قليلة الأدب. فهذا الرجل أصلاً جيد كنفس حتى في الجاهلية، والحديث يقول: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام»، إذاً فقهه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم تفرس في هذا الرجل خيرًا، أي سيكون منه خير، هو أصلاً في الجاهلية عنده عقل يزن به التصرفات.
قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «ما رأيت أحدًا أحسن مسألة ولا أوجز من ضمام بن ثعلبة». وذكر ابن إسحاق هذا الخبر وقال فيه إن ضمامًا قال لقومه عندما رجع إليهم: «إن الله قد بعث رسولًا وأنزل عليه كتابًا، استنقذك به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، لقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه». قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمة. يقول عبد الله بن عباس: «فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة».
ذكره عن محمد بن الوليد بن نويف عن كعب عن ابن عباس قال: قدوم الجارود بن بشر بن المعلى في وفد عبد قيس، وكان نصرانيًا عام التاسع. بالتالي هنا سيذكر ابن إسحاق العديد من الوفود التي بدأت تدخل في دين الله أفواجًا، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: 1-2]. فمن هذه الوفود، كما مر معنا وفد بني عامر وكانوا مجموعة من المجرمين، ووفد ضمام بن ثعلبة وكان رجلًا فاضلًا فقيه النفس، ووفد الجارود.
قال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن الحسن قال: لما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلموه، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ودعا إليه ورغبه فيه، فقال: «يا محمد، إني قد كنت على دين، وإني تارك ديني لدينك، أف تضمن لي ديني؟» فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه». يعني يضمن له أن دينه سيكون أحسن من دينه، وأنه لن يتورط حين يدخل في دينه.
فقال: «نعم، أضمن لك كذلك»، نعم، قال: «فأسلم»، وأسلم أصحابه. ثم سأل رسول الله ﷺ الحملان، فقال: «والله ما عندي ما أحملكم عليه»، أراد ظهراً، كان الظهر فقيراً، أراد خيلاً أو إبلاً يركب عليها مع قومه.
فقال: «والله ما عندي ما أحملكم عليه»، قال: يا رسول الله، فإن بيننا وبين بلادنا ضوالاً من الإبل، أفنتبلغ عليها إلى بلادنا؟ قال: «لا، إياك وإياها، فإنما تلك حرق النار».
ضوال من ضوال الناس، يعني يا رسول الله أنت ما مش قادر تحملنا في إبل ضائعة بنلاقيها في طرقات الصحراء، المراد الضالة هنا الإبل التي ضلت عن صاحبها. وتعرفون لما زيد بن خالد سأل النبي ﷺ عن ضالة الإبل، فقال: «ما لك ولهـا؟ معها حذاؤها وسقاها، تلد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها».
فالحيوانات الكبيرة التي تستطيع أن تنفع بنفسها وقادرة أن تقوم بنفسها، إذا وجدتها -وأنت عارف طبعاً أنه هو الشخص بس ضائع- ليس لك أن تأخذها لقطة، لك هذه في الشريعة تبقى حتى يجدها صاحبها. مثلاً، لو لقيت أنت سيارة برضه في الطريق، والله يا صاحبها شكله ضائع، هل تأخذها لقطة؟ لا يا أخي الله يرضى عليك، السيارة تتركها مكانها، ممكن تبلغ عنها، لكن هذه معها حذاؤها وسقاها، يأتي صاحبها فيجدها، أو إذا وجدت طريقة لإبلاغ عنها. أما تقول لقطة، بعرفها سنة بعدين آخذ السيارة، مش يضبط، صح؟ فمش كل شيء ضائع يقبل أن يصبح لقطة.
فهنا الجارود قال: يا رسول الله، إن وجدنا في صحراء العرب ضوال إبل ضائعة، نأخذها ونركب عليها وخلص؟ قال: «لا». فخرج من عنده الجارود وراجع إلى قومه، وكان حسن الإسلام، صليباً على دينه. الذي يظهر لي «فإنما تلك حرق النار» يعني كأنك إذا أخذتها تحترق بسببها في النار، أنت تعتبر سارقاً.
وقد أدرك الردة، فلما رجع قومه، كان من أسلم منهم إلى دينه الأول مع المغرور بن المنذر بن النعمان بن المنذر، وكان حسن الإسلام صليباً على دينه. عجبتني هذه العبارة: «صليباً»، يعني كان قوياً في إيمانه مع أنه أسلم متأخراً، بس قوي، مش لأنه كثير من أسلم في السنة التاسعة ارتد مباشرة بعد وفاة النبي ﷺ، فهذا يعني من المآثر الحسنة للجارود أنه كان إيمانه قوياً، ما كان إيمان مؤلفة قلوب.
قال: صليباً، هو أصلاً كان مسيحياً، قال: صار صليباً على دينه بعد أن كان صليبياً. وقد أدرك الردة، فلما رجع قومه، كان من أسلم منهم إلى دينه الأول مع المغرور بن المنذر، قام الجارود فتشهد شهادة الحق ودعا إلى الإسلام، فقال: «أيها الناس، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأكفر من لم يشهد».
وقد روينا خبر قدومهم من حديث سليمان بن علي، عن علي بن عبد الله، عن عبد الله بن عباس، وفيه إنشاد النبي ﷺ حين قدم عليه في قومه: يا نبي الهدى أتتك رجالٌ ... قطعت فدُدٍ وأفلا وطبّت نحوك الصّحا صِح طراً لا تخالوا ... الكلال فيك كلالةً قد دهمت كل دهناء يقصر الطرف عنها ... أرقلت قلاصٌ هنا أرقَلَت وطوتها الجياد تجمح فيها ... بكماتٌ كأن من تتلالا تبتغي دفع بؤس يومٍ عبوسٍ ... أوجل القلب ذكره ثم هاله
قال: قدوم بني حنيفة ومعهم مسيلمة الكذاب، بنو حنيفة هم قوم مسيلمة الكذاب، وقدم معهم مسيلمة الكذاب قبل أن يعلن بعد ذلك ردته وادعاءه النبوة.
قال ابن إسحاق: وكان منزله في دار بنت الحارث، امرأة من الأنصار، ثم من بني الجار. فحدثني بعض علمائنا من أهل المدينة أن حنيفة أتت به رسول الله ﷺ تستره بالثياب. طبعاً هنا بدك تفهم أن هذه القبائل لما كانت تنزل المدينة، أنت في النهاية بدك مثلاً زي الفنادق، وأنت الآن يأتيك وفد فكانت تستضيفهم، فكانت هناك بيوت معينة الظاهر أنها كانت تصلح للاستضافات، تكون بيوت واسعة وفيها مضافات، فمثلاً هؤلاء لما نزلوا، نزلوا في دار بنت الحارث امرأة من الأنصار، أكيد أنا لا أعرف هذه الدار ولا أحد سيعرفها بالتفصيل، لكن واضح أنها دار واسعة فيها مضافات، فيها كذا، يصلح أن الوفود تنزل فيها.
قال: فحدثني بعض علمائنا من أهل المدينة أن حنيفة أتت به رسول الله ﷺ بالثياب، ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه معه عسيب من سعف النخل في رأسه خوصة، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ وهم ستروه بالثياب، وسأله. فقال له رسول الله ﷺ: «لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتك».
قال ابن إسحاق: وقد حدثني شيخ من بني حنيفة من أهل إمامة أن حديثه كان على غير هذا، زعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله ﷺ وخلفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه. فقال: طيب، وإن حنيفة أتت به، أتت به بمن؟ مسيلمة؟ وستروه بالثياب، يعني كأنهم لم يكشفوا وجهه للنبي ﷺ، وكان مع النبي ﷺ غصن من أغصان النخل، فلما انتهى إلى النبي ﷺ وهم يسترونه بالثياب وسأله.
سأله، والبعض قال إنه سأله أن يصبح نبياً بعده. ما معنى كلمة وسأله؟ ماذا سأله؟ قال: يا محمد ﷺ، نحن نسلم بس أن تعطيني أن أكون نبياً بعدك، أو أن نقتسم العرب بيني وبينك، أنت تملك نصفها وأنا أملك نصفها. فالنبي ﷺ قال له: «لو سألتني هذا العسيب من النخل ما أعطيتك»، واضح أنه هذا الرجل جاء يساوم، ما هو جاء يسلم.
قال ابن إسحاق: وقد حدثني شيخ بني حنيفة من أهل إمامة أن حديثه كان على غير هذا، زعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله ﷺ وخلفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد خلفنا صاحباً لنا في رحالنا وفي ركابنا يحفظها لنا. قال: فأمر له رسول الله ﷺ مثل ما أمر به للقوم، وقال: «أما إنه ليس مثل ما أمر به للقوم». يعني من ضيافة أو هدايا أو ما شابه ذلك، مع أنه لم يحضر معهم، لكن أمر له بمثل ما أمر به، عاد النبي ﷺ كان يعطي الوفود هدايا وجوائز وكذا.
وطعام وشراب بغض النظر. قالوا: «إنه ليس بشركم مكانه»، أي لحفظه ضيعه أصحابه. ذلك الذي يريد رسول الله ﷺ.
إن النبي عليه الصلاة والسلام قال كلامًا عامًا؛ أنه ليس بشركم، هو جزاه الله خيرًا عم يحفظ لكم أغراضكم وأمتعتكم، صحيح. هو لم يأتِ معكم، وهي أيضًا من السياسة؛ الكلام أن النبي ﷺ استشرف فيهم أن هذا الرجل مقدم عندهم، يعني ليس إنسانًا سهلًا، فأراد النبي ﷺ باللغة السياسية الدبلوماسية أن نقول لهم: هو رجل جيد، يعني هو عم بيحفظ لكم متاعكم وإن لم يحضر معكم هذا المجلس.
ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ وجاؤوا بما أعطاه، فلما انتهوا إلى الإمامة ارتد عدو الله وتنبا وتكذب لهم، ادعى أنه نبي. قال: «إني قد أشركت في الأمر معه»، وقال: «لو فُتِئ الذين كانوا معه»، قال: «إني قد أشركت»، يعني ربنا بعثني نبيًا بالشراكة مع محمد ﷺ، هذا رجل مغفل.
وقال: «لو فُتِئ الذين كانوا معه، ألم يقل لكم حين ذكرتموني له إنه ليس بشركم مكانه؟»، ما ذاك إلا لما كان يعلم أني قد أشركت معه. ثم شوف كيف وظف هذه العبارة بطريقة أخرى، والنبي عليه الصلاة والسلام قصده أنه إنسان جيد يحفظ لكم متاعكم، هم أكيد لما رجعوا له قالوا: إن محمدًا عليه الصلاة والسلام قال عنك إنه أنت لست بشركم مكانه، فاستغلها، قال: إذًا خليني أعمل فيها فيلم أن هو يقصد أنه أنا نبي معه، وأن الشهادة كان قصد النبي ﷺ.
ثم جعل يسجع لهم ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن، سبحان الله! وهذا يدل على أنه ما من صاحب بدعة إلا وله شبهة؛ يعني حتى هذا الرجل الذي يدعي النبوة وجد شبهة، يعني نصًا من كلام النبي ﷺ يمكن يلوي عنقه لصالحه. صاحب الهوى سيجد شبهة في نصوص الكتاب والسنة يلوي عنقها لصالحه.
يقول لهم فيما يقول مضاهاه للقرآن: «لقد أنعم الله على الحبلة، أخرج منها نسمة تسع بين صفاق وحشا»، وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله ﷺ أنه نبي، فاصبغ حنيفة على ذلك، فالله أعلم أي ذلك كان.
كان مسلمًا، صاحب نيروجات، يقال إنه أول من أدخل البيضة في القارورة، وأول من يخرجها، مثل ألعاب الخفة، سموها نيروجات؛ يعني كان بقدر فهلوي، كيف يعمل لك واحدة، يطلع حمامة، وبيعمل لك شيء، يدخل ويطلع، فكان يستطيع يلعب ألعابًا بيده وتصرفات، فكان يضحك بها على من؟ على المغفلين من قومه. هي شايف معجزة؟ دخلت البيضة جوا؟ هي بتكون ألعاب خفة، بس هو كان ذكي في توظيفها.
قال: «وأول من وصل جناح الطائر المقصوص»، وكان يدعي أن ضبية تأتيه من الجبل فيحلب لبنها، قتله زيد بن الخطاب يوم اليمامة، تم قتله يوم اليمامة في موقع الردة.
وقال رجل من بني حنيفة يرثيه: لهفي عليك أبا تمامة .. لهفي على ركن شمامة كم آية لك فيهم .. كالشمس تطلع من غمامة
قال حكاه السهيلي وقال: كذب، بل كانت آياته منكوسة؛ تفل في بئر قوم سألوه ذلك تبركًا فملح ماؤها، ومسح بدل ما تصبح عذبة صارت مالحة. ومسح رأس صبي قد سقط في فقر فقرع قرعًا فاحشة، ودع مسح رأس الصبي صار الصبي أقرع! بدل ما تخرج الآيات تأتي منكوسة، يعني بعكس مرادها؛ بدل ما تكون بركة على أصحابها تكون وخامة.
ودع لرجل في ابنين له بالبركة، فرجع إلى منزله فوجد أحدهما قد سقط في البئر والآخر قد أكله الذئب، ومسح على عين رجل استشفى بمسحه فأبيضت عيناه.
قال: قدوم زيد الخيل، وجه جيشهم. يعني تمام، فما قاله هذا الشاعر «كم آية لك فيهم كالشمس تطلع من غمامة» هذا كذب. شو هي الآيات تبعت مسيلمة الكذاب كالشمس تطلع من بين الغمام؟ كلها أمور مخالفة للمقصود.
قال: قدوم زيد الخيل، ابن مهلهل الطائي في وفد طيء. هذا اسمه زيد الخيل، ويسمى زيد الخير أيضًا، يلقب بزيد الخيل، وهو من أفاضل من أسلم متأخرًا، وهو من قبيلة طيء، قبيلة حاتم الطائي. قبيلة طيء كانوا نصارى أغلبهم.
قال ابن إسحاق: «وقدم على رسول الله ﷺ وفد طيء فيهم زيد الخيل، هو سيدهم، فلما انتهوا إليه كلهم وعرض عليهم الإسلام فأسلموا فحسن إسلامهم». وقال عليه الصلاة والسلام: «ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما قيل فيه».
الرجل كان كريم الأخلاق، كريم المناقب، يعني النبي عليه الصلاة والسلام يقول لم يصفوا لي رجل من العرب بسؤدده وكرمه، ثم لقيته. في العادة يوجد مبالغة، وهذا عادة الناس؛ يعني إذا وصفت شيخًا أو سيدًا، تقول والله ما شاء الله حافظ الكتب السبعة وكذا، لما تلقاه تجد في مبالغة، وهذا كثير ما نصادفه. لكن قال إلا هذا؛ فالعادة أن الناس تحب أن تبالغ في وصف من تحبه، شيخًا أو زعيمًا أو أميرًا، فلذلك إذا أنت لقيته في الواقع تجده دون ما وصفوه، قال إلا زيد الخير؛ فلما لقيته وجدته أنبل مما يوصف.
ثم سماه زيد الخير، وقطع له فدًا وأراضٍ معه وكتب له بذلك. فخرج من عند رسول الله ﷺ راجعًا إلى قومه. فقال رسول الله ﷺ: «إن ينج زيد». وطبعًا قطع له فدًا، وفد اسم منطقة، هذا يسمونه الاقتطاع، يعرفوا الاقتطاع في النظام الملكي أو الحكومي؛ أنك تعطيه أرضًا مقتطعة له ولقومه، بس أنا مش ملك لأحد، يعني ليس أنه تم الاستيلاء عليها وأعطاها لزيد الخير، لا، أرض من أراضي الجبال كانت قريبة من جبال طيء النبي ﷺ أقطعها إياها ليستفيد منها وكتب له بذلك.
فخرج من عند رسول الله ﷺ راجعًا إلى قومه، فقال رسول الله ﷺ: «إن ينج زيد من حمى المدينة، فإنه قد قال أنج»، والأن النافية، يعني الرجل سيموت في الطريق، لن ينجو من حمى المدينة، واضح أنه أصيب.
بـوعكة صحية بمجرد قدومه المدينة في هذا، وبالتالي سبحان الله لم تطل حياته بعد إسلامه؛ قال فإنه قد سماها رسول الله ﷺ باسم غير الحمى وغير أم ملدم فلم يثبته، فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء من مياهه يقال له "فردة" أصابته الحمى بها فمات.
فلما أحس زيد من الموت قال: «أم مرتحل قوم المشارق غدوة، وأترك في بيت بفردة منجدي، ألا رب يوم لو مرضت لعادني عوائد من لم يبر منهن يجهد». فلما مات عمدت امرأته إلى مكان من كتبه التي قطع له رسول الله ﷺ فحرقت بالنار. وقال أبو عمر وقيل بل مات في آخر خلافة عمر، وكان قد أسر عامر بن الطفيل قبل إسلامه وجز ناصيته، وله ابنان مكنف وبه كان يكن، وحريثاً أسلم وصاحب النبي ﷺ وشهد قتال أهل الردة مع خالد.
أنا مستغرب من تصرف امرأته، فلما مات عمدت امرأته إلى ما كان من كتبه، أي الأراضي التي اقتطعها النبي ﷺ له فحرقت بالنار، لماذا فعلت امرأته ذلك؟ الله أعلم.
قال: قدوم عدي بن حاتم الطائي، قال ابن إسحاق وكان يقول فيما بلغني: ما رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله ﷺ حين سمع به مني، أما أنا فكنت امرأه شريفة، وكنت نصرانية، وكنت أسير في قومي بالمربع، فكنت في نفسي على دين وكنت ملكاً في قومي، لما كان يصنع به؟ فلما سمعت برسول الله ﷺ كرهته.
فقلت لغلام كان لي، عربياً وكان راعياً لإبلي: «أعدد لي من إبلي إجمالاً ذللاً سمالاً»، فحبسها قريباً مني، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فأذن لي، يريد أن يهرب إذا سمع أن جيش محمد ﷺ سيغزو قبيلة طيء، أخبرني حتى أهرب. فجهز حاله للهروب.
ثم إنه أتاني ذات غداة فقال: «يا عدي، ما كنت صانعاً إذا غشك محمد؟ فاصنعه الآن، فإني قد رأيت رايات»، فسأل عنها فقال: «وهذه جوش محمد»، فجاءه قال: «يا عدي، ترى إذا كنت ناهٍ تهرب، اهرب من الآن فإني رأيت الرايات». فقال: «قرب لي إجمالي»، فقربها فاحتمل بأهله وولده، ثم قلت: الحق بأهل دين من النصارى بالشام، وخلفت ابنة حاتم في الحاضر.
فلما هرب إلى الشام، أقمت بها، وخالفني خيل رسول الله ﷺ فتصيب ابنة حاتم، أي بعد أن ذهبت جاءت خلفي خيل رسول الله ﷺ فأصابت أخته. فقدم بها على رسول الله ﷺ في سباي من طيء، وقد بلغ رسول الله ﷺ هربي إلى الشام.
فجعلت بنت حاتم في حضيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس فيها، فمر بها رسول الله ﷺ، قامت إليه وكانت امرأة جَزْلة، وقالت: «يا رسول الله، هلك الوالد وغاب الوافد، فامنن عليّ من الله عليك». وهي امرأة جَزْلة قوية تعرف كيف تتصرف، قالت: «ومن وافدك؟»، قال عدي بن حاتم: «أخوها».
قال: «الفار من الله ورسوله»، ثم مضى وتركني حتى كان من الغد مر بي، فقلت له مثل ما قال، وقال لي مثل ما قال بالأمس: «الفار من الله ورسوله». شوف النبي ﷺ يحاول يوصل لها رسالة بهذه الجبلة، تمام؟ أن روحي جيبي، وهذا ما فعلته فعلاً، وهي امرأة قوية وذكية، فهمت لماذا يفر أخوك، فبسر برسالة واضحة ومختصرة بدون كثرة؛ هذا كلام النبي ﷺ الذي أعطي جوامع الكلم.
حتى إذا كان بعد الغد مر بي وقال: «وقد يئست»، فأشار إلي رجل من خلفه أن قومي فكلميه، فقامت فقلت: «يا رسول الله، هلك الوالد وغاب الوافد، فامنن عليّ من الله عليك»، فقال رسول الله ﷺ: «وقد فعلت، فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك».
فالنبي ﷺ قرر أن يعفو عنها وأن يمنن عليها، لكن قال لها: لازم يجي رجل من قومك حتى يوصلك، لا بد من محرم أو أحد يساعدها. فقالت فسألت عن الرجل الذي أشار إليّ أن كلميه، فقيل: هو علي بن أبي طالب، فأقمت حتى قدم ركب من بني لحي أو قضاعة، قالت: إنما أريد أن آتي أخي بالشام.
فجئت رسول الله ﷺ قلت: «يا رسول الله، قد قدم رهط من قومي فيهم ثقة وبلاغ»، فكساني رسول الله ﷺ وحملني وأعطاني نفقة، فخرجت معهم حتى خدمت الشام. قال عدي: والله إني لقاعد في أهلي إذ نظرت إلى ضعين تصوب إليّ، أي إذا نظرت إلى ضعين وهي المرأة المسافرة متجهة باتجاهي، فقلت: ابنة حاتم؟ فإذا هي، فقلت: ابنة حاتم؟ أي قلت معقول أختي هذه؟ فإذا هي.
فلما وقفت عليّ انحلت تقول القاطع الظالم: «أنت والله إنك ظالم، تركتني ورحت وهربت مع أهلك، لماذا أخذتني معك؟». تعاتبه أنه خرج بأهله إلى الشام وترك أخته، فقالت له أنت قاطع ظالم، لعل علاقته بأخته كانت متوترة، حتى هو يسميها "تحات"، وهذا قد يحصل حتى بين المسلمين للأسف، تلاقي شخص مهتم فقط بزوجته وأولاده ولكن ليس مهتماً بأخواته، خاصة لما يكون له بيته المستقل، تصبح علاقته بأخواته هشة جداً، وبعضهم بالعكس يظلم أخواته في الميراث، فهي شاعرة بالظلم، أنه خرج بأهله إلى الشام وخلاها تقع سبية مع جيش محمد ﷺ، فإنت قاطع للرحم ظالم لأقاربك.
قال: احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية.
«لا تقولي إلا خيرا». فوالله ما لي من عذر، لقد صنعت ما ذكرت. ثم فعلاً قال: «كلامك صحيح، أنا مخطئ، أنا ما لي عذر، أنا صنعت اللي حكيتي، أنا خرجت بأهلي وتركته». ثم قال: نزلت فأقام عندي، فقلت لها -وكانت امرأة حازمة-: ماذا ترين في أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعًا، فإن يكن الرجل نبيًا فلنا الساق إليه فضله، وإن يكن ملكًا فلن تذل في عز اليمن.
قال: قلت: والله إن هذا لرايي. قال: فخرجت حتى أقدم على رسول الله ﷺ بالمدينة. "فلن تذل في عز اليمن"؛ أي عز اليمن أن قبيلة طيء قيل أصولها يمنية، وأغلب الأوس والخزرج هم يمنيون، هم أصلاً قبيلة الأوس والخزرج. فهي تقول له: أنت شوف يرجع لهذا الرجل، أسلم، إذا كان نبيًا فلن تضيع عنده، وإذا كان ليس نبيًا لكن كان ملكًا، فاللي حواليه من الأنصار هم يمنيون ونحن طيء أصلنا يمنية، فلن نضيع في عز اليمن، ما هي القبائل اليمنية الأصل إلا التي هي عم تحكم جزيرة العرب، فلن تُهمش، فكن معه على كل الأحوال، خرج نبيًا أو خرج ملكًا أنت مستفيد على كل الجهات.
قال: فخرجت حتى أقدم على رسول الله ﷺ بالمدينة، فدخلت عليه فقال: «من الرجل؟» قلت: عدي بن حاتم. فقام رسول الله ﷺ وانطلق بي إلى بيته، فوالله إني عائد به إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة، فاستوقفته، فوقف -والله إنه لعامّ بي، أي لأخذ بِي إليه، أي أنا وإياه متجهين باتجاه بيته- فجأة في الطريق تخرج للنبي ﷺ امرأة ضعيفة كبيرة، فوقف لها طويلاً تكلمه في حاجتها.
قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بملك! ثم مضى رسول الله ﷺ؛ الملك لا ينفك أن يكلم العامة، لكن صبر النبي ﷺ على كلام المرأة الضعيفة وجلس معها، رغم أنه مشغول مع هذا الرجل. عرف أخلاق الأخلاق والقيم تلفت الانتباه، قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بملك. ثم مضى رسول الله ﷺ حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من آدم محشوة ليفًا، فقد وسادة من آدم جلد محشوة ليفًا؛ الليف كما قلنا هي الخيوط التي تؤخذ من النخيل، هي الخيوط التي تكون على جذع النخيل كانوا يجمعونها ويبخلوها حشوًا للوسائد.
فقال: «اجلس على هذه». قلت: بل أنت. فجثا عليها. قال: «بل أنت». فجلست عليها وجلس رسول الله ﷺ بالأرض، قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك. ثم قال: «أيه يا عدي بن حاتم، ألم تكن مكسيًا؟» قال: بلى. قال: «أولم تكن تسير في قومك بالمرباع؟» قال: بلى. قال: «فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك». قال: أجل والله. وعرفت أنه النبي مرسل يعلم ما أجهل.
المرباع؛ الظاهر أنه كان نوعًا من أنواع الضرائب، أو شيء كان يأخذ منه ربعًا، زي نوع من الضريبة، قالوا هذا لا يحل حتى في دين النصرانية، يعني أنت عامل حالك نصراني، كن تضحك على قومك تأخذ منهم ضرائب وجمارك بالمرباع. ثم قال: «لعلك يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفي لش من حاجتهم».
يعني الصحابة رغم كل هذه الفتوحات ما زال الوضع المالي متواضعًا؛ عمومًا فتحنا المدينة ومكة، لكن أنت لا تتكلم عن مناطق مليئة بالثروات والأموال. فكان عدي يريد الثروة، وكان دائمًا -وهذا مثال سبحان الله خطرت في ذهني الآن- مثال على الإنسان الذي يكون مفتونًا في الغرب. عدي بن حاتم كان ينظر إلى نصارى الروم، في الشام منهم ثراء مال، هذول المشايخ شو معهم؟ هذا البعد. فالنبي ﷺ قال: أنا عارف شو سبب عدم إسلامك أو عدم اقتناعك بهذا الدين، أنك كنت مفتونًا بالحضارة البيزنطية، مفتونًا بالروم ودولتهم، والشام لما كانت خاضعة تحت الروم كانت مليئة بالخيرات.
هذا يدل على أن الجماعة كانوا في بلاد خير. شوفوا عندنا مثلا في عمان الوادي السي والبيادر، والدولة البيزنطية التي فيها أحيانًا لأنها أقارب، كانت مليئة بالسيور والحدائق والإطعام، عشان هيك سميت البيادر أصلاً. عمان اطلع على الشام، الزبداني والمناطق هذه مناطق خير عظيم. فعدي بن حاتم خلينا نقول هو نموذج من النماذج التي يسميهم اليوم الناس، الذين لا يحبون الإسلام والتدين والمشايخ وأهل العلم والمسلمين لأنهم أمة متخلفة ماليًا وحضاريًا، ويكون مفتونًا بالحالة الغربية، حالة التقدم.
فالنبي ﷺ بشراسته عليه الصلاة والسلام عرف أن عدي بن حاتم من هذه النوعية، الله يرضى عنه حاتم أسلم، بس الفكرة أن هذه كانت مشكلته، والنبي ﷺ تفرّسها فيه؛ أنك ما بدك تسلم وتدخل مع الملتزمين مع أهل الخير والصلاح لأنك شايف أن وضعهم المادي مكركب، ومفتون بحالة الروم والرخاء المادي. واضح أن عدي بن حاتم رجل يحب المال، من قضية المرباع والمكوس واضح أن المال والثروة بالنسبة له يفكر فيها كثيرًا، شوف كيف يكون الثراء وحب الدنيا سببًا في تأخر إسلام الإنسان أو عدم إسلامه في بعض الأحوال.
لاحظ، فالنبي ﷺ عارف أن عدي بن حاتم، ما مصلحتك أنت مع الشام؟ أنت رجل يمني، أنت شو مصلحتك بالشام؟ شو مصلحتك مع البيزنطيين؟ لولا أنك تريد أن تدخل في الحضارة المادية، ولست من رؤوس العرب لتُحكم في الشام أو تصير مع بيزنطة يضعوا حاكمًا أو ما شابه ذلك، فالرجل بالنسبة لهم ليس مهمًا. وهذا كحال الإنسان مثلاً، الشاب الأردني ولا الخليجي، يفكر يروح على أمريكا، هل سيضعونك زعيمهم؟ النهاية أنت رايح من أجل المادة، وستبقى تبعًا لهم وسوقًا لهم. فهذا بعد مهم جداً أن النبي ﷺ كان يدرك أن بعض الناس كان سبب عدم إسلامهم أنه لم يكن يرى المسلمين بعد حضارة أو.
أصحاب تقدم مالي، فقال له: «يا عدي اصبر بس شوي، والله لو يفتحن المال على هؤلاء الذين أنت شايفهم الآن ليفتحن المال عليهم، والدول التي أنت الآن تهرب لها ستكون بين أيدينا في يوم من الأيام. المهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعل ما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فوالله ليوشكن أن تسمع بامرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف».
ولعل كان ما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، ويم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم. قال فأسلم، قال فكان عدي يقول: مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكونن التي هي القصور البيض من أرض بابل.
هو أدرك اثنتين في حياته؛ شاف المرأة التي تطلع من القادسية، وشاف المال، بقيت أن تفتح العراق. قال: «قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم، وقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها ولا تخاف حتى تحج هذا البيت، ويم الله لتكونن الثالثة: لا يفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه».
والقادسية في العراق، قائد معركة سعد بن أبي وقاص كان ضد الفرس، يعني ستأتي من جهة العراق التي هي دولة الفرس وتأتي إلى البيت بأمان من دولة الإسلام ولا تشعر بأي شيء. والله ان لها توجيهات كثيرة، لكن توجيهات النبي ﷺ لم يكن يتكلم هنا عن تقرير حكم شرعي، كان يتكلم عن حالة تقع في سياق بيان الأمان، وليس في سياق تقرير مسألة السفر بحر حتى يستدل بها على هذه الواقعة، والله أعلم.
قال: «ولعل كان ما يمنعك من دخول فيها أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، ويم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم». قال فأسلم. فكان عدي يقول: مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكونن التي هي القصور البيض من أرض بابل، يعني هو أدرك اثنتين في حياته؛ شاف المرأة التي تطلع من القادسية وشاف المال، بقيت أن تفتح العراق.
قال لعدي بن حاتم: «ألم تكن ركوسياً؟» يعني هي طائفة من النصارى، وكان الركوسية يدعون إلى المال، فقالوا: طب أنت ركوسي؟ كيف تأخذ المرباع؟ فهمت؟ وقالوا: أول شيء أنت من هذه الطائفة، فهل هذه الطائفة يصير أن تأخذ المرباع؟ يعني نوع من الجمارك والضرائب والمكوس، فالنبي ﷺ مسكه من هذه، فهذا معنى الركوسية والمعونة.
ويقول هنا: «ووجدته في كتاب الرافد» بماذا؟ الرافد. لما قالت امرأته أخت عدي: «غاب الوافد»، في نسخ الرافد، ولعلها أقوى في هذا السياق. قال: «قدوم فروة بن مسيكن المرادي»، قال ابن إسحاق: «وقدم فروة على رسول الله ﷺ مفارقاً لملوك كنده، وقد كان قبيل الإسلام وقعت حرب بين مراد وهمدان، أصابت فيها همدان من مراد ما أرادوا حتى أذقنهم في يوم كان يقال له الرد». هذه قبيلة مراد وقبيلة همدان، كان بينهم حرب قبل الإسلام وانتصرت فيها همدان وأذقهم القتل في معركة تسمى أو في يوم يقال له يوم الرد.
قال: فكان الذي قاد إلى مراد همدان الأجدع، ابن مالك في ذلك اليوم، وابن هشام يقول: مالك بن حريم عن الدار القطنية، وابن ماكول فيه حريم، مفتوح الياء مكسور الراء، مهملتين، قيل هو والد مسروق بن الأجدع، يعني مالك بن حريم، مش مالك بن خريم. وهو قيل هو والد مسروق بن الأجدع، والأجدع أحد كبار التابعين وتلميذ عائشة وعبد الله بن مسعود. حكاه الدال القطنية وتبعه ابن ماكول، وهو مما أنكره الوقشي وقال: ليس مالك بن حريم جد مسروق كما زعم، لأن مالك من بني دالان بن سابقة بن ناش بن دافع بن مالك بن جشم بن خيوان بن فاف بن همدان، ومسروق من بني معمر بن الحارث بن سعد بن عبد الله بن وداعة بن عمر بن عمرو بن عامر بن ناشع.
ولما توجه فروة إلى رسول الله ﷺ قال: «لما رأيت ملوك كنده أعرضت كالرجل خان الرجل عرق نسائها، قربت راحلتي محمداً أرجو وفاضلها وحسن ثرائها». وقاله الرسول ﷺ: «هل ساءك ما أصاب قومك يوم الرد؟» قال: «يا رسول الله، من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي يوم الرد؟» يعني شيء طبيعي يا رسول الله أن أكون أنا حزنت على ما أصاب قومي من مراد في يوم الرد.
فقال له رسول الله ﷺ: «أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيراً»، واستعمله على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد. أراد النبي ﷺ أن يقول له إنه لا تظن أنه إنكم هزمتم في يوم الرد أن هذا سيضع منزلتكم عند المسلمين، أحياناً يصير بعض الناس خاصة في ذاك الزمن وصمه عار، خلينا نقول إنه مراد هذول الذين هزموا في تلك الواقعة، يصير كلما ذكروا ذكروا بماذا؟ بما وقع لهم من مأساة. فالنبي ﷺ أراد أن يطمئنهم أنه بالعكس هذه الأمور لا تضع منزلتكم عندنا كمسلمين، هذه أمور في الجاهلية بينكم، إياك أن تظن أنها تضع منزلتكم عندنا أو تجعلك مزدرى.
فكان معه في بلده حتى توفي رسول الله ﷺ عليه الصلاة والسلام. قال: «قدوم عمر بن معد كرب في أناس من بني زبيد»، قدم عمر فأسلم، وقد كان قد قال لقيس بن مكشوح المرادي وقيس بن أخته: «يا قيس إنك سيد قومك، وقد ذكر لنا أن رجلاً من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقول إنه نبي، فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبياً كما...»
يقول: فإنه لن يخفى عنك إذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمناه. إن كان غير ذلك علمه فأبى، عليه قيس ذلك وسفه رأيه؛ فركب عمر وقدم حتى قدم على رسول الله ﷺ فأسلم وصدقه وآمن به. فلما بالغ ذلك قيساً أوعد عمراً، فقال عمرو في ذلك: "أتوعد؟"، يعني: أتحلف لعمرو؟ قال: «أول ما أمرتك يوم ذي صنعاء أمراً باديا رشده». وأقام عمر في قومهم بني زبيد وعليهم فروة بن مسيك. فلما توفي رسول الله ﷺ ارتد عمرو، كما قال ابن إسحاق.
ارتد عمرو، لكنه عاد فأسلم، عامر بن معد يكرب من الذين ارتدوا ثم عادوا فأسلموا، وكان من قادة المعارك الشرسين، وكان مقاتلاً عنيفاً. ضعف ما كان قوياً ابتداءً في إسلامه، لكن ارتد ثم عاد فأسلم وشارك مع الصحابة في الفتوحات.
قال وذكر أبو عمر من طريق بن عبد الحكيم قال: حدثنا الشافعي قال: وجه رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وخالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن، قال: «إذا اجتمعت فمع علي الأمير، وإذا افترقتم فكل واحد منكم أمير». فاجتمع، وبلغ عمر بن الخطاب مكانهما، فأقبل في جماعة من قومه. فلما دان منهما قال: «دعوني حتى آتي هؤلاء القوم، فإني لم أسمِّ لأحد قط إلا هابني».
فلما دان منهما نادى: «أنا أبو ثور، أنا عمرو بن معد يكرب»، فابتدره علي وخالد، وكلاهما يقول لصاحبه: «خلني وإياه»، ذهب أبيه وأمه. فقال عمر إذ سمع قولهما: «إذ خليني وإياه، فداك أبي وأمي». هكذا كل واحد من علي يقول لخالد، وخالد يقول لعلي: «خلني أنا وإياه، أنا أتفاهم معه». فقال عمر إذ سمع قولهما: «العرب تفزع بي، وأراني لهؤلاء جزرة». فانصرف عنهما، وعرف أن هؤلاء ليسوا كعادة العرب ضعفاء النفوس.
وكان عمرو فارساً عربياً مشهوراً بشجاعته، وكان من أحد الفرسان الكبار، وكان شاعراً محسناً، فمما يستجد من شعره قوله: أعاذل عدتي يزني ورمحي *** وكل مقلص سلس القيادي أعاذل إنما أفني شبابي *** إجابتي الصريخ إلى المنادي مع الأبطال حتى سجم جسمي *** وأقره عاتقي حمل الجادي ويبقى بعد حكم القوم حكمي *** ويفنى قبل زاد القوم زادي تمنّى أن يلاقيني قيس *** وددت وأينما مني ودادي فمن ذا عاذري من ذي سفاهٍ *** يرود بنفسه شر المراد أريد حباه ويريد قتلي *** عذيرك من خليلك من مرادي
يريد قيس بن مكشوح، وأسلم قيس بعد ذلك وله ذكر في الصحابة. وقيل كان أسلم بعد وفاة رسول الله ﷺ، وكان شجاعاً فارساً شاعراً، وكان يناقض عمر، وهو القائل لعمر: فلو لاقيتني لاقيت قرناً *** وودعت الحبائب بالسلام لعلك موعدي ببني زبيد *** وما قامع من تلك اللئام ومثلك قد قرنت له يديه *** إلى اللحيين يمشي في الخطام الله ذا بهدله في أخيرت
قال: قدم الأشعث بن قيس في وفد من كندة، فدخلوا على رسول الله ﷺ مسجده وقد رجلوا جممهم وتكحلوا. والجمم هي الشعر الذي يكون إلى المناكب، فرجل جمم أي مشط وصرح شعرهم وتكحلوا، داخلين مهيبين، مضبطين هيئتهم. قال: عليهم جبب الحبرة قد كفف بالحرير، والحبرة هو ثوب للزينة يلبس للوفود، وعادة ما يكون من قطعتين وعليه خطوط، وكانوا واضعين على أمتهم منه الحرير وعلى قبته الحرير.
فلما دخلوا على رسول الله ﷺ قال: «ألم تسلموا؟»، قالوا: بلى. قال: «فما بال هذا الحرير في أعناقكم؟»، فشقوا منها فألقوه، وقالوا: «يا رسول الله، نحن بني أكْل المرار». والحرير يحرم على الرجال إلا بما هو مستثنى كما مر معنا. قال: «وأنت ابن أكْل المرار؟»، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: «نحن بني النضر بن كنانة، لا نقفو أُمّنا ولا ننتف من أبينا».
كان الأشعث رئيساً مطاعاً في الجاهلية، وجيهاً في قومه، في الإسلام إلا أنه كان ممن ارتد بعد النبي ﷺ ثم راجع الإسلام في خلافة أبي بكر الصديق، وشهد بعد ذلك مع سعد في القادسية والمدائن وجلولاء ونهوند، ومات سنة إحدى عشر أو اثنتين بالكوفة. وأكل المرار الحارث بن عمرو بن حجر بن معاوية بن كندة، وقيل جده حجر الذي هو حفيده امرؤ القيس الشاعر المشهور. أكْل المرار هم أصحاب الأشعث في غزوة شجر، وللنبي ﷺ جده من كندة مذكورة في أم كلثوم بنت مرة، فذلك أراد الأشعث، فلذلك النبي ﷺ لما قال له الوفد: «إننا يا رسول الله بن أكْل المرار»، تبسم النبي ﷺ، لأن هذا من جهة جداته وليس من جهة أجداد النبي ﷺ. فقال: «نحن لا نقفو أُمّنا»، يعني نحن لا ننتسب إلى أُمّنا، والجدة تسمى أماً ولو على سبيل المجاز، فقال له: نحن لا ننتسب إلى أُمّنا نحن ننتسب إلى آبائنا، فأكل المرار هي من جهة جدتكم، فلا تسبوني إليها.
وقدم صرد بن عبد الله الأزدي على رسول الله ﷺ في وفد من الأزد، فأمره على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد من كان إليه من أهل الشرك من قبائل اليمن، فخرج حتى نزل بجر شوة، يومئذ مدينة مغلقة.
وبها قبائل من قبائل اليمن، وقد ضوت إليهم خثعم فدخلوها معهم حين سمعوا بمسير المسلمين إليهم، فحاصروه فيها قريبًا من شهر وامتنعوا فيها منه، ثم إنه رجع عنهم قافلًا.
حتى إذا كان بجبل شكر، ظن أهل جرش أنه إنما رجع عنهم منهزمًا، فخرجوا في طلبه، حتى إذا أدركهم عطف عليهم فقتلهم قتلاً شديدًا. كان ذكيًا، ورجع إلى جبل شكر، وكمن فيه حتى يظن أنه عاد هاربًا أو منهزمًا، فخرجوا يريدون طلبه، قال: أكيد لس الروح المعنوية عنده نازلة، فلما خرج لهم من هذا الجبل وعطف عليهم فقتلهم، فكان ذكيًا في هذه الخطوة.
قال: وقد كان أهل جرش بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله ﷺ بالمدينة يرتدن وينظران، فبينما هم عند رسول الله ﷺ عشية بعد العصر، إذ قال رسول الله ﷺ: «بأي بلاد الله شُكَر؟»، فقام الجرشيان فقالا: يا رسول الله، ببلادنا جُبش، يقال له كشر، وكذلك يسميه أهل جرش. فقال: «إنه ليس بكشر، ولكنه شُكَر». قال: فما شأنه يا رسول الله؟ قال: «إن بدن الله لتُنحر عنده الآن».
سبحان الله! هؤلاء كأنهم ما كانوا عارفين بالواقعة، يعني كان هذان رجلان من أهل جرش حتى النبي ﷺ ما كانا يعرفان أن قومهما يُقتل الآن عند جبل شكر، وأن الصردي يقتلهم الآن. قال: فجلس الرجلان إلى أبي بكر أو إلى عثمان، فقال لهما: ويحكما! إن رسول الله ﷺ الآن ينعى لكما قومكما، يعني النبي ﷺ يقول لكم قومكم الآن عم يذبحوا عند ذاك الجبل، وهذه معجزة من معجزات النبي ﷺ، أنه جاءه جبريل أخبره أن قوم هذين الرجلين الآن عم يقتلهم عند جبل شكر، بس هم الاثنين مش فاهمين، مش فاهمين ماذا يعني أن بدن الله لتنحر عند هذا الجبل قومهم عم يقتلوا.
قال: فقوما إلى رسول الله ﷺ فسألاه أن يدعو الله أن يرفع عن قومهما، فقام إليه فسأله ذلك، فقال: «اللهم ارفع عنهم»، فخرجا من عند رسول الله ﷺ راجعين إلى قومهما، قد أصيبوا يوم أصيب مصرد بن عبد الله في اليوم الذي قال فيه رسول الله ﷺ ما قال، في الساعة التي ذكر فيها ما ذكر. فخرج وفد جرش حتى قدموا على رسول الله ﷺ فأسلموا، وحمى لهم حِمًى حول قريتهم.
قال: وقدم على رسول الله ﷺ كتاب ملوك حمير ورسولهم إليه بإسلامهم: الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان (قيل ذو عرين)، ومعافرة، وهمدان. وبعث إليه زرعة ذي يزن بإسلامهم. فكتب إليهم رسول الله ﷺ: «بسم الله الرحمن الرحيم، محمد رسول الله، النبي إلى الحارث بن عبد كلال، وآل النعمان (قيل ذي عرين)، ومعافرة، وهمدان».
أما بعد، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإنه وقع بنا رسولكم من قلبنا من أرض الروم، فلقينا بالمدينة، فبلغ ما أرسلتم به، وخبر ما قبلكم، وأنبأ باسمكم وقتلكم مشركين، وإن الله قد هدى هذه القبائل اليمنية الذين كانوا مقيمين في اليمن.
إن أصلحت أطعتم الله ورسوله، وأقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأعطيت من المغانم خمس الله وسهم النبي وصفية، وما كتب على المؤمنين من الصدقة: من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء، وما سقت الغرب بنصف العشر. وإن في الإبل: أعين ابن لبون في ثلاثين من الإبل، وفي كل خمس من الإبل شاة، وفي كل عشر من الإبل شاتان. وفي كل أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثنيين من البقر تبيع جذعًا أو جذعة، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة. وإنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيرًا فهو خير له، ومن أدى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين، فإنهم المؤمنون، له ما لهم وعليه ما عليهم، وله ذمة الله وذمة رسوله.
وإن من أسلم من يهود أو نصرانية فإنه من المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يرد عنها وعليه الجزية على كل حال، من ذكر أو أنثى، حر أو عبد، دينار أو درهم، من قيمة المعافر أو عوضه ثيابًا. من أدى ذلك إلى رسول الله ﷺ فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله.
أما بعد، فإن محمدًا النبي أرسل إلى زرعة ذي يزن: «أن إذا أتاكم رسلي فاصحبوا بهم خيرًا»، معاذ بن جبل وعبد الله بن زيد ومالك بن عبادة. صلى الله عليه وسلم أراد أن يرسل لهم أن يعلمهم الإسلام، فأرسل معاذ بن جبل، ومالك بن عبادة، وعقبة بن نمر، ومالك بن مرارة وأصحابهم، وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخالفيكم وأبلغوها رسلي، وإن أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلب إلا راضيًا.
أما بعد، فإن محمدًا يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله، ثم إن مالك بن مرارة الرهوي قد حدثني أنك قد أسلمت من أول حمير وقتلت المشركين، فابشر بخير، وأمركم بحمير خيرًا، ولا تخونوا ولا تخاذلوا، فإن رسول الله ﷺ هو مولى غنيكم وفقيركم، وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته، إنما هي زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل، وإن مالكًا قد بلغ الخبر وحفظ الغيب وأمركم به خيرًا، فإنه منظور إليهم، والسلام عليكم ورحمة الله.
قال: أسلم فروة بن عمر، قال ابن إسحاق: وبعث فروة بن عمر الجذامي إلى رسول الله ﷺ بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، وكان فروة عاملًا للروم على منية العرب، فإنه زعيم.
كان هو زعيم الروم على منطقة معان في الأردن، عندنا في جنوب الأردن، وكان قد أرسل إلى النبي ﷺ ببغل. وكان منزله معان وما حوله من أرض الشام. فلما بلغ "بيحك معان" -والظاهر أنها لغة كما قيل، كأنها لغة فيها بحكيها معان- فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه أخذوه فحبسوه عندهم، ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ماء سحان.
الله، هذا الأمير استشهد! بلغ الروم أن زعيمهم أو مندوبهم على معان أسلم وأهدى إلى النبي ﷺ، فقتلوه. قال: ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ماء لهم يقال له "عفر" بفلسطين. فزعم الزهري بن شهاب أنهم لما قدموه ليقتلوه قال: «أبلغوا سراة المؤمنين بأنني سلمت لربي أعظمي ومقامي». سبحان الله، رحمه الله عليه.
ثم بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بن نجران، جنوب بلاد الحرمين، وكانوا نصارى. وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثًا، فإن استجابوا فقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام ويقولون: «أيها الناس، أسلموا وتسلموا»، فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه.
أقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتب إلى رسول الله ﷺ بذلك، فكتب له رسول الله ﷺ أن يقبل ويقبل معه وفدهم. فأقبل وقبل معه وفدهم، منهم: قيس بن الحسين ذو الغصة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجن، وعبد الله بن قراد الزيادي، وشداد بن عبد الله الضبابي.
وقال لهم رسول الله ﷺ: «بما كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟» قالوا: لم نكن نغلب أحدًا. قال: «بلى». قالوا: كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحدًا بظلم. قال: «صدقتم». سبحان الله، هذا في الجاهلية لما كانوا يتعرفون القتالات في جزيرة العرب.
النبي ﷺ قال: «بما كنتم تغلبون من قاتلكم؟» شو قوة النقطة، شو قوة فيكم في الجاهلية؟ وشوف كيف النبي ﷺ يتكلم مع الناس بما يعرفه من أحوالهم، وهذا يدل أن القائد يجب أن يكون ملماً بأحوال من حوله. النبي ﷺ لما تكلم مع مراد ذكر شيئًا واقعًا سياسيًا وقع لهم قديمًا؛ تكلم مع بني نجران وهو يعرف أن هؤلاء قوم كانوا ينتصرون على من يقاتلهم. هذا يدل على أن معرفة النبي ﷺ بأيام الناس وتاريخ الجاهلية معرفة، التي نحن نسميها اليوم المثقف سياسيًا.
أنت شفت كيف مواقفه المتعددة، هو يعرف أيام الجاهلية بالتفصيل ﷺ. يعرف شو صار بين مراد وبين همدان، أن همدان تسلطت عليهم، ويعرف أن هؤلاء القوم من بني نجران كانوا ينتصرون. إدراك القائد لأحوال المدينة التي يحكمها أو القبائل التي يحكمها وأيامهم يجعل نوعًا من الدنو النفسي؛ أنه هذا إنسان مطلع، مش إنسان جاهل أو لا يعرف شيئًا عن البلاد التي يحكمها ويدير أمرها، هذا مهم.
قال: وأمر عليهم قيس بن الحسين، فرجعوا إلى قومهم في بقية من شوال أو في ذي القعدة، فلم يمكثوا إلا أربعة أشهر حتى توفي رسول الله ﷺ. و"ذو الغصة" لقب لأبي قيس، قيل له ذلك لغصة كانت بحلقه لا يكاد يبين منها، سبحان الله، كأنه كان عنده مشكلة في الكلام.
وقدم على رسول الله ﷺ في حجة الحديبية قبل خيبر رفاعة بن زيد الجذامي، وأهدى لرسول الله ﷺ غلامًا وأسلم، فحسن إسلامه، وكتب له رسول الله ﷺ كتابًا: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب محمد رسول الله لرفاعة بن زيد، أني بعثته إلى قومه عامة، ومن دخل فيهم أدعوهم إلى الله وإلى رسوله، فمن أقبل منهم ففي حزب الله وحزب رسوله، ومن أدبر فله أمان». شهرين، فلما قدم رفاعة على قومه أجابوا وأسلموا.
ثم ساروا إلى الحرة حرة الرجلا فنزلها. وقدم على رسول الله ﷺ وفد همدان، منهم: مالك بن نمط، ومالك بن أيفع، وضما بن مالك السلماني، وعميرة بن مالك الخارفي. فلقوا رسول الله ﷺ مرجعه من تبوك، وعليهم مقطعات الحبرات وعلى العمائم العدنية، وعلى الرواحل المهرية. قوم عليهم الحبرات والعمائم العدنية من عدن في اليمن، والرواحل المهرية نسبة إلى مهر أو المهرة، وهي منطقة مشهورة في اليمن.
قال: ومالك بن نمط يرتجز بين يدي رسول الله ﷺ ويقول: أليك جاوزن سواد الريف في ... هبوا الصيف والخريف مخط ماط بحبال الليف
وذكروا له كلامًا كثيرًا حسنًا فصيحًا، فكتب لهم رسول الله ﷺ كتابًا أقطعهم فيه ما سألوه، وأمر عليهم مالك بن نمط واستعمله على من أسلم من قومه وأمره بقتال ثقيف، فكان لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه. وكان مالك بن نمط شاعرًا محسنًا يختار ثقيف يعني قبل أن يسلموا.
قال: وما كان مالك بن نمط شاعرًا محسنًا، فقال: ذكرت رسول الله في فحمة الدجا ... ونحن بأعلى رحرحان وسدد وهن بنا خوص قلائص تعتلي ... بركبها في لاحب متمدد على كل فتلا الذراعين جسرة ... تمر بنا مر الهجف الخفيد حلفت برب الراقصات إلى منى ... صوا بالركبان من هضب أبل التي تسير إلى منى ... قال: صوادق بأن من هضب... رسول أتى من عند ذي العرش مهتدي ... فما حملت من ناقة فوق رحلها أشد على أعدائه من محمد ... وأعطى إذا ما طالب العرف جاءه وأمضى بحد المشرفي المهند الهجف ... الظليم المسن والخفي دد الطويل
الظليم هو ما ذكر النعام، يسمى ظليماً. والخفي دد الطويل الساقين من النعام، التي ساقها طويلة، فإذا كانت ساقها أطول من غيرها تسمى الخفيض.
وقدم على رسول الله ﷺ وفد من السكون، رجلاً قد ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله تعالى عليهم، فسير رسول الله...
التجيبي هم فخذ من أفخاذ هذه المنطقة، وهذه القبيلة وهم من السكون، قال: فسر رسول الله ﷺ بهم وأكرم منزلهم، وقالوا: يا رسول الله، سقنا إليك حق الله في أموالنا، فقال رسول الله ﷺ: «ردوها فقسمها على فقرائكم»، قالوا: يا رسول الله، ما قدمنا عليك إلا بما فضل عن فقرائنا.
قال أبو بكر: يا رسول الله، ما وفد علينا وفد من العرب مثل ما وفد به هذا الحي من تجيب، فقال رسول الله ﷺ: «إن الهدى بيد الله عز وجل، فمن أراد به خيراً شرح صدره للإيمان». وسألوا رسول الله ﷺ أشياء فكتب لهم بها، وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنة، فازداد الرسول ﷺ فيهم رغبة، وأمر بلالاً -يعني عرف أنهم قوم أصحاب هدى وأصحاب علم ويريدون الخير- وأمر بلالاً أن يحسن ضيافتهم.
فأقاموا أياماً ولم يطيلوا اللبث، فقيل لهم: ما يعجلكم؟ فقالوا: نرجع إلى من ورائنا فنخبره برؤيتنا رسول الله ﷺ وكلامنا إياه، ما رد علينا. ثم جاؤوا إلى رسول الله ﷺ يودعونه، فأرسل إليهم بلالاً فأجاهم بأرفع ما كان يجيز به الوفود، قال: أجاهم يعني أعطاهم هدية، قال: هل بقي منكم أحد؟ قالوا: غلام خلفنا على رحالنا، هو أحدثنا سناً، قال: ارسلوا إلينا.
فلما رجعوا إلى رحالهم وقالوا للغلام: انطلق إلى رسول الله ﷺ فقد حاجتك منه، فإنا قد قضينا حوائجنا منه ودعناه، فأقبل الغلام حتى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني امرؤ من بني ابذ؛ قال الواقدي: هو ابذ بن عدي، وأم عدي تجيب بنت ثوبان بن سليم بن مح، من مذحج وإليهم ينسبون، يقول للغلام: وأم عدي هي التي اسمها تجيب، فلما تقول هذه القبيلة تجيب نسبه إلى هذه المرأة أم عدي التي اسمها تجيب بنت ثوبان.
قال: يقول الغلام: من الرهط الذين أتوك آنفاً فقضيت حوائجهم؟ فلما قال له: إني امرؤ من بني ابذ، يعني هو كأنه يقول له: أنا من الجماعة الذين كانوا قبل قليل، قال: فاقضِ حاجتي يا رسول الله، قال: وما حاجتك؟ قال: إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي، وإن كانوا قد قدموا راغبين في الإسلام وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم، وإني والله ما أعلمني من بلادي إلا أن تسأل الله عز وجل أن يغفر لي، وأن يرحمني، وأن يجعل غناي في قلبي.
سبحان الله، يعني أنا لا أريد جوائز ولا هدايا. فقال رسول الله ﷺ، وأقبل إلى الغلام: «اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه»، ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه، فانطلقوا راجعين إلى أهاليهم.
ثم وافوا رسول الله ﷺ في الموسم بمن سنة عشر، فقالوا: نحن بنو ابذ، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما فعل الغلام الذي أتى معكم؟»، قالوا: يا رسول الله، ما رأينا مثله قط، ولا حدثنا بأقنع منه بما رزقه الله، لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت إليها، بأنه غناه في قلبه. القناعة؛ سأل النبي ﷺ أن يرزقه الله القناعة والرضا، فما عاد يلتفت إلى ما في أيدي الناس.
فقال رسول الله ﷺ: «الحمد لله إني لأرجو أن يموت جميعاً»، فقال رجل منهم: أوليس يموت الرجل جميعاً يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ: «تشعب أهواؤه وهمومه في أودية الدنيا، فلعل أجله أن يدركه في بعض تلك الأودية فلا يبالي الله في أيها هلك».
شوف الكلام الجميل، النبي ﷺ قال: «الحمد لله إني لأرجو أن يموت جميعاً»، جميعاً يعني وقلبه مجتمع على هدف واحد وغاية واحدة وهو مراد الله. فهم ابتداءً ما فهموا ماذا يعني يموت جميعاً؟ قال يا رسول الله: يعني هو في واحد يموت مش جميعاً، في واحد يموت نصفه، في واحد يموت رأسه وما يموت جسده، اللسان إذا مات يموت جميعاً.
أهم ما فهموا أن النبي ﷺ يتكلم ببعد آخر، أن يقصد بالجمع الجمع القلبي وليس الجمع الجسدي. إن كثيراً من الناس يموتون، كيف وقلبه أهواؤه متشعبة في الدنيا؟ وهذا حال أكثر الناس، صحيح، يموت وهو يفكر في الشغل، الزوجة، الأولاد، المشروع الفلاني، تركه وهو على فراش الموت تجده يموت وقلبه في ماذا؟ في شعاب الدنيا، يفكر في أموالها والوظيفة والمشروع والأولاد، ماذا سيصير في كذا وكذا؟ الدنيا أكلت قلبه، فهذا يموت ليس جميعاً، يموت وقلبه متفرق في شعاب الدنيا.
بخلاف من عاش من أجل غاية واحدة لربه سبحانه وتعالى، ولم ينظر إلى ما في أيدي الناس، وأخذ قوته من الدنيا فقط من أجل أن تسير الحياة ليس أكثر، فهذا يموت وقلبه مجتمع على مطلب واحد وعلى غاية واحدة. فشوف الإجابة الجميلة، قال عليه الصلاة والسلام: «إني لأرجو أن يموت جميعاً»، فهمنا ماذا يعني جميعاً وهو مجتمع القلب على ربه. فقال رجل: أوليس يموت الرجل جميعاً؟ يعني هل هناك إنسان لا يموت جميعاً يا رسول الله؟ وفهم الجميع جسدياً.
فقال النبي ﷺ يتكلم عن عامة الناس، تشعب أهواؤه وهمومه في أودية الدنيا، إنه أكثر الناس أهواؤه وهمومه متشعبة، يموت على هذه الحالة، قلبه ليس مجتمعاً على ربه، فهو يتكلم عن الحالة الخاطئة هنا ﷺ، قال: فهؤلاء الذين تتشعب أهواؤهم في الدنيا ويبحثون عن الدنيا فقط، لعل أجله أن يدركه في واد من أودية الدنيا، يا هو بيشتغل بمال، يا هو بيعمل كذا، يدركه في واد من أودية الدنيا، فلا يبالي الله في أيها هلك؛ لماذا؟ لأنه لم يجمع قلبه على الله، جمع قلبه على الدنيا، فلا يبالي الله في أي مكان يهلك.
قالوا: فعاش ذلك الرجل فينا على أفضل حال، وأزهد في الدنيا، وأقنع بما رزق. فلما توفي رسول الله ﷺ ورجع من أهل اليمن عن الإسلام، قام في قومه فذكرهم بالله والإسلام فلم يرجع منهم أحد، وجعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه يذكره ويسأل عنه حتى بلغه حاله وما قام به، فكتب إلى زياد بن لبيد يوصيه به خيراً.
قال: وقدم على رسول الله ﷺ وفد بني ثعلبة سنة ثمان مرجعه من الجعرانة أربعة نفر، فنزلوا دار رملة.
بنت الحارث، وجاءهم بلال بجفن من ثريد بلبن وسمن، فأكلوا وشهدوا الظهر مع رسول الله ﷺ، وقالوا له إنه لا إسلام لمن لا هجرة له، فقال عليه الصلاة والسلام: «حيث ما كنتم اتقيتم الله فلا يضركم».
ثم لما جاؤوا يودعونه، أجزهم، فأعطى كل رجل منهم خمس أواق فضة. قالوا: يا رسول الله، اللي بنعرف إنه لا إسلام لمن لا هجرة له، فهل نهاجر إليك إلى المدينة الآن بعد ما فتحت مكة والمدينة وأغلب جزيرة العرب؟ ما كان في فائدة، خلص الفائدة المرجوة من أن يهاجروا من قراهم، قال لهم: لا، ما دمتم أنتم أصبحتم في أرض من أراضي الإسلام، حيث ما كنتم اتقيتم الله فلا يضركم، لا يلزمكم الآن أن تهاجروا، ما في فائدة مرجوة الآن.
قال: وقدم على رسول الله ﷺ بنو سعد من هذيم من قضاعة في سنة تسع، ذكره الواقدي عن ابن نعمان، منهم عن بهية قالت: قدمت على رسول الله ﷺ وفدًا في نفر من قومه، وقد أوطأ رسول الله ﷺ البلاد غلبة، وإذا العرب خضعت له.
والناس صنفان: إما داخل في الإسلام راغب فيه، وإما خائف من السيف. فنزلنا ناحية من المدينة، ثم خرجنا على أم المسجد حتى انتهينا إلى بابه، فنجد رسول الله ﷺ يصلي على جنازة في المسجد، فقمنا خلفه ناحية ولم ندخل مع الناس في صلاتهم حتى نلقى رسول الله ﷺ ونبيعه.
ثم انصرف رسول الله ﷺ فنظر إلينا فدعا بنا فقال: «من أنتم؟» فقلنا: من بني سعد هذيم، فقال: «مسلمون أنتم؟» قلنا: نعم، قال: «فهلا صليتم على أخيكم؟» قلنا: يا رسول الله، ظننا أن ذلك لا يجوز لنا حتى نبيعك، فقال رسول الله ﷺ: «أينما أسلمتم فأنتم مسلمون».
قال: فأسلم وبايعنا رسول الله ﷺ بأيدينا على الإسلام، ثم انصرفنا إلى رحالنا، وقد خلفنا عليها أصغرنا، فبعث رسول الله ﷺ في طلب فآتي بنا إليه، وتقدم صاحبنا فبايع على الإسلام، فقلنا: يا رسول الله، إنه أصغرنا وإنه خادمنا، فقال: «أصغر القوم خادمهم، بارك الله عليه»، فأصبحت معروفة أن أصغر القوم هو الذي يخدم القوم.
قال: فكان والله خيرنا وأقرانه للقرآن لدعاء رسول الله ﷺ، ثم أمر رسول الله ﷺ علينا، فكان أميرنا، ولما أردنا الانصراف أمر لنا بأواق فضة لكل رجل منا، فرجعنا إلى قومنا فرزقه الله الإسلام. شوف أدب النبي عليه الصلاة والسلام في إعطاء الهدايا، دائماً أي وفد بده يجي ما بيروح إلا بهدايا من فضة ومن أشياء.
قال أبو الربيع بن سالم في الكتاب المسمى الاكتفاء في مغازي رسول الله ﷺ: لما رجع رسول الله ﷺ من تبوك، قدم عليه وفد بني فزارة، بضعة عشر رجلاً فيهم خارجة بن حصن والحر بن قيس، وكان ابن حصن هو أصغرهم، فنزلوا في دار بنت الحارث.
وجاءوا رسول الله ﷺ مقرين بالإسلام وهم مستنون على ركاب عُجال، مع أن مؤلف قلوبهم صحيح، وقد ألّف النبي ﷺ قلبه على الإسلام. فسألهم رسول الله ﷺ عن بلادهم، فقال أحدهم: يا رسول الله، أسنت بلادنا وهلكت مواشينا، واجدبت بلادنا، وغر عيالنا، فادع لنا ربك يغيثنا، واشفع لنا إلى ربك، ويشفع لنا ربك إليك.
فقال رسول الله ﷺ -وهنا أخطأ لما قالوا يشفع ربك إليك- غضب النبي ﷺ، نحن نشفع إلى الله، لكن لا نشفع إلا إليك إن جعل الله واسطة، وهذا لا يصلح. قال: سبحان الله، أنا شفعت إلى ربي عز وجل، فمن ذا الذي يشفع لربنا إليه لا إله إلا هو العظيم؟ الذي وسع كرسيه السماوات والأرض فَتَشَيَّطَ من عظمته وجلاله كما يئط الرحل الجديد.
وقال رسول الله ﷺ: «إن الله عز وجل ليضحك من شافعٍ ومشفوعٍ له»، يعني أنتم قريبًا سيأتيكم، إن الله يضحك من يأسه عبادي وقنوطه، مع أنهم لا يعلمون أن المطر والفرج قريب منهم. قال فقال الأعرابي: يا رسول الله، ويضحك ربنا عز وجل؟ قال: «نعم»، فقال الأعرابي: لن يعدم من رب يضحك خيرًا.
حتى الأعرابي قال: ويضحك ربنا؟ سأل عن صفة من صفات الله، قال: نعم. ما قال هذا تجسيم يا جماعة، أنتم مجسمة؟ بكل أريحية الأعراب يتقبل الفكرة وما شعر بالإشكال، هل هذا سيؤدي إلى تشبيه الله بالمخلوق؟ وهذه الخابطة التي تقولها الفرق الأشعرية أو الماتريدية وما شابه ذلك: لا، أثبت صفة الضحك لله تمامًا بدون تجسيم ولا تكييف، وإنما أثبت المعنى وفهمه وانتهت القضية.
يلاحظ أنه ما كان في أزمة فكرية عندهم. هو السؤال: الأعرابي ما فهم الضحك كما تقولون يا مجسمة، ولا شو فهم الضحك؟ هل هو إرادة الإسعاد كما يقولون الأشاعرة، أم إرادة الإنعام، أم الإرادة؟ هو بالعكس، سؤاله «ويضحك ربنا» يدل على أنه فهم الضحك معنى الضحك ولم يفهم الضحك بمعنى الإرادة. لذلك هو أصلاً تعجب منه، معقول يضحك الله؟ أي محاولة لتحريف معنى سؤال الأعرابي هي إضاعة للوقت والجهد، واضح أن الأعرابي تعجب لأنه هل الإله يضحك؟ فقال نعم، ففسر الأعرابي بذلك وما عانى من أزمة نفسية في فهم الصفة، وقال: لن يعدم من رب يضحك خيرًا، انتهت القضية، فصح واضح أنه أثبت المعنى بما يليق بجلال الله.
قال: فضحك النبي ﷺ من قوله، وصعد المنبر فتكلم بكلمات، وكان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا رفع الاستسقاء، فرفع يديه حتى رُئي بياض إبطيه عليه الصلاة والسلام، وكان مما حفظ من دعائه: «اللهم اسقِ بلادك، وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحيِ بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثًا مريئًا مريعًا، طيبًا واسعًا، عاجلًا غير آجل، نافعًا غير ضار، اللهم اسقنا رحمة ولا تسقنا عذابًا، ولا هدماً، ولا غرقاً».
«اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء». فقام أبو لبابة بن عبد المنذر الأنصاري فقال: يا رسول الله، التمر في المربد! فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اسقنا».
حتى يقوم أبو لبابة عرياناً يسد ثعلب مربده بأزاره. قالوا: لا والله يا رسول الله، ما في السماء سحاب ولا قزعة، وما بين المسجد وبين سلع من شجر ولا دار. (وسلع هو جبل في المدينة). قال: فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترسي، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فوالله ما رأوا الشمس ستة أيام.
وقام أبو لبابة عرياناً يسد ثعلب مربده بأزاره، وفعلاً حصل كما قال النبي ﷺ. أبو لبابة قام عرياناً يسد ثعلب مربده بأزاره حتى لا يخرج التمر منه. والمربد هو المكان الذي كانوا يجففون فيه التمر، فكان أبا لبابة اضطر أن يسد هذا المكان حتى لا يخرج التمر منه، أي حتى لا يغرق بالماء فيخرج من المربد، فكأنه حمى التمر من وصول الماء إليه.
فجاء ذلك الرجل أو غيره فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل. فصعد رسول الله ﷺ المربد فدعا ورفع يديه مداً حتى رؤي بياض إبطيه، ثم قال: «اللهم حوالينا لا علينا، اللهم على الأكام والضراب وطون الأودية ومنابت الشجر». أي يا رسول الله اجعل المطر على الأكام والضراب؛ والأكام والضراب هي الهضاب، لكن أحدها أكبر من الآخر. قال: فإن جابت السحاب عن المدينة انجب الثوب، يعني انسحبت السحاب عنها كَسحب الثوب.
وقدم على رسول الله ﷺ وفد بني أسد عشرة رهط، فيهم أُبي بن معبد وطليحة بن خويلد، وأُبي بن معبد أحد خيار الصحابة. ورسول الله ﷺ جالس في المسجد مع أصحابه فسلموا وتكلموا، وقال متكلم: طليحة هذا أسلم ثم ارتد ثم عاد فأسلم؛ هذا طليحة بن خويلد الأسدي.
قال متكلم: يا رسول الله، إنا شهدنا أن الله وحده لا شريك له وأنك عبده ورسوله، وجئناك يا رسول الله ولم تبعث إلينا بعثاً، ونحن لمن وراءنا. وقال محمد بن كعب القرظي: فأنزل الله على رسوله عليه الصلاة والسلام: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 9]. فظاهر كلامهم أنه كان في منه، أننا جئنا مسلمين بدون ما تحتاج أن تقاتلنا، فكأنه كان في نوع من إظهار المنة.
وكان مما سألوا رسول الله ﷺ يومئذ العيافة والكهانة وضرب الحصى، فنهاهم عن ذلك كله، فقالوا: يا رسول الله، إن هذه أمور كنا نفعلها في الجاهلية، أرايت خصّة بقيت؟ قال: وما هي؟ قالوا: الخط؛ علمه نبي من الأنبياء، فمن صدف مثل علمه علم.
وذكر الواقدي عن كريمة بنت المقداد قالت: سمعت أمي ضباعة بنت زبير بن عبد المطلب تقول: قدم وفد بهراء من اليمن وهم ثلاثة عشر رجلاً، فأقبلوا يقودون رواحلهم حتى انتهوا إلى باب المقداد ونحن في منازلنا ببني حديلة. فخرج إليهم المقداد فرحب بهم وأنزلهم، وجاءهم بجنة من حيث كنا هيأناها قبل أن يحلوا، لنجلس عليها. والحيث هذا كان معروفاً بالمدينة بكونه تمراً مع سمن، نوع من الطعام.
فحملها أبو معبد المقداد وكان كريماً على الطعام، فأكلوا منها حتى نهلوا، وردت إلينا القصعة وفيها أكل، فجمعنا ذلك الأكل في قصعة صغيرة، ثم بعثنا بها إلى رسول الله ﷺ مع سدرة مولاتي، فوجدته في بيت أم سلمة، فقال رسول الله ﷺ: «ضباعة، أرسلت بهذا؟» قالت: نعم يا رسول الله، قال: «ضعي». ثم قال: «ما فعل ضيف أبي معبد؟» قلت: عندنا، فأصاب منها رسول الله ﷺ وأهل بيته أكلاً وهم في البيت حتى نهلوا، وأكلت معهم سدرة. ثم قالت: «بما بقي إلى ضيفكم؟» قالت: سدرة، فرجعت بما بقي في القصعة إلى مولاتها.
شوف أكلت معهم سدرة! هذا بحد ذاته موقف يدل على كيف النبي عليه الصلاة والسلام تواضع؛ سدرة من هي؟ هي مولاة وجارية، ومع ذلك لما وضعت السدرة بين يدي النبي ﷺ نزلت وأكلت معهم، الأمور ما فيها ثقل أو تعامل بارتفاع عن الناس.
قالت: فأكل منها الضيف ما أقام، ونرددها عليهم وما تغيض، حتى جعل الضيف يقولون... تخيلوا هذه القصعة وهذا الصحن، الضيف يأكل منه أياماً ولا ينقص شيئاً، كلما أكل منه لا تنقص، ويبقى الطعام فيها كما هو، هذه من معجزات النبي ﷺ في تكثير الطعام.
قالت: يقولون: يا أبا معبد، إنك لتنهل من أحب الطعام إلينا، وما كنا نقدر على مثل هذا إلا في الحين، وقد ذكر لنا أن بلادكم قليلة الطعام، إنما هو العلق أو نحوه، ونحن عندكم في الشبع. فأخبرهم هذا الرجل: نحن في بلادنا نأكل هذا الطعام، يا أبا معبد إنك لتنهل من أحب الطعام إلينا، وهذا الطعام لم أجده إلا الآن، وقد ذكر لنا أن بلادكم قليلة الطعام، أي أنا مستغرب أنه هذا لا نجده في بلادنا، وأنا سمعت أن المدينة النبوية ما فيها طعام كثير إنما هو العلق أو أشياء بسيطة، فالمعلوم الذي وصل إلينا أن المدينة قليلة الطعام، فالمعلومة ليست دقيقة.
فأخبره أبو معبد بخبر رسول الله ﷺ أنه أكل منها أكلاً وردها، فهذه بركة أصابع رسول الله ﷺ، فجعل القوم يقولون: هذه بركة الأصابع النبوية، لذلك مش عم تخلص. قال: فجعل القوم يقولون: نشهد أنه رسول الله، وازدادوا يقيناً. قال: وذلك الذي أراد رسول الله ﷺ.
وتعلموا الفرائض وأقاموا أياماً، ثم جاءوا رسول الله ﷺ فودعوه وأمر لهم بجوائزه، ثم انصرفوا إلى أهلهم. وقدم على رسول الله ﷺ وفد بني عذرة في صفر سنة تسع، اثنا عشر رجلاً فيهم جمرة بن نعمان، فقال رسول الله ﷺ: «من القوم؟»، فقال متكلم: «من لا تنكر، نحن بنو عذرة، إخوة قصي لآمه، من لا تنكر؟»، يعني من لا يجهل، يعني قوم لا نجهل، معروفون بنو عذرة.
قال: نحن الذين ضضو قصي وأزاحت من بطن مكة خزاعة وبني بكر، نحن شاركنا جدك قصي بن كلاب في قتال خزاعة وأزاحت، وعم أبدي بكر عن السيطرة على مكة، ولنا قرابات وأرحام. قال رسول الله ﷺ: «مرحباً بكم وأهلاً، ما أعرفني بكم»، هذا يعني ما أشد معرفتي بكم، كأنه يقول لا طبعاً بعرفكم، تمثلكم لا يجهل. قال: فأسلموا، وبشرهم رسول الله ﷺ بفتح الشام، وهرقل إلى ممتنع بلاده، ونهاهم عن سؤال الكهنة، وعن الذبائح التي كانوا يذبحونها، وأخبرهم أنه ليس عليهم إلا الأضحية، وأقاموا أياماً بدار رملة ثم صافوا وقد أجيزوا.
وقدم على رسول الله ﷺ وفد بني بلي في ربيع الأول من سنة بلي، الذين منهم قبيلة بني بلي، تعرفوا قبيلة بني بلي نسبة إلى القبيلة. قال: فأنزل رويفع بن ثابت البلوي عنده، وأقدم بهم على رسول الله ﷺ، وقال: هؤلا... واضح أنه في واحد منهم كان مقيماً في المدينة، في واحد من عيلة البلوي كان مقيماً في المدينة فنزل قومه عنده.
قال: وقال لهم رسول الله ﷺ: «الحمد لله إذا هداكم الإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو في النار». وقال له أبو الضبيب، شيخ الوفد: «يا رسول الله، إني رجل لي رغبة في الضيافة، فهل لي في ذلك أجر؟»، قال: «نعم، وكل معروف صنعته إلى غني أو فقير فهو صدقة». سبحان الله، أنا رجل بحب الضيافة، بحب أخدم الناس، سبحان الله صفة جميلة. قال: «يا رسول الله، ما وقت الضيافة؟»، قال: «ثلاثة أيام، ثم كان بعد ذلك فصدقة». ولا يحل للضيف أن يقيم عندك فيحرج، يعني السنة في الضيافة إذا جاءك غريب إلى قريتك أن تستضيفه ثلاثة أيام، والواجب يوم وليلة، وطبعاً لا يحل للضيف أن يمكث أكثر من ثلاثة أيام بدون إذن صاحب البيت حتى لا يكون ثقيلاً على البيت.
قال: «يا رسول الله، أرايت الضالة من الغنم، أجدها في فلاة من الأرض، لك أو لأخيك أو للذئب؟»، قال: فالبعض حتى يجده صاحبه، التي هي ضوال الأبرة. قال: رويفع ثم أقاموا فرجعوا إلى منزله، فإذا رسول الله ﷺ يأتي منزله يحمل تمراً، فقال: «استعن بهذا التمر»، فكانوا يأكلون منه ومن غيره، فأقاموا ثلاثاً ثم ودعوا رسول الله ﷺ وأجازهم ورجعوا إلى بلادهم.
شوف النبي ﷺ عارف أن رويفع البلوي ما عنده في بيته طعام يكفي الضيوف، فالنبي ﷺ شوف اهتماماته بتفاصيل الأمور، شوف الاهتمامات بأيش؟ مش بس تفاصيل الأمور، إنه هم نازلين عند رويفع، طيب رويفع عنده طعام يكفيهم؟ لا، ما عنده، النبي ﷺ بنفسه وأخذ تمراً: «يا رويفع، خذ هذا التمر خليه عندك ضيف جماعتك منه». التفكير في تفاصيل الأمور من سمات القائد الناجح مع تواضع تام، مع اهتمام مع احتفاء.
وقال: وقدم على رسول الله ﷺ وفد بني مرة، ثلاثة عشر رجلاً رأسهم الحارث بن عوف، فقال: «يا رسول الله، إنا قومك وعشيرتك، نحن قوم من بني لؤي بن غالب»، فتبسم رسول الله ﷺ وقال للحارث: «أين تركت أهلك؟»، إنه إحنا نسب للؤي بن غالب لجدك، واضح كل قبيلة لها نسب عن النبي ﷺ، طبعاً يا رسول الله بقرب لكم، بتعرف يصير كل واحد يحاول أن يتخذ يداً له، شأن يدير باله عليه. هذول الجماعة قبل شوية قلنا نحن من جماعة قصي بن كلاب ساعدناه، هؤلاء نحن لنا علاقة بجدك لؤي بن غالب، هذا الجد رقم ثمانية.
وقال للحارث: «أين تركت أهلك؟»، قال: «بسلاحه وما والاها»، قال: فسلاحة اسم منطقة. وقال: «فكيف البلاد؟»، قال: «والله إنا لمسنون وما في الغنم مخ»، فادعوا الله لنا، يعني إحنا الوضع صعب، المال الظاهر هو الغنم وما فيها مخ، دلالة أن الغنم عجفاء. متى يقال للغنم ما فيها مخ؟ إذا كانت هزيلة عجفاء، فالمال هنا الذي يظهر هو الغنم، البلد مجدبة والغنم ما فيها مخ دلالة أنها مستوية. يعني شيخنا مسنون من السنة، يعني سنة مجاعة، لذلك السنة إذا قيلت عند العرب تكون شديدة، أما إذا العام تمام، عام فيه يغاث الناس، يكون عام خير، فعرب إذا قالت سنة دلالة الشدة والصعوبة.
قال: فادعوا الله لنا، قال رسول الله ﷺ: «اللهم أسقم الغيث». فأقاموا أياماً ثم أرادوا الانصراف إلى بلادهم فجاؤوا رسول الله ﷺ مودعين له، فأمر بلالاً أن يجيزهم، فأجاهم بعشر أواقٍ فضة.
هنا لاحظ أن النبي ﷺ مع هذه القبائل عم بكلمهم عن أوضاعهم الاقتصادية، ملاحظين هذا البعد؟ يعني النبي ﷺ لما كان يتكلم عن الأوس والخزرج وبايعوه بيعة العقبة الأولى والثانية ما كان في البعد المالي حاضر في النقاش، أنه هؤلاء هم نواة تأسيس المشروع الإسلامي، فبالتالي ما كان البعد المالي والإجازة والهدايا، أنتم البنية، أنتم الرعيل الأول، ما لكم إلا الجنة. لكن هنا بعد سنوات من الانتصار وأصبح للإسلام دولة قائمة، أصبحت كل قبيلة تأتي، هم عن الوضع الاقتصادي، عن الحال، كيف الأمور المالية.
ولا لاحظ أنه النبي صلى الله عليه وسلم ربما ما كان عنده قدرة أن يعطيهم المال، لكن كان له الدعاء فكان يدعو الله لهم أن يغيث كذا؛ لأنه تحسين أوضاعهم الاقتصادية هذا سبب من أسباب ثباتهم على الدين، خلينا نحكي، وكان يحرص أيضاً أن يجيز بجوائز دائماً يرجعهم بهدايا.
فإذاً من أسلم متأخراً ربما طريقة التعامل معه كانت تختلف مع من أسلم في البداية من حيث طبيعة النقاش وطبيعة الحوار وما يعول عليهم، لذلك سيأتي من بعد ما مات النبي عليه الصلاة والسلام تسعون بالمائة من هذه القبائل اللي بنتكلم عنها شو صارت آت؟ مع أن النبي عليه الصلاة والسلام دعا لهم بالبركة وأعطاهم جوائز وتعامل معهم بإحسان تمام، وهذا يدل على أنه الرسوخ وأن تكون كما قال صليباً على دينك هذا مشروع تزكو، بعد ذلك أنت بدك تبذله.
فهؤلاء قوم كما قال بعضهم: أسلم رغبة، وبعضهم أسلم خوفاً من السيف، ماشي، هو أسلم، لكن وإسلامه بسبب وجود ذات النبي عليه الصلاة والسلام، بمجرد أن فقد النبي صلى الله عليه وسلم توفي ظهرت الهشاشة، وظهر أن أكثر هؤلاء إيمانه إيمان على حرف، إيمان هش، بمجرد ما توفي النبي صلى الله عليه وسلم سقط ووقع، فليس هذا هو الإيمان إيمان الأوس والخزرج الرعيل الأول، إلا بالطبع القلة من هؤلاء الذين كان إسلامهم صليباً.
نعم، قال: ما فهمت، مش زيادة أواق، أنا ما ركزت فيها هذه، ففاجأهم بعشر أواق، الآن كان نوع من تكرار بعشر أواق عشر أواق فضة كان ممكن يحمل على هذا، يعني نوع من البدل، نوع من البدل الكاشف، أنا قلت تكرار؛ لأنه ما أحذف الياء قلت ممكن أكررها.
قال: وفضل الحارث بن عوف أعطاه اثنتي عشرة أوقية، ورجعوا إلى بلادهم فوجدوا البلاد مطيرة، فسالوا متى مطرت؟ فاذا هو ذلك اليوم الذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وأخصبت بعد ذلك بلادهم.
قال: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان سنة عشر وفد خولان وهم عشرة، فقالوا: يا رسول الله، خولان من أعظم قبائل اليمن. نعم قال، فقال: يا رسول الله، نحن على من وراءنا من قومنا ونحن مؤمنون بالله عز وجل مصدقون برسوله، قد ضربنا إليك أباط الإبل وركبنا حزون الأرض وسهولها، يعني ركبنا الحزون يعني الجبال والوديان حتى وصلنا إليك من اليمن، والمنة لله ولرسوله علينا، يعني مش زي هذولاك، هذولاك منوا بالإسلام، والمنة لله والرسول، إحنا بنحكي أنه إحنا منا، وقدمنا زائرين لك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ما ذكرت من مسيركم إليَّ فإن لكم بكل خطوة خطاها بعير أحدكم حسناً، وأما قولكم زائرين لك، فإنه من زارني بالمدينة كان في جواري يوم القيامة.
قال: يا رسول الله، هذا السفر الذي لا توى عليه.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يعني لا تو يعني لا يؤسف عليه، يعني هذا سفر لا أسى عليه أو يعني مش مخسر خليك، هذا السفر الصح يعني سفر كل خطوة في حسنة.
نعم قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل عم أنس وهو صنم خولان الذي كانوا يعبدونه؟
قالوا: بشر بدلنا الله ما جئت به، وقد بقيت منا بعد بقايا من شيخ كبير وعجوز كبيرة متمسكون به، ولو قدمنا عليه هدمناه إن شاء الله تعالى، فقد كنا منه في غرور وفتنة.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما أعظم ما رأيتم من فتنته؟
قالوا: لقد رأيتنا وسن حتى أكلنا الرمة، سنتنا يعني أصابنا قط، حتى أكلنا الرمة، أكلنا الرمة العظام الرميم والأشياء الرميم وعد في الدواب الرميم، فجمعنا ما قدرنا عليه وأمتعنا مئة ثور ونحرها لعم أنس قرباناً في غداة واحدة، وهذا عم أنس هذا اسم صنم اسمه عم أنس، وتركناها تريدها السباع ونحن أحوج إليها من السباع، فجاءنا الغيث من ساعتنا، ولقد رأينا العشب يواري الرجال، ويقول قائل: أنعم علينا عم أنس، وذكر فتنة يعني صارت فتنة لهم أنه لما ذبحوا لهذا الصنم شوي والمطر جاي، فماذا قال الناس؟ أنعم علينا عد أقنع الناس أن هذه فتنة يا جماعة وأن هذا صنم لا يضر ولا ينفع.
وذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا يقسمون للصنم، هذا من أنعام شيخ الإسلام وابن القيم عالجنا كثيراً ومثيراً المواقف أنه كيف الذين يستغيثون بالقبور تجد استغاث بالقبر فقضيت حاجته فيزداد يقيناً أن القبر هو الذي كان سبباً في تلبية حاجته وليس أن الله امتن عليه لمعرفته باضطرار ورأفة بنسائه وأطفاله حتى لا تهلك، وفي نفس الوقت كان فتنة عليه أن جاءت الإجابة مقارنة لدعائه للصنم أو لدعائه للمستغيث عفواً للقبر الميت، وهذه من الفتن نسال الله فعلاً أن يفتن النصف السلام والعافية.
قال: وإنهم كانوا يجعلون من ذلك جزءاً له، جزءاً لله بزعمهم، قالوا: كنا نزرع الزرع فنجعل له وسطة فنسمع آخر حجرة لله، فإذا مالت الريح فالذي سميناه لله جعلناه لعم أنس، وإذا مالت الريح فالذي جعلناه لعم أنس ثم لم نجعله لله، فذكر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل انزل عليه في ذلك: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 136]، وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً، معنى حجرة لله يعني وقف لله يعني موقوف لله سبحانه.
قالوا: وكنا نتحاكم إليه فنكلمان، رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الشياطين تكلمهم، يعني كنا نتحاكم إلى عم أنس هذا تبعهم فكان ماذا كان يتكلم؟ كانوا يستغربوا كيف عم أنس يتكلم؟ فقال: هذه الشياطين والكهان يتكلمون على لسانه.
وسالوه عن فرائض الدين فأخبرهم وامرهم بالوفاء بالعهد واداء الأمانة وحسن الجوار لمن جاوره، وأن لا يظلموا أحداً، قال: فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، ثم ودعوه بعد أيام وأجاز ورجعوا إلى قومهم فلم يحلوا عقده حتى، أول ما وصلوا هدموا عم أنس، وهنا طبعا يقول حجرة لله وتسمى زر آخر حجرة لله، هنا جعل الحجرة معنى الناحية.
طبعا لاحظ أن لابد أن يكون الداعي يا إخواني له قدرة على الإجابة عن الشبهات، يعني كيف هؤلاء القوم عندهم مجموعة من الشبهات؟ شبهة أنه احنا لما قربنا له نزل المطر، شبهة أننا لما كنا نتكلم مع الصنم كنا نسمع صوت يخرج، فقال: هذه الشياطين، قدرتك على إجابة الشبهات مهمة جداً لإقناع اللي جاي يسلم، وإذا أنت ما بتعرف تجيب عن الشبهات سيزداد ثباتاً على باطله.
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع وهو العام العاشر، وفد قبيلة محارب، وهم كانوا أغلظ العرب وأفظه على رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك مواسم أيام عرضه نفسه القبائل يدعون إلى الله، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عشرة، يعني في أيام ما كان في مكة وكان يلف على القبائل صلى الله عليه وسلم قبل ما يكتشف الأوس والخزرج، مش كان يلف على القبائل في الموسم من يؤيني، من يؤيني في ذاك في تلك المواسم؟ كان من أشد العرب فضاضة في الرد عليه هؤلاء بنو محارب، الآن جاؤوا بعد عشر سنوات جاؤوا مسلمين، اختلف التاريخ، اختلفت الأمور الموازين.
فأسلموا وكان بلال يأتيهم بغداء وعشاء إلى أن جلسوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً من الظهر إلى العصر، فعرف رجلاً منهم فمده النظر، فلما راه المحاربي يديم النظر إليه قال: كأنك يا رسول الله توهمني؟ قال: قد توهمني، يعني أنت بتخيل بتشبهني على أحد، توهوني يعني بيشبهني على أحد أو بتحاول تعرف مين أنا؟ قال: لقد رايتك.
فقال المحاربي: أي والله لقد رايتني وكلمتني وكلمتك بأقبح الكلام، هو النبي صلى الله عليه وسلم متى رأى هذا الرجل؟ قبل أحد عشر سنة لما كان في مكة صلى الله عليه وسلم وهو يبحث عن قبيلة تؤوي قالوا: مش أنت اللي شفتك قبل عشر سنوات في مكة لما كنت أبحث عن قبيلة؟ وأنت وهو الرجل اعترف، قال: نعم أنا اللي رايتني وأنا اللي رديت عليك بأقبح الكلام، سبحان الله.
ورددتك بأقبح الرد بعكاظ وأنت تطوف على الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم.
ثم قال المحاربي: يا رسول الله، ما كان في أصحابي أشد عليكم أذىً ولا أبعد من الإسلام مني، فالحمد لله الذي أبقاني حتى صدقت بك، ولقد مات أولئك النفر الذين كانوا على دينهم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إن كانوا معي قبل عشر سنوات ماتوا وأنا الوحيد اللي بقيت على قيد الحياة، انكتبت له هداية، مكتوب له يسلم.
فقال صلى الله عليه وسلم: إن هذه القلوب بيد الله، سبحان الله.
فقال المحاربي: يا رسول الله، استغفر لي من مراجعتي إياك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استغفر لي من أسلوبه لما تكلمت معك سافر.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الإسلام يجب ما كان قبله من الكفر، ثم انصرفوا إلى أهلهم.
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد صداء في سنة ثمان، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف من الجعرانة بعث بعوثاً إلى اليمن وهيأ بعثاً استعمل عليهم قيس بن سعد بن عبادة وعقد له لواء أبيض ودفع إليه راية سوداء وعسكر بناحية قناة في أربع مئة من المسلمين، وأمره أن يطأ ناحية من اليمن كان فيها صداء قبيلة صداء.
فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل منهم وعلم بالجيش فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، جئتك وافداً على من ورائي فأردد الجيش وأنا لك بقومي.
فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن سعد من صدور قناة، يعني أنا بكفل لك قومي وبجيب لك إياهم.
وخرج الصدائي إلى قومه فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر رجلاً منهم، فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله، دعهم ينزلوا عليه، فنزلوا عليه فحبهم وأكرمهم وكساهم، ثم راح بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام وقالوا: نحن لك على من وراءنا من قومنا، فرجعوا إلى قوم ففشا فيهم الإسلام، فوافى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مئة رجل في حجة الوداع.
ذكر هذا الواقدي عن بعض بني المصطلق، وذكر من حديث زياد بن الحارث الصدائي أنه الذي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أردد الجيش وإن لك بقومي فردهم.
وقدم وفد قوم هذا الرجل الذي جاء بقومه، أظن مرت معنا القصة هو الحارث أو زياد بن الحارث الصدائي، طبعا زياد بن الحارث كان أسلم متقدماً، أسلم في زمن متقدم، لكن قومه لم يسلموا، فهو تكفل للنبي صلى الله عليه وسلم أنه خلاص أنا بجيب لك قومي مسلم.
وقدم وفد قومه عليه، فقال: يا أخا صداء إنك لمطاع؟ قال قلت: بل يا رسول الله من الله عز وجل ومن رسوله صلى الله عليه وسلم.
وكان زياد هذا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، قال: فاعتشى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي سار ليلة واعتشينا معه، وكنت رجلاً قوياً، قال: فجعل أصحابه يتفرقون عنه ولزمت غرزه، فلما كان في السحر قال: أذن يا أخا صداء، فأذن على راحلتي ثم سرنا حتى نزلنا فذهب لحاجته ثم رجع فقال: يا أخا صداء هل معك ماء؟ قلت: معي شيء في أدواتي.
فقال: هاتِهِ.
فجئت به فقال: صب، فصبت ما في الأدوات في القعب وجعل أصحابه يتلاحقون، ثم وضع زي جفنة يعني زي تس، نعم، كان يصب فيه الماء ليتوضأ فيه.
قال: فرايت من بين كل إصبعين من أصابعه عيناً تفور، ثم قال: يا أخا صداء لولا أني أستحي من ربي عز وجل سقينا وأسقينا، ثم توضأ وقال: أذن في أصحابي من كانت له حاجة بالوضوء فليرد.
فورد من آخرهم، ثم جاء بلال ليقيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أخا صداء أذن، ومن أذن فهو يققيم، فأقمت.
ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا، وكنت سالته قبل أن يمرني على قوم ويكتب لي بذلك كتاباً ففعل، فلما سلم يريد من صلاته قام رجل يتشكى من عمله، فقال يا رسول الله: إنه أخذنا بذحول كانت بيننا وبينه في الجاهلية، ذحول يعني بثار.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا خير في الإمارة لرجل مسلم.
ثم قام رجل فقال: يا رسول الله أعطني من الصدقة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لم يكل قسمها إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل، الزكاة أعطيني من الصدقة يعني الزكاة، حتى جزاها على ثمانية أجزاء، فإن كنت جزءاً منها أعطيتك، وإن كنت غنياً عنها فإنما هو صداع في الراس وداء في البطن.
قلت في نفسي وكنت سألته قبل أن يأمرني وهو عنه أن أخا صداء أذن ثم تقدم النبي صلى الله عليه وسلم.
فصلى بنا وكنت سألته قبل أن يأمرني على قومي ويكتب لي بذلك كتاباً ففعل، يعني هو كان سأله الإمارة، فلما سلم يريد من الصلاة قام رجل يتشكى من عامله، من عامل من العمال تعون النبي عليه الصلاة والسلام.
فقال: يا رسول الله، إنا أخذنا بدحاً كان بيننا وبينها في الجاهلية، يعني هذا الرجل أمرته علينا فصار يثار منا بسبب مشاكل كانت بينا في الجاهلية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا خير في الإمارة لرجل مسلم»، يعني الإمارة الأصل أن المسلم لا يطلبها، يعني مش شيء مكسب أنك تطلبه أنك تصير أمير. وكان أخو صداء كان طلب الإمارة، فكانها رسالة له مبطنة.
هنا سياسة شرعية، يعني دائماً لما تنظر في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، الآن كقاعدة عامة نحن لا نولي هذا أمراً أحداً طلبه بقاعدة عامة، لكن أنا هدول بنو صداء مغلبين شوي، وأجاني واحد منهم طلب مني وأنا تفرجت في أنه يعني المصلحة لي في هذا الموقف بحد ذاتي أن أضعه، هذا ما أسميه حالة الاستثنائية، يعني أنه في لي مصلحة أنه هو يكون، وحتى ولو طلبها خليه، لكن بشكل عام لو أجا واحد قال لي: هل تنصح أن أطلب الإمارة؟ بقول لك: لا، لا تطلب الإمارة، الإمارة مشكلة. والعادة من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يعطي الإمارة لأحد سألها إلا كحالات استثنائية تقتضي المصلحة في ذاك الموقف فعلها.
قال: فقلت في نفسي هاتان خصلتان؛ حين سألت الإمارة وأنا رجل مسلم، وسألته من الصدقة وأنا غني عنها، قلت: يا رسول الله، هذان كتابك فاقبلهما، وربما قلت: إني سمعتك تقول لا خير. حتى لما كتب له النبي صلى الله عليه وسلم الإمارة لاحظ أنه في نفس الموقف أعطاه رسالة: ترى لا خير في الإمارة لرجل مسلم، عشان هيك هو انتبه بعد ذلك.
شوف شو يقول: فقلت في نفسي هاتان خصلتان حين سألت الإمارة وأنا رجل مسلم، وأعطاني كتب لي فيها كتاب بس في نفس الموقف قال، وصل لي الرسالة: ترى مش لصالحك، وسألته من الصدقة وأنا غني عنها، فقلت: يا رسول الله، هذان كتابك فاقبلهما، يعني خلص رجع الكتاب، قال: يا رسول أنا إمارة ما بدي، وهاي الصدقة أنا ما بدي ياها. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم -ولما قال-: إني سمعتك تقول: «لا خير في الإمارة لرجل مسلم» وأنا مسلم، وسمعتك تقول عن الصدقة: «من سأل من الصدقة وهو عنها غني فإنما هي صداع في الراس وداء في البطن»، وأنا غني.
فقال صلى الله عليه وسلم: «أما إن الذي قلت كما قلت»، كلامك صح، فقبلهما النبي صلى الله عليه وسلم. شوف الرجل إذا فهم الرسالة بس بايسر السبل بدون ما أن النبي صلى الله عليه وسلم يواجه: لا، لا رح أحطك أمير. كتب له الإمارة وهو يعلم صلى الله عليه وسلم بعد ساعتين زم رح يرجع الكتاب، ما بدي الإمارة.
قال: فقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «دلني على رجل من قومك أستعمله»، فدللته على رجل منهم فاستعمله.
قلت: يا رسول الله، إن لنا بئراً إذا كان الشتاء كفانا ماؤها، وإذا كان صيفه قل علينا، فتفرق على المياه، والاسلام اليوم فينا قليل ونحن نخاف، فدع الله عز وجل لنا في بئرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني أن لنا بئر إذا كان الشتاء هذا البئر بكفينا، إذا اجا الصيف بقل ماؤه فنضطر أن نذهب الى آبار أخرى فيها مشركون، فيا رسول الله ادعو الله أن يبارك في بئرنا حتى نبقى نحن على بئر ولا نحتاج أن نذهب إلى قبائل المشركين نكون بينهم من أجل المياه-.
فقال صلى الله عليه وسلم: «ناولني سبع حصيات»، فناولته، فركه بيده صلى الله عليه وسلم، ثم دفعهن إليه وقال: «إذا انتهيت إليها فالق فيها حصاة حصاة واحدة بعد الثانية وسم الله»، ففعلت، فما أدركنا لها قعر حتى الساعة، يعني البئر يعني الحجر لا يصل إلى قعرها.
قال: وققدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد غسان في شهر رمضان، أو قد يكون المراد: فما أدركنا لها قعر، قد يكون يعني لم تجف، يمكن أن يكون هذا هو الذي أظهر لي، ما أدركنا لها قعر يعني لم نرى لم نرها جافة، لم نبصر لها قعر، دلالة على أنه مش أن الحصا يعني كانت عميقة ما حدا يعرف نهايتها، قد يكون المراد أننا لم نرى قاعها من تلك الساعة دلالة على أنها دائما مليئة بالماء.
قال: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد غسان في شهر رمضان سنة عشر، ثلاثة نفر فأسلموا، وقال: لا ندري أيتبعنا قومنا أم لا، ثلاثة بس شايف! قال: هم يحبون بقاء ملكهم وقرب قيصر. فاجاهم رسول الغساسنة، من مين؟ من الغساسنة، والغساسنة هم أصلا زعماء الشام وشمال الجزيرة العربية لصالح الروم، فهم بحكوا أن قومنا يحبون البقاء في مع النصارى مع الروم، يحبون البقاء في ملك الروم، لأنه الروم كانوا مين؟ مشبعين يعني زي ما تحكي.
قال: فاجازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوائزه وانصرفوا راجعين، فقدموا على قومهم فلم يستجيبوا لهم، وكتموا إسلامهم حتى مات منهم رجلان على الإسلام، وأدرك الثالث منهم عمر بن الخطاب في عام اليرموك، فلقي أبا عبيدة فخبره بإسلامه فكان يكرمه، خبره أن احنا اجينا زمان عند النبي عليه الصلاة والسلام.
قال: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد سلامان سبعة نفر، قال فيهم حبيب بن عمر السلاماني فأسلم. وقال حبيب: قلت يا رسول الله، ما أفضل الأعمال؟ قال: «الصلاه في وقتها»، ثم ذكر حديثاً طويلاً، وصلوا معه يومئذ الظهر والعصر. قال: فكانت صلاة العصر أخف في القيام من الظهر، ثم شكوا له جدب بلادهم، فقال رسول الله -لاحظ كل قبائل العرب مستوية، كل واحد بيجي بقوله: يا رسول الله، يا البير خربan، يا في السن، يا فيش طعام-.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده: «اللهم اسقهم الغيث في دارهم»، قلت: يا رسول الله، ارفع يدك في أنه أكثر وأطيب. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع يده حتى رايت بياض إبطيه. نعم، يا رسول الله، بنا اياك ترفع ايديك يعني هي بتجيب اشيء أكثر.
قال: ثم قام وقمنا عنه، فأقمنا ثلاثاً وضيافتنا تجري علينا، ثم ودعناه وامر لنا بجوائز، فأعطونا فضة لكل رجل منا، وانتظرنا بلال وقال: ليس عندنا اليوم مال، فقلنا: ما أكثر هذا وطيبه! ثم رحلنا إلى بلادنا فوجدناها قد مطرت في اليوم الذي دعا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، سبحان الله. وكان مقدم في شوال سنة عشر.
وقدم على رسول وفد بني عبس، فقال رسول الله: قدم علينا قراؤنا فأخبروا أن لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومشية، فهي مشيتنا، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له فلا خير في أموالنا، نبتاعها ونهاجر من آخرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله حيث كنتم، فلن يلتكم من أعمالكم شيئاً»، فلن ينقصكم، كما قلنا ما كان في داعي الهجرة في ذاك الوقت.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله حيث كنتم، فلن يلتكم من أعمالكم شيئاً». وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خالد بن سنان هل له عقب؟ فأخبروها أنه لا عقب له، كانت له ابنة فانقرضت. وأنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه عن خالد بن سنان فقال: «نبي ضيعه قومه».
قال الواقدي: وسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن خالد بن سنان هل له عقب، هل له ذرية؟ فأخبروه أنه لا عقب له، كانت له ابنة فانقرضت. وأنشأ النبي صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه عن خالد بن سنان أنه كان نبي -الظاهر أنه من أجيال القديمة يعني الله أعلم به يعني أنه نبي ضيعه قومه- أي لم يؤمنوا به تماماً، لكن ما قصته ما تفاصيله؟ واضح أن النبي عليه الصلاة والسلام يملك فيها تفاصيل غيبية من الله.
قال الواقدي: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد عامر سنة عشر وهم عشرة، فنزلوا في بقيع الغرقد، وهو يومئذ أثل وطرفاء، ثم انطلقوا إلى رسول الله -فيه شجر الأثل والطرفاء، البقيع بتعرف مقبرة البقيع كان فيها أشجار في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، كانت مكان للشجر ماشي، كانوا يدفنون فيها لكن كان فيها شجر-.
قال: ثم انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا عند رحالهم أحدثهم سناً فنام عنه، وأتى سارق فسرق عيبة لأحد فيها أثواب له، وانتهى القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه وأقروا له بالإسلام، عيبة يعني زي شنطة فيها ثيابه.
قال: وكتب لهم كتاباً فيه شرائع من شرائع الإسلام، وقال لهم: «من خلفتموني؟» فقالوا: حدثنا يا رسول الله، ما لأحد من القوم عيبة غيري. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فقد أخذت وردت إلى موضعها». فخرج القوم سراعا حتى أتوا رحلهم فوجدوا صاحبهم، فسألوه عما خبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: فزعت من النوم ففقدت العيبة فقمت في طلبها، فإذا رجل كان قاعداً فلما راني ثار يعدو مني، فانتهيت إلى حيث انتهى فإذا اثر حفر وإذا هو قد غيب العيبة فاستخرجتها، فقالوا: نشهد الرجل، قول أنا صحيت من النوم لقيت واحد ماخذ الشنطة فزعت وهو فزع فصار يهرب يركض، ما أدركت في البدايه لكن وصلت لمنطقة واضح أن فيها أثر حفر وعرفت أن دفن الشنطة هنا، ففتحت الحفرة فاستخرجت الحقيبة وعدتها إلى مكانها.
فقال: نشهد أنه رسول الله، فإنه قد أخبرنا بأخذها. وأن النبي عليه الصلاة والسلام تقصد أن يخبرهم بهذا الخبر يزيدهم إيماناً به.
قال: فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه، وجاء الغلام الذي خلفوه فأسلم، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب فعلمهم قرآناً، وأجازه صلى الله عليه وسلم كما كان يجيز الوفود وانصرفوا.
قال: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نخع، هم آخر وفد قدموا للنصف من المحرم سنة إحدى عشرة في مائة رجل، آخر الوفود هؤلاء.
قال: فنزلوا دار الأضياف، ثم جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل. فقال رجل منهم يقال له زراره بن عمر: يا رسول الله، إني رايت في سفري هذا عجباً، قال: «ما رأيت؟» قال: رايت أتانا تركتها في الحي كانها ولدت جدياً أسفع أحوى. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «هل تركت أمه لك مصرة على حمل؟» طبعا رايت أتانا، إني رايت في سفري هذا عجباً -يقصد رؤية نوم يعني وأنا نايم يا رسول الله فالسفر رايت رؤيا-. قال: وما رأيت؟ قال: رايت أتانا تركتها في الحي -الحمار، الأتان طبعا هي أنثى الحمار- كانها ولدت جدياً أسفع أحوى، أسود الوجه فيه سفعة في وجهه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تركت أمه لك مصرة على حمل؟» يعني قاربت، أو يعني جمعت، مصرة يعني كانها جمعت حملاً في بطنها. قال: نعم. قال: «فإنها قد وردت لك غلاماً وهو ابنك». قال: يا رسول الله، فما باله أسفع أحوى ليش يعني أس؟ قال: «أدن مني»، فأدنى منه. فقال: «هل بك من برص تكتمه؟» أنت فيك في جسدك برص مخبيه؟ قال: والذي بعثك بالحق ما علم به أحد! إياه، يعني كيف عرفت أنه في برص في منطقة مخفية؟ قال: ما علم به أحد ولا اطلع عليه غيره. قال: هو ذلك، طلع ابنك أسفع يعني في منطقة معينة سفعاء بيكون فيها يعني شحطة في مكان معين من الجسد.
فقال: يا رسول الله، ورايت النعمان بن المنذر عليه قرطان ودملجان ومسكتان، فقال: «ذلك ملك العرب»، رجع إلى احسن زيه وبهجته، ملك العرب، أو ملك العرب أظن هذه أشك فيها أني رايت النعمان بن منذر، أب النعمان بن منذر مات زمان، والد هذا شو اسمه؟ طوى عمر بن كلثوم جماعة، هؤلاء هدول كانوا في الجاهليه، فهو يقول: رايت النعمان بن منذر عليه قرطان ودملجان ومسكتان -زي سواران من ذهب يعني-. فقال: «هذا ملك العرب»، العرب سيعود لهم مجدهم وسوددهم، رجع إلى احسن زي، النعمان بن المنذر هو ملك من ملوك العرب من المناذرة، فكانه دلالة على عوده العرب ليملك الفرس والروم.
قال: يا رسول الله، رايت عجوزاً شمطاء خرجت من الأرض، شفت في النوم عجوز شمطاء كبيرة خرجت من الأرض. فقال: «تلك بقية الدنيا»، ما بقي من الدنيا، كأن الحياة الدنيا قاربت على نهايتها، كأنهم امرأة عجوز ما بقي إلا كم، هذه قشارة على أن الدنيا ما بقي منها إلا القليل.
قال: ورايت ناراً خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن يقال له عمر وهي تقول: لظى لظى بصير وأعمى أطعموني.
أكلكم أهليكم ومالكم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذه النار». قال: تلك فتنة تكون في آخر الزمان، عشان هيك شبهها بالنار. قال: وما يا رسول الله، وما الفتنة؟ قال: «يقتل الناس إمامهم، ويجرون أشجارا طباق الرأس»؛ يعني يطبقه، يعني يعمهم. وخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه، قال: «يحسب المسيء فيها أنه محسن» ها الفتنة، «ويكون دم المؤمن عند المؤمن أحل من شرب الماء»؛ يعني الواحد يكفر أخاه ويقتله زي كاسة مي، شوف كيف اليوم التكفير والغلو فيه؛ يعني بصير المؤمن يقتل أخوه المؤمن زي شربه الماء، يعني شو كفروا وارتدوا وقتلوا. طب هل راعيت ضوابط التكفير؟ هل أحكمت؟ هل أتقنتها؟ هذا والعياذ بالله في آخر الزمان يكثر أيضا.
قال: إن مات ابنك أدركت الفتنة، وإن مت أنت أدركها ابنك، وهذا دلالة على ماذا؟ على بزوغ الخوارج، هؤلاء أول طائفة من غلاة التكفير خرجت في آخر زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فقال: يا رسول الله ادع الله ألا أدركها، ادعيلي أنا أموت ولا أدركها. فقال: «اللهم لا يدركها» فمات وبقي ابنه، وكان ابنه ممن خلع عثمان، كان ابنه ممن شاركوا في الخروج على عثمان بن عفان. سبحان الله والمسك مفتوح.
قال: هو الذبل والمسك الأسور كما قلنا، تمام المسك الأورة كما قلنا تكون في الأيادي والخلاخيل من الذبل والقرون والعاج واحدتها مسك، قاله ابن سينا أحد الأئمة.
طيب ذكر، قال: ذكر بعثة صلى الله عليه وسلم إلى الملوك يدعو إلى الإسلام؛ بعث دحية الكلبي إلى قيصر الروم، إلى قيصر ملك الروم، وعبد الله بن حذافة إلى كسرى ملك فارس، وعمر بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة، وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، وعمر بن العاصي الجيفري وعبد ابني الجندل؛ جيفرا وعبد أسلم، وكان من الملوك الأفاضل ملكي عمان، بتعرف عمان بس عمان التاريخية ليست هي عمان المعاصرة من حيث كانت أوسع، تمام ما كانش في قديما قطر والكويت، تمام فكانت قطر والكويت تابعة للبحرين وما تحت قطر كانت إلى جزء من اليمن كانت تسمى عمان.
نعم، قال: وسليط بن عمرو العامري إلى ثمامة بن أثال الحنفي ملك اليمامة، والعلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين، وشجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك تخوم الشام، ويقال بعثه إلى جبلة بن الأيهم الغساني، والمهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد الكلاب الحميري ملك اليمن، هؤلاء يعني رسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الأرض في ذلك الوقت.
طيب قال: ذكر كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر وما كان من خبر دحية معه. نعم، ذكر القديم من حديث ابن عباس، من حديثه خرج في الصحيح، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه دحية الكلبي وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر، فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر. وكان عظيم بصرى اللي هو درعا؛ منطقة درعا تسمى بصرى الشام، تمام صح جزء من درعا، جيد. فطبعا أنت في النهاية صعب تدخل على ملك الروم مرة واحدة، يعني فكان لازم يعني زي الرسم بتروح على أمير درعا وهو بيعطيه الرسالة، هو بيدخلها على زعيم الروم.
نعم، قيصر قال: فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر، وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيليا، شكر الله عز وجل في طبعا أن هو مش قال سبحانه وتعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: 2-3]، فكانت واقعة الروم مع الفرس واقعة نينوى، وهي انتصر الروم على الفرس، فهنا الروم الآن في قمة نشوة الانتصار، فكان ملك الروم قيصر ذهب إلى إيليا، وإيليا بيت المقدس، مشى من حمص، حمص كانت معقل النصارى، وإلى اليوم أظنها يكثر فيها النصارى، صحيح حمص الشام، النصارى موجودين فيها من القدم بكثره، فالمهم مشوا إلى إيليا، مشى إلى إيليا على قدميه تدقينا؛ يعني رجل متعبد مشى، يعني مشى ترك الجمل والفرس ومشى على قدميه، قيصر مشى على قدميه من حمص إلى القدس الشريف من أجل أن يصلي شكرا لله أنه نصره على الفرس.
نعم، قال: فلما جاء قيصر كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: التمسوا لنا ها هنا من قومه أحدا أسألهم عنه، قيصر قال لهم: التمسوا أحدا من القرشيين من قوم هذا الرجل نسال عنه، نشوف عن محمد صلى الله عليه وسلم.
طيب قال ابن عباس: فخبرني أبو سفيان بن حرب أنه كان بالشام في رجال من قريش قدموا تجارة، وذلك في الهدنة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش. الآن هذه الرسالة بعث دحية بن خليفة إلى قيصر، هذا حقيقة إخواني كان يعني شوي رجع الزمن إلى الوراء، هذا كان قبل فتح مكة أصلا، هذا كان في فترة هدنة صلح الحديبية، ولسه أبو سفيان بن حرب مش مسلم، فالآن رجعك خطوة إلى الوراء إلى قبيل فتح مكة؛ دحية بن خليفة معه رسالة باتجاه قيصر زعيم الروم، مين كان خارج للتجارة إلى الشام؟ أبو سفيان بن حرب ومع قافلة من قريش، وكانوا مشركين عند ذلك.
طيب قال: فاتاني رسول قيصر فانطلق بنا حتى قدمنا إيليا، فأدخلنا عليه، فإذا هو جالس في مجلس ملكه وعليه التاج وحوله عظماء الروم، فقال لترجمانه: سلهم أيهم أقرب نسبا بهذا الذي يزعم أنه نبي. قال أبو سفيان: فقلت أنا أقربهم نسبا، وليس في الركب يومئذ رجل من بني عبد مناف غيري. قال قيصر: أدنو مني، ثم أمر بأصحابه فجعلوا خلف ظهري، ثم قال لترجمانه: قل لأصحابه إنما قدمت هذا أمامكم لأسأله عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، وإنما جعلتكم خلف كتفه لتردوا عليه كذبا إن قاله؛ يعني إذا كذب أحفظ كذبت.
نعم قال: قال أبو سفيان: فوالله لولا الحياء يومئذ أن يأثر علي كذبا لكذبت عليه. أبو سفيان بيقول: والله لولا الحياء لكذبت ولا شوهت المعلومة، لكن حتى ما تنحسب علي كذبة، شوف في مروءة، يعني حتى وهو مشرك في مروءة بحرف المروءات.
نعم قال: ولكني استحييت فصدقت وانا كاره، فما قال ترجمان كان حابب يشوه النبي عليه الصلاة والسلام قال: بس اضطريت أني أصدق.
نعم قال: ثم قال ترجمانه يقول له: كيف نسب هذا الرجل فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. قال: قل له هل قال هذا القول ذو نسب؛ يعني ذو مكانة شريفة في النسب هاشمي مطلبي من قصي بكلاب؟ طيب قال: قل له هل قال هذا القول أحد منكم قبله؟ قال: قلت له لا. قال: فهل كنتم تتهمون، هل قال هذا القول؟ هل أحد ادعى النبوة في قريش قبله؟ قال: ما أحد ادعى النبوة في قريش قبله. طيب قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: قلت له لا. قال: فهل كان من آبائه ملك؟ قلت: لا. قال: أشراف الناس يتبعونهم أم ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم. قال: فهل يزيدون أو ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت له: ونحن الآن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل بها، هي الجملة الوحيدة اللي حاول أبو سفيان يستغلها أننا الآن في الصلح، مش عارفين يعني هل راح يوفي ولا لا؟ مش متأكدين، وكانه أراد أن يدخل فيها يعني شيء.
نعم قال: قلت فهل قتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف حربكم وحربه؟ قلت: دول وسجال، ندال عليه مرة ويدال دول وسجال ايش يعني؟ دول يعني أحيانا يديل علينا وأحيانا يديل عليه، ينتصر أحيانا ونصحر. قال: فما يأمركم به؟ قال: قلت فما يأمركم به؟ قلت: يأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاه والصدق والعفاف والوفاء والعهد وأداء الأمانة.
فقال لترجمانه: قل له: إن سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وما سالتك هل قال هذا القول أحد منكم قبله؟ رسل أن الله يرسلهم دائما في أعلى بيوت قومهم، لا يرسل رسلا من بيت وضيع حتى لا يصدروا.
ثاني قال: فلو قال وسالتك هل قال هذا القول أحد منكم قبله فزعمت أن لا، فلو كان أحد منكم قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتم بقول قيل قبله. وسالتك هل يعني لو قلت رجل بده يعني يكرر قضية قيلت قبله بس يريد أن يقلد، لكن هذا الرجل لا يقلد، هو أول من فعل ذلك عندكم.
قال: وسالتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن لا، فقد عرفت أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.
وسالتك هل كان من آبائه ملك فقلت لا، فقلت لو كان من آبائه ملك لقلت رجل يطلب ملك أبيه.
وسالتك أشراف الناس يتبعونهم أم ضعفاؤهم فقلت ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل. وسالتك هل يزيدون أو ينقصون؟ فزعمت اتباع الرسل عادة هم المستضعفون.
نعم قال: وسالتك هل يزيدون أو ينقصون وزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم.
وسالتك هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان حين يخالط بشاشة القلوب لا يسخطه أحد. قيصر يعني فهمان يعرف أمور الدين كيف تكون، يعني مش عفوا إنسان فوضوي أو همجي، قيصر كان مدركا تماما لطبيعة الدين.
طيب وسالتك هل قاتلتموه؟ قلت: نعم، وإن حربكم وحربه دول وسجال، تدالون عليه وتدولون عليه أخرى، وكذلك هذه الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة. يفهم أن طبيعة الدعوات، شوف العمق في فهم قيصر، الدعوات يبتلى أصحابها ثم يمكنون.
وسالتك ماذا يأمركم به؟ فزعمت أن يأمركم بالصلاة والصدقة والعفاف والوفاء، وهو نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، يظهر، ولكن لم أظن أنه سيكون فيكم أيها العرب، يخرج الروم الرس اليهود، وإن كان ما أتانا به حقا فيوشك أن يملك موضع قدمي هاتين، مكة إلى هذه المنطقة، ولو أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقيه، ولو كنت عنده لغسلت قدميه. شوف قيصر زعيم الروم، يعني أعظم دولة في تلك الفترة، أعظم من الفرس في تلك الفترة، يعني يعلم بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو سفيان: ثم دعي بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم مع دحية اللي أرسله عن طريق زعيم بصرى فقرأ، فإذا فيه: اقرأ، قال: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين. وقرأ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64].
قال أبو سفيان: فلما قضى مقالته وفرغ الكتاب، علت أصوات الذين حوله من الدهاقنة والكاثوليك وزعمائه، وكثر لغطهم، كلام وصراخ وهذا بحكي وهذا بور، شو ه الرجة بتعرف كيف بتصير توتة، فلا أدري ما قالوا، وأمر بنا فأخرجنا.
فلما خرجت أنا وأصحابي وخلصنا، قلت لهم: قد أمر أمر ابن أبي كبشة؛ يعني كبر أمر محمد صلى الله عليه وسلم وصلت أنه زعيم الروم عم بيتكلم ويصدقه، عظم أمر هذا ملك بني الأصفر يخافه. قال: والله ما زلت ذليلا مستيقنا، أبو سفيان عرف أن النبي صلى الله عليه وسلم سيظهر أمره، انتهت القضية.
ويروى في خبر أبي سفيان أنه قال قيصر لما أسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم: أيها الملك، ألا أخبرك عنه خبرا تعرف به أنه قد كذب؟ قال: وما هو؟ قال: إنه زعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة فجاء مسجدكم هذا، مسجد إيليا اللي هو الاسراء والمعراج، ورجع إلينا في ليلة واحدة.
قال بطريق إيليا عند رأس قيصر، فقال: صدق أيها الملك. فقال: وما علمك بهذا؟ قال: إني كنت أقرأ، قال: إني كنت لا أنام كل ليلة حتى أفتح أغلق أبواب المسجد، فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني، فاستعنت عليه عمالي ومن يحضرني فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول جبلا، فدعوت النجارين فنظروا إليه، فقالوا: هذا باب سقط عليه النجار والبنيان فلا نستطيع أن نحركه حتى نصبح فننظر من أين أتي، فرجعت وتركت البابين مفتوحين.
فلما أصبحت وغدوت عليهما فإذا الحجر الذي في زاوية المسجد منقوب وإذا فيه أثر مربط الدابة؛ زاوية المسجد الذي يظهر المسجد الأقصى، المسجد الأقصى يقصد نعم.
قال فقلت: يقول أنا كنت لا أنام كل ليلة حتى أغلق أبواب المسجد الأقصى، فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غالبني، بحاول أغلقه فاستعنت عليه بعمال وحراس ومن يحضرني فلم نستطع أن نحرك هذا الباب، كأنما نزاول جبلا؛ يعني بتحكي عم نفتش جبل، مش راضي يتحرك هذا الباب، فدعوت النجارين إنه في مشكلة في، فنظروا إليه فقالوا: هذا باب سقط عليه الجاف والبنيان؛ يعني سقط عليه أشياء يعني كان طوب وحجار وأشياء، فلا نستطيع أن نحركه حتى نصبح وننظر من أين أتي، شو مشكلة لماذا سقطت عليه حجارة؟ فرجعت وتركت البابين مفتوحين، خلص جيت وخلينا البابين.
مفتوحين للصباح. فلما أصبحت غدوت على البابين، فاذا الحجر الذي في زاوية المسجد منقور في ثقب، وإذا فيه مربط الدابة وهي البراق لما ربطت بذلك المنطق. فقلت لأصحابي: ما حبس هذا الباب الليل إلا على نبي، وقد صلى الليل في مسجدنا هذا. فبقوا مفتوحين لقدوم النبي صلى الله عليه وسلم، بقي الباب مفتوح ليدخل إليه النبي عليه الصلاة والسلام.
فقال قيصر لقومه: يا معشر الروم، ألستم تعلمون أن بين عيسى وبين الساعة نبي بشركم به عيسى، ترجون أن يجعله الله فيكم؟ قالوا: بلى. قال: فإن الله قد جعله في غيركم، مش في بني إسرائيل، جعله في العرب، في أقل منكم عددا وأضيق منكم بلدة، وهي رحمة الله يضعها حيث يشاء.
تمام، إذا الرئيس هم دهاقين القرى؛ يعني زعماء القرى التي تتبع لملك قيصر الروم، وكانوا إذ ذاك مجوسا؛ يعني غريب أنه كانوا مجوس. نعم، لا لا هو فيها خلاف؛ يعني من هم حتى في تلفظ بها الأريسيين، أرسون ففيها مشكلة، لكن يعني الذي يظهر لي أنهم أتباعه، أنهم اتباع هذا الملك، هل هم زعماء على القرى على الأمصار؟
لكن هذا الرجل طبعا مات كافرا في النهاية، تخيل الإنسان يعرف الحق ولكن حب للزعامة، وأن يبقى له لذة الملك جعله يصر على موقفه. نقف اليوم عند هذا الحد، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل