السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. حياكم الله جميعاً الإخوة والأخوات الكرام والكريمات في صبيحة هذا اليوم الطيب المبارك. صوت جيد إن شاء الله يا رب، تمام.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم نجی المستضعفين من عبادك في مشارق الأرض وفي مغاربها، نجی إخواننا المستضعفين في غزة، اللهم اشف جرحاهم، تقبل شهدائهم، اللهم انصرهم يا رب وثبتهم يا أكرم الأكرمين. وكل إخواننا في مشارق الأرض وفي مغاربها ناصراً ومعيناً ومؤيداً ونصيراً.
حياكم الله في مجلس يتجدد بنا في التعليق على كتاب عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير للإمام ابن سيد الناس، وهي رحلة شيقة ما زلنا نتفيأ ظلالها ونعيش في رحابها في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. هذه السيرة العظيمة التي تمثل النموذج الإسلامي المتكامل لحياة المسلم في جميع جوانبها؛ بالتاكيد السياسية والاجتماعية والشخصية والأحوال الحياتية في علاقة الإنسان مع ربه ومع نفسه ومع غيره، فهي نموذج يحتذى ووحي يتبع. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفهمنا وأن يبصرنا وأن لا يحرمنا بركة هذه المجالس وخيرها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلنا إلى نهاية غزوة حنين، أظن في المجلس الأخير كنا نتكلم عن غزوة حنين وكيف انقلبت الهزيمة إلى نصر كبير بحمد الله، وكانت الغنائم أيضاً وافرة من السبايا والغنيم والأموال. ووصلنا إلى قضية السبي، وعرفنا أن النبي عليه الصلاة والسلام كان له حكمة كبيرة في تأخير توزيع السبي، بالتحديد أنه وزع الأموال والغنائم عموماً المالية، لكن السبي الذي تم سبيه من هوازن النبي صلى الله عليه وسلم أخر قسمته لأمر أعلمه الله سبحانه وتعالى. وفعلاً حصل ما كان يتصوره النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أن وفد هوازن أتوا يناقشون النبي صلى الله عليه وسلم في إرجاع السبي لهم. أتوا يناقشون النبي صلى الله عليه وسلم في إرجاع السبي لهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب ذلك حتى لا تبقى كما قلنا بين العرب ثارات، بين المسلمين وبين القبائل ثارات على قضية السبي، لأنه في النهاية قضية السبي قضية حساسة مهما كان أمرها وشأنها. دعونا ننظر ماذا حصل في معالجة قضية السبي وكيف رد النبي صلى الله عليه وسلم سبيهم لهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: وقدمت الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى اخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة. فقالت الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى، الحارث بن عبد العزى من هو؟ هو زوج حليمة السعدية، وزوج حليمة السعدية، فالشيماء ستكون بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم أخته من الرضاعة، لأنه هو هذا زوج حليمة، بالتالي الشيماء ابنته ستكون أخت للنبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة. نعم، قال فقالت يا رسول الله، إني أختك. قال وما علامة ذلك؟ قالت عضة عضتني. قال عضة عضدتها في ظهري وأنا متوركتك. نعم يعني واحنا صغار قمت بعض عضة ذكرته، بعض هو عضها النبي صلى الله عليه وسلم عندما كانوا أطفالاً في حجر حليمة. نعم، قال فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة، فبسط لها رداءه وأجلسها عليه وخيرها، وقال إن أحببت فعندي محبة مكرمة، وإن أحببت أن أممتعك وترجعي إلى قومك فعلت. قال بل تمتعني وتردني إلى قومي ففعل. فزعت بنو سعد أنه أعطاها غلاماً يقال له مكحول وجارية، فزوج أحدهما الآخر فلم يزل فيهم من نسلهم ما بقي.
وقال أبو عمر: فاسلمت، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أعبد وجارية ونعماً وشاء، وسماها حذافة. وقال: الشيماء لقب. وقدم وفد هوازن على رسول الله صلى الله عليه وسلم. أبو عمر اللي هو ابن عبد البر يقول الشيماء هذا لقب واسمها الحقيقي حذافة، تمام، وسماها يعني ابن عبد البر حذافة وجعل الشيماء لقب لها، هذا رأي طبعا، البعض يقول لا الشيماء هو اسمها.
قال وقدم وفد هوازن على رسول الله، مشهور عند علماء السير أن حليمة السعدية والدتها أسلمت، يعني هذا قول مشهور، وابن القيم رحمه الله تعالى قال يعني والنصوص في ذلك مختلفة ولعلها يعني تصل إلى درجة الحسن، أن حليمة السعدية مرضعة النبي عليه الصلاه والسلام وهي والده الشيماء أسلمت، وبالتالي عدها مجموعة من علماء السير والمؤرخين من الصحابيات.
قال وقدم وفد هوازن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أربعة عشر رجلاً، ورأسهم زهير بن صرد، وفيهم أبو برقان عم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة فسألوه. وأن أبو برقان والبعض يقول له أبو ثروان، أبو برقان هو أخو الحارث بن عبد العزى يعني عم الشيماء، عم الشيماء أخو الحارث بن عبد العزى لذلك هو عم النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة. نعم قال فسألوه أن يمن عليهم بالسبي. فقال: أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ هذا وفد هوازن جاء يفاوض النبي عليه الصلاة والسلام في أن يرد السبي، النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم ماذا تريدون؟ نرد لكم أموالكم أم نرد لكم نساءكم وأطفالكم اللي هو السبي؟ فبالتأكيد ماذا سيقولون؟ يعني كل صاحب نفس شريفة ماذا سيقول؟ النساء والأطفال، المال بيروح وبيجي زي ما بيقولوا، لكن العيلة إذا راحت راحت.
قالوا ما كنا نعدل بالاحساب شيئاً. فقال: أما مالي ولي بني عبد المطلب فهو لكم، وأسأل لكم الناس. اه، شوف عدل النبي عليه الصلاة والسلام. قال: شوف موضوع السبي الذي وقع في سهماننا، نحن عبد المطلب أنا يعني أمون على جماعتي، لكن السبي الذي وقع في سهمان المهاجرين والأنصار أنا سأستأسمح منهم من الجيش، لأنه في النهاية هي غنيمة، قال سأستأسمح من الجيش وأطلب منهم أن يردوا السبي لكم، وانظر ماذا سيفعل.
قال فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا. الآن الأقرع بن حابس الله يرضى عنه، هو كان أحد يعني الأعراب وكان عنده يعني قصة طبيعته قاسية الله يرضى عنه، تمام، فكان دائماً يعني التعامل مع شخصيته ما كان بالسهولة، ما كان بالسهولة ليس فقط في هذا الموقف، أقرع بن حابس يعني حتى تفهم أكثر أكثر شخصيته الله يرضى عنه، هو الذي راى النبي صلى الله عليه وسلم يقبل أحد أبنائه فقال: هل تقبلون أبناءكم؟ قال نعم. قال إن لي عشرة من الولد ما قبلتهم. قال: وما أعمل إذا نزل الله الرحمه من قلبك؟ يعني هو شخصية جافة حتى تفهم سبب تصرفاته في النهاية، تعرفوا الأعراب وبعض القبائل العربية المتطرفة ما كانت بتلك الليونة والسهولة في التعامل معها، تمام.
وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزاره فلا. وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا. فهؤلاء الثلاثة هم أصلاً من المؤلفة قلوبهم فعلياً، لكن كانوا أصحاب نفوذ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على أن يؤلف قلوبهم، وكان يؤلف قلوبهم بالمال عرفت، يعني هؤلاء رؤوس قبائل عربية متطرفة ولهم يعني مهم أن يكونوا معنا في الصف الإسلامي، وإن كنا نعلم أن بالتأكيد صفاتهم ليست في علوها كصفات المهاجرين والأنصار الذين رقق الإيمان قلوبهم، ومع ذلك إيمانهم مطلوب وتأليفهم مطلوب، وليس مطالبة الجميع في المجتمع المسلم أن يكونوا على نفس الدرجة من الإيمانيات والقدرة على البذل، هذا مهم جداً أن تتقبله داخل المجتمع المسلم.
يعني أنت متخيل أن النبي عليه الصلاة والسلام يحاول أن يعني يطلب من الصحابة المونة، زي ما بنقول المونة عليهم، المهاجرون والأنصار النبي عليه الصلاة والسلام يعني في سويداء قلوبهم كما نقول، بالتالي أي شيء يا رسول نحن جاهزون، أما الأعراب ومسلمة الفتح فهؤلاء لا، لم تكن يعني تلك الحالة العالية أحياناً، فعلا كان النبي عليه الصلاة والسلام يعني ما استطاع أن يجعل الأقرع بن حابس يستغني عن السبي. الأقرع بن حابس قال: لا، أنا السبي بدي إياه، احنا وجماعتنا كذلك، عيينة بن حصن كذلك، العباس بن مرداس، هؤلاء كلهم مسلمة الفتح. الآن النبي عليه الصلاة والسلام سيبدأ معهم.
قال فقالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. اه، الآن العباس بن مرداس قال: أنا وبنو سليم فلا. بنو سليم فشورت العباس بن مرداس، قالوا له: لا، ما لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. نعم، قال فقال العباس بن مرداس: وهنتموني! وهنتموني يعني كسرت ظهري، أنا عم بدافع عنكم وعم بقول لا جماعتي ما راح وأنتم فشلتوني!
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء القوم، العباس، إن هؤلاء القوم جاؤوا مسلمين وقد كنت استأنيت بسبي، وقد خيرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئاً. الآن النبي عليه الصلاة والسلام قام خطب خطبة في الصحابه فقال: أولاً، هؤلاء القوم جماعة هوازن أتوا مسلمين، ترى هم جاؤوا يسلموا، هذا أول شيء، لم ياتوا فقط يطلب السبي مع إقامتهم على الكفر، لا، جاؤوا ليعلنوا إسلامهم. وأخبرهم أنني أنا انتظرت السبي، أنا لم أوزع السبي، كأنه صلى الله عليه وسلم يستشرف شخصيتهم، وهو يعرف أن هؤلاء يعز عليهم سبي رحمي، فقال: أنا أصلاً تأنيت في توزيع السبي ل... يعني كأن نقول لدرايتها أنها قبيلة عربية شريفه ليس من السهل، يعني ما بتهون عليهم أحسابهم، فأننا انتظرت السبي وما وزعته طيب، وقد خيرتهم بين المال وبين السبي أكيد، فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئاً، قالوا: لا نريد السبي. فمن كان عنده منهن شيء فطابت نفسه بأن يرده فسبيل ذلك، ومن أبى فليرد عليهم وليكن ذلك قرضاً علينا ست فرائض من أول ما يفيء الله عز وجل علينا.
الآن النبي عليه الصلاة والسلام قدم معالجة شاملة للموضوع، قدم معالجة شاملة قال: شوفوا، أنا أعطى الصحابة تفاصيل هوازن وأنهم جاؤوا مسلمين، وأنني قررت أن أرد السبي عليهم جميع السبي. الآن يا أيها الجيش المسلم، من طابت نفسه أن يرد السبي مجاناً لوجه الله أنعم به وأكرم، ومن لم تطب نفسه أن يبذله مجاناً فليبدل وقرض علي أن أرد له مقابل هذا السبي مما سياتي في قابل الأيام، يعني في الغزوات القادمة، خلص اعتبروا قرض علي أنا سأسدك. بالتالي حتى الأقرع بن حابس وحتى العباس بن مرداس عليهم أن يردوا السبي الآن، مقابل أن النبي عليه الصلاة والسلام تكفل بأنه سيعوضهم في قابل الأيام ديناً في ذمته.
شوف النبي عليه الصلاة والسلام المعالجة العظيمة والدقيقة، لأنه أنا في النهاية بيهمني قبيلة هوازن تبقى جزء من المشروع الإسلامي للفتوحات الإسلامية القادمة، بهمنا كجزيرة عرب يستتب فيها الأمن والهدوء، وهذا بالتالي يعلمنا أن القائد المسلم والسياسي المحنك بده يكون يفهم طبيعة المجتمع الذي يتعايش معه، ويفهم كيف يؤلف قلبه على هذا الدين. وبالتالي ممكن الآن السبي هو من حق الجيش، بس أنت كجيش الآن أنا عندي مصلحة أعلى من قضية أنه أنت تاخذ سبيك، مع برضه المحافظة على حق المجاهد مو هذا مطلوب.
شوف التوازنات المعقدة شوي، أنه في مجاهد شارك معي في الغزوة، أنا ما بقدر أقول له يلا بدك تعفو وتعمي السبي مجاناً، إنه هذا رح أيضاً يشعروا بالظلم أنني قاتلت وجهدت، لا ما أخذ حصتي. وفي نفس الوقت أنا لا أريد أن أخسر قبيلة هوازن وأن تبقى بينها وبين المجتمع المسلم نوع حزازيات. فالتوازن الكبير الذي فعل النبي عليه الصلاة والسلام في معالجة المشكلة أنه هو قال للجميع: ردوا السبي، اللي أحب يكون ذلك لوجه الله، لوجه الله، واللي لا يريد تعويض أنا سأعوضك وهذا يعتبر دين في ذمتي. شوف كيف المعالجة الرائعة لهذا الموضوع.
نعم، يعني في سبيل ذلك يعني كيف أقول لك هو في سبيل ما بذل خلينا نقول، فسبيل ذلك يعني هو وشأنه، هو وشأنه في ذلك. نعم، قال قالوا: رضينا وسلمنا، فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، ولم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن، فانه أبى أن يرد عجوزاً صارت في يديه منهم، ثم ردها بعد ذلك، أبى حسن لسه عصل جماعة فالعجوز.
نعم، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كسا السبي قبطية. قبطية نوع من الثياب، قد كساهم، شوف يعني حتى لما ردهم، ردهم وعليهم كساء، يعني كأنه إكراماً لهوازن الذين جاؤوا مسلمين، خذوا هذا، كل واحد ترد يرد السبي ورد معها أيضاً أو كسا كل سبي هذا النوع من الثياب.
تمام، وذكر بإسناده عن أبي جرول زهير بن صرد الجشمي يقول: لما أسرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين يوم هوازن وذهب يفرق السبي والشاء، اتيته فانشات أقول هذا الشعر: أمن علينا رسول الله في كرمٍ ... فإنك المرء نرجوه وننتظرُ أمن على بيضةٍ قد عاق قدر مشتتٍ ... شملها في دهرها غيرُ أبقت لنا الدهر هتافاً على حزنٍ ... على قلوبهم الغماء والغمرُ لم تدارك نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلماً حين يختبرُ أمن على نسوةٍ قد كنت ترضعها ... إذ فوك تملأه من محضه الدررُ إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي وما تذرُ لا تجعلنا كمن شالت نعامتي ... منا فإنا معشر زهرُ طبعا ليه طبعا لأنهم
هوازن إخوانهم فخذ كبير منهم بنو سعد بن بكر، فهو يذكره أنه: يا رسول الله ترى أنت رضعت عندنا حليمة السعدية. بنو سعد بن بكر هم من هوازن، أحد الأفخاذ الكبيرة فيهم، فهو لما قال له: امنن على نسوة قد كنت ترضعها إذ فوك تملاه من محض الدرر. يعني هو يقول لهم: ترى أنت كنت ترضع عندنا يا رسول الله، يعني هذول جماعتك عزوتك، تمام؟ فلذلك هو استعطف هذا الجانب فيه، نعم.
قال: أنا لنشكر للنعماء إذ كفرت، وعندنا بعد هذا اليوم مدخر. فالبس العفو من قد كنت ترضعه، كنت ترضع عندهم، نعم، من أمهاتك. إن العفو مشتهر يا خير من مرحت كمت الجياد به عند الهياج إذا ما استوقد الشرر. أنا نؤمر عفوا منك تلبسه هذه البرية إذ تعفو وتنتصر. فاغفر عفا الله عما أنت راهبه يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر.
قال: فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشعر قال: ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم. وقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله. وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله ولرسوله. قال الطبراني: لا يروى عن زهير بن صرد بهذا التمام إلا بهذا الإسناد، تفرد به عبيد بن رماح.
مما قيل من الشعر في حنين قول عباس بن مرداس السلمي: عفا مجدل من أهله فمتلعه، صانع ديار لنا يا جمل إذ جل عيشنا رخي، وصرف الدهر للحي جامع، حليبة ألت بها غربة نوى لبين، فهل ماض من العيش راجع؟ فأنتبع الكفار غير ملومة، فإني وزير للنبي وتابع. دعانا إليه خير وفد علمتهم خزيمة، والمرار منهم وواسع. فجئنا بألف من سليم عليهم لبوس لهم من نسج داود رائعة.
شوف العباس بن مرداس على إعرابه، لكنه مع ذلك يعلن أنه وزير وناصر لمحمد صلى الله عليه وسلم، نعم، نبايعه بالأخشبد، الله بين الأخشبين، نبايع يد الله بين الأخشبين. نبايع الأخشبان جبلان بمكة، تمام؟ اللي هو لما كانت مش قال له ملك الجبال: إن شئت أطبقت عليهم الأخشب؟ فهم بايعوه بين الأخشبين، وهما جبلان يعرفهما القوم، يعني نعم.
فجشع المهدي مكة عنوة بأسيافنا والنقع كاب وساطع، عنوة، والخيل يغشى متونها حميم، وأن من دم الجوف ناقع. ويوم حنين حين سارت هوازن إلينا وضاقت بالنفوس الأضالع. كأن لا يستفزنا قراع الأعادي منهم والوقائع. أمام رسول الله يخفق فوقنا لواء كخذروف السحابة لامع، عشية ضحاك بن سفيان معتصم بسيف رسول الله والموت كانع. نذود أخانا عن أخينا ولو نرى مصالا، لكن الأقربين نتابع. ولكن دين الله دين محمد رضينا به في الهدى والشرائع، وقام به بعد الضلالة أمرنا، وليس لأمر حمة الله دافع.
وقوله: ما بال عينك فيها عائر، سهر كأنه الحمامة أغطى، أغضى فوقها الشفر؟ عين تاوب من شجوه أرق، فالماء يغمرها طورا وينحدر. كأنه نظم در عند ناظمه، تقطع السلك منه فهو منتثر. يا بعد منزل من ترجو مودته، ومن أتى دونه الصمان فالحفرة. عهد الشباب فقد ولى الشباب وزار الشيب والذعر.
واذكر بلاء سليم في مواطنها، وفي سليم لأهل الفخر مفتخر. قوم هم نصروا الرحمن واتبعوا دين الرسول، وأمر الناس مشترك. لا يغرسون فسيل النخل وسطهم، ولا تخاووا في ما آتاهم البقر. إلا سوابع كالعقرب مقربة في داره حولها الأخطar والعكر. تدعى خفاف وعوف في جوانبها، وحي ذكوان لا ميل ولا ضجر. الضاربون جنود الشرك ضاحية ببطن مكة والأرواح تبتدر. حتى رفعنا وقتلاهم كأنهم نخل بظاهرة البطحاء منقعر.
ونحن يوم حنين كان مشهدنا للدين عزا وعند الله مدخر، إذ نركب الموت مخضرا بطائنه، والخيل ينجاب عنها ساطع كدر تحت اللوامع. والضحاك يقدمنا كما مشى الليث في غابات الخدر. في مأزق من مكر الحرب كلها، تكاد تأفل منه الشمس والقمر. وقد رنا بأوطاس أسنة، لله ننصر من شئنا وننتصر. حتى تاوب أقوام منازلهم، لولا المليك ولولا نحن ما صدروا. فما ترى معشرا قل ولا كثر، إلا قد أصبح منا فيهم أثر. وقد تركت من شعر العباس ما يبدو فضله ويستحسن مثله، آثارا للاختصار، والله الموفق، نعم.
ذكر فوائد تتعلق بغزوة حنين وما اتصل بها، حنين بن قانية بن مهلي هو الذي نسب إليه الموضع. هي غزوة حنين وهوازن وأوطاس سميت بأوطاس باسم الموضع الذي كانت فيه الوقعة أخيرة، إذاً فغزت على اسم الموضع، والموضع نسبة إلى هذا الشخص الذي اسمه حنين، نعم. قال: سميت بأوطاس باسم الموضع الذي كانت فيه الوقعة أخيرة، حيث اجتمع فلول، وتوجه إليهم أبو عامر الأشعري كما سبق.
والطيس التنور، وفي هذه الغزوة قال عليه الصلاة والسلام: «الان حمي الوطيس»، حين استعرت الحرب، وهي من الكلم التي لم يسبق إليها صلى الله عليه وسلم. وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام في غير هذه الوقعة: «يا خيل الله اركبي»، نعم، قيل: حمي الوطيس وخيل الله اركبي أول من قالها النبي عليه الصلاة والسلام، نعم، لم تسبق عند العرب.
نعم، قال: وقوله: فانقض به أي صوت بلسانه في فيه، من النقيض وهو الصوت. وقوله: راعي ضأن يجهله بذلك وفرار من كان معه عليه الصلاة والسلام. ضأن يعني هو عبارة عن انسان مسكين، العرب إذا قالت الشخص: إنما هو راعي ضأن، دلالة أنه إنسان جاهل، زله بذلك أو وصفه بهذا الوصف.
نعم، قال: فرار من كان معه عليه الصلاة والسلام يوم حنين قد أعقبه رجوعهم إليه، سرعة وقتالهم معه حتى كان الفتح في ذلك. نزلت: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: 25] إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 27] كما قال فيمن تولى يوم أحد: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: 152]، وإن اختلف الحال في الواقعتين.
ويوم حنين قال عليه الصلاة والسلام: «من قتل قتيلا فله سلبه»، فصار حكما مستمرا، وقتل أبو طلحة يومئذ عشرين وأخذ أسلابهم. السلب كما قلنا ما يكون على المقاتل من حقيبة الحرب والعده والسلاح، نعم. قال: وفي هذه المسألة خلاف بين العلماء، ليس هذا موضع ذكر، المالكية يرون أن هذا كان أمرا سياسيا، سياسة شرعية وليس حكما شرعيا ثابتا، يعني هو فقط اجتهاد، يستطيع الحاكم أن يعطي السلب للمقاتل، ويمكن أن يقول: لا، السلب يأخذ حكم سائر الغنيمة.
نعم، قال: وفي خبر جبير بن مطعم عن رؤيته الملائكة: رأيت مثل البجاد من النمل، والبجاد الكساء. وقد قال غيره يومئذ: رأيت رجالا بيضا على خيل بلق، كانت الملائكة. والبغل التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ هي المسماة فضة، التي أهداها له فروة بن نفاثة. والمجدل القصر، وهو في هذا البيت اسم علم لمكان. ومن طلاء يمد ويقصر، وهي أرض تعقل الرجل عن المشي. وخذ في السحاب أراد به البرق الذي في السحاب، وكان عياض حاضر نازل. والضحاك بن سفيان كانت بيده راية سليم يوم حنين. قال البرقي: ليس هو الضحاك بن سفيان الكلابي، إنما هو الضحاك بن سفيان السلمي. في رواية غير البكائي عن ابن إسحاق رفع نسبه إلى بثنة بن سليم، ولم يذكر أبو عمر السلمي.
وقوله: نذود أخانا البيت يريد أنه من سليم، وسليم من قيس كما أن هوازن من قيس، كلاهما ابن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس. ومعناه نقاتل إخوتنا ونذود عن إخوتنا من سليم، ولو نرى في حكم الدين مصالا -مفعلا من الصولة- لكنا مع الأقربين، يريد هوازن. جميل هذا، لافهام ماذا يريد؟ يقول: نذود أخانا عن أخينا، ما قال في البيت عباس بن مرداس: نذود أخانا عن أخينا؟ لأنه هوازن لها علاقة بسليم من حيث النسب، كلاهما من قيس عيلان، فهو يقول: نذود أي نصرف أخانا عن أخينا، نصرف أخانا -لهم هوازن- عن أخينا عن سليم، كلاهما من قيس عيلان. والذي جعلنا نقاتل هؤلاء ذبا عن هؤلاء هو الدين، ولو كانت القرابة هي التي ستجعلنا نقاتل لوقفنا مع هوازن.
نعم، قال: والحماسة من ورق الشجر ما فيه خشونه. والعائر كشيء ينخس في العين لأنه يعورها. والسهر الرجل لأنه لما لم يفتر عنه فكانه سهر ولم ينم. والصمان والحفر موضعان. وقوله: لا يغرسون فسيل النخل يعني أهل المدينة يعيرهم بذلك. والمقرب الخيل التي قربت مرابطها. والأخطار جمع خطر وهو القطيع الضخم من الإبل، والعكر ما فوق خمسمائة من الإبل. وضحية كل شيء نواحيه البارزة والظاهرة من الأرض ما غلظ منها.
قال: سرية الطفيل بن عمرو الدوسي إلى ذي الكفين في شوال سنة ثمان. قال ابن سعد وقال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى الطائف، بعث طفيل بن عمرو إلى ذي الكفين، صنم عمرو بن حممة الدوسي يهدمه، وأمره أن يستمد قومه ويوافقه بالطائف. فخرج سريعا إلى قومه فهدم ذا الكفين، وجعل يحش النار في وجهه ويحرقه، ويقول: يا ذا الكفين لست من عبادك، ميلادنا أقدم من ميلادك، أنا حشيت النار في فؤادك. قال حضر معه من قومه أربعمائة سراعا.
الطفيل بن عمرو الدوسي هدم هذا الصنم، تمام؟ هدم هذا الصنم، وهذا الصنم كان عند قومه، كان الأنسب أنه الذي يهدمه رجل منهم، بدل ما يأتي رجل خارجي وتغر الصدور. شوف كل قراراته صلى الله عليه وسلم، حكمة ودراية بطبائع النفوس، عرفت؟ يعني لا يحمل الإنسان شيئا فوق طاقتهم، دائما لما تاتي إلى منطقة، إلى شيء، لا تولي عليها شخص ليس من أهلها. دائما لما تاتي إلى منطقة أو يريد تنفيذ قضية في قوم معينين أو انزال حكم عليهم، دائما خليه رجل منهم هو الذي يتولى هذا الموضوع، مش تفرض عليهم رجل من الهند، ولا هو جاي شايفين رجل من الهند قائم عليهم، مش يضبط.
هذه نفوس بشرية، والنبي عليه الصلاه والسلام في سياساته الشرعية كان يراعي هذا البعد، إذا أمر رجلا على قوم أو قبيلة يكون في العادة في العادة منهم. إذا أراد أن ينفذ قرار قد يوغر الصدور لقبيلة، يجعل هذا القرار ينفذه أحد رجالاتهم. فهنا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يهدم هذا الصنم الذي يسمى بذي الكفين. هذا الصنم كما قال كان صنم عمرو بن حممة الدوسي، واضع أن هذا رجل من رجالاته، وكان هذا الصنم له حضور.
فبعث الطفيل بن عمرو الدوسي من قبيلتهم، وهو أحد الصحابه الكرام، وقلنا هو المرقب بذي النور، لأنه كان له نور في صوته، إذا تذكروا هذا في بداية قراءتنا لعيون الأثر، أسلم في مكة قديما وجاء لما طاف بالبيت وكذا، وأسلم، وقال: كان النور في وجهه فقال: يا رسول الله حتى لا يظن أنها عاهة ولا شيء، اجعله في صوتي. فانتقل، هذا مر معنا في بداية الكتاب، أسلم من بدايات الأمر، فهو صحابي متقدم.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال له: ارجع إلى قومك، بيجيك يوم نستفيد منكم. وكنا نتكلم سعيد كيف في استراتيجية النبي عليه الصلاة والسلام في أنه الذي لا يعني لا داعي لوجوده الآن في مكة، كان يقول: ارجع إلى قومك فإذا رايتنا ظهرنا تأتونا.
فالطفيل هذا، فالنبي صلى الله عليه وسلم الآن جاء وقت الاستفادة من الطفيل بن عمرو الدوسي ومن قومه. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: تهدم لي ذا الكفين وتلحقني مع من يأتي من قومك إلى الطائف. أراد النبي صلى الله عليه وسلم الآن محاصرة الطائف، الآن كما قلنا هربت هوازن وثقيف، ومن بقي، بعضهم بقي معاندا، فهربوا إلى حصون الطائف. ومر معنا أن عيينه زعيمهم تحصن في ماذا؟ في أعلى جبال الطائف، نعم.
نعم، قال: فوافوا النبي صلى الله عليه وسلم بالطائف بعد مقدمه بأربعة أيام، وقدم بدبابة ومنجنيق. قال: يا بدات آلات المعركة تتقدم عند النبي عليه الصلاة والسلام. طبعا الدبابة هي كانت قديما دبابة مش دبابة المعاصرة يعني، فمش الدبابة، شيء خشبي وأمامه مثل الخشب المدبب تضرب به الأسوار، تمام؟ يعني يكونون في هيك خشب، تمام؟ يعني قطع خشبية يحملها ستة، سبعة، ثمانية، ويكون أمامها مثل الخشبة المدببة جذع شجره مدبب، ويأتون مرة واحدة يضربون في هذا، يذبون، ثم يضربون في باب الحصن، أو أحجار، وعلى حسب ما يستطيعون، نعم.
قال: وقال: يا معشر الأزد، من يحمل رايتكم؟ فقالت آل طفيل: من كان يحملها في الجاهلية النعمان بن الرازي اللهبي. قال: أصبتم.
نعم، قال: غزوة الطائف في شوال سنة ثمان. قال ابن سعد قالوا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين يريد الطائف. طبعا هنا النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم يعني: من ترون أن يحمل رايتكم؟ لما جاء الطفيل، والظاهر أن دوس من الأزد محسوبة على الأزد، فقال للطفيل: من كان يحملها في الجاهلية؟ هو الذي يحملها في الإسلام.
فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول للطفيل: مين بدكم يحمل رايتكم يا أيها الأزد؟ فقال الطفيل: اللي كان يحملها في الجاهلية هو الذي يحملها في الإسلام. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: أصبتم.
لماذا قال أصبتم؟ ايش البعد في هذا؟ اخواني، قضية حمل الراية هي أيضا تعتبر شرف، بالتالي إذا كان هناك أهل بيت مثلا، احنا قبيلة في فخذ معين معروف هو الذي يحمد رايتنا في الحروب من قديم، فجأة تأتي تأخذ الراية من هذا الفخذ وتعيطها لفخذ آخر، هذه أيضا كسرة له، العرب.
كانت تعتبر مثل هذه الأمور مفاخر، تذكروا أبو سفيان ماذا فعل في غزوة أحد مع بني عبد الدار؟ بنو عبد الدار مش هم الذين كانوا يحملوا الرايات عادة لقريش الجاهلية؟ فلما أراد أن يسحب الراية منهم قال: أنتم فشلتمونا في غزوة بدر فأعطونا الراية نعطيها لفخذ آخر. فقالوا: لا، احنا والله سنفعل وسنفعل، وشتموا أبو سفيان، ودق باء أن الراية بحد ذاتها أحد طقوس المعركة، وبالتالي بالنسبة للشخص، كيف مثلا مفتاح الكعبة؟ نفس الشيء عثمان بن طلحة.
رفض النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج عثمان بن طلحة لما علي بن أبي طالب طلبه، والنبي صلى الله عليه وسلم وهذا من حكمته أيضاً العظيمة بأبيه وأمه صلوات ربي وسلامه عليه، كان يعرف المآثر عند العرب، يعني كان يعرف الأمور الحساسة عندهم، وأنه هي منقبة لفخذ، عملية إخراجها من فخذ إلى فخذ آخر سيصنع ضغينة داخل القبيلة الواحدة، سيصنع حزازية نفوس. وبالتالي القائد هذه من صفات القائد: عليه أن يعرف صفات المجتمع وأخلاقيات المجتمع الذي يريد أن يتراس، يعرف ما هي الأمور التي تصنع حساسية وحزازية بين المجتمع حتى يفهم كيف يتعامل معها، أنه لا، هذا الشيء إذا نزعته سيصنع حزازية، لأنه بطبيعته داخل هذا المجتمع يعتبر منقبة، فعوضاً عن ذلك خلها في من هي فيه، خلص أنتم تعودتم من الجاهلية هذه المنقبة في هذا الشخص، دعوها فيه وفي عائلته، لأنني إذا نقلتها إلى غيره أولاً ما فيش مصلحة كبيرة، يعني احنا بالنسبة لنا ما فيش الراية عند فلان ولا عند فلان وهو بالنسبة له شايفها فخر، فقال للطفيل: أصبت. شوف شو قال للطفيل: أصبت، يعني أنت وفقت للصواب أنك تركت الراية في يد الشخص المعروف أنه يحملها حتى من أيام الجاهلية.
تمام هذه الأمور إخواني القائد لأي مجتمع إذا كان لا يعرفها يضيع الأمور، يصنع حزازيات من لا شيء، يصنع حزازيات من لا شيء وأنت لست محتاج إلى هذه الأمور، فمهم جداً أن تكون مطلع على طبيعة المجتمع، على ثقافة المجتمع، على الأمور التي توارثها هذا المجتمع حتى تستطيع تتفاهم مع الاختلافات النفسية والاجتماعية بين هذه القبائل.
قال ابن سعد: خرج النبي صلى الله عليه وسلم من حنين، يريد الطائف، وقدم خالد بن الوليد على المقدمة، فلول الذين فروا من حنين وبقوا مشركين تحصنوا في جبال الطائف، في قلعة في الطائف. وقد كانت ثقيف رموا حصنهم، رموا حصنهم يعني أصلحوه وأعدوه لحصار طويل، ضبطوا أمورهم، وأدخلوا فيه ما يصلحهم لسنة، لسنة تخيل! وضعوا فيه طعام وشراب لسنة، مستعدين لحصار طويل، ودائماً هذا ينهك الجيوش. أن تحاصر قلعة سنة أنت جيشك يتعب، فثقيف مع فلول هوازن كانوا مراهنون على ماذا؟ على تعب الجيش الإسلامي.
فلما انهزموا من أوطاس دخلوا حصنهم وأغلقوا عليهم وتهياؤوا، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل قريبا من حصن الطائف وعسكر هناك، فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدا كأنه رجل جراد، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحه، إنها رجل جراد يعني قطيع جراد، كانوا يرمون النبل من فوق الحصن على المسلمين تقول كأنه قطيع جراد يصب على المسلمين صبا، وبالتالي كان الأمر مؤذياً للجيش المسلم، وقتل منهم اثني عشر رجلا.
فارتفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضع مسجد الطائف اليوم، وكان معه من نسائه أم سلمة وزينب فجعل لهما قبتين، وكان يصلي بين القبتين، حصار الطائف كله فحاصرهم ثمانية عشر يوما، ويقال خمسة عشر يوما، جلس تقريبا نصف شهر محاصر لهم، وقال ابن اسحاق: بضعا وعشرين ليلة، وقال ابن هشام: سبعة عشر يوما، ونصب عليهم المنجنيق، وهو أول ما رمي به في الإسلام فيما ذكر ابن هشام، أول مرة رمي بالمنجنيق في الإسلام في حصار الطائف، تعرفون المنجانيق طبعا وكيف تعمل.
روينا عن ابن سعد، أخبرنا قبيصة بن عقبة، عن سفيان الثوري، عن ثور بن يزيد، عن مكحول، أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على الطائف أربعين يوما. قال ابن إسحاق: حتى إذا كان يوم الشدخ عند جدار الطائف دخل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت دبابة، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليحرقوه، إذا في يوم من الأيام حصل شدخ في الجدار، شدخ في الجدار يعني انشق من كثر رمي المنجنيق صار في فتحه، وبالتالي هذا هيأ الدبابة تدخل.
فأرسلت عليه ثقيف كلاليب حديدية محماة بالنار، آه هنا ماذا فعل؟ كما قلنا الدبابة عبارة عن زي قطعه خشبية مثلاً أعتقد مربعة وأمامها قطعة مدببة، فالذين دخلوا مجموعة من الصحابه تحت الدبابة وأرادوا أن يفتحوا الجدار ليدخلوا، خاصة أنه صار في امكانية لفتحه، وهنا ثقيف أصبحت ترسل على هؤلاء الصحابة الذين في الدبابة كلاليب حديدية محماة، إذا علقت في شخص قتلته، إذا علقت في شخص قتلته. فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل فقتلوا منهم رجالا، فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع أعناب بثقيف، فوقع الناس فيها يقطعون، وهذا يدل على جواز قطع الشجر إذا كان فيه مصلحة.
ثم ثقيف كانت مشهورة بالعنب، والطائف مشهورة بالعنب إلى يومنا هذا، أن الطائف أجواءها أجواء عمان، برجع بقول لكم منطقة عالية، يقول لك معقول في مناطق صعبة مش صحراوي، هي منطقة عالية مثل الأردن، والذي أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم عداس، مش أتى له بقظف من عنب؟ ثم سألوه أن يدعها لله وللرحم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإني أدعها لله وللرحم. ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما عبد خرج إلينا فهو حر.
آه شوف الآن النبي عليه الصلاه والسلام بدا يستغل مجموعة من القضايا، قال: أي عبد من العبيد يخرج من الحصن ويهرب إلينا مباشرة أعطيه الحرية، بده يقلل حجم العبيد الذين يدعمون داخل الحصن، قال: أي عبد خلص ياتي إلينا سأعطيه حريته مباشرة. فخرج منهم بضعة عشر رجلاً فيهم أبو بكرة، نزل في بكرة. أحد الذين خرجوا سيدنا الصحابي الجليل أبو بكرة، أبو بكرة لماذا كني بأبي بكر؟ تعرفون البكرة تبعت العلم مش بيرتفع، في بكرة بتكون بتنزل العلم، ترفع العلم على البكرة، سيدنا أبو بكرة وضع بكرة على أعلى الحصن وربط عليها حبل ونزل عليه وهرب باتجاه، كان عبدا وهرب باتجاه المسلمين ومباشرة أصبح حرا، ولقب هو لقب أكثر من كونه كنية هو لقب بأبي بكر كناية على أنه استعمل البكرة عند هروبه.
فقيل أبو بكرة فأعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، يمونه يعني يكون مسؤول عن الإنفاق عليه حتى يعني قوي نفسه ويستطيع بعد ذلك ينهض. فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة ولم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح الطائف، ايش يعني؟ لم يكتب الله له فتح الطائف، سبحان الله! لم يكتب الله له صلى الله عليه وسلم فتح الطائف، لم يستطع أن يدخل الحصن عليه الصلاة والسلام.
واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم نوفل بن معاويه الديلي فقال: ما ترى؟ فقال: ثعلب في جحر، إن أقمتم عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب فأذن في الناس بالرحيل. النبي عليه الصلاة والسلام استشار هذا الشخص، يعني لا أعرف هذا الشخص ما خبرته في هذا الموضوع، لكن واضح أنه محنك! تمام هذا الشخص نعرف شخصيته لماذا استشار نوفل بن معاويه، ما الميزه فيه؟ هو خبير استراتيجي، إنسان مؤهل، ولاحظ أنه حتى النبي عليه الصلاة والسلام وهو الذي يوحى إليه من السماء يستشير أهل السياسة مع أنه يوحى إليه من السماء، ومع ذلك يأخذ بالأسباب ويستشير أهل الدراية في التعامل مع الموقف، استشار هذا الصحابي: ايش رايك؟ الموضوع أطال والجماعه مصممين على التترس داخل الحصن. فهذا الصحابي ماذا أشار؟ قال: يا رسول الله هذا ثعلب في جحره، يعني ثقيف داخل الحصن عبارة عن ثعلب في جحره، إذا أنا بقيت فوقيه، قال: إن أقمتم عليه أخذتموه، يعني آخرته يطلع إذا حاب تقيم عنه يطلعوا، وإذا تركتموه وريحت حالكم من الحصار لن يضروكم شيئاً. وبالتالي هو كأنه يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: أنت بين أمريني يا أنك بتطور حصارك شوي وبالتالي في النهاية راح يطلع راح يتعبوا، أو أنه كأنها هي النصيحه خليه أتركه وإذا تركته لن يضرك شيئاً.
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب: أذن في الناس بالرحيل، خلص يعني بدي نفك الحصار. فأذن في الناس بالرحيل فضج الناس من ذلك وقالوا: نرحل ولم يفتح علينا الطائف؟ الصحابه مش متعودين، الصحابه مش متعودين أنه في انتصار، معقول اللي فتحنا مكة وحنين نرحل بدون ما نحصل النتيجة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاغدوا على القتال. فغدوا فأصابت المسلمين جراحات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا قافل إن شاء الله. قال: هم روحوا قاتلوا أنتم شايفين الأمور صعبة يعني الأمور مش سهلة، فلما ذهبوا وقاتلوا جرحوا المسلم فقال: أنا قافل خلص بدنا رجع، الآن هو أقنعهم اقتناعاً أنهم هم أنفسهم يقرروا هذا القرار أن الموضوع متعب.
فسروا بذلك وأذعنوا وجعلوا يرحلون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، يضحك يعني قلنا لكم ارحلوا قبل ما تصابوا بدكمش إلا هي. وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده. فلما ارتحلوا واستقلوا قال: قولوا آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون. استقلوا يعني ركبوا رحالهم.
وقيل: يا رسول الله ادعوا الله على ثقيف. فقال: اللهم اهد ثقيفاً وأتِ بهم. سبحان الله! قال: يا رسول الله ادع على ثقيف أن ربنا يهلكها أن كذا، لكن الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم قال: اللهم اهد ثقيفاً وأتِ بها. وهذا الذي حصل فعلا، أن ثقيف أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأعلنت إسلامها، خرجوا من حصونهم وأتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأعلنوا إسلامهم، طبعا باختيارهم.
ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم عن الطائف إلى الجعرانة وبها قسم غنائم حنين كما تقدم.
قال ابن سعد: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المصدقين. قالوا: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم هلال المحرم سنة تسع بعث المصدقين يصدقون العرب، من هم المصدقون؟ الذين يجمعون الصدقات، الذين وظيفتهم جمع الصدقات، بعثهم إلى قبائل العرب حتى يجمعوا صدقات العرب. فبعث عيينة بن حصن إلى بني تميم، وبعث بريدة بن الحصيب إلى أسلم وغفار، ويقال بعث كعب بن مالك.
لاحظ لاحظ لاحظ الدهاء والحكمة، حتى المصدق يكون من القوم! يعني حتى من يجمع صدقات القوم ما بجيب صحابي من جنوب الجزيرة فيخليه يجمع زكوات صحابي من قبيلة من شمال الجزيرة، ما هي نفوس بدك تاخذ مال أنت في النهاية فبدك شخص من ذات القبيلة هو يمون عليهم يأخذ زكوات، فعيينة بن حصن تميمي بعثه إلى بني تميم، بريدة بن الحصيب أسلمي بعثه إلى أسلم. ويقال بعث كعب بن مالك، وبعث عباد بن بشر الأشرسي إلى سليم ومزينة، وبعث رافع بن مكيث إلى جهينة، وبعث عمرو بن العاص إلى بني فزارة، وبعث الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب، وبعث بشر بن سفيان الكعبي إلى بني كعب، وبعث ابن الأتبي الأزدي إلى بني ذبيان، وبعث رجلاً من بني سعد من بني سعد هذيم على صدقاتهم.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقيه أن يأخذوا العفو منهم ويتوقوا كرائم أموالهم. فأمره أن يأخذ العفو منهم يعني ما سمحت به نفوسهم، وأن يتقوا كرائم أموالهم، يعني لا تأخذ مثلا من الإبل أفضل ناقة خذ الوسط، لا تأخذ من بقر أفضل بقرة لأن هذه عزيزة عليه، وهذا أيضاً من الفهم أن الإنسان يعز عليه أن يبدل أعلى شيء عنده، وفي نفس الوقت لا تعطيني أسوأ شيء عندي، أعطيني الوسط سواء من المحاصيل الزراعية أو من الإبل والبقر والغنم. قال ابن إسحاق: وبعث المهاجر بن أبي أمية إلى صنعاء.
فخرج عليه العنسي وهو بها، نعم خرج الأسود العنسي وادعى النبوة، نعم يعني كان رجلاً فاجراً. قال: وبعث زياد بن لبيد إلى حضرموت، وبعث عدي بن حاتم على طيء وبني أسد، وبعث مالك بن نويرة على صدقات بني حنظلة، وفرق صدقات بني سعد على رجلين: الزبرقان بن بدر على ناحية، وقيس بن عاصم على ناحية، والعلاء بن الحضرمي على البحرين، وبعث علياً إلى نجران ليجمع صدقاتهم ويقدم عليه بجزيتهم، لأن نجران كانوا أغلبهم نصارى.
قال: سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم وكانوا فيما بين السقيا وأرض بني تميم، وذلك في المحرم سنة تسع. قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم في خمسين فارساً من العرب، ليس فيهم مهاجرون ولا أنصاري، كان يسير الليل ويكمن النهار فهجم عليهم في الصحراء فدخلوا وسرح مواشيهم، فلما رأوا الجمع ولوّوا، وأخذ منهم أحد عشر رجلاً، ووجدوا في المحلة إحدى وعشرين امرأة وصبياً، فجلبوا إلى المدينة فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسوا في دار رمله بنت الحارث.
فقدم فيهم عدة من رؤسائهم عطارد بن حاجب -قدم فيهم أي من أجري تعرف نفس ما عمل في هوازن، فعل في هذا السبي من بني تميم ما وزعه، قال: نحبسه في دار رمله سيأتون ليطلبوا سبيهم تمام- عدة من رؤسائهم عطارد بن حاجب، وزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، والأقرع بن حابس، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، وعمر بن الأهتم، ورباح بن الحارث بن مجاشع. فلما رأوا بكى إليهم النساء والذراري فجاؤوا إلى باب النبي صلى الله عليه وسلم فنادوا: يا محمد اخرج علينا، فخرج، طبعا نزلت سورة الحجرات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: 4] هؤلاء.
قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام بلال الصلاة، وتعلقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمونه فوقف معهم ثم مضى فصلى الظهر، ثم جلس في صحن المسجد فقدموا عطارد بن حاجب فتكلم وخطب، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس فأجابهم، نزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، فرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسرى والسبي.
شيخ سؤال، نعم هو ذكر قبله أن عيينة بن حصن ذهب يأتي بالزكاة منهم والأقرع بن حابس مسلم، فكيف هو أخذ السبايا من؟ الآن اخي الكريم الأقرع بن حصن وعيينة بن حصن وهؤلاء هم ذهبوا إلى طائفة منهم، والذي يظهر لم يبقوا على الإسلام، يعني طائفة منهم بقوا معاندين، فحتى لما جاء يشفع جاء يشفع مسلماً، يعني الأقرع بن حابس جاء يشفع وهو على إسلامه في هؤلاء وليس كان كافراً عرفت؟ فالذي يظهر لي أنه عبارة عن فخذ من الأفخاذ كان معانداً مصراً، والبعض قال هؤلاء قوم رفضوا دفع الزكاة، هكذا بعض قال رفضوا دفع الزكاة فالنبي صلى الله عليه وسلم قاتلهم، والبعض يقول كان فخذ المِراكة وكانوا محاربين، فالنبي صلى الله عليه وسلم بعث عيينة بن حصن يتفاهم معهم، بس في النهاية لما وقع فيهم سبي بده يفزعهم جماعتهم ومنهم الأقرع بن حابس.
قال: وذكر ابن إسحاق ما وقع بينهما من المفاخرة وما وقع بين الشاعرين الزبرقان وحسان بن ثابت، أصبحوا يردون على بعضهم البعض في مقام النبي صلى الله عليه وسلم. قال من خره نظمه، فانشد للزبرقان: نحن الكرام فلا حي يعادلنا منا الملوك وفينا تنصب البيع وكم قصرنا من الأحياء كلهم عند النهاب وفضل العز يتبع ونحن يطعم عند القحط مطعمنا من الشواء إذا لم يؤنس القزع بما ترى الناس تاتينا سراتهم من كل أرض هويا ثم نصطنع فننحر الكوم عبطا في أرومتنا للنازل إذا ما أنزلوا شبعوا فلا ترانا إلى حي نفاخر إلا استقاد فكان الراس يقتطع فمن يفاخر في ذاك نعرفه فيراجع القوم والأخبار تستمع أنا أبينا ولم يأبى لنا أحد أنا كذلك عند الفخر نرتفع
وأنشد لحسان مجيباً له، حسان بن ثابت رد على الزبرقان فقال: إن الذوائب من فهر وأخوتهم قد بينوا سنة للناس تتبع يرضى بهم كل من كانت سريرته تقوى الإه وكل الخير يصطنع قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منها غير محدثة أن الخلائق فاعلم شرها البدع إن كان في الناس سباقون بعدهم فكل سبق لأدنى سبقهم تبعوا لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا إن سابقوا الناس يوماً فاز سبقهم أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا عفة ذكرت في الوحي عفتهم لا يطبعون ولا يرضيهم طبع لا يبخلون على جار بفضلهم ولا يمسهم من مطمع طمع إذا نصبنا لحي لم ندب له كما يدب إلى الوحشية الذرع نسمو إذا الحرب نالت مخالبها إذا الزعانف من أظفارها خشعوا لا يفخرون إذا نالوا عدوهم وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع كأنهم في الوغا والموت مكتنع أسد بحلية في أرساها فدعوا خذ منه ما أتوا عفواً إذا غضبوا ولا يكن همك الأمر الذي منعوا فإن في حربهم فاتر كعداوتهم شرا يخاض عليه السم والسلع أكرم بقوم رسول الله شيعتهم إذا تفاوتت الأهواء والشيع أهدي لهم مدحتي قلب يؤازره فيما أحب لسان حائك صنعوا فإنهم أفضل الأحياء كلهم إذا جد بالناس جد القول أو شمع
فلما فرغ حسان قال الأقرع بن حابس: إن هذا الرجل لمؤتمر، من خطيبه وشاعره أشعر من شاعرنا، ولا أصواتهم أعلى من أصواتنا. فلما فرغ القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم.
قال: ذكر فوائد تتعلق بهذا الخبر والكلام على شيء من غريب شعره. الأقرع بن حابس لقب واسمه فراس، وكان في رأسه قرع فلقب بذلك يعني كان أصلع سمي الأقرع، قال ذكر ذلك عن ابن دريد، واسم عيينة بن حصن حذيفة، وكانت عيناه جحظت فلقب بذلك. والزبرقان القمر، قال الشاعر: تضيء به المنابر حين يرقى عليها مثل ضوء الزبرقان. والزبرقان الخفيف العارضين واسمه الحسين. وقوله: إذا لم يؤنس القزع، يريد إذا كان الجذب ولم يكن في السماء سحاب ينقز، والقزع تفرق السحاب. إذا كان الجذب يعني كانت الأرض قحطاً ولا يوجد في السماء فكانوا هم يكرمون الفقراء ومن يزورهم طلبا للمؤنة.
قال: والكوم جمع كوماء وهي العظيمة السنام، وهي الناقة التي سنامها عظيم. قال: والاعتبار الموت في الحداثة، قال: من لم يمت عبطة يمت هرماً، الموت في الحداثة يعني أنك تموت صغيراً قبل ما تكبر. قال: متعوا ارتفعوا، متع النهار إذا ارتفع، والذر ولد البقرة وجمعه ذرعان، وبقرة مذر إذا كانت ذات ذرعان. والسلع شجر مر. وشمع أي ضحكوا في الحديث، من تتبع المشمع شمع الله به، يريد من ضحك من الناس وأفرط في المزح، وشمعت الدابه شموعاً لعبت ومعناه في البيت هزل، ومنه امرأة شموع إذا كانت مزاحة.
وذكروا أن قيس بن عاصم كان يبغض عمر بن الأهتم -وهو الذي ضرب أباه فهت فاه فشهربالأهتمام سمي بن سنان- فغض منه بعض الغض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أعطى القوم. ولما دار بين عمر والزبرقان قال عليه الصلاة والسلام يومئذ: «إن من البيان لسحراً»، وذلك أن عمرا قال في الزبرقان إنه لمطاع سيد في عشيرته، وقال زبرقان: لقد حسدني يا رسول الله لشرفي ولقد علمت ما أفضل مما قال. فقال عمر: إنه ذمر المروءة، ضيق العطن، لئيم الخال. فعرف الإنكار في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رضيت فقلت أحسن ما علمت، وسخطت فقلت أقبح ما علمت، ولقد صدقت في الأولى وما كذبت في الثانية».
تمام، قال: يقال كانت أم زبرقان باهية، فذلك أراد عمرو فذلك أراد عمرو. باهلة الهليون بشكل عام مكانتهم في العرب كانت متدنية، تمام يعني كيف أنت في كل مجتمع بتلاقي قبيلة معينة هي المجتمع دائماً بيضحك عليها ويستهزئ بها، فباهلة عند العرب مثل هي القبيلة التي إذا خلص قيل أمه باهل خلاص راحت عليه، فلذلك عمر لما تكلم تكلم بهذا.
قال: سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم بناحيت بيشة أى قريبا من تربة في صفر سنة تسع. قال ابن سعد قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قطبة في عشرين رجلاً إلى حي من خثعم بناحية تبآلة وأمره أن يشن الغارة، فخرجوا على عشرة أعفر يعنقونها، فأخذوا رجلاً فسألوه فاستعجم عليهم فجعل يصيح بالحاضر يقون ولا يعقبون -يعني يعتقدونها أفضل يعني يتعاقبون عليها- نعم قال: فاخذوا رجلا فسألوه فاستعجم عليهم فجعل يصيح بالحضرة ويحذرهم فضربوا عنقه، ثم أقاموا حتى ناموا. فاستعجم عليهم يعني ماذا؟ أي رفض أن يجيبهم تمام، يعني أخذوا رجلاً اصطادوا رجلاً منهم فسألوه وين قومك شو كم عددهم مثلاً، سالوه أسئلة فأبى أن يجيب فاستعجم عليهم أيش يعني رفض أن يدلي بأي معلومة وصار يصرخ ليحذر قومه فضربوا عنقه مباشرة.
قال: ثم أقاموا حتى نام الحاضر فشنوا عليهم الغارة فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى ثم أقاموا انتظروا حتى نام الحاضر حتى نامت القرية نام أهل المنطقه، إنه هذاك رجل صرخ حتى ينبههم صحيح، ومباشرة ضربوا عنقه ولم يسمحوا له أن ينبههم، ثم انتظرت هذه السرية حتى نام أهل تلك القرية فشنوا عليهم الغارة فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى كثر الجرحى في الفريقين.
قال: وقتل قطبة بن عامر من قتل وساق النعم والشاء والنساء إلى المدينة، وجاء سيل آتي فحال بينه وبينه فما يجدون إليه سبيلاً، وكانت سهمانه أربعة أباعير والبعير يعدل بعشر من الغنم بعد. فحال بين هؤلاء الصحابه وبين تلك القبيلة -يعني واضح أن تلك القبيلة حاولت أن تلحق الصحابة ليخرجوا سبيهم وأموالهم- فسبحان الله سير الله سيلاً فمنعهم أن يصلوا إلى الصحابة واستطاع الصحابة أن يوصلوا الغنيمة بأمان إلى المدينة.
قال: سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب في شهر الربيع الأول سنة تسع. قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً إلى القرى طاء عليهم الضحاك بن سفيان بن عوف بن أبي بكر النبي ومعه الأسود بن سلمة بن سلمة بن قرط فلقوه بالزخماء -أي اسم منطقة يعني- فدعوهم إلى الإسلام فأبوا فقاتلوهم فهزموهم. فرغ قصيد أباه سلمة واسلمت على فرس له في غدير بزخ، فدعا أباه إلى الإسلام وأعطاه الأمان فسبه وسب دينه، فضرب الأسود عرقوبي فرس أبيه، فلما وقع الفرس على عرقوبيه ارتكز سلمة على رمحه في الماء ثم استمسك حتى جاءه أحدهم فقتله -يقتله ابنه-. قال: الزخى الزاي والخاء المعجمتان.
قال: سرية علقمة بن مجهز المدلجي إلى الحبشة في شهر ربيع الآخر سنة تسع. قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناساً من الحبشه ترأه -يعني صعوبة موقف الأسيد يعني الأسيد أباه مع المشركين ووالده عنيد، يعني الأسيد هو من جيش المسلمين هنا ووالده مع جيش الكافرين- فدعوهم إلى الإسلام فلحق الأسيد أباه سلمة واسلم على فرس له في غدير ماء ودعاه أباه إلى الإسلام وأعطاه الأمان، فالأب سب الابن وسب دين الابن وفعل ما فعل فسب الاب أباه وسب دين ابنه، فضرب الأسيد -يعني الآن الأسيد عاز عليه يقتل أبوه فايش ضرب؟ قال: بضرب عرقوبي الفرس- طيب وضرب عرقوبي فرس أبيه فسقط، فلما وقع الفرس ارتكز سلمة على رمحه في الماء ثم استمسك حتى جاءهم أحدهم تمام، فقله ولم يقتله ابنه -يعني الابن عز عليه يقتل أبوه، بخلاف مثلاً عبد الله بن عبد الله بن أبي كان هو اللي طلب: يا رسول الله خليني اقتل والدي حتى لا يقتل شخص آخر، فبقى حاقد عليه- لكن ربما الأسيد يعني كان أرحم في هذه المساحة، والمستصعب يقتل أبوه فقال لهم: خلص أنتم اقتلوه تمام.
قال: سرية علقمة بن مجهز المدلجي إلى الحبشة في شهر ربيع الآخر سنة تسع. قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناساً من الحبشة يآذون أهل جده، فبعث عليهم علقمة بن مجهز في ثلاثمائة، فانتهى إلى جزيرة في البحر وقد خاض إليهم البحر فهربوا منه، فلما رجع تعجل بعض القوم إلى أهلهم فأذن لهم، فتعجل عبد الله بن حذافة السهمي فيهم فأمره على من تعجل فكانت فيه دعابة.
فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا ناراً يصطلون عليها ويصنعون، فقال: عزمت عليكم إلا تواثر بتم في هذه النار. فقام بعض القوم فتحجز حتى ظن أنهم واثب فيها، فقال: أجلسوا إنما كنت أضحك معكم. هو شعل لهم نار وقال لهم: يلا ادخلوا فيها مش أنا زعيمكم يلا ادخلوا في النار؟ اه فتحجز حتى ظن أنهم واثب فيها، تمام فقال: أجلسوا إنما كنت أضحك معكم. فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «من أمركم بمعصية فلا تطيعوه» حتى ولو كان أميرك.
قال: سرية علي بن أبي طالب إلى الفلس صنم طيء أن يهدمه. في التاريخ قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علي
بن أبي طالب التاريخ في نفس تاريخ السرية السابقة. يقول هنا المحشي في نفس تاريخ السرية السابقة، يعني في شهر ربيع الآخر من سنة تسع. قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب في خمسين ومائة رجل من الأنصار، على مائة بعير وخمس فرس، ومعه راية سوداء ولواء أبيض، إلى الفلس يهدمه.
فشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر، فهدموا الفلس وحرقوه، وملئوا أيديهم من السبي والنعم والشاة. وفي السبي أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي إلى الشام. ووجد في خزانة الفلس ثلاثة أسياف: رسوب والمخزن، وسيف يقال له اليماني، وثلاثة أدرع. واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على السبي أبا قتادة، واستعمل على المشية عدي بن حاتم -هذا ابن حاتم الطائي، وكان ما زال نصرانياً فهرب إلى الشام تماماً- قال: واستعمل على المشية والرقة عبد الله بن عتيك. فلما نزلوا ركانا وعزل للنبي صلى الله عليه وسلم صفيا رسوبا والمخزن، ثم صار له بعد السيف الآخر، وعزل الخمس وعزل آل حاتم، فلم يقسمهم حتى قدم بهم المدينة. والفلس بضم الفاء وسكون اللام.
ثم سرية عكاشة بن محصن إلى الجناب أرض عذرة وبلي، وكانت في شهر ربيع الآخر سنة تسع من الهجرة. نعم، من هم؟ مشهور أنهم نصارى، كانت نصرانية بس هنا بس أنا رجعت الآن هنا، قال ابن إسحاق: وبعث ابن حاتم على طيء وبني أسد. الذي يظهر أن هذا سيكون بعد هذه الواقعة، يعني أنا أشعر أن في تقديم وتأخير؛ لأنه في النهاية هنا عدي بن حاتم هرب إلى الشام لأنه كان نصرانياً. فكيف أنه بعث عدي بن حاتم صلى الله عليه وسلم على طيء وبني أسد؟ هذا لا يظهر؛ لأنه في تلك الفترة هذا سيكون متأخراً ما ذكره ابن إسحاق. وإلا كيف يكون عدي بن حاتم ما زال نصرانياً ويبعثه النبي صلى الله عليه وسلم مصدقاً لجمع الصدقات؟ فيه مشكلة يعني.
ذكر أنه بعثه إلى هدم صنم، تمام، كيف؟ فشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر، هدموا الفلس وحرقوا، ملئوا أيديهم، وفي السبي أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي إلى الشام. الآن سيبقى الفكرة هل هم هؤلاء بنو حاتم من طيء؟ الآن هو عموماً معقول أن يكون القبيلة بعضهم مشرك وبعضهم نصران، وحتى نصارى العرب كانوا مخلطين أصلاً، يعني بتلاقيه نصراني وبعبد صنم، يعني هذا متصور فيهم تماماً، لكن يبقى التأكد من هذه القبيلة، هل هي آل حاتم هؤلاء هم فخذ من طيء، تمام، أو يسكنون بجانبهم، وبالتالي تمت الغارة على الجانبين؟ أم هم نصارى، لكن حتى مع ذلك كانوا متأثرين بجو العرب فوضعوا صنماً؟ هذه تحتاج إلى دراسة تاريخ هذه القبيلة، الله أعلم.
طيب، قال خبر كعب بن زهير مع النبي صلى الله عليه وسلم وقصيدته. نعم، كعب بن زهير هذا ابن الشاعر الشهير زهير بن أبي سلمى، وهو الذي أعطى قصيدة: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول. تمام، قال: وكان فيما بين رجوعه عليه السلام من الطائف وغزوة تبوك. قال ابن إسحاق: ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من منصرفه عن الطائف، كتب بجير بن زهير إلى أخيه كعب يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجالاً بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بقي من شعراء قريش ابن الزبعري وهبة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لا يقتل أحداً جاءه تائباً، وإن أنت لم تفعل فانجو إلى نجائك.
وكان كعب قد قال: ألا أبلغ عني بجيرا رسالة، فهل لك فيما قلت ويحك هل لك نعمان؟ أنتم بتعرفوا النبي عليه الصلاه والسلام لما دخل مكة أمر بقتل مجموعة ولو كانت متعلقة بأستار الكعبة، وقلنا الميزه العامة لهذه المجموعة ما هي؟ اللي قال: اقتلوهم ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة؛ أنهم كانوا يهجون النبي عليه الصلاة والسلام. كعب بن زهير ابن زهير بن أبي سلمى أيضاً ممن كان معروفاً بهجاء النبي عليه الصلاة والسلام. فأخوه بجير، بجير كتب إلى أخيه كعب، قال: اسمع، ترى النبي عليه الصلاة والسلام صفى كل الذين كانوا يشتمونه أو يهجونه بالشعر، تم تصفيتهم، عاد أنت بدك تدبر حالك تمام، إذا مسكك ستقتل.
نعم، قال: وكان كعب قد قال: ألا أبلغ عني بجيرا رسالة، فهل لك فيما قلت ويحك هلك؟ فبين لنا إن كنت لست بفاعل على أي شيء غير ذلك دلك. خلق لم ألق يوماً أبا له عليه، ولا تلفي عليه أبا لك، فإن أنت لم تفعل فلست بأسف ولا قائل. أما عثرت لعن لك سقاك بها المامون كأساً روية، فإن هلك المامون عنها وعل لك. وبعث بها إلى بجير، فلما أتت بجيراً كره أن يكتمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنشد إياها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سقاك بها المامون صدق وانه لكذوب وانا المامون». نعم، إنه الأمين صلى الله عليه وسلم.
نعم، ولما سمع: على خلق لم تلفي أماً ولا أبابا عليه، قال: «اجل لم يلفي عليه أباه ولا أمه». ثم قال أبو بجير: على خلق، يعني على دين لم يجد عليه أباه ولا أمه. نعم، فدين الإسلام لم يكن دين أبيه ولا أمه؛ لأن أباه وأمه كانوا مشركين. نعم، قال ثم قال بجير لكعب: من مبلغ كعباً فهل لك فيلي، تلوم عليها باطلاً وهي أحزم. إلى الله لا العزى ولا اللات وحده، فتنجو إذا كان النجا وتسلم. لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت من النار إلا طاهر القلب مسلم.
فدين زهير وهو لا شيء دينه، ودين أبي سلمى علي محرماً. وبالتالي هذا يدل على أن زهير بن أبي سلمى نحن درسنا معلقته في برنامج غراس من أفخم المعلقات ومن أحكم العرب، لكنه في النهاية عاش ثمانين دهراً ولكنه مات كافراً تماماً، وأولاده شعراء، أنت شايف يردوا على بعض بالشعر، يعني كان بجير ولا كعب هما يدان على بعضهما بالشعر، يعني ولد فرخ البط عوام. بقولك الشعر وراثه، والظاهر أنه يعني الأب نقل هذه الخاصية لأبنائه.
نعم، قال: فلما بلغ كعباً الكتاب وضاقت به الأرض، وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان في حاضرة من عدوه، فقالوا: هو مقتول. أرجف به يعني خوفوه، قالوا: ترى أنت راح يصيدك وراح يقتلوك، هكذا قالوا لكعب. نعم، قال: فلما لم يجد من شيء بدّاً، قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويذكر خوفه وأرجاف الوشاة به من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة كما ذكر، فغدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى الصبح، فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أشار له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قم إليه واستأمنه. فذكر لي أنه قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس إليه، فوضع يده في يده، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفه، فقال: يا رسول الله إن كعب -أول مرة يشوف النبي عليه الصلاة والسلام- قال فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائباً مسلما، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ هو حكى عن نفسه بس هو ما حكى أن أنا كعب، قال: يا رسول الله أنا راح أجيب لك كعب بن زهير، هل ستقبل إذا جاءك أنك تؤمنه؟ قال: «نعم». قال: فأنـا يا رسول الله كعب بن زهير.
نعم، قال: قال ابن إسحاق، وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجل من أنصاري فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعه عنك، فانه قد جاء تائباً نازعاً». نازعاً يعني تاركاً لما كان عليه. نعم، قال: فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير، فقال في قصيدته التي قال حين قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم أثرها لم يف مفبول وما سعاد غداة البين إذ رحلوا إلا أغن غضيض الطرف مكحول تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت كأنه منهل بالراح معلول شجت بذي شبم من ماء محنية صاف بابطحها وهو مشمول تنفي الرياح القذى عنه وأفرط من صوب سارية بيض يعاليل ويلمها خلّة لو أنها صدقت موعوداً أو لو أن النصح قبول لكنها خلّة قد سيط من دمها فجع وولع وإخلاف وتبديل فما تقوم على حال تكون بها كما تلون في أثوابها الغول وما تمسك بالوعد الذي زعمت إلا كما يمسك الماء الغرابيل كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً وما مواعيدها إلا الأباطيل أرجو وآمل أن تدنو مودتي وما أخال لدينا منك تنويل فلا يغرنك ما مُنّيت وما وعدت إن الأماني والأحلام تضليل أمست سعاد بأرض لا يبلغها إلا العتاق النجيبات المراسيل ولا يبلغها إلا عذافرة فيها على الأين أرقال وتبجيل من كل نضخ الفرة إذا عرقت عرضتها طامس الأعلام مجهول
فصل الرحلة بدأ فيه.
ترمي النجاد بعيني مفرد لهق إذا توقدت الحزان والميل ضخم مقلدها فعم مقيدها في خلقها عن بنات الفحل تفضيله حرف أخوها أبوها من مهجنة وعمها خالها قودا شمليل يمشي القراد عليها ثم يزل منها لبان وأقراب زهال عيرانه قذفت بالنحر عن عرض مرفقة عن بنات الزور مفتول قنوا في حرتها للبصير بها عتق مبين وفي الخدين تسهيل كأنما فات عينيها ومذبحها من خطمها ومن اللحيين برطيل تمر مثل عسيب النخل ذا خصل في غارز لم تخونه الأحال على يسار وهي لاحيت ذوابل وقعة الأرض تحليل سمر العجي يتركن الحصا زيماً لم يقن سواد سواد الأكم تنعي يوم يظل به الحرباء مرتبكاً كأن ضاحيته في النار مملول وقال للقوم حديهم وقد جعلت بقع الجنادب يركضن الحسا قيل كأن أوب ذراعيها وقد عرقت وقد تلفع بالقيعان العسا قيل أوب يدي فاقد شمطاء معولة قامت فجاوب نكد مثاقيل نواحة رخوة الضبع ليس لها لما نعى بكرها الناعون معقول تفري اللبان بكفيها ومدرعة مشقق عن تراق رعاب تمشي الغواة بجنبيها وقولهم إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول فقال: كل -وبيحيي أنه هي الرا- هي الناقة التي وصفها، طبعا هذا إن شاء الله علنا نعلق عليها في يوم من الأيام، فهو يخبر أن هذه الناقة بهذا الوصف الطويل لها وهيئتها وشكلها، وهذا اللي يهمكم، هي التي حملته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يمشي حولها أناس يرجفون به ويقولون له: يا ابن أبي سلمى، ترى أنت ستقتل عند النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال: كل صديق كنت أمله لا ألينك أني عنك مشغول فقلت: خلوا طريقي لا أبا لكم فكل ما قدر الرحمن قلت لهم خلاص، ما حداش شعبي، خلوني أنا أمشي في مصيري وأنا عاد بدبر حالي. كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول نبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول مهلا هداك الذي أعطاك نافلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم أذنب ولو كثرت في الأقاويل
يعني هو لم يذنب، يعني مش منطقية كثير بس أنه ماشي. نعم، أنا سمعت في هذا البيت أنه يعني من عادة العرب إذا أراد أن يعتذر لا يقول أخطأت، يقول يقول أنا لا، مش صحيح، يعني يسامح نفسه حتى يعني خلاص يقول له خلاص ما أخطأت مشي له إياها.
لقد أقوم مقاماً لو يقوم به يرى ويسمع ما قد يسمع الفيل لظل يرعد من وجد بوادره إن لم يكن من رسول الله تنويل حتى وضعت يميني ما نازعها في كف ذي نقمات قوله القيل فلهو أخوف عندي إذ أكلمه وقيل إنك منسوب ومسؤول من ضيغم ضراء بدرة في بطن عثر غيل دونه غيل يغدو فيلحق مين عيشهما لحم من الناس معفور خراديل إذا يساور قرناً لا يحل له أن يترك القرن إلا وهو مغلول منه تظل حمير الجو نافرة ولا تمش ولا تمشى بواديه الأراجيل ولا يزال بواديه أخو ثقة مضرج البز مضرج البز والدرس مأکول وإن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول في عصبة من قريش قال قائلهم ببطن مكة لما أسلموا: زولوا زالوا فما زال أنكاس ولا كشف عند اللقاء ولا ميل معازيل يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ضرب إذا عرد السود التنابيل شم العرانين أبطال لبوسهم من نسل داوود في الهيجاء سرابيل بيض سوابغ قد شكت لها حلق كأنها حلق القفعاء مجدول ليسوا مفاريش أن نالت رماحهم قوماً وليسوا مجازيعاً إذا نيل لا يقع الطعن إلا في نحورهم ليس لهم عن حياض الموت تهليل طعان لا يقع الطعن إلا في نحورهم دلالة على نهايتها الشجاعة عن الشجاعة، وأنهم يدخلون في الصفوف حتى إذا ضربوا لا تضرب إلا نحورهم وهم مقبلون ليس مدبرين.
قال ابن هشام: قال كعب هذه القصيدة بعد قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وبيته: حرف أخوها، ويمشي القراد، وبيته: عيرانه قذفت، وبيته: تمر مثل.
عسيب النخل وبيته تفري اللبان وبيته إذا يساو قرن وبيته ولا يزال بواديه عن غير ابن إسحاق، يعني هي قصيدة بأن حسان لها أكثر من رواية. هناك بعض الأبيات عند ابن إسحاق، وبعضها عند غيره، هو يريد يقول لك هي لها أكثر من رواية نعم في بعض الأبيات.
طيب قال، قال ابن إسحاق: قال عاصم بن عمر بن قتادة: فلما قال كعب: إذا عرض السود التنابيل. وإنما يريد معشر الأنصار، لما كان صاحبنا صنع به، لما كان يعني يعني يلمز الأنصار لما فعل به الرجل نعم. قال وخص المهاجرين من قريش من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدحة غضبت عليه الأنصار. فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار ويذكر بلائهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعهم.
من سره كرم الحياة فلا يزل -لأن الأنصار كانوا أصلاً من اليمن، الأوس والخزرج أصلهم يمنيون نعم- قال: من سره كرم الحياة فلا يزل في مقنب من صالح الأنصار، ورث المكارم كابراً عن كابر، إن الخيار هم بنو الأخيار. وقال في قصيدته السابقة في عصبة من قريش، قال قائلهم ببطن مكة لما أسلموا: في عصبة من قريش، فمدح المهاجرين. فهمتم في في قصيدته السابقة، فالأنصار زعلت، يعني أنت في النهاية برضه ما ترضي الناس.
نعم قال: من سره كرم الحياة فلا يزل في مقنب من صالح الأنصار، ورث المكارم كابراً عن كابر، إن الخيار هم بنو الأخيار، الباذلين نفوسهم لنبيهم يوم الهياج وفتنة الأحبار، والذائدين الناس عن أديانهم بالمشرفي وبقنى الخطار، المكرهين السمهري بأذرع كصفوف الهندي غير قصار، والناظرين بأعين محمرة كالجمر غير كليلة الأبصار، والبائعين نفوسهم لنبيهم للموت يوم تعانق وكرار، يتطهرون يرونه نسكاً لهم بدماء من علقوا من الكفار، دربوا كما دربت ببطن خفية غلب الرقاب من الأسود ضوار، وإذا حللت ليمنعك إليهم اصبحت عند معاقل الأقفال، ضربوا علينا يوم بدر ضربة دانت لوقعتها جميع نزار، لو يعلم الاقوام علمي كله فيهم لصدقي الذين أماري. قوم إذا خوت النجوم فإنهم للطارق النازلين مقاري، في العز من غسان في جرثومة أعيت محافر على المنقاري.
قال: فوادة تتعلق بهذه الخبر أو بهذا الخبر أبو سلم ربيعة بن رياح أحد بني مزينة، نعم فهو منسوب إلى مزينة، زهير بن أبي سلمى هو محسوب على قبيلة مزينة العربي. نعم قال والمأمون -يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت قريش تسميه أيضاً الأمين- ولعل كلمة تقال للعاشر دعاء له بالإقالة. فؤاد الرجل رمته بهجرها فقطعت قلبه، ومعلول من من العلل هو الشرب الثاني، والأول النهل، ومنه قول ومنه قوله منهل، يستعمل معلول أيضاً من الاعتلال كما يقول الخليل في العروض حكاه ابن القوطية، ولم يعرف ابن سيده، وشجت بذي شبم يعني الخمر وشجت كسرت من أعلاها لأن الشجة لا تكون إلا في الراس، والشب البرد أو البرد والشب البارد قاله الأصمعي.
وقال: شج شيئاً إذا علاه، ومن هذا ومن هذا شج الشراب هو أن يعلوه بالماء فيمُزج به، وممول ضربة الشمال وأفرط أي ملأه. وعن السهيلي وغيره سبقه وتقدمه، وللصبال وقيل جبال ينحدر الماء من أعلاها، واليعربي علول لأنه يعل الأرض بمائه. قال وقال ابن سيده: العلول الحبابة. سيعلق طبعا على ألفاظ القصيدة ومعانيها مادامت القصيدة لم تشرح، نترك هذا التعليق عندما نشرحها إن شاء الله.
اذهب إلى غزوة تبوك. بسم الله، قال: غزوة تبوك في شهر رجب سنة تسع توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لغزو الروم. قال ابن إسحاق: وكان ذلك في زمن عسرة من الناس وجدب من البلاد وحين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم.
طيب غزوة تبوك من الغزوات العظيمة، ونستطيع أن نقول هي آخر غزوة من غزوات النبي عليه الصلاة والسلام فعلياً هي الغزوة الكبيرة الأخيرة من غزوات النبي عليه الصلاة والسلام، وكان فيها العديد حقيقة من العبر والدروس المفيدة، سواء في كشف النفاق الذي بدأ يزداد أكثر في المدينة، وفي النظام الإسلامي لأن النظام الإسلامي ما عاد فقط المدينة أصبحت المدينة ومكة والطائف وجزيرة العرب تدين الآن إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
غزوة تبوك جاءت في مرحلة كما قلنا جل الجزيرة العربية جلها على الأقل نقول دانت للنبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم بدأ ينظر حقيقة إلى الشام وكثير من المؤرخين والسياسيين وأصحاب الفكر الاستراتيجي يقول: النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن خضعت له جزيرة العرب بدأ ينظر إلى الشام ويريد أن يوصل هذه الرسالة للخلفاء الراشدين من بعده إلى ضرورة فتح الشام؛ لأن الشام هي المعبر الحقيقي إلى القارات جميعاً وهي نصف العالم يعني وسط العالم في الشام.
طبعاً أن نتكلم عن الشام، الشام التاريخي الشام يشمل سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين. النبي صلى الله عليه وسلم ببعده الاستراتيجي ونظرته الثاقبه كان يعرف أنه لا بد في النهاية من ماذا؟ يعني من الخروج من جزيرة العرب؛ لأن دعوته صلى الله عليه وسلم هي دعوة عالمية، هي ليست للعربي فقط، اليس كذلك؟ النبي عليه الصلاة والسلام للعربي وللعجم، ومفتاح الوصول إلى الأرض كلها هي أن تكون في الشام. الشام عبر تاريخ الإنسانية هي محط الحضارات، هذا أكيد درسهم الفينيقيين والآشوريين والقبائل وفي التاريخ القديم، وحتى جل الرسالات الأنبياء وملك الأنبياء إنما كان في الشام، يعني الجزيرة العربية رصيدها في النبوة وفي في الحياة ما كان مثل رصيد الشام. الشام لها تاريخ قديم في الإنسانية، جزيرة عربية نستطيع أن نقول كان فيها قبائل عاد ثمود يعني بعض هذه القبائل الذين أرسل إليهم أنبياء، لكن بشكل عام بنو إسرائيل وأنبياء بنو إسرائيل والحياة والأمم السابقة كانت في الشام.
الشام طبعاً بطبيعتها وإشرافها على البحر الأبيض المتوسط واتصالها الجغرافي بتركيا وأوروبا وما بعد ذلك، واتصالها بالجهة الأخرى بالعراق وثم بعد العراق واتصالها كما قلنا به مفتاح الدخول إلى أفريقيا، تمام أصلاً عن طريق سيناء الشام والاردن سيناء إلى هي هي النقطه المحورية الجوهرية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم ببعد نظره يريد أن يصل إليها.
يعني النبي عليه الصلاة والسلام لم يتجه مثلاً إلى العراق، لم يتجه إلى العراق في معاركه تمام، مع أن الفرس كانوا في تلك الحقبة في تلك الفترة من حياة النبي عليه الصلاة والسلام كانوا الأضعف حالا؛ لأنه الروم انتصرت عليهم، إذا بتذكر: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: 2-3]، وفعلاً بعد بضع سنوات غلبت الروم الفرس ودخل زعيمهم إلى نينوى المعركه الشهيرة، وتم هزم الفرس فيها، والفرس تشتتوا، وذهب المرأة التي كانت عليهم، اش قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، وإذا مات كسرى فلا كسرى بعده. يعني كانت امورهم ضعيفة هزيلة متشتتة.
بينما روما والروم كانوا لا، كانوا في عز قوتهم، لكن هم يسيطرون على النقطة الخطرة في العالم وهي الشام. فبدأ النبي، وكما قلنا خلص جزيرة العرب في جلها أذعنت للنبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم بدأ يخطط للانتقال بهذه الدعوة إلى بعد استراتيجي وإلى عمق أعمق أعظم وهو مهم جداً للوصول لغيرها، فاتجه باتجاه الشام، يعني كان تخطيطه أن يذهب إلى الشام.
وجاءت بالتالي غزوة تبوك بكل ما فيها من الصعوبة، مع أنها في حر الصيف، مع أنها في وقت يعني ما كان هو الوقت بالنسبة للصحابه أجمل اوقات الغزو لطيب الثمار وما شابه ذلك، لكن لا بد من سرعة اتخاذ التدابير في الاتجاه نحو الشام، وبدء الصولات والجولات مع الروم فيها.
وأيضاً النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الغزوة -طبعاً سياتي أنه في النهاية الروم لم يقابلوا، الروم لم يقابلوا- لكن استطاع أن يثبت مجموعة من الوثائق والمصالحات مع قبائل حول تبوك حتى عمل وثيقة حتى مع زعيم العقبة، عمل وثيقة مع زعيم العقبة، مع زعيم معان، نعم ملك أيله، مع زعيم العقبة اللي كان سم أيله، مع زعيم معان، عمل وثائق. هذه الوثائق كان أحد مضامينها هو حماية الجيش الإسلامي وعدم التعرض له عندما يجتاز إلى أراضيكم. الجيش الإسلامي ليش بده يجتاز إلى أراضينا؟ إذن فهموا أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ ينظر يتحرك باتجاه الشام ويريد أن يفتحها وأن يسيطر عليها، تمام. ولذلك دائماً يقولون حتى علماء التاريخ يعني: من يسيطر على الشام يسيطر على قلب العالم.
من يسيطر على الشام يسيطر على قلب العالم، هي هي التاريخية الشام عموماً الشام الجغرافي، فلا بد من السيطرة عليها مهما كانت الأمور ومهما كانت النتائج، ولذلك قلنا النبي عليه الصلاة والسلام اهتم واحتفى بتسيير هذه الغزوة مهما كان الثمن، وأيضاً كانت آخر وصاياه قبل وفاته: أنفذوا بعث أسامة. صحيح أسامة بن زيد، النبي صلى الله عليه وسلم جهزه حتى يطا البلقاء من أرض الشام. قال: بدك تتحرك حتى تطق البلقاء من أرض الشام ويدخل إلى فلسطين. البلقاء كان امتداد الجغرافية الأردن وفلسطين، بدك تطقها.
وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم، فأسا عاد بالجيش، فأبو بكر فاهم البعد الذي يريده النبي عليه الصلاة والسلام، فأصر أبو بكر مع أنه صارت ردة في جزيرة العرب: لا بد أن نطا الشام ما دام النبي عليه الصلاة والسلام أصر على هذا الجيش أن يستمر، وقال في لحظاته الأخيرة قبل وفاته بأبيه وأمه: أنفذوا بعث أسامة. إذاً في أمر يريده النبي صلى الله عليه وسلم أن يحصل، لا بد أن يعرف الروم أننا سناخذ الشام قريبا أو بعيدا، المهم لا بد وأن ناخذها.
بالتالي هذا يعطيك قيمة الشام وقيمة ولماذا الملاحم فيها في آخر الزمان، يعني حتى في آخر الزمان الملاحم يعني العرب سيكون هناك خسف كما هو ورد في الحديث، لكن الملاحم والجهاد والرباط إنما هو في الشام، ولماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم أن الشام هي خيرة الله من أرضه يجبي إليها خيرة من عباده، ولماذا معركة مرج دابق وفُسطاط المسلمين في غوطة دمشق؟ أنت تتكلم عن ملاحم وعن أمور عظيمة مهيبة ستحصل في تلك المنطقة؛ لأنه كما قلنا هي صلب العالم ومحور العالم، وبالتالي الصراع على الشام لن يكون صراعاً سهلاً لا قديماً ولا حديثاً، لك تفهمها وصراع حضارات، صراع أمم، والكل يفهم معنى الشام.
بالتالي ما يحصل الآن مثلاً في الشام التاريخ المعاصر هو لا تظن أنه هو قضية سهلة، ما يحصل الآن من أنه تظن تدبير الله يكيدون كيداً وأكيد كيداً، لكن بدك تفهم أن الكل يعرف قيمة الشام، بنو إسرائيل يعرفون قيمة الشام، أمريكا وروسيا تعرف قيمة الشام، كلهم يعرفون أن الشام منطقة حيوية لا يمكن أبداً أبداً أبداً يعني تركها أو أعطائهم مساحة ليعيشوا حياة خاصة بهم، أنه لا بد مسيطر عليها من ناحية استراتيجية، من ناحية موانئها طرطوس اللاذقية وما حولها لا بد أن يسيطر عليها من كل الزوايا، ولكنهم في النهاية هي شد رخي معركة الاسلام مع الكفر هي شد رخي ومصالح تلتقي ونحاول أن نجد متنفساً، بس بدك تفهم لماذا صراعنا التاريخي والقادم هي على هذه الأرض المباركة.
إذن النبي عليه الصلاة والسلام كما قلنا في غزوة تبوك كان يتجه بوصلة الصحابة الكرام إلى فتح الشام؛ لأنها بوابة العالم. الغزوة كانت فيها تفاصيل كثيرة فوائد عظيمة حال كل غزواته صلى الله عليه وسلم، نبدأ بالعيش في تفاصيلها والتعرف على ما ورد فيها من الأحوال والأيام.
بسم الله قال: غزوة تبوك في شهر رجب سنة تسع توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لغزو الروم. قال ابن إسحاق: وكان ذلك في زمن عسرة من الناس وجدب من البلاد وحين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم. إذاً توقيت الغزوة كان بالنسبة للصحابة بلاء، توقيت كان بلاء شديداً نعم.
قال: ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه. يعني كانوا يكرهون الشخوص -يعني لا يريدون الخروج- الشخوص عن الخروج، ما كانوا يريدون الخروج على في ذاك الزمان. الثمار أصبحت جاهزة للقطاف، وحرارة الصيف تضرب، فكل العناصر ما كانتش مواتية نفسياً، لكنه أمر الله نعم.
قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كنا عنها وربى بغيرها إلا ما كان من غزوة تبوك لبعد الشقة وشدة الزمان. نعم كان النبي صلى الله عليه وسلم في العادة إذا أراد غزوة وربى بغيرها، أوهم أنه يريد أن يذهب إلى مكان آخر حتى يفاجئ العدو في عقر داره ولا يوجد عين أو جاسوس داخل المجتمع المسلم يبلغ العدو بقدومه، إلا غزوة تبوك، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر مباشرة أننا متجهون إلى تبوك حتى الصحابة يستعدوا نفسياً وجسدياً ولوجستياً نعم.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه ذلك لجد بن قيس أحد بني سلمة: يا جد هل لك هل لك العام في جلاد بني الأصفر؟ الآن الجد بن قيس كان أحد رؤوس المنافقين، وكان من قبيلة الأنصار، يعني كان من بني سلمة، لكنه كان منافقاً.
النبي صلى الله عليه وسلم قال له: هل لك في أن تقاتل بن الأصفر وكذا لقب للروم؟ فماذا قال؟ قال: يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني؟ فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجباً بالنساء مني، وإني وإني أخشى إن رأيت نساء بن الأصفر أن لا أصبر. يا رسول الله أنا بخاف أنا أفتتن بنساء بن الأصفر، تمام يعني قومي يعرفون أنني أحب النساء.
وإنني أخشى أن أفتنى بالنساء الشُّقْرِ البِيضِ، فَأَذِنَ لي.
قال: فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «قد أذنت لك».
ففيه نزلت: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: 49]. هذه نزلت في الجد بن قيس. الفتنة سقطوا؛ الفتنة هي أن لا تجاهد في سبيل الله، الفتنة أن لا تطيع أمر النبي صلى الله عليه وسلم، أنت تخشى فتنة النساء فوقعت في فتنة أكبر.
نعم، قال: وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض لا تنفروا في الحر، فانزل الله فيهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ [التوبة: 81]، الله العافية.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جَدَّ في سفره، وأمر الناس بالجهاز، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها. نعم، الذي جهز جيش العسرة هو عثمان، سمي جيش العسرة الذي جهزه حقيقة وأنفق فيه ما لم ينفق غيره هو سيدنا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. وبعض الاغنياء أيضاً ساهم حقيقة في إنفاذ هذا الجيش.
نعم، قال وذكر ابن سعد: قالوا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الروم قد جمعت جموعاً كثيرة بالشام، وأن هرقْلاً لقد رزق أصحابه لسنة وأجلب معه لَخْماً وجُذَاماً وعَامِلَةَ وغَسَّانَ. وقدم لأن الروم أيضاً، وقيل إن هذا كان أحد المحركات أنه بلغه خبر صلى الله عليه وسلم أن الروم بدأوا يجمعون في الشام لمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن بعض القبائل العربية مثل لخم وجذام وعاملة وغسان تحالفت مع الروم، وهذا أيضاً يعطيك مؤشراً أن أخبار النبي عليه الصلاة والسلام طارت إلى الروم، بدأوا يتخوفون من هذا المشروع الجديد الذي يلامس تخوم بلادهم. دانت الجزيرة العربية لمحمد صلى الله عليه وسلم، بالتالي هذا أصبح مشروعاً مخيفاً للروم وعليهم أن يتداركوا الموضع.
نعم، قال: وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء. وجاء البكاؤون وهم سبعة يستحملون. يعني الروم قدموا مقدمتهم إلى البلقاء -البلقاء في امتداد بين الأردن وفلسطين، منطقة معروفة-.
نعم، قال: وجاء البكاؤون وهم سبعة يستحملون رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال بكاؤهم: صحابة فقراء يريدون الغزو والجهاد لكن لم يجدوا دابة تحملهم. فانزل الله: ﴿تَوَلَّوا وَأَعْعُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: 92]. من هم البكاؤون السبعة؟
قال: هم سالم بن عمير، وعُلْبَة بن زيد، وأبو ليلى المازني، وعمرو بن عَنَمَة، وسلمة بن صخر، والعَبَاض بن سارية، وفي بعض الروايات عبد الله بن مغفل ومعقل بن يسار. وعند ابن عائذ فيهم مهدي بن عبد الرحمن. وبعضهم يقول البكاؤون بنو مقرنين سبعتهم من مزينة، وابن حاق يُعِدُّ فيهم عمرو بن الحمام بن الجموح. وقال وبعض الناس يقول عبد الله بن عمر المزني بدل ابن المغفل، وهَرَمي بن عبد الله الواقفي.
وفيما ذكر ابن إسحاق أنه بلغه أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى وابن المغفل هما كذلك فأعطى ناضحاً له وزودهم شيئاً من تمر -ناضحاً له يعني جملاً له-.
نعم، قال: وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم فلم يعذرهم. قال ابن سعد: وهم اثنان وثمانون رجلاً.
وكان عبد الله بن أبي بن سلول قد عسكر على ثنية الوداع في حلفاء من اليهود والمنافقين، فكان يقال ليس عسكره بأقل العسكرين. وقال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخلف على عسكره أبا بكر الصديق يصلي بالناس، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري وقيل سباع بن عرفطة، وذكر ابن هشام الأول أثبت.
فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عبد الله بن أبي ومن كان معه، وتخلف نفر من المسلمين من غير شك وارتياب منه: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومُرارة بن الربيع، وأبو خيثمه السالمي، وأبو ذر الغفاري.
وشهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثين ألفاً من الناس، والخيل عشرة في فرس، أقام بها عشرين ليلة يصلي ركعتين. ولحقه بها أبو خيثمة السالمي وأبو ذر، وهرقل يومئذ بحمص. فيما ذكر ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -قال: زعيم الروم كان مقيم في وين؟ في حمص، لذلك حمص يكثر فيها النصارى أظن حتى اليوم، سبحان الله-.
نعم، قال فيما ذكر ابن إسحاق: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أراد الخروج خلف علي بن أبي طالب على أهله. فأرجف بهم، أنت طبعا في النهاية جيش المسلمين الآن كبر وكان أصبغت القبائل العربية كثيرة، فأنت تتكلم اليوم عن ثلاثين ألف مقاتل يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم، كنا نتكلم في غزوة بدر عن ثلاثمِائَة وأربعة عشر، اليوم نتكلم عن ثلاثين ألفاً، هكذا الدعوات.
نعم، قال: وقالوا ما خلفه إلا استثقال وتخفف منه. فأخذ علي سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف فقال: يا نبي الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتني أنك استثقلتني وخففت مني. فقال: «كذبوا، ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فرجع فاخلِفْني في أهلي وأهلك». لما تركت ورائي يعني من نسائي وعيبتي.
نعم، قال: «أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي». فرجع علي إلى المدينة.
نعم، ثم إن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً إلى أهله في يوم حار. فوجد امراتين له في عريشين في لهما. هذه بعض المواقف الجميلة من بعض الصحابة، أبو خيثمة تأخر قليلاً في -قد تكون نفس بشرية- تأخر قليلاً بعد أن سار النبي صلى الله عليه وسلم أياماً بالجيش في من الأيام. أبو خيثمة في المدينة فعاد إلى عريشه، ووجد امراتيه أصلحت له الأمور وجهزت له مكاناً بارداً وطعاماً وشراباً. فأبو خيثمة صحابي عز عليه هذا الموقف، أقول يعني النبي عليه الصلاة والسلام يعالج الحر، يعالج الأمور الصعبة، وأنا جالس بين زوجتي ومع طعامي وشرابي؟! فحمل سلاحه وعدته ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم.
نعم، قال: فوجد امراتين له في عريشين لهما في حائطه، قد رشت كل واحدة منهما ريشتها، وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعاماً. فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امراتيه وما صنعت له، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح والحر، وأبو خيثمه في ظل بارد وطعام مهيئ وامرأة حسناء، ما هذا بالنصف!
ثم قال: والله لا أدخل عريش هذا بالنصف -يعني هذا مش انصاف، هذا ليس إنصافاً-.
نعم، ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهيئي لي زاداً. ففعلت، ثم قدم ناضحه فارتحل، ثم خرج فيض -يعني جملة-.
نعم، قال: ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك، وكان وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطريق يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فترافقا. حتى إذا دانوا من تبوك، قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنباً فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففعل.
حتى إذا دنى من رسول الله صلى الله عليه وسلم نازل بتبوك، قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خيثمة». أبو خيثمة -قال: إن لي ذنب، لأنه أنا تاخرت عن الغزوة، فبدي أشوف النبي عليه الصلاة والسلام رح يقبلني ولا لا؟-. أما عمير بن وهب لا هو مش تخلف، هو يعني أدركه في الطريق وكان ذاهب من البداية بس قد يكون في ظرف عنده معين أو وصل الخبر متأخر. فأبو خيثمة قال له: اسمع، الآن وصلنا لا تصحبني، أنا أخطأت أنت ما عندكش غلط، خليني أجي النبي صلى الله عليه وسلم وحدي أنظر هل سيقبل مني أم لن يقبلني.
نعم، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خيثمة». قال يا رسول الله -هم الصحابة رأوا من بعيد شخصاً على هيئة أبي خيثمة ولم يتأكدوا من عينه- فقال يا رسول الله ذاك رجل مقبل على جمل. فقال: «كن أبا خيثمة» -رجى النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون أبا خيثمة، لأنه هو يعرف أنه ليش أبو خيثمة ما يجي؟ أبو خيثمة من خير الصحابة، فكان أبا خيثمة-.
نعم، قال: قالوا يا رسول الله هو والله أبو خيثمة. فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أولى لك يا أبا خيثمة». ثم أخبر رسول الله لك -طبعا البعض يقول هي ويل لك يعني شو اللي أخرك؟ عبارة عتاب خليني أقول ايش اللي أخرك، بس الحمد لله إنه لحق حاله، ما كانش من المخلفين، لحق حاله-.
نعم، قال ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً ودعا له بخير.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر قال: «لا تشربوا من مائها شيئاً ولا توضؤوا منه للصلاه، كان من عجين عُجِنَت أموه فعرفوه الإبل». والحجر ديار مين يا شيخ حذيفة؟ ديار ثمود، فهي منطقة عذاب، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابه لا تشربوا من آبار الحجر -الحجر ديار ثمود هي منطقة عذاب، كان فيها آبار وفيها مياه، فمنعهم أن يشربوا من مياهها لأن مياه معذبين، إلا بئر الناقة، لأن هذا البئر يعني فيه كرامة هذه المعجزة-.
نعم، قال: ولا تأكلوا منها شيئاً ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له. ففعل الناس إلا أن رجلين من بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعيره. فأما الذي خرج لحاجته فإنه خُنِقَ على مذهبه، وأما الذي خرج في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجَبَلَيْ طيئ. سبحان الله، يعني النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم أن هذه الليلة لا يخرج أحد إلا مع صحبة، إلا ومعه صاحب، لا يخرج إنسان وحده، الآن قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم رأى ريحاً شديدة قالوا في تلك الليلة، فخاف يعني أن أحد الصحابه يضيع، أو كانت الليلة شديدة الظلمة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال مع شدة ظلامها ممكن بعض الناس تضيع، وهذا ما حصل فعلا.
ففي واحد من يعني اثنين من الصحابة خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم تماماً، أحدهما خرج قال فخنق على مذهبه، خرج لقضاء حاجته وحده -خنق على مذهبه يعني ما أدري، هل خنق أن هناك جن تسلط عليه من جن الصحراء؟ أم أنه أصابه شيء وهو يقضي حاجته؟-. وأما الثاني خرج في طلب بعير له وحده ولم يأخذ صاحب له، فالريح شالته، احتملته الريح متخيل، وذا كما قلت يعني يدل على أن الريح كانت شديدة، احتملته الريح حتى طرحته على جبلي طيئ أوصلته إلى تلك المنطقة، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
نعم، فقال: «ألم أنهكم أن يخرج أحد منكم إلا ومعه صاحبه». ثم دعا للذي خنق على مذهبه -فشوف كما قلت عن خنق قد يكون شيء من تسلط عليه جن أو شيء من ذلك، أنه دائما الأماكن المفتوحة مع الظلام مع يعني يخشى أن يكون فيها شيء من الجن يتسلط على الإنسان-.
نعم، قال: أما الآخر الذي وقع بجبل طيئ فإن طيئ أهدته لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة راجعته.
نعم، قال قال ابن هشام: بلغني عن الزهري أنه قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر سجى ثوبه على وجهه واستحث راحلته، ثم قال: «لا تستحث راحلته» -يعني غطى وجهه وامر بالإسراع، لأن ديار القوم الظالمين لا تدخل إلا يعني الإنسان يدخلها وهو يريد الهروب منها-. اليوم تقام فيها حفلات ومهرجانات أرض ثمود والعياذ بالله.
نعم، قال ثم قال: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون» خوفاً أن يصيبكم مثل أن يصيبكم ما أصابهم.
نعم، قال ابن إسحاق: فلما أصبح الناس ولا ماء معهم شكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار حتى إذا كان بعد الطريق ضلت ناقته، فقال زيد، فقال زيد بن اللَّصِيت -وكان منافقاً-: أليس محمد يزعم أنه نبي يخبركم على أخبر السماء ولا يدع ناقته؟!
فق فقال عليه الصلاة والسلام: «إن رجلاً يقول وذكر مقالته، واني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني وقد دلني الله عليها وهي في الوادي في شعب كذا وكذا، وقد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تاتوني بها» -علق علق زمامها بغصن شجرة-. فرد على المنافق مباشرة، وهذا يدل على أن بعض المنافقين خرج في الغزوة، بعض المنافقين خرج في الغزوة لكن يمارس النفاق حتى وهو في الغزوة، فلا تكتب له يعني لا أنت تعبان في الدنيا طب خذ أجر الآخرة، لكن بعض المنافقين يتعب في الدنيا ويتعب في الآخرة، أسأل الله العافيه.
نعم، قال: فذهبوا فجاؤوا بها. ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يتخلف عنه الرجل فيقول: تخلف فلان. فيقول: «دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك».
فقد أراحكم الله منه. نعم، يعني أثناء مسير النبي صلى الله عليه وسلم باتجاه تبوك، كان يقول: يا رسول الله، ترى فلان ما أجاش، يا رسول الله، ترى فلان لسه ما أجى ما خرج. النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول قاعدة عامة: لا تجبر أحد على الخروج، إذا كان فيه خير سياتي الله به، وإذا لم يكن فيه خير فقد أراحكم الله منه.
قال، وتلوم أبو ذر على بعيره فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشياً. ونز أبو ذر الله يرضى عنه الغفاري كان معه بعير مغلبه، تعب تمام وأرهق بعيره معاند مش راضي يمشي، أبو ذر قال له مطولة معك لهذا البعير، فنزل أبو ذر -وهي شخصية أبو ذر الإنسان الشديد على نفسه الشديد على نفسه ويجيء على نفسه من أجل هذا الدين الله يرضى عنه- فنزل عن بعيره وحمل متاعه على ظهره ولحق النبي صلى الله عليه وسلم.
شوف يعني الإنسان الصادق الشديد على نفسه، يعني حتى شدته كانت أعلى من شدة بعض الصحابه، يعني حتى لما كان في الشام والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «يرحم الله أبا ذر، يعيش وحيداً ويموت وحيداً». نعم، قال: ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشياً. ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض منازله، فنظر ناظر المسلمين فقال رسول الله: إن هذا لرجل يمشي على الطريق وحده. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا ذر». فلما تأمله القوم قالوا: هو والله أبو ذر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أبا ذر، يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده».
يعني سبحان الله هذه مقولة عالية إخوان، رحم الله أبا ذر. من هذه شخصية الإنسان المسلم اللي من أجل الدين عم بيقاوم كل الظروف الصعبة، يعني ربما هناك بعض الصحابه كان غنياً، بعض الصحابه كان عنده إمكانيات وقدرات عالية في إدارة الحياة. أبو ذر فيما يظهر لي من شخصيته الله يرضى عنه قدراته العالية في إدارة الحياة متواضعة، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا أبا ذر إنك ضعيف، لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم. يعني حتى مهاراته على الصعيد الشخصي أبو ذر كان يحب أن يستعمل أن بده النبي صلى الله عليه وسلم يستعمله على أي شيء، قالوا: شوف يا أبا ذر قدراتك ومهاراتك الشخصية متواضعة تماماً.
هذا مما جعله حتى من حيث المال أموره متواضعة، حياة بتعرفوا هذا المسلم. تخيلتوا معي هي الشخصية المسلمة التقية في أي مجتمع بيكون هو بحب الدين وملتزم ومتدين وحابب يقدم، بس مهاراته مش عالية تماماً، لكن مع ذلك تجده يكافح ويجاهد من أجل هذا الدين مشان يبقى محافظ على تدينه وأن يبقى ضمن دائرة المسلمين. فأبو ذر من هاي الشخصيات اللي كانت مهاراته الشخصية متواضعة، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف كمهارات، لكنك صادق وحابب تخدم هذا الدين، وعندك مستعد تفعل أي شيء، حتى لو أجيت على نفسك، حتى لو تعبت نفسك، أنا عارفك يا إنسان صادق ومستعد تتحمل كل العناء اللي ممكن غيرك من الصحابه لمهارته في إدارة الحياة ممكن يعني يختصر على نفسه الأمور، صحيح يعرف من أين تؤكل الكتف.
لا، أبو ذر هكذا إنسان على فطرته قد لا يعرف من أين تؤكل الكتف، ما عرفش يتعامل مع الناقة، يعني هذا نموذج من نماذج حياته الناقة تعبت. طيب شو بده يسوي؟ قال: حمل المتاع على ظهره. قد يكون ممكن صحابي آخر لمهاراته قد يجد حل آخر، قد يفعل شيء، قد يكون له يعني وسيلة معينة. أبو ذر ذاك الإنسان المسلم الصادق المحب لله ورسوله اللي بحاول يقدم للإسلام يعني بكل شيء، حابب يقدم، بس هاي طاقتي يا رسول الله.
فالنبي صلى الله عليه وسلم راى هذا الجمال في شخصية هذا الصحابي، هو يبدو على استطاعته ويحاول الحياة تكابده ويكابد، قد لا تصلح معه كثيراً، فقال له صلى الله عليه وسلم: رحم الله أبا ذر، يمشي وحده في هذه الحياة، يعافس الحياة ويرهق نفسه من أجل هذا الدين، وهذا صدقه الله يرضى عنه، يمشي وحده ويموت وحده. ولذلك فعلا أين مات؟ في الربذة. خرج آخر حياته في زمن الخلفاء الراشدين، أخذ خيمة وأخذ زوجته وأخذ غلاماً له، وكان يعيش في منطقة نائية في المدينة، كان يعيش في منطقة نائية وحده، يعني على الأطراف، على الشارع العام، على الطريق العام، حتى أنه لما مات الله يرضى عنه ما كان عنده إلا زوجته وعبد له، وما عرفوا كيف يدبروا أنفسهم، تخيل أنه ما يعني كأنه عايش في صحراء وبادية خارج خارج المدينة على طريق القوافل.
فمرت قافلة من العراق، وكان فيهم عبد الله بن مسعود، فمر فوجد امرأة جالسة على الطريق تبكي وجثة يعني مغطاة. فقال: من هذا؟ كانت قافلة قادمة من العراق، فقال: من هذا؟ قالوا: أبو ذر. فيعني جاءته العبرة عبد الله بن مسعود، قال: رحم الله أبا ذر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، يعيش وحده ويموت وحده. تخيل على الطريق العام طريق القوافل في منطقة نائية، جثة على الأرض ما في إلا زوجته وهذا العبد له، وعبد الله بن مسعود بكى لما شاف المشهد، يعني أبو ذر كان يعيش معهم في المدينة وصاحبهم ورفيقهم، لكن كما قلت هو رجل يعني إمكانياته هكذا قدر الله له، مهاراته في الحياة محدودة.
فيعني ما كان عالماً، ما كان عالماً يجتمع حوله الطلاب زي عبد الله بن مسعود، ما كان تاجراً لعثمان بن عفان، ما كان قائداً عسكرياً مثل خالد بن الوليد أو ابن أبي سفيان أو ما شابه ذلك، ما كان يصلح للزعامة في المدينة، ما كان مسؤولاً على بيت المال. عارف أنه النبي عليه الصلاه والسلام وصى نصيحة: يا أبا ذر لا تمسك شيئاً أنت لا تستطيع، أنت شخصيتك ما تستطيع، تمام مش مصلحتك. وشوف كيف الرضا عما عن الإمكانيات، في نوع من الرضا عن الله، مش اعترض يا رب ليش أنا هيك إمكانياتي، ليش غيري كان عالم، وغيري كان مجاهد قائد، وغيري كان كذا، ليش أنا إمكانياتي محدودة؟ في نوع من الرضا والحمد لله سبحانه وتعالى على سقف الممكن اللي عنده، وهذا الرضا خلاه يعيش حياته وكابد وجاهد ومحب لله ورسوله، وانتهت حياته بهذه الطريقة.
لكن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له بالخير، شهد له أنه إنسان صادق مع الله سبحانه وتعالى. هذا نموذج يجب أن يحيا، نموذج أبو ذر من حيث الراضي بالإمكانيات اللي بيعيش وبيقدم للإسلام وفق سعته، وخلص يعني متقبل متعايش، مش الإنسان اللي منكد الدنيا على حاله، بتعرفوا بعض الناس اللي عندما يشعر أنه لا هو في القيادة ولا هو عالم ولا هو مميز في شيء بارز بين الصحابة، بقي عايش منكد أنه أنا مش نافع، أنا ما أعطيت، فيعترض على ربه. بخلاف الإنسان المتعايش مع طاقته، فتجده مسروراً راضياً عن الله سبحانه وتعالى، وخلاص وهذه هذا ما استطيع أن أقدمه لهذا الدين.
والنبي صلى الله عليه وسلم وقره واحترمه، يعني أعطاه هذه الدعوة الجميلة، يعني أعطاه هذه الدعوة الجميلة مع أنه أبو ذر هو من أوائل الصحابة. أبو ذر هو اللي رجل لما كان لما أسلم في مكه بتتذكر قستها لما قلناها كيف أنه يا رسول الله بدي اعمل شيء للإسلام؟ قال: يا أبا ذر مش وقتك الآن، احنا الآن مستضعفون في مكة، روح ارجع لغفار بس أظهر تعال. أبو ذر مصر: لا، أنا بدي أقدم شيء للإسلام يا رسول الله. فصرخ في مكة، صرخ في مكة يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويشتم أصنامهم، فضربه أهل مكة، نزلوا في بوكسات بوكسات استوى، حتى من فزع له العباس بن عبد المطلب فيما أذكر، قال: يا رجل اتركوه، هذا رجل من غفار، والله لو مسكت غفار على طريق التجارات لن تسلم لكم تجارة. فما أنقذه إلا العباس لما خوفهم على تجارتهم.
ها هي شخصية أبو ذر اللي بحاول يقدم وفق ما يعني أتيح له من إمكانيات. نعم، قال ابن إسحاق: حدثني بريدة بن سفيان الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن مسعود قال: لما نفى عثمان أبا ذر إلى الربذة واصابه بها قدره لم يكن معه أحد إلا امراته وغلامه، فهي إن هذه هيك بس قفزة، هذه قفزة من زمن النبي إلى زمن الخلفاء الراشدين تمام.
قال: فوصاهما أن أغسلني وكفياني ثم ضهاني على قارعه الطريق. طبعا عثمان بن عفان لما نفى عثمان أبا ذر إلى الربذة واصابه بها قدره، هو مش نفى بالمعنى الدقيق يعني حتى لا تكون العبارة هو مش نفاها، هو أبو ذر هو الذي طلب ذلك. أبو ذر الله يرضى عنه قلت لك هي شخصية خلص طبيعة، وأنا متخيلها في مجتمعنا، لذلك أنا عم بتخيل شخصية أبو ذر في الإنسان المسلم الصادق. أبو ذر كان وين؟ كان في الشام، وكان مع الجيوش الإسلامية في زمن عمر بن الخطاب اللي اتجهت لفتح الشام، مجاهد في سبيل الله على طاقته. لما فتحت الشام واستقر الملك فيها وعمر بن الخطاب وضع معاويه بن أبي سفيان أميراً على الشام.
أبو ذر ذاك المسلم الزاهد اللي رافض مظاهر الحياة والثقة لها، ويريد أن يؤطر الناس وفق نظرته للحياة، نظرة الزهد، أن خلص عيش ببيت وزيت وزعتر بكفيك وشربة ماء. هذه نظرته للحياة، ويريد أن الناس تعيش كما هو ينظر إليها بهذا الزهد، وهذا جميل بالنسبة لشخصيتك. لكن معاويه بن أبي سفيان شعر أن أبو ذر عم يفرض على الناس وضع اجتماعي ليس وضعهم، ليس كل الناس يا أبا ذر يستطيع أن يعيش حياتك الزاهدة، أنت بدك الناس تترك الحياة الفارهة والمتاع والثياب وتقتصر على أساسيات الحياة والزهد هذا، أنت تستطيع تتعايش معه، لكن أهل الشام معروفين مدللين هم الروم ما يستطيعوا يعيشوا حياتك. فابو ذر بدأ يزجر الناس عن الرفاهية ويزجر عن التوسع، ومعاوية رأى أن هذا قد يفسد الجيش الشامي أو الدولة، وهي سبب في ثباتهم على الإسلام. ولذلك سبحان الله بعض الناس لا يصلحهم إلا الغنى، وبعض الناس لا يصلحهم إلا الفقر، فالإنسان اللي يحب الفقر أو الزهد لا تجبر غيرك على نفس نمط حياتك، لأنه هذا شخص لا يصلح له يفسده الزهد الذي أنت تريده.
المهم فمعاوية بن أبي سفيان بعث إلى عثمان بن عفان أن خذ أبا ذر عندك إلى المدينة، يعني هي حياة المدينة تصلح له حياة ما زالت على الرعيل الأول خلينا نقول. ففعلاً عثمان بن عفان استدعى أبا ذر، طبعا بكل تقدير واحترام: يا أبا ذر بتعيش عندنا وكذا، المدينة أصلك وشو بدك في الشام؟ مش الشام هدول يا جماعة برستيج عالي وكذا، أنت تصلح لك حياة المدينة. فابو ذر قال: خلص ما دمتم استقطبتموني إلى المدينة، اريد أن أخذ أهلي وارحل إلى الربذة، وبدي أعيش فيها آخر حياتي، خلص بدي أعيش حياتي بعيد عن مظاهر الحياة الدنيا زهداً ورعة، ما بدي أفتن -كان يخشى على نفسي فتنة- ما بدي أفتن بالمال بالتوسع بالرفاهية اللي الصحابه يتعرضون لها في الشام والعراق. فهو اختار الله يرضى عنه أن يذهب إلى الربذة مع زوجته ومع عبده.
نعم، قال: فوصاه أن يغسلاه وكفياه، ثم ضهاني على قارعه الطريق، فأول ركب يمر بكم فقولوا: هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعينوني. سبحان الله فلما مات فعل ذلك به، وأقبل عبد الله بن مسعود في رهط من أهل العراق، عمار عمار يعني جايين معتمرين من العراق جايين وفد كبار نعم. قال: فلم يروعهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق، قد كادت الإبل تطأها، ما راعهم إلا وجدوا كما قلت جثة على جانب الطريق الله يرضى عنه أبو ذر.
نعم، قال وقام إليهم الغلام فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعينا على دفنه. قال: فاستهل عبد الله يبكي ويقول: سبحان الله، هي موقف مبكي صراحة حقيقة يعني ذاك الرجل اللي كان من الرعيل الأول من مسلمة الفتح، من مسلمة مكة المكرمة، صاحب المناقب العظيمة والمواقف الجليلة واللي شارك في الغزوات يا يعني تاريخ أبو ذر مش إنسان عفواً مجهول من الصحابة، صاحب تاريخ، صاحب مواقف، الإنسان الصادق اللي بيعرفه، كل الغزوات حاضر، لم يغب عن مشهد، لم يفت شيء.
لما قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يظهر صدقه في المواقف العامة، حتى يعني مش قالوا النبي: يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية، حتى وهو بصارع في الحياة لما أخطأ مع بلال وزعل مع يعني مواقف أبو ذر الكل يعرفها، يعني ما حدا يجهل هالشخصية. مش شخصية عفواً بتعرف بعض الناس ممكن يكون مغمور، ما حدا داري عنه، بالتالي قد لا تأسف يعني أو لا تشعر بالحزن الكبير على فقده يعني من العوام. لا، أبو ذر مش من العوام بهذا المعنى، لا، أبو ذر شخصية معروفة، الكل يعرفه ويعرف مواقفه ومناقبه، لأنه أصلاً من السابقين من السابقين إلى الإسلام، من الرعيل الأول عرفت، تخيل إنسان من الرعيل الأول ومن السابقين للإسلام أنت بتتصور.
أنه الآن رح يكون مع عمر بن الخطاب ومع عبد الله بن مسعود، مع الكبار يعني. سيوضع في المجالس العامة، ويقدم أنه هذا من السابقين للإسلام. وبتعرف إنسان فينا إذا كان له تاريخ، خلص بيصير هسه في النهاية شيخ عرب؛ أن هذا من المقاتلين القدامى، وهذا له صاحب فضل، وهذا كذا، وهذا فعل، وهذا فعل. يعني يحب هذه الوجاهة كمحة إنسانية، مش نفاقاً، لكن كحالة كحال السابقين.
لا، أبو ذر مش من هذه النوعية أبداً. أبو ذر نوعية صادقة جداً جداً. نسله حسيبه أنه اعتزل الدنيا، وقال: لا جماعة تقولوا لي أبو ذر من السابقين، ولا بدي تقبيل رؤوس ولا تقبيل أيدي ولا سعادتك ولا فضيلتك. أنا إنسان بعيش حياتي صادق وبموت وحدي.
فهذا اللي خلى عبد الله بن مسعود يبكي، أنه شو هذا الصدق؟ شو هذه الحياة؟ وشو هالعلامة؟ ايش هالإنساان يختم حياته وحيداً على قارعة الطريق ما مع حدا، ليس في المدينة ولا كذا، في منطقة نائية بعد ذاك التاريخ العظيم المشرف؟
فبكى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك». نعم. قال: ثم نزل هو وأصحابه فواروه، ثم حدثه عبد الله بن مسعود بحديث هو ما قاله له رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى تبوك.
نعم، وقد كان المنافقون منهم وديعة بن ثابت أخو بني عمر بن عوف، ومنهم رجل من أشجع حلف لبني سلمة يقال له مخشن بن حمير، يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منطلق تبوك. فقال بعضهم لبعض: اتحسبون جِلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضاً؟ والله لَكان بكم غداً مقرنين في الجبال، في الحبال، في الحبال. نعم.
فالآن رجل من أشجع حلف لبني سلمة يقال له مخشن بن حمير، طبعاً المنافقين غلبوا النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الغزوة؛ كل شوي واحد يلقي كلمة، كل شوي واحد زت له كلمة من هنا أو هناك، ويحاول أن يوهن الجيش أو يعني يفت في عضدهم. فهذا الرجل من أشجع، اسمه مخشن بن حمير، كانوا يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك. فقال بعضهم لبعض: اتحسبون جِلاد بني الأصفر، يعني مقاتلة الروم، كقتال العرب بعضهم بعضاً؟ أنتم بتفكروا أنك تقاتل الروم كما أن العرب يقاتل بعضها بعضاً؟ لا، هؤلاء الروم، هؤلاء مقاتلون صناديد، والله إن كنا نراكم غداً وأنتم مقرنون بالحبال، لكم حالكم موثقين ومسورين بين أيديه، يعني يريد أن يهبط الروح المعنوية. نعم.
قال جعفر: ترهيب للمؤمنين. فقال مخشن بن حمير: والله لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل منا مئة جلدة، وأن أنفلت على أن ينزل فينا قرآن لمقالتهم هذه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني لعمار بن ياسر: «أدرك القوم فإنهم قد احترقوا، فاسألهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى قلتم كذا وكذا». فانطلق إليهم فقال عمار فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذرون إليه. فقال وديعة بن ثابت: إنما كنا نخوض ونلعب.
فانزل الله فيهم: قد احترقوا، أو حدث حريق قد يكون في خيمهم، أو حصل حريق في أمتعتهم. هؤلاء القوم قال بعضهم لبعض: اتحسبون جِلاد بني الأصفر كقتال العرب؟ والله لَكان بكم غداً مقرنين في الحبال، إرجاف وترهيباً للمؤمنين. فمخشن بن حمير قال: والله لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل منا مئة جلدة، وأن ننفلت على أن ينزل فينا قرآن لمقالتهم هذه، يعني إذا كان هناك منافقون يقولون لبعضهم، وهذا الرجل قاعد بينهم، هذا شو بقولهم؟ والله بتعرفوا يا ريت الآن احنا نقاضى ونجلد مئة جلدة ولا ينزل فينا قرآن. هو الرجل عارف إنه هسه على الكلمة اللي حكيتوها رح ينزل قرآن فينا، رح نتبهدل.
فقال: تمنيت، هو بيحكي لأصحابه، تعرفوا لو أن قيل لنا: تعالوا يجلدكم النبي صلى الله عليه وسلم الجلدة بس ولا ينزل فيكم قرآن، والله هذا أحسن لنا. نعم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغني لعمار بن ياسر: «أدرك القوم فإنهم قد احترقوا، فاسألهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى قلتم كذا وكذا». والله ممكن، يعني ممكن قصدك الاحتراق المعنوي. فانطلق إليهم عمار فبلا فقال ذلك لهم. نعم.
قال: فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت: إنما كنا نخوض ونلعب. فنزل الله فيهم: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: 65]. وقال مخشن بن حمير: يا رسول الله، اقعد باسمي وأبي؛ فكان الذي عفي عنه في هذه الآية، فتسمى عبد الرحمن، وسال الله أن يقتله شهيداً. لا يعلم، قعد باسمي وأبي، اللي هو ايش؟ مخشن بن حمير، يعني هذا اللي يا رسول الله اللي نزل من قيمتي؛ اسمي مخشن واسم أبوي ايش؟ حمير، تصغير حمار. نعم.
قال: فقتل يوم اليمامة، فكان الذي عفي عنه. هو الآن ايش الآية؟ ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: 65-66]. ليش مخشن بن حمير هو الوحيد اللي عفي عنه؟ لأنه أنب نفسه من البداية. باختصار، بتعرفوا بعض الناس اللي بيعيشوا مع أجواء المنافقين، بس في حبه خير، هذا موجود دائماً في كل مجتمع، اللي هو بقعد معهم يعني نفسيته بتطلع وبتنزل وفي خير، يعني مش منافق صرف، فهذا عفي عنه لأنه حكى الجملة هذيك أنه والله بتعرف لو أن حاسب مئة صوت خير من أنه تنزل فينا آية قرآنية، شعر بتأنيب الضمير، شعر أنه في شيء خطأ في الكلام، وأنه لا ينبغي أن يتكلم بهذه الطريقة، وأن هذا فيه إرجاف، وأن هذا فيه تخذيل، فلأنه استقطع نفسه عفي عنه، بخلاف الذين تعاملوا مع الموضوع بكل بلادة. نعم.
قال: فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر. سبحان الله، قال: استشهد يوم اليمامة، يا ربك تقبل الشهادة. نعم، يوجد له أثر أي لم توجد جثته، يعني ما عرفوا أين ذهبت جثته. نعم.
قال: وذكر ابن عائذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل تبوك في زمان قل ماؤها فيه، فاغترف رسول الله صلى الله عليه وسلم غرفة بيده من ماء، فمضمض بها فمه ثم مجها فيها، ففارت عينها حتى امتلات. من معجزاته صلى الله عليه وسلم أنه بصق في هذا البئر أو هذه المنطقة. طيب.
قال: ولما انتهى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، اتاه يوحنا بن رؤبة صاحب أيله، فصالح رسول الله. صاحب أيله، أيله هي العقبة عندنا في الأردن، هي جنوب العقبة جنوب الأردن، مدينة اسمها العقبة. نعم.
قال: فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية أيضاً، أذرح أيضاً في جنوب الأردن، هذه مناطق ها عندنا في الجنوب. نعم.
قال: وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً فهو عندهم، وكتب ليوحنا بالمصالحة: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا أمان من الله، محمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليوحنا بن رؤبة وأهل أيله، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله ومحمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، من أحدث منهم حدثاً، فانه لا يحول ماله دون نفسه، وانه طيبة وانه طيبة لمن اخذه من الناس، وانه وانه لا يحل أن يمنعوا ماء يريدونه، ولا طريقاً يريدونه من بر أو بحر.
هذه هي الفكرة كما قلت، إن عقد معاهدة معهم، ماذا قال في النهاية؟ وانه لا يحل أن يمنعوا ماء يريدونه ولا طريقاً يريدونه من بر أو بحر. تمام، طبعا هي يمنع ماء يريدونه أو يمنع ماء يريدونه، الذي يظهر لي أنه يراد أنهم ليس لهم أن يمنعوا الجيش الإسلامي إذا مر بأراضهم أن يمنعوهم ماء يريدونه، أو طريقاً يريدونه من بر أو بحر من خلاله، يعني هذا الذي يظهر لي بطبيعة هذه المصالحه. كما قلنا أن طبيعة المصالحة كانت تقتضي أنه يريد أن يعمل لهم ماذا؟ أنه تسمحوا للجيش الإسلامي في قادم الأيام إذا ورد على مياههم، أو ورد على أراضيكم، أو من البحر أن يدخل.
تمام، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أُكيدر دومة. قال ابن إسحاق: ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أُكيدر دومة، وهو أُكيدر بن عبد الملك، رجل من كندة، كان ملكاً عليها، وكان نصرانياً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد: «إنك ستجده يصيد البقر». فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وفي ليلة مقمرة طائفة، وهو على سطح له ومعه امرأته، فباتت البقرة تحك بقرنها باب القصر. سبحان الله، يعني سيخرج، سيخرج لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال لخالد بن الوليد: ستجد أُكيدر دومة الجندل، المسؤول تبعها، يصيد البقر؛ لا هو صياد البقر الوحشي. خالد بن الوليد يعني لما خرج إلى هذا الرجل كان الرجل في قصره في ليلة مقمرة ومع زوجته، يعني جلسة رومانسية، الاثنين قاعدين هذان.
فمن وين بيطلع البقر؟ كيف بدي ألاقيه بصيد البقر جالس في الحصن ومع زوجته؟ تمام، فسبحان الله، الله عز وجل أتى ببقر، والبقر يحك بقرنيه في باب الحصن حتى يستفز أُكيدر دومة الجندل ليذهب يصطاده ليخرج إلى، يعني طبعاً هو لم يقتل، وإنما أخذ وصالح النبي صلى الله عليه وسلم. نعم.
قال: فقالت له امرأته: هل رايت مثل هذا قط؟ قال: لا والله. قالت: فمن بقر عم بحك في باب الحصن؟ يعني أول مرة بشوف القصة. قالت: فمن يترك هذا؟ قال: لا أحد. فنزل، من يترك هذا؟ يعني بدك تضيعها؟ روح صيدها. نعم.
قال: فنزل، ضيعته، قال: فنزل، فأمر بفرسه فأسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له حسان، فركب وخرجوا معه بمطاردة. فلما خرجوا، تلقته خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخذته، وقتلوا أخاه، هو تم أخذ، واما أخوه حسان قتل. نعم.
قال: وقد كان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب، فاستل خالد فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدمه عليه، وفيه قال عليه الصلاة والسلام: «لمنادي سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا». مخوص يعني فيه حبال أو خيوط ذهبية، وهذا شيء غالي جداً يكون يعني. نعم.
قال: ثم أن خالداً قدم بأُكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحقن له دمه وصالحه على الجزية، ثم خل سبيله فرجع إلى قريته. تمام، هذه تمت مع عقد الجزية معه. نعم.
قال: وقال ابن سعد: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالداً في 420 فارساً سرية إلى أُكيدر في رجب سنة تسع بدومة الجندل، وبينها وبين المدينة 15 ليلة. وذكر نحو ما تقدم، وقال: وأجار خالد أُكيدر من القتل حتى يأتيه به رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يفتح له دومة الجندل، ففعل وصالحه على ألفي بعير، و800 راس، 400 درع، و400 رمح. فعزل للنبي صلى الله عليه وسلم صفياً خالصة، ثم الصفي هذا سهم خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام كان يؤخذ له، أما سيف من الغنيمة أو جارية أو شيء من ذلك. تمام.
قال: وكان للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم قسم ما بقي في أصحابه فصار لكل واحد منهم خمس فرائص. وذكر ابن عائذ في هذا الخبر أن أُكيدر قال عن البقر: والله ما رأيتها قط جاءتنا إلا البارحة، ولقد كنت أُضمر لها يومين والثلاث، ولكن قدر الله. نعم.
قال: وذكر موسى بن عقبة اجتماع أُكيدر ويوحنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاهم إلى الإسلام فأبيا وأقرا بالجزية، فقضاهن هذا تبع العقبة زي ما حكينا. نعم.
قال: فقضاهن على قضية دومة وعلى تبوك وعلى أيله وعلى تيماء، وكتب لهما كتاباً.
رجع إلى خبر تبوك: قال ابن إسحاق: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك بضع عشرة ليلة لم يجاوزها، ثم انصرف قافلاً إلى المدينة. وكان في الطريق ماء يخرج من وشل ماء، يروي الراكب والراكبين والثلاثة بوادي يقال له وادي مشقق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقي منه شيئاً حتى ناتيه». قال: فسبق إليه نفر من المنافقين فاستقوا فيه. فلما اتاه الرسول صلى الله عليه وسلم وقف عليه فلم يجد فيه شيئاً، فقال: «من سبقنا إلى هذا الماء؟» فقيل: فلان وفلان وفلان. فقال: «أو لم أنههم أن يستقوا منه شيئاً حتى أاتيه؟» راح تروح البركة منه. نعم.
قال: ثم لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا عليهم. ثم نزل، فوضع يده تحت الوشل، فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصبه، ثم نضحه به ومسحه بيده، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما شاء الله أن يدعو به، فانخرق من الماء كما يقول من سمعه من سمعه ماء له حس كحس الصواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لئن بقيتم، أو من بقي منكم، لتسمعن بهذا الوادي هو أخصب ما بين يديه وما خلفه». سيصبح هذا الوادي في يوم من الأيام بستان أو حديقة ضخمة أو مرتع مرعى عظيم، ما أدري.
قال وحدثني محمد بن إراهيم بن الحارث التيمي، أن عبد الله بن مسعود كان يحدث، قال: قمت من جوف الليل وانا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات.
هذا أحد الصحابة الكرام، اسمه عبد الله ولقبه ذو البجادين، وهو من الصحابة الأفاضل، قد لا يكون مشهورا لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحبه. نعم، قال: وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته، وأبو بكر وعمر يدليان إليه، وهو يقول: «أدنيا إلي أخاك». فدلياه إليه، فلما هياه لشقه قال: «اللهم إني قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه». ماذا يريد أفضل من ذلك، حتى ولو لم يعرفه الناس، حتى ولو لم يعرف بالمواقف العظيمة، لكن يكفي أن النبي صلى الله عليه وسلم دفنه بيده ودعا له بهذا الدعاء: «اللهم ارض عنه فإني عنه راض». قال: يقول عبد الله بن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفلة، خلص يعني جنة، يعني يا ليت أني كنت صاحب الحفلة تدفن بيد النبي عليه الصلاة والسلام ويدعو بالرضا.
نعم، قال: وقال صلى الله عليه وسلم مرجعه من تبوك: «إن بالمدينة لأقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم وتدا إلا كانوا معكم». قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: «نعم، حبسهم العذر، وهم البكاؤون». النبي عليه الصلاة والسلام وهو عائد من تبوك باتجاه المدينة قال: هناك أناس لم يخرجوا معنا في الغزوة هم في المدينة، ولكن ما قطعتم واديا إلا لهم مثل أجركم، ولا نزلتم منزلا إلا لهم مثل... حصلوا أجر الغزوة بماذا؟ بنيتهم، وهذا قلنا في درس إرواء قضية النية وكيف أنها تبلغ بصاحبها المنازل إذا عجز عن فعل، دائما انوي الخير، انوي أنك تخدم الإسلام، فاذا عجزت على الأقل تحصل ثواب العاملين في الجمله، تحصل ثواب العاملين في الجملة بصدقك، لأن النبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال؟ قال: «حبسهم العذر»، هم كانوا يتمنون أن يكونوا معكم، لكن ما كان عندهم شيء يحمله.
نعم، قال: أمر مسجد الضرار، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بذي أوان، بلد بينه وبين المدينة ساعة. ساعة هي رحلة العودة إلى المدينة، والنبي صلى الله عليه وسلم تدريجيا عم ينزل منزلا منزلا حتى يريح الجيش. نعم، قال: وكان أصحاب مسجد الضرار أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة وليلة المطيرة والليلة الشديدة ونحن نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه. فقال: «كذب هؤلاء قوم بنوا مسجدا لاستقبال رجل من رؤوسهم»، وهو أبو عامر الفاسق، أبو عامر الراهب وكني بعد ذلك بالفاسق أو لقب بالفاسق، وهو أبو الصحابي الجليل حنظلة بن أبي عامر. هذا الرجل شارك المشركين في غزوة أحد وكما قلنا فر باتجاه الشام، وكان يراسل بعض المنافقين في المدينة، فالمنافقون قالوا: كيف بدنا نستقبله ونجد له موطن قدم؟ قال: نبني مسجدا مخادعة. هم مشكلة المنافقين حاسه مش متعلمين الدرس ولا قصته، طيب أنتم شايفين كل واحد فيكم ينزل في قرآن، لكن الظاهر أن الشيطان يعمي على قلوبهم، فقالوا: نبني مسجدا لاستقباله، وهذا المسجد يكون مكانا لإرصاد يعني للمكر والخديعة، ولكننا نتصنع أمام الصحابه أنه مسجد للصلاة وليلة المطيرة، الناس اللي ما بتقدر توصل عندك يا رسول الله عند مسجد النبوي بتصلي في هذا المسجد، يعني بدنا نعمل مسجد يساعد أهل المدينة، ونوزع الصحابة، اللي حاب يصلي في المسجد النبوي، اللي حاب يصلي في مسجدنا، فبنا يا رسول الله تأتي تصلي في مسجدنا لما تأتي المدينة بدنا ياك تدخل تصلي في مسجدنا لنتبرك بصلاتك فيه، تمام، حتى يعملوا يعني إطفاء رسمية على هذا المسجد.
قال: فقال: «إني على جناح سفر وحال شغل»، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، «ولو قد قدمنا إن شاء الله لأتينا فصلينا لكم فيه». اه يعني هذا يدل على أنهم هم أتوه قبل أن يسافر إلى تبوك فقالوا: أنا مستعجل وعندي جناح سفر، بس لما أرجع من تبوك راح آتي أصلي فيه إن شاء الله. نعم، قال: فلما نزل بذي أوان اتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عدي أخا بني العجلان، فقال: «انطلق إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدمه وحرقه». ما معنى أتاه خبر المسجد؟ يعني جاءه جبريل فأخبره أن هذا المسجد بني نفاقا ليكون وكرا للتامر على الإسلام والمسلمين واستقبالا لذاك الفاسق أبو عامر، فمباشرة النبي عليه الصلاة والسلام دعا رجلين من الصحابة وقال: قبل ما أصل المدينة أريد أن يكون المسجد انهدم، أريد أن يكون المسجد انهدم.
نعم، قال: فخرج سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: انظرني حتى أخرج إليك بنار من أهله، فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرج يجدان حتى دخلاه وفيه أهله فحرقا وهدماه وتفرقا، وفيه أهله من المنافقين يعني. نعم، قال: ونزل فيه من القرآن: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 107] الآيات اللي في سورة التوبة إلى آخر القصة، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا، خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد... أحد بني عبيد أسامهم لا تهمنا.
طيب، وقد كان تخلف عنه رهط من المنافقين، وتخلف الثلاثة الذين ذكرناهم؛ كعب ومرارة وهلال؛ كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، هم من الصحابة، هم الصحابة الثلاثة الذين تخلفوا وكانوا من الصادقين لكن وقعت منهم هذه المعصية بخلاف سائر من تخلف من الباقين فكانوا من المنافقين، هؤلاء الصحابة كانوا من الصادقين لكن وقع منهم هذا الذنب.
نعم، قال: فأما المنافقون فجعلوا يحلفون له يعتذرون. المنافقون جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: والله يا رسول الله كنا... يعني عندي ظرف يا رسول الله منعني أخرج كذا وكذا، جاؤوا يعتذرون، والنبي صلى الله عليه وسلم خلص يقبل عذرهم حتى عاتبه الله في ذلك: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43]، وأما هؤلاء الثلاثة كعب مالك ومرارة وهلال اعترفوا بذنبهم قالوا: يا رسول الله والله ما كان لنا من عذر.
نعم، قال: فأما المنافقون فجعلوا يحلفون له يعتذرون فيصفح عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعذرهم الله ولا رسوله، يعني صفح عنهم في الظاهر يعني لم ينزل بهم عقوبة.
نعم، قال: وأما الثلاثة الآخرون، فرأينا من طريق البخاري قال: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال: عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، كعب بن مالك لما كبر في أيام الخلفاء الراشدين أصابه عمى، فكان أولاده... كان له عبد الرحمن وكان له عبد الله، كان أولاده هم الذين يقودونه للمسجد يرجعوا للبيت. ابن عبد الله كان هو المسؤول عن قياده أبيه إلى المسجد أو إلى الطرقات بعد أن عمي والده.
قال: المهم سمعت والدي يحدث عن تخلفه في غزوة تبوك. قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحد تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قريشا حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. نعم، إن غزوة بدر النبي عليه الصلاة والسلام لم يلزم أحدا يخرج إليها لأنه أصلا ما كانش محسوب حسابها، هي كانت القضية قافلة بدنا نجيبها، فما أحد كان متوقعا أن الأمور ستنتهي بغزوة، بخلاف غزوة تبوك وباقي الغزوات لا، المطلوب من الجميع يخرج، وكعب بن مالك شهد جميع الغزوات شهد أحد والخندق وهو من الصادقين الأفاضل، لكن سبحان الله ضعف في غزوة تبوك.
نعم، قال: ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثرم بها... مشهد بدر. بقولك حتى بيعة العقبة أنا كنت حاضر فيها. نعم، قال: وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنها الآن. هو بقول: أنا بتمنى... يعني ليلة العقبة بالنسبة إلي أهم من غزوة بدر هيك بحكي كعب بن مالك، بيعة العقبة بالنسبة لي أهم من بدر وإن كانت بدر أشهر وأذكر للناس منها، يعني الناس تحتفي ببدر أكثر من احتفائها بالعقبة.
نعم، قال: والله ما اجتمعت عندي قبله رحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة. ايش يعني؟ ويقول: أنا في حقيقة في غزوة تبوك كنت مقتدرا جدا، عمرها ما كان عندي جملان في بيتي إلا في تلك الغزوة، كان عندي جملان مستعدين وجاهزين ما فيهم أي مشكلة.
نعم، قال: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة فإنه لم يور بل صرح بالمسير، غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتاهبوا أهبة غزو مفازة، يعني صحراء.
نعم، قال: فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان. قال كعب: نعم، يعني الجيش في زمن النبي عليه الصلاة والسلام لما صاروا ثلاثين ألفا هل كان في ديوان جند؟ لا، مين اللي عمل ديوان الجند؟ عمر بن الخطاب في خلافته.
نعم، قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أنه سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله. ما فيش ديوان مسجل فيه الأسماء فكل واحد قال لك: أنا لو غبت مش راح يبين، لو غبت ما فيك والله، واحد بيسجل: فلان حاضر، حاضر، حط صح؛ فلان مش حاضر، حط خطا. فصار كل واحد ايش يقول؟ يعني هي ثلاثين ألف لو أنا غبت مش راح تأثر ولن يكتشف أنني غبت. هكذا كل شخص أصبح يفكر، شوف الشيطان من وين بيجيك.
نعم، قال: وغزى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولما أقض شيئا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه. فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ولم أقض من جهاز شيئا.
نعم، كل شوي كان الشيطان يضحك، شوف التسويف، التسويف كيف يقتل الإنسان، كيف يحرم من الخير. قال: كل شوي شوف الصحابة عم تجهزوا للغزوة وأنا بقول: أنا مقتدر بس ينادى بالتحرك بكون جاهز، والصحابة عم بيجهزوا وعم بضبطوا أمورهم وأنا جالس معتمد على أنه إيه إن شاء الله سهلة الأمور بس تيجي بتسهل، شوف هذا التسويف الذي نحن دائما نبتلى به وكيف يحرمك من ماذا من الخير.
قال: حتى انطلق الجيش وانا ما زلت أسوف والشيطان يضحك علي وعلى حالي، وأقول: بكره بحقهم، يلا بعد يومين بحقهم، يلا الأمور طيبي حتى ذهب الجيش ووصل وأنا ما بين تسويف وتسويف.
نعم، قال: فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا. هو في نوع من الفتور عن الطاعة أنت ملاحظين، بقول: بطلع على السوق بلف بشوف كذا، بنشغل بأمور برجع ولم أقض شيئا، برجع اليوم الثاني بطلع كذا... في فتور في فتور عن الطاعة ابتلي به كعب بن مالك.
نعم، قال: فلم يزل بي حتى أسرع وتفارط الغزو وهممت... الغزو يعني فرطت الأمور يعني وخلص الجيش مشى مسافة بعيدة.
نعم، قال: وهممت أن أرتجل فأدركه، وليتني فعلت! فلليت ندمان، ليتني فعلت يعني على الأقل أقول: أبو خيثمة... يعني لو لحقتهم في تبوك بظل في النهاية أنحسبت إلي، لكن قدر الله.
نعم، قال: فرجعت ولم أقض. قال: فلم يقدر لي ذلك. فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم...
قال: فلم يقدر لي ذلك. هل هنا كعب بن مالك استدل بالقدر على معصيته؟ قال: فلم يقدر لي ذلك أي... يعني هو استدلال بعد التوبة حتى يعني لا... أحسنت، هذا دائما بقول، هو هو الإنسان الأصل إذا فعل معصية مش يحكي خلص قدرت علي، لا، أنت مطلوب منك توبة واستغفار، لكن لما تكون تبت توبة، والله تاب عليهم فوق سبع سماوات، يعني توبة مش أنه توبة هو يشك هل قبلت ولا لا، زي حالاتنا هاي، يقينا قبلت لأن الله أنزل قبولها في القرآن. فأحيانا الإنسان كما يقول ابن القيم في الجواب الكافي قد يحتاج هذا ملحظ دقيق وخفي: الأصل في المعاصي أن لا يحتج بالقدر، ولا يجوز الاحتجاج بالقدر، بل عليك في باب المعاصي التوبة والاستغفار، هذا مقامك، مش تقول والله فعلتها وخلص ربنا قدر علي يا شيخ، لا، أنت فعلت، بدك التوبة وتستغفر، لكن إذا شعر الإنسان أنه كلما تذكر معصية قد تاب منها سيصاب بإحباط أو سيصاب بجلد للذات قالوا...
هنا يجوز له أن يستحضر البعد القدري فيها، حتى لا يجلد نفسه ويحبط منها، فما بالك برجل هو يعرف أنها قبلت التوبة، وأن الله تجاوز عنه؛ فمن باب أولى وأحرى خلاص أن يُسند الأمر، خلاص قدر الله وما شاء فعل، حتى لا يعود يفتح جرْحاً قد يكون يعني لا التأم، حتى لا يفتح جرحاً قد التأم، وهذا مهم اخواني لما الإنسان يكون مثلا عنده حياة مليئة بالسواد وشريط أسود في الحياة من معاصي وعلاقات نساء وحرام، ثم يكتب الله له التوبة، ويصبح على درب الاستقامة والخير، ويجيه الشيطان في حالة معينة يائساً من نفسه، يقول له أنت شو صرت، من أهل الخير والصلاح؟ ترى اطلع على شريطك، اطلع شريط حياتك كلها، حياة مليئة بالفساد والعلاقات وأفلام الجنس والإباحية وإلى، أنت صرت تعمل شيخ، وتعمل عليها فينا وكذا! فأحيانا الشيطان يدخل من هذا الباب، وتصير أنت تشك أنه فعلاً هالعمل الصالحة هاي راح تكفر شريط الحياة السيئة اللي كنت فيه.
فهنا قال ابن القيم: في حالة معينة قد يشعر الإنسان أنه قد يضعف ويشعر بالإحباط، وانه يبقى يجلد الذات، له أن يستحضر القدر في ذاك الزمن الماضي، أنه يقول خلاص تلك فترة من العمر سوداء قدرها الله وانتهينا منها، حتى يبدأ ينظر للمستقبل بنظرة مشرقة، نظرة التوبة والإقبال من جديد، ولا يبقى يلوم نفسه على الماضي لوماً يؤديه إلى ماذا؟ إلى عرقلة المسير. فهذا بعد جيد في توظيف القدر، توظيف ذكي، وليس احتجاجاً على الذنب بالقدر.
نعم، قال: فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلاً ممصوعاً عليه النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء. فلما المدينة صارت خاوية، وكعب مالك الآن عم يمشي في أزقة المدينة، قال: فلا أجد إلا رجلاً، يا رجل من المعذورين من البكائين أو غيرهم، يا رجل يشار إليه بالنفاق، فموصول إليه بالنفاق يعني معروف ويشار إليه أنه منافق. قلت أنا: طب مع مين أنا؟ أنا مش معذور، إذا أنا اصبحت مثلي مثل هؤلاء المنافقين! نعم، شوف الإنسان قلبه نقي، يعرف الخطأ واضح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: 201]. وعارف إنه في مشكلة، مش إنه عمل معصية وحاول إنه لا لا الأمور طيبة، أو ل مش مشكلة أنا طاري رصيد، أنا شاركت في أحد والخندق وكذا أموري منيحة. احنا كيف بصير واحد مع لحظة المعصية بصير يقول لك يعني أنا لي فضائل كثيرة، ويعني لو هالغزوة مشتمش الحال أنا حفزت كذا، وأنا اللي عملت في البرامج الدعوية! هذا مش برامج دعوية، هذا معارك. شارك كعب مالك الله يرضى عنه، شارك في معارك أحد، شارك في الخندق، شارك في غزوات كبرى، ومع ذلك لما شعر إنه هذا المشهد أخطأ فيه، ما بدأ يقنع نفسه بأنه أنا لسه منيح، الأموري طيبة.
فهمتم هي الفكرة اللي احنا أحيانا نخادع بها أنفسنا في ساعة المعصية؟ أنه أنا أصلاً منيح، يلا لو عملت معصية شو يعني؟ الحمد لله والله حضرت اليوم درسين ثلاث، وقمت وبقرا قران، يعني لو سمعت له الأغنية، لو شفت له المقطع الحرام، يعني هي رح تخرب الأمور فيها؟ أحيانا هذا من أكثر ما يجعل الإنسان يتعمق في المعاصي أكثر وأكثر؛ إقناع النفس أنه إلي رصيد في الطاعة، بالتالي يعطيني هذا فسحة أني اعمل هاي المعصية، أنه إلي رصيد جيد في الطاعة. ليست هذه النية، بالعكس، هذا أكبر باب يخادع فيه الشيطان ويغمس في المعاصي أكثر وأكثر. الشعور بالرضا عن النفس في الماضي، بالتالي إلي فسحة الآن أني أقع في الأخطاء، انتبه لهذا المدخل. بالعكس، كعب بن مالك بقول: ما أعتذر لنفسي أني أنا أصلاً بطل من أبطال المسلمين السابقين، هو أحد شعراء الإسلام ترى، وله مواقف في الدفاع عن الإسلام بشعره، لا قال: أنا مخطئ، وهذا الموقف ما بيصير، وعيب أن أكون أنا في مكان ما في يا منافق يا معذور، وأنا مش معذور، إذا أنا مع المنافقين محسوب!
نعم، قال: ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغت تبوك، فقال. الآن النبي عليه الصلاه والسلام ما أتى إلى ذكر، وين كعب بن مالك؟ لم يفقده حتى وصل إلى تبوك، فسأل عنه: وين كعب بن مالك؟ طبعا الصحابه اللي في تبوك هم اللي أخبروه أنه ما قعدش معهم. نعم، قال: فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه ونظره في عطفيه. آه، لا الآن لما كان النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك، النبي صلى الله عليه وسلم سال قومه قال: وين كعب بن مالك؟ فرجل من بني سلمه قال: يا رسول الله، الدنيا حبسته، يعني مشغول هسه في ثيابه، مشغول بالنعيم اللي هو فيه، يعني زت له كلمة، وهي نوع من الغيبة حقيقة، هي نوع من الغيبة، ما كان ينبغي لهذا الصحابي أن يقع في ذلك، وقع في عرض أخيه لما أخوه ضعف. شوف هذا البعد!
طيب قال: فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت! والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيرا. شوف شوف شو المواقف الجميلة، معاذ بن جبل الورع الفقيه، خطأ الصحابي الآخر، قال له: يا اخي لا ما بصير، حتى شوف معاذ بن جبل قد يكون مدرك لدرجة معينة أن كعب بن مالك قصر. معاذ فقيه، هو مدرك أنه ماذا؟ قد يكون فعلا قصر وأخطأ، لكنه لم يسمح بأن يستغل هذا في انتهاك عرضه، وهذا موقف عظيم في حياتنا، أنه قد نكون احنا إخوة نتحالف على طلب العلم، على الدعوة، على الإصلاح و و و، واحد شبابنا في يوم من الأيام شوية أخطأ في موقف من مواقف الحياة، أي واحد من الشباب الملتزمين معنا أخي دخل في علاقه مع فتاه، وقع في شيء معين، يعني مش عارف شو معاصي ممكن تخترب بالنا بس انا بحكي أي حاجة يعني تمام بغض النظر، الآن شو موقف للاسف يعني في الساحه الدعويه أو كثير من المراحل الحياة الدعوية اللي بتعيشها بتلاقي إخوانه ايش بقول: وين فلان؟ فلان انتكس! فلان هي قاعد مع فلانه، شغال مع هذا على التليفون! بصير في نوع من الاستغلال والازدراء. الأصل أن أحد الإخوة يكون مثل شخصية معاذ بن جبل: اتق الله!
لعل أخونا الآن مشغول بشغله أو كذا، قد أكون أنا أنا بفكر عقلية معاذ بن جبل، قد أكون عارف أن أخوي ضعف، بس ما بسمح في ضمن الساحه الدعوية أو إخواني أنه ينتهك أو ينتقص؛ لأنه الضعف متصور، أنا اليوم بضعف بكره أنت بتضعف، فمش انسان فينا معصوم، ما في انسان فينا لا تأتي عليه لحظات ضعف أو لحظات نقص في الحياة، يحتاج أن إخوانه يقفوا معه، فلا تستغل لحظات الضعف لإخوانك، هذا اللي بيعلمني إياه معاذ بن جبل، لا تستغل لحظات الضعف لإخوانك حتى تنال منهم، خاصة أنه أحياناً ممكن يكون في تصفية حسابات سابقة، أنه أنا انبسطت أنه فلان انتكس، أنا أصلاً في بيني وبينه غيرة أو حسد أو شيء، فلما رأيت منه ضعفاً في جانب من الجوانب قلت: يلا اجت الفرصة لأشوه عرضه! فمعاذ يعلمنا كيف أن الإنسان دائما يحسن الظن بأخيه: والله ما عهدنا عليه إلا خيراً، خاصة إذا أخوك المسلم يعني اللي ضعف الآن فعلا له رصيد خير يعني له مواقف جيده تذكر، مش إذا ضعف في لحظة معينة مباشرة يلغى كل رصيد، يعني الرجل لا يعرف عليه النفاق، رجل شارك في الغزوات، رجل نافع عن الإسلام بلسانه وشعره، نجي على لحظة ضعف معينة نسقط الرجل تماما؟ لا، موقف عظيم من معاذ يسجل له.
نعم، قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلاً، حضرني همي، وطَفِقْتُ أتذكر الكذب! يعني وصلت الأخبار لما لكعب أن الجيش الإسلامي هي الآن في رحلة العودة إلى المدينة، قال: إجاني الهم، ماذا سأجيب النبي عليه الصلاة والسلام عن سبب تخلفي؟ نعم قال: وأقول: بماذا أخرج من سخطه غداً؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي. فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أطل قادماً، زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه بشيء أبداً فيه كذب! لما وصل لي أنه النبي صلى الله عليه وسلم هي على باب المدينة، انزح عن الباطل، ايش يعني؟ محاولة مخادعة النفس لايجاد أعذار، وعرفت الحق: الحق أن أخطأ بخطأ وأقول: يا رسول الله أنا فعلاً ما كنت معذور، وإنما هو ذنب والضعف الإنساني.
نعم قال: فأجمع صدقي، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك جاء المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له. المخلفون من الأعراب قوم كذب من المنافقين يعني: يا رسول أنا فلان فلان، النبي صلى الله عليه وسلم مشاهم على نعم. قال: وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله. فجئته فلما سلمت عليه، تبسم تبسماً مغضباً. نعم، تبسم تبسماً يعني هو ابتسامة ابتسامة الغضبان اللي عتبان أنه مش أنت يا كعب بن مالك اللي بتخطئ هذا الخطا! تمام، وشوف أحياناً التأنيب قد يكون بإشارة التانب، مش شرط أنا أجي أبهذلك، أصرخ عليك أمام الناس حتى تفهم الرسالة، أنا ممكن لكن بس بإشارة معينة تحدث الكثير من الطوفان في قلبك، تفهم أنه في خطأ كبير أنا ارتكبته، تبسم المغضب.
نعم، قال: ثم قال: تعال! فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ فقلت: بلى. ابتعت ظهرك يعني أنت مش ابتعت، يعني ابتعت يعني اشتريت، اشتريت ظهراً يعني جمل تركب عليه، أنت ما كان، أنت لم تكن عاجزاً، ألم تكن قد ابتعت يعني اشتريت ظهرك؟ يعني اشتريت جمل، الجمل يسمى ظهراً لأنه يركب، اشتريت جملاً تركبه! وكان عنده كمان راحلتين مش راحلة واحدة، إذاً لماذا تخلفت؟ نعم. فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرايت أني ساخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلاً، ولكنه! شوف شوف الصدق! شوف الصدق في شخصية كعب بن مالك: يا رسول الله، لو جلست عند أي زعيم أو أي قائد وكنت أغضبته، أظن أنني قادر أن أفلت، فإنني رجل أعطيت جدلاً، يعني أنا رجل بعرف أموص، بعرف أتخلص من التأنيب، لكن أنت رسول الله، وما بقدر أليف وادور أمامك.
نعم، قال: ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به علي، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد في علي فيه، أني لا أرجو فيه عفو الله. خلاص أنا واضع، إذا ممكن أكذب بس عارف إنه ربنا ما رح يرضى عني، لا خليني اصدق وأعرف أنك رح تعتب علي يا رسول الله، لكن على الأقل أنني أرجو أن الله يغفر لي بسبب صدقي. وهذا اللي حصل، أن الله غفر له بسبب صدقه. فكان ختام قصة الثلاثة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. الصدق منجاة، حتى لو أخطأت اعترف، فإن الله يحب المعترفين بالذنب. لما تعمل معصية في حياتك، دائماً بنصح نفسي طبعا المقصرة وإخواني، لا تقعد تتهرب وتبرر، يعني هنا صح موقف كعب بن مالك أمام النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هذا أيضاً نتعامل به مع أنفسنا لما تقع في ذنب وتتكلم مع ربنا، لا تقعد تبرر لذنبك أنه بس أنا يا رب عندي رصيد، أنا يا رب طب أنا منيح، يا رب أنا في أشياء كثير، يا رب أنا مش، كان قصدي... لا لا! إذا أنت أخطأت، اعترف أمام الله بالذنب، اعترف أمام الله: يا رب أنا أذنت وما لي عذر؛ لأن اعترافك بالذنب يجعل الله عز وجل يوفقك للتوبة، بخلاف هؤلاء الذين بلفوا بيدوروا وبصير يحاول يقنع نفسه أنه أنا منيح، أنا كذا، يعني هي راح تخرب علي، وبصير يحاول يقنع نفسه أنه ما فيش خطا كبير، أنه يا رب يعني هاي النظرة أو كذا مش هالموضوع! انتبه، اعترف بذنبك.
نعم، طب الآن في في التوبة هل مثلا يقول الإنسان إذا اعترف بذنبه هل يعني يقول مثلا بعض الاعتذارات: يا رب من كل خطأ، يا رب أنا غلبتني نفسي، يا رب كذا، بعض الاعتذارات أمام الله عز وجل لذنبه أم لا؟ هس هاي الاعتذارات المراد منها الاستحياء من الله، أنه يا رب يعني من باب الاسترضاء، من باب الاسترضاء والاعتراف بالضعف: يا رب أنا ضعيف، يا رب أنا مقصر، يا رب فعلا كل بني آدم خطاء، فأرجو يا رب انك تسامحني؛ فهو من باب الاستعطاف لله عز وجل أن يتوب علي، في مشكلة، مش من باب التبرير، يعني فرق من باب التبرير ومن باب الاستعطاف للشيء.
نعم قال: لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك. قال: إذاً الآن قوم، خلاص قم من عندي حتى أنظر هل سيتوب الله عليك أو لا. نعم، قال: وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك قد كنت أذنبت ذنباً قبل هذا، ولقد.
عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر المخلفون، قد كان كافيك ذنبه وهم وقومه، فخذه إنه أنت فضحتنا أمام النبي عليه الصلاة والسلام، وكذا يعني لو اعتذرت كما اعتذر الأعراب كان مشى الحال، ولم يقل إن في بني سلمة رجل أذنب.
نعم، قال: قد كان كفيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله ما زالوا يأنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ظل وراي حتى قلت: خليني أرجع أقول: لا لا يا رسول الله، ترى أنا كان عندي ظرف وكان كذا بس أنا ما حبيت أحكي من البداية، لكنه ربنا ثبته.
نعم قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا أحد؟ قالوا: نعم، رجلان. قال: مثلما قلت؟ فقيل لهما مثلما قيل لك. فقلت: من هما؟ قالوا: مراره بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي. فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدرا فيهما أسوة، فمضيت. هدول اثنين شهدوا بدر، يعني أنا مش شهدت، هذول شهدوا بدر ومع ذلك اعتذروا، قلت: إذا لي فيهما أسوة.
نعم، قال: فمضيت حين ذكرهما لي، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف. هذا اسمه أسلوب الاختصاص طبعا، أيها الثلاثة هذا اسمه أسلوب، هذا مش نداء هذا اسمه اختصاص، يعني نحن الثلاثة خصوصا.
نعم، قال: فاجتنب الناس وتغيروا لنا، فاجتنب الناس وتغيروا لنا خلاص، وهذا يسم من هنا أخذ أصل هجران أهل المعاصي، من هذه الواقعة استدل العلماء على هجران اهل المعاصي تماما، يمكن تهجر سنه، ممكن تهجر خمسة أشهر، ممكن تهجر أسبوع على حسب المصلحة، هجرانا تاما.
نعم، قال: حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحبي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، أما أنا فكنت أشب القوم وأجلد، فكنت يعني هلال كان ختيار شوي كبير في السن يعني مش إنه مش قادر يغزو بس كان كبير في السن، فجلس يبكي في بيته هو ومراره، أما أنا فكنت شاب لسه فكنت رايح جاي وأمشي أسواق المدينة، أشوف حدا يحكي معي حدا يسلم علي، ما حدا.
نعم، سكر الباب. شخ، هذا تبع الغاز يا جماعة هذا الله يرضى لي. قال: فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فألسلم عليه، يقول في مجلسه بعد الصلاة: فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه فأشار النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني.
حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي. يوم من الأيام كعب بن مالك طلع على السور بده يدخل على بستان أبي قتادة الانصاري الله يرضى عنه وابن عمه.
طيب، فقال له يعني شوف يعني احتراق قلب كعب بن مالك وهذا يدل على صدق معدن الرجل. نعم، قال: وسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، ما ردش السلام لأنه في أمر نبوي أنه ما حدا يسلم عليهم أو يرد عليهم السلام، حتى السلام لا يرد.
نعم، قال: فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله! هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت له فنشده فسكت، فعدت له فنشد, فقال: الله ورسوله أعلم، قال: الله أعلم، سكت. نعم، قال: ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار. قال: توليت يعني حتى طلعت فوق السطح من جديد وقفزت.
نعم، قال: فبين أنا أمشي بسوق المدينة إذا أنا بنبط من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ آه، شوف هون كيف الفتنة تزداد وكيف الله عز وجل يختبر إيمان الإنسان، هذا رجل من الشام ملك الشام أو أحد ملوك الشام، الغساسنة أحد ملوك الغساسنة بلغه أن محمد صلى الله عليه وسلم هجر كعب بن مالك.
طبعا مثل هي الأمور تطير بها الأخبار يعني خاصة في العرب يعني الأشعار والأخبار تطير مع الركبان. أحد ملوك الغساسنة بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم هاجر كعب بن مالك، وأن كعب بن مالك في كرب، فأراد أن يستغل لحظة الضعف ويقول له: يا كعب! إيش اللي بيخليك إذا تقيم عند هذا الرجل الذي هجرك وأصحابه؟ ائت عندنا إلى الشام ونحن بنحترمك ونعزك. شوف كيف تعاملوا معك بهذه الطريقة. الآن، هذا موقف بيذكركم بأيش يا حذيفة؟ يعني كيف ممكن يصير مع الواحد في حياته؟ اه يا ذيب؟ يعني حتى أنا بحب أجسد القصة في واقعنا، حتى نفهم كيف هي البلاءات بتيجي للإنسان في واقعنا.
تفضل، واحد مثلا يضعف عن الدين أو يبعد عن...
إحد الشباب.
لا لا، أنت بعدتنا كثير.
سيدي، يعني خلينا في واقع الشباب المسلم، لما واحد فينا يضعف، لما تضعف وتشوف إخوانك من البيئة الملتزمة، لأنه شافوك ضعفت، إيش مثلا خلص يعني والله في عنده ملف المعاصي، أخونا كان معنا صح، بس إنه مدخل في أشياء محرمة وأشياء غلط. بالتالي بتصير البيئة اللي حواليك المتدينة مشايخ وطلاب علم شوية بصير في جفوة، إنه بطلوا يشوفوك ذاك بذاك النقاء اللي كانوا يعرفوه عنك.
فانت ساعتها كما قال كعب بن مالك: تنكرت الأرض، يعني ما عدت أشوف أصحابي اللي كانوا دائما مقبلين علي متلهفين لما يشوفوني وكذا وكذا، لأني كنت في نظرتهم ذاك الإنسان النقي الإنسان في قمة صلاحي، بس الآن أنا هيك شوي بعدت عنهم، يا أخي أخذتني موجة حياة ودخلت في شيء غلط، بعدين حاولت أرجع بس شايفهم مختلفين علي، يعني ما خلص يعني صار في جفوة.
هنا وين بيجي الضعف؟ بيجيك الضعف إنه ممكن واحد يقول لك: يا أخي، شايف هدول أصحابك الشيوخ، شايف هيهم حدا بطل يسلم عليك وبطلوا يتواصلوا معك ما عادوا يسألوا فيك، خلص خليك معنا، شوف خليك معنا، إيه ما احنا مبسوطين مع بعض ولازم تكون شيخ حتى والله إن شاء الله بتدخل الجنة وأمورك طيبة، بس يعني اتركك من تلك البيئة، شايف هيهم هيهم، شايف الشيوخ شو عملوا فيك؟ هاي ليش تركوك؟ لأنك غلطت غلطة!
فأنت بتصير فعلا تشعر بنوع من الضغط النفسي، إنه والله ليش ليش المشايخ بيعاملوني زي هيك؟ ليش إخواني في الله بيعاملوني بهذه الطريقة؟ يعني الواحد إذا غلط غلطان خلص، متسف كل تاريخه؟ تمام. بتجيك لحظات هي الضعف، وبيصير الشيطان يستغلها، إنه الشيطان ماهر في استغلال هي اللحظة المتعبه من الضغط النفسي الهائل، إنه أنت عم بتحاول تصلح عارف إنك غلطت ووقعت وفعلت معصية وبتحاول ترجع لإخوانك. هاي مشكلة المعصية لما يعرفها إخوانك، هاي بصير بهدلة، فبتصير هم بينك وبينهم جفوة، وبيستغل الشيطان أي طريقة إنه إخوانك خلص ما عادوا إخوانك اللي كنت تعرفهم وعلاقتك فيهم ما هي زي العلاقة القديمة. فبحاول يقنعك أنك تضلك مع البيئة الجديدة المتهالكة البيئة الجديدة غير المتدينة، تمام؟ باعتبار أنهم احتضنوك، هم قبلوك على ضعفك بخلاف المشايخ أو طلاب العلم أو أو أو فلم يقبلوك على ضعفك.
تمام، طبعا هون بتجي قضية النظر إلى أمم شو بسموها؟ المصلحة من الهجران، يعني النبي عليه الصلاه والسلام لما أمر بأن يهجر هؤلاء الثلاثة هو أولا بوحي من الله، ثالثا: يعرف قدر تحملهم. بس مش كل الناس كعب بن مالك يا شباب، تمام؟ مش كل الناس كعب بن مالك، بالتالي لما تتخذ قرار لهجران أهل المعاصي، يعني هناك هجران مفيد وهناك هجران لا، قد يكون كسر الظهر. بالتالي لما أتعامل مع إخواني لا، في أخ أنا بعرف أنه كان معنا في حلقة علم في حلقة دعوية في كذا وبعرف أنه ضعف وقع في أشياء محرمة، بس لما يجي ما بظهر له أنك اصبحت في نظره دونية ولا أظهر له اختلاف القلب عليه، بل بالعكس ممكن أظهر له كمال الود والاحترام لأني بعرف أنه هو في أعلى لحظات ضعفه، خاصة لما يكون هو عارف أنني عارف، يعني هو جاي بده يرجع يتدين، كان من خيره الشباب انحرف شوي بده يرجع يتدين، وعارف أو متوقع نظرة إخوانه له، هنا أنت كأخ له ما بدك تشعره بالنقص؛ لأنه هو جاي ومستحي، هو جاي أصلا وذابح حياء، بيقول لك: معقول يرجع يقبلوني وأرجع معهم مرة أجمع مجالسهم وآكل من طعامهم و و و.
فانت هون بدك تبالغ حتى لو قلبك يعني مش كثير عليه صار، بدك تبالغ في إظهار الموده والرحمة إذا رأيته وقبلته، حتى ما تففده، فمش كل الناس بنفسية كعب بن مالك وتحمل مرارة بن الربيع وهلال بن أمية. لكن في واحد لا، في واحد يغلط غلطة كبيرة وأنا بفهم أنه هو مؤمن وهو مش راح يضيع، بس لازم أقرصه بالهجران شوي حتى يفهم الدرس الذي عمره ما يكرره مرة أخرى.
هي عبارة إذا عن نوع من الموازنات وإدراكي العام. طبعا النبي عليه الصلاة والسلام يحيى من السماء، بس أنا واياكم بدنا نجتهد أني أنظر في حال الشخص الأمامي الذي وقع في معصية، هل الأصلح لهذا الأخ أنه نهجره ولا الأصلح له أنه ايش نوده؟ بدي أصير أنا أوازن، هل إذا أنا أظهرت له أنه في حاجة لو أمورك طيبة، هل هذا ممكن يخليه يقع في هذه المعصية أكثر من مرة ويصير يقول لك: هي رحت ورجعت وشباب قبلوني، إذا ما فيش مشكلة؟ لا، هنا أنا بدي أصير موازنات، ممكن أحيانا أهجر حتى يشعر بتأنيب الضمير وأه إن الموضوع ليس بالهزالي، وأحيانا أشعر أنه في قمة لحظات ضعفه بدي أرجع أسحب في إيده لأنه إذا استمريت ممكن الشيطان يستغل هذا الضعف وهذا الشب يضيع ويروح مع ناس فاسدين، ممكن يرتد على عقبيه، وكثير من الناس هذا كان أسباب انتكاسه بعد أن كانت من الصالحين الأفاضل أنه ما وجدت بيئة ترجع تحتويهم ووجد بيئة الهاملة الفاسدة احتوت واستاقته، تمام؟ هذا على مستوى الأفراد وحتى على مستوى الدول نفس الشيء، زي ما تفضلت بصير أنه بصير دائما الغرب والكافر المنافقين بيستغلوا الشيخ اللي بضعف، بشوفوا شيخ مثلا في حلقة معينة ضعف أو بطل له جمهور أو قلبوا عليه أصحابه -بتعرف الجماعة بتقلب على بعض- فبجي بيقولوا له: تعال تعال، شايف أصحابك هذول المشايخ اللي انت من جماعتك هاي قلبوا عليك، صير تشتغل معنا وكذا ونحن بنعزك ونكرمك ونعطيك.
وكثير ترى من الناس اللي انقلبت على جماعات إسلامية انقلبت على جماعات إسلامية -أنا ما بحبش أذكر أسماء- بس بعضهم مشهورين في مصر وغيرها وفي كثير من البلدان هم كانوا معهم في يوم من الأيام، كانوا معهم لكن صارت حزازيات نفوس بينهم وتم استقطاب شخص منهم ملسن وذكي، ودعوته أنه يصير أنه خلص صير انت من جماعة النظام واقلب على إخوانك. وفعلا، لانه صار بينه وبين إخوانه تشات في هذه الأمور، انقلب على إخوانه وأصبح سيفا مسلطا إلى الآن إلى الآن على رقابهم مع أنه كان في يوم من الأيام معهم.
فهذه القضية تحتاج إلى توازن عالي في فهم طبائع النفوس وما الذي يصلح كل شخص، مين اللي أهجره ومين اللي ما أهجره.
المهم، نرجع لكعب بن مالك حتى ننهي قصته. نعم قال: فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فلحق بنا نواسك. أنت مش في دار أنك تهان ولا تضام ولا تضيع، أنت لست في دار هوان ولا مضيعة، أنت ما بتضيع تعال عنا واحنا بنرفع راسك.
نعم، قال: فقلت لما قرأتها -وهذا أيضا من البلاء-: فتيممت بها التنور فسجرتها بها. شوف البصيرة! البصيرة هذه بصيرة المؤمن. قال: وأيضا هذا بلاء، هذا استدراج. فكان في تنور، يعني نار مولعة، وضعت الكتاب في النار وحرقته.
نعم، قال: حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ياتيني، فقال إن رسول فاذا إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مبعوث من النبي عليه الصلاة والسلام ياتي. نعم، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امراتك.
فقلت: أطلقها أم ماذا؟ قال: لا، بل تعتزلها ولا تقربها. وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.
قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم. ضائع يعني كبير مسن بده حدا يخدمه. نعم قال: فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربك. لكن لا يقربك يعني لا يجامعك. نعم، قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله يا رسول الله في خير أصلا يقربني. قال: ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.
فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امراتك كما فاتت على كعب بن مالك، قالوا له: ليش ما تخلي مرتك تستأذن النبي صلى الله عليه وسلم تخدمك كما امرأة هلال بن أمية استأذنت فأذن لها؟ قال: أنا شاب، هلال بن أمية اختيار، يعني النبي صلى الله عليه وسلم صبح.
«أما أنا فما زلت شابًا»، قال: فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ، وما يدريني ما يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنت فيها وأنا رجل شاب، ولست كذاك الرجل المسن. ولاحظ أنه آخر أيام كانت أعلى درجات البلاء، يعني ازدادت وتيرة البلاء في الآخر.
قال: فلوثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسين ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا. فلما صليت صلاة الفجر، أصبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، جالس على الحالة التي قال الله تعالى: ﴿قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: 118]. سمعت صوتًا صارخًا أوفى على جبل سلع بأعلى صوته: «يا كعب بن مالك أبشر». فخررت ساجدًا وعرفت أن قد جاء الفرج.
شوف العلاقة بين الصحابة الجميلة؛ رجل طلع على جبل سلع نص المدينة وصرخ بأعلى صوته: «يا كعب بن مالك أبشر»، قال: مباشرة سجدت لله شكرًا، لما بلغني وعرفت أن الله تاب علي. أذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، وأعلم النبي ﷺ والصحابة أن الله تاب على الثلاثة.
ذهب الناس يبشرون، وركض إلي رجل فرسان وسعى ساعيًا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، صاحبي الذين هم هلال ومرارة. وركض إليه رجل فرساً وسعى ساعيًا، من أسلم فأوفى على ذروة الجبل، وشف السباق؛ واحد يقول جاء على فرس، وواحد جاء يركض، كلاهما مسرعان من أجل التبشير، وكل واحد يريد أن يحظى بشرف أن يكون صاحب سبق الخبر، بتعرف الناس تحب سبق الأخبار وأن يكون هو أول واحد يعطيك الخبر المبشر.
قال: فأوفى على ذروة الجبل وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاء الذي كان ماشيًا على رجليه قال: هذا تبع الفرس، والله لا يسبقني، فطلع على الجبل وصرخ، فكان الصوت أسرع من وصول الفرس. فلما جاء الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبي فكسوته إياه بشراه، قلت: اتفضل ثوبي.
البقية يعطيك التفاصيل، يعني بعض الناس يضلع عليك من القصة، شو عمل بعد ما نزع ثوبه؟ أكيد دبر حاله بشغلة، مش لازم يعطيك كل التفاصيل، دخل على الغرفة وجلب أواعي ثانية. قال: «والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله ﷺ». أتاك التفصيل.
قال: فأتاني الناس فوجًا فوجًا يهنئونني بالتوبة، يقولون: هنيئًا لك، توبة الله عليك. قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس وحوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد يهرول حتى صافحني وهناني. والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، ولا أنظر لطلحة ليه كل المهاجرين لما دخل لم يقم، مادا رآه أنه في موقف شخصي، بس ما خطر بباله أن يقوم، استنوا حتى يدخل ويسلموا.
لم يكن أحد من المهاجرين فكر أن يقوم حتى يهنئه إلا طلحة، فقام طلحة مباشرة مسرعًا وسلم على كعب بن مالك. قال كعب: "هي والله ما نسيتها لطلحة"؛ فالمهاجرين لم تكن بيني وبينهم علاقة قوية، فما أظهر أحد الحماس كما أظهر طلحة بن عبيد الله.
قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ، قال رسول الله ﷺ -وهو يبرق وجهه من السرور-: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك». قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله؟ أم من عند الله؟ قال: «لا، بل من عند الله». وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه.
فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مال صدقة إلى الله وإلى رسوله من باب شكر الله على هذه التوبة. قال رسول الله ﷺ: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك». قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. قلت: يا رسول الله، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت.
فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني؛ ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ كذبًا إلى يوم هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله ما بقيت. وأنزل الله تعالى على رسوله عليه الصلاة والسلام: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 117-119].
فوالله ما أنعم الله علي نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي إلى رسول الله ﷺ، ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا. إذا أصبح يرى أنه صدق مع النبي ﷺ في تلك اللحظة، فهي من النعم. لما جاءت التوبة وقبلت توبته، في وجهة نظره وهو الواقع، أصبح صدقه في تلك اللحظة وبوحه نعمة.
صح كان هو مخطئًا، لكن حتى هذا الخطأ جعله يرتقي عند الله منزلة لأنه ورثه صدقًا. وهذا يدل على أن المعصية أحيانًا قد تعلي صاحبها في آثارها، في كيفية تعاملك معها. تعاملك الصحيح مع المعاصي والذنوب قد يجعل حالك بعد المعصية أفضل من حالك قبل المعصية. كيف تعامل كعب بن مالك تعاملًا صحيحًا مع معصيته؟ إنه صدق، أقر واعترف، جعله يعتبر هذه من نعم الله العظيمة عليه بعد الإسلام.
أنا أني صدقت، هو صدق، كان تبريرًا، كان في معصية، هو صدق في الاعتراف بالمعصية، فكيف اعتبرت هذه أعظم نعم الله عليك؟ هي من جهة أنه مُدح على ذلك في القرآن، ونزل قرآن يثني عليه على صدقه في الاعتراف بالمعصية، فأصبحت المعصية التي كانت نقمة أصبحت نعمة من هذا الجانب.
قال فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال الله تبارك...
قال تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 59]
قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 96]. لما رأى ماذا وصف الله الذين اعتذروا؟ وصفهم الله بأنهم فاسقون ومنافقون. قال لك: أنا نفذت بجلدي، هذا الصدق.
قال كعب: كنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه. وبذلك قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: 118]. وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليف إيانا وإرجاء أمرنا عما حلف له واعتذر إليه.
يصحح كعب بن مالك فهمكم للآية، ويقول: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ ليس المراد خلفوا عن حضور الغزوة، لا، خلفوا يعني أخر الفصل فيهم؛ هل ستقبل توبتهم أو لا؟ هذا معنى خلفوا. فيقول كعب: وليس الذي ذكره الله من تخلفنا أننا تخلفنا عن الغزو، يعني ليس المراد في تفسير الآية وعلى الثلاثة الذين خلفوا يعني تخلفوا عن الغزوة، إحنا هيك بعض الناس بيفهم الآية، لا خطأ، يقول: خُلِّفوا يعني أُخِّر الفصل فيهم هل سيقبل الله توبتهم أو لا، هذا معنى إرجاء فصل أمر الله فيهم.
نقف اليوم إن شاء الله عند هذا المقدار. غزوة تبوك أصلاً ما فيش فيها تفاصيل معركة، ما صارش معركة، الروم ما جُوش، وإنما كان فيها معاهدات. إن شاء الله الدرس القادم نشرع في قضية إسلام وفد ثقيف، وهذا كما قلنا وفد ثقيف الذين حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم في الطائف جاؤوا بعد ذلك مسلمين. بارك الله فيكم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل