بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبا بكم أيها الأحباب، وصلنا بكم إلى حلقتنا الأخيرة في سلسلة الحلقات التي استعرضنا فيها غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الحلقة الأخيرة جعلناها في موضوع مهم يمكن أن يكون فاتحة لحلقات أخرى إن شاء الله في المستقبل، وهو مزايا العسكرية الإسلامية.
نحن تكلمنا في الحلقة الماضية عن شخصية النبي المقاتل صلى الله عليه وسلم، والذي نستطيع أن نقول إن نبينا هو مؤسس هذه العسكرية الإسلامية. ولأن هذا الموضوع مهم للغاية، ولأنه مرتبط بهذه السلسلة من الحلقات، فكان لابد من الإشارة إليه. وأيضا لأنه موضوع واسع جدا، فسلكت في هذا الأمر سبيلا أنحاز إليه أحيانا، وهو أنني سأكتفى تماما وسأستدل بمقولات من المؤرخين غير المسلمين لكي يتكلموا في هذا الموضوع على نمط وشهد شاهد من أهلها، ولككي لا ينسب كلامي إلى التحيز أو الهوى.
حقيقة، خطر لي هذا الموضوع لأول مرة قديما لما كنت قرأت كلمة هنري كيسنجر، السياسي الأمريكي المشهور الذي تولى وزارة الخارجية وكان مستشارا لشؤون الأمن القومي الأمريكي، وهو مهندس التطبيع مع إسرائيل. كيسنجر من أهم مقولاته أنه كان يقول بأنه العسكر هم مجرد حيوانات غبية تستعمل كعساكر الشطرنج في تنفيذ السياسات الخارجية. هذه العبارة حقيقة تختصر المنهج الغربي، أو لنقول تختصر المنهج غير الإسلامي في رؤيته للجندي. لذلك الدولة الغربية أو الحضارة غير الإسلامية تسعى دائما لتجريد الشخص المسلح من كل قيمة، من كل شعور، من كل قدرة على التفكير، حقيقة تحاول أن تعزله لكي ينفذ الأوامر، فيكون المقدس بالنسبة له هو الأوامر، والأوامر هي المقدس، وهذا ضروري لكي يمكن استخدامه في تنفيذ السياسات المطلوبة مهما كانت هذه السياسات المطلوبة لا أخلاقية.
نحن نرى كيف يتحول الجندي المعاصر في الدولة إلى نموذج خطير في القسوة والتعذيب والمذابح، الآن الجندي يلقي القنابل المدمرة، يلقي البراميل المتفجرة، يلقي أسلحة كيماوية، أسلحة بيولوجية، ومع ذلك لا يشعر بتأنيب ضمير، لا يشعر بأزمة ضمير، لأنه معتمد على تنفيذ الأوامر. وحقيقة يا جماعة الخير، هذا الموضوع ليس غريبا على التراث الغربي؛ فمثلا من أشهر الأمثلة في إمبراطور روماني اسمه فسبسيان، هذا الرجل الروماني حاصر اليهود لخمسة أشهر في إحدى المدن في الشام، ربما قيل بيت المقدس، وعلى كل حال حاصر اليهود خمسة أشهر إلى أن سقطت المدينة، فما الذي حصل؟ كيف كان العقاب؟ أمر الرومان اليهود أن يقتلوا أبناءهم ونسائهم بأيديهم، فكان الرجل يقتل نساءه وأولاده بيده، ثم بعد أن بقي الرجال فكانوا يضربون القرعة بين كل اثنين من اليهود، فمن كان يفوز منهما كان يقتل الآخر حتى أباد اليهود.
هذا مخالف ومناقض تماما للإسلام. ولكن الذي أُريد أن أركزه الآن هو أن أهم ما يميز العسكرية الإسلامية أن الجندي في الإسلام يعرف أنه مسؤول ومحاسب أمام الله، وأن هذا القائد لا يغني عنه من الله شيئا، وهذا الجندي يعرف أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله. وهذا حديث نبوي، وهذا الحديث لا يعرف كثيرون أنه قيل في موقف عسكري: «لا طاعة لمخلوق في معصية الله» قاله النبي صلى الله عليه وسلم في موقف عسكري؛ قائد من قادة النبي صلى الله عليه وسلم، النبي أرسل سرية وعليها قائد، هذا القائد لما تحرك بمجموعته أوَقَدَ نارا وقال لجنوده: ادخلوا فيها. فامتنعوا، فقال لهم: ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم بطاعتي؟ فامتنعوا. لما رجعوا وعرضوا ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو دخلوا فيها ما خرجوا منها»؛ أي لو كانوا أطاعوك ودخلوا النار ما كانوا سيخرجون من نار الآخرة، إنما الطاعة في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الله.
عندما أخطأ سيدنا خالد بن الوليد -أنا الآن أذكر مثالا آخر- عندما أخطأ سيدنا خالد بن الوليد في التصرف مع بني جذيمة؛ هؤلاء لما ذهب إليهم جيش المسلمين، هؤلاء لم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، هم أرادوا أن يعبروا عن أنهم أسلموا فقالوا: صبأنا، صبأنا. تشبه كلمة كفرنا، هم يقصدون كفرنا بآلهتنا ودخلنا فيسلام. فسيدنا خالد لم يفهم منهم هذا القول، وظنهم يصرون على كفرهم، فلذلك قتل منهم وأسر منهم، وأمر جنوده. ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد». تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم مما فعل خالد، لكن الموقف الذي نستشهد به أن سيدنا خالد أمر جنوده بقتل أسرام، فكان في جنوده سيدنا عبد الله بن عمر وسيدنا عبد الرحمن بن عوف فقالا: والله لا نفعل ولا يقتل أحد منا أسيرا. الجندي كان يعرف أن الطاعة في المعروف.
أشد من ذلك، أن هذا الجندي المقاتل يعلم أنه لو لم يكن قتاله خالصا في سبيل الله فلا ثواب له، فالشهادة لا تعطى إلا لمن جاهد في سبيل الله. لكن من قاتل من أجل المال، أو من أجل الشهرة، أو من أجل الرتبه، أو من أجل العصبية القومية، أو من أجل التراب المقدس؛ كل هذا ليس هو من الشهادة. النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل قال: يا رسول الله، الرجل يقاتل شجاعة، يقاتل لأنه جسور طبعة القتال، ويقاتل حمية دفاعا عن قومه، ويقاتل ليرى مكانه يحب أن يشتهر ويعرف، أي ذلك في سبيل الله؟ شجاعة، حمية، رياء؟ قال صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله». كل هذا الكلام ليس في سبيل الله. لذلك قيل: كم من قتيل بين الصفين الله أعلم به.
هنا التقطت لكم شذرات من التاريخ حول تأثير العسكرية الإسلامية في العقلية الغربية الأوروبية؛ تطبيقات عمليّة كيف أثر الجنود المسلمون، كيف أثرت العسكرية الإسلامية في الثقافة الغربية؟ مثلا، الفرسان في الغرب، الفرسان الغربيون لم يكونوا يعرفون شيئا عن أخلاق الفرسان أو عن الفروسية، إلى أن تاثروا بها في احتكاكهم بالمسلمين؛ سواء كان ذلك في الأندلس، أو في صقلية -جزيرة صقلية ظلت تحت حكم إسلامي حوالي مئتي سنة- أو في الحملات الصليبية لما جاؤوا إلى الشرق، وهناك رأى الغربيون من أخلاق الجندي المسلم الفارس ما جعلهم يستلهمونها.
وذكرت لكم أني سآتي بذلك من كلام الباحثين والمؤرخين الغربيين، وهذه الشهادات جديرة أن تملا قلب المسلم وقلب الجندي المسلم بالفخر والعزه والانتماء للإسلام، لأنه الإسلام رفعة وعصمة من أن يكون مجرد أداة يستخدمها القائد السياسي والعسكري في ارتكاب الجرائم، وارتكاب ما يأباه الشرف، وما يأباه الدين، وما يأباه الخلق. فيعني هذه شهادة قوم على غير ديننا، لذلك الفروسية الإسلامية حقيقة وسلوك الفاتحين استطاعوا أن يفعلوا ما عجزت الإمبراطوريات الكبيرة عن أن تفعله.
غوستاف لوبون مثلا يضرب المثل بمصر؛ مصر منذ انتهت الحضارة الفرعونية لم يستطع لا الفرس ولا الأغريق ولا البطالمة أن يقيموا حضارة في مصر. فيقول غوستاف لوبون: وما جهله المؤرخون من حلم العرب الفاتحين وتسامحهم كان من الأسباب السريعة في اتساع فتوحهم وفي سهولة اعتناق كثير من الأمم لدينهم ونظمهم ولغتهم التي رسخت وقاومت جميع الغارات وبقيت قائمه حتى بعد تواري سلطان العرب عن مسرح العالم. هنا يضرب المثل بمصر فيقول: ونعد من الواضح خاصة أمر مصر التي لم يوفق فاتحوها من الفرس والأغريق والرومان أن يقلبوا الحضارة الفرعونية القديمة وأن يقيموا حضارتهم مقامها، وكان يمكن أن تعمي فتوح العرب الأولى أبصارهم وأن يقترفوا من المظالم ما يقترفه الفاتحون عادة ويسيئوا معاملة المغلوبين ويكرهوهم على اعتناق دينهم الذي كانوا يرغبون في نشره في العالم، فالحق أن الأمم لم تعرف فاتحين متسامحين مثل العرب، ولا دينا مثل دينهم.
هذه الأخلاق أثرت في العدو المحارب. الاحتكاك بين المسلمين وبين الغربيين كما ذكرنا كانت في ثلاث مناطق كبرى؛ في الشام وفي مصر، وفي صقلية. الشام ومصر في الحروب الصليبيه، جزيرة صقلية ومناطق جنوب إيطاليا لأنه حكمها المسلمون، ثم الأندلس. المستشرقة الألمانية سيغريد هونكه تتكلم عن التغير والتاثر الذي تأثر به النورمان، النورمان هؤلاء كانوا قبائل متوحشة وهذه القبائل استولت على جزيرة صقلية التي حكمها المسلمون فهي تحاول أن ترصد هذا التأثر فتقول: لاول مره في تاريخ العالم المسيحي أظهر النورمان تسامحا مع المخالفين لهم في العقيدة، متمثلين بالعرب في شهامتهم ورجولتهم، فكان ذلك المسلك بالتأكيد هو سر ما أصاب دولتهم من ازدهار إذا قورنت بنظيراتها في الغرب؛ يعني دولة النورمان كانت أفضل من نظائرها في الغرب لا سبب لذلك إلا تأثرهم بأخلاق العرب أخلاق المسلمين.
هذا المشهد تكرر أيضا في الأندلس، لأنه ظهرت الفروسية العربية في أوروبا في الأندلس. غوستاف لوبون يقول: عرب إسبانيا يتصفون بالفروسية المثالية خلال تسامحهم العظيم، وكانوا يرحمون الضعفاء ويرفقون بالمغلوبين ويوفون بشروطهم وما إلى هذه الخلال. مستشرق إنجليزي آخر مستشرق معروف توماس أرنولد ذكرناه قبل ذلك، قال: بلغ من تأثير الاسلام في نفوس معظم الذين تحولوا إليه من مسيحي إسبانيا مبلغا عظيما، حتى سحرهم بهذه المدنيه الباهره واستهوتهم وبهرت خيالهم، كما وجدوا الفروسية العربية الرفيعة مجالا فسيحا لإظهار بأسهم، وما تكشفت عنه هذه الفروسية من قصد نبيل وخلق كريم.
في الحروب الصليبية في الشام ومصر؛ الآن احنا تناولنا صقلية، تناولنا الأندلس، تعالوا إلى الحروب الصليبية في الشام ومصر. عادة المؤرخين لما يتكلمون عن منافذ انتقال الحضارة الإسلامية إلى الغرب يتكلمون عن هذه المنافذ الثلاثة: الشام ومصر حروب صليبية، صقلية، الأندلس. الحروب الصليبية فيها هذه الفروسية الإسلامية بهرت نفوس الصليبيين حتى دخلت في الإسلام أعداد غفيرة منهم، مع أنهم قدموا أول الأمر لحرب المسلمين فوقعوا في الأسر، واستقبلتهم فروسية المحاربين المسلمين فتأثروا بمسالة معاملة الأسرى.
حتى مما يقوله توماس أرنولد المستشرق الإنجليزي: في الصراع مع السلاجقه تخلى الأغريق الصليبيون عن إخوانهم في الدين، وكتب المؤرخ القديم: لقد جفوا إخوانهم في الدين الذين كانوا قساه عليهم، ووجدوا الأمان بين الكفار -يقصد هنا المسلمين- الذين كانوا رحماء عليهم، ولقد بلغنا أن ما يربو على ثلاثة آلاف قد انضموا إليهم بعد أن تقهقروا، انضموا إلى صفوف الاتراك المسلمين. يقول المؤرخ القديم هذا: إنها لرحمة أقسى من الغدر، لقد منحوهم الخبز ولكن سلبوهم عقيدتهم، ولو أنه من المؤكد أنهم لم يكرهوا أحدا من بينهم على نبذ دينه وإنما اكتفوا بما قدموه لهم من خدمات. إذا، كثير من الأسرى أسلم وانضم إلى جيوش المسلمين.
والأمر لا يقتصر فقط على الأسرى، لأن حتى الحجاج الصليبيين الذين كانوا يجيئون من أوروبا لزيارة بيت المقدس كانوا أيضا عرضة للوقوع في الإعجاب بالإسلام. فايضا توماس أرنولد يقول: كان خطر الدخول في الإسلام، وهو ما كان يتعرض له حجاج الأراضي المقدسة، قد شاع أمره في ذلك العصر بصورة واضحة، حتى إن أموري دي لاروش، هذا كان رئيس فرسان المعبد، التمس من البابا في فرنسا وصقلية في مذكرة دونها حوالي سنة 1266 ميلادية أن يمنعوا الفقراء والشيوخ والعاجزين عن حمل السلاح من عبور البحر إلى فلسطين، لأن أمثال هؤلاء الأشخاص كانوا يتعرضون إما للقتل أو الأسر أو لأن يفتنهم العرب عن دينهم. هذه توصية رئيس فرسان المعبد الذي كان موجودا في ذلك الوقت.
الحروب الصليبية فترة تاريخية استمرت أكثر من قرنين من الزمان، ومع ذلك المؤلفات الغربية -الغربية لا أقول فقط الإسلامية- تكاد لا تذكر شيئا من هذا التاريخ إلا وراكزت على شخصية صلاح الدين الأيوبي، لأن صلاح الدين الأيوبي يعد الشخصية العربية الأولى في المؤلفات الغربية.
مثلا مما قيل فيه كلمة المؤرخ الأمريكي المشهور ويل ديورانت، صاحب موسوعة قصة الحضارة، هذا ويل ديورانت كان يقول: إنه يعني اجتمعت فيه العسكرية الإسلامية أنه يعني قاسي على المحاربين، واجتمعت فيه الفروسية الإسلامية في الرفق بهم إذا صاروا أسرى أو صاروا مسالمين. فيقول ويل ديورانت: كان صلاح الدين متمسكا بدينه إلى أبعد حد، وأجاز لنفسه أن يقصو أشد القسوة على فرسان المعبد والمستشفى -دي ميليشيات عسكرية كتائب عسكرية دينية موجودة في الحروب الصليبية بخلاف الجيوش الرسمية-. ويكمل ديورانت يقول: ولكنه كان في العادة شفيقا على الضعفاء، رحيما بالمغلوبين، يسمو على أعدائه في وفائه بوعده سموا جعل المؤرخين المسيحيين يعجبون كيف يخلق الدين الإسلامي الخاطئ في ظنهم رجلا يصل في العظمه إلى هذا الحد.
تميز صلاح الدين في أخلاقه عن ملوك الصليبيين كان واضحا، كان ناصعا لدرجة أنه مستشرق فرنسي مشهور أيضا اسمه مكسيم رودنسون ذكر هذا في بحثه المنشور في كتاب تراث الإسلام يقول: أثار العدو الأكبر صلاح الدين إعجابا واسع الانتشار.
بين الغربيين؛ فقد شن الحرب بإنسانية وفروسية، برغم قلة من بادلو هذه المواقف، وأهمهم ريتشارد قلب الأسد، لأن ريتشارد قلب الأسد الذي كان خصماً لصلاح الدين قتل ثلاثة آلاف من الأسرى، وكانت له جرائمه الأخرى. وهذا الفارق، الفارق بين الأخلاق الإسلامية، الحرب الإسلامية، الفروسية الإسلامية، هذا الفارق كان أوضح ما يكون لما تمكن صلاح الدين من تحرير بيت المقدس.
فمن مما قالته المستشرقة الألمانية زغريد هونكه تقول: حين تمكن صلاح الدين من استرداد بيت المقدس التي كان الصليبيون قد انتزعوها من قبل، بعد أن سفكوا دماء أهلها في مذبحة لا تدانيها مذبحة وحشية وقسوة، فإنه صلاح الدين لم يسفك دم سكانها من النصارى انتقاماً لسفك دم المسلمين، بل إنه شملهم بمروءة، وأسبغ عليهم من جوده ورحمته، ضاربا المثل في التخلق بروح الفروسية العالية. وعلى العكس من المسلمين، لم تعرف الفروسية النصرانية أي التزام خلقي تجاه كلمة الشرف أو الأسرار، لذلك وقعت محاولات خطيرة، وأشرت إلى ذلك في كتابي في أروقة التاريخ المجلد الأول إذا أردتم أن تتوسعوا.
والمفارقة الخطيرة أنه كثير من الصليبيين حاولوا تزوير تاريخ صلاح الدين، وحاولوا الادعاء بأن أُمّه كانت صليبية، لأنه وهذا هو السبب يعني في أنه ورث منها هذه الفروسية. وهنا مؤرخ أمريكي، باحث أمريكي اسمه مايكل هاملتون مورغن، هذا الرجل التقط هذه الفكرة وذكر أن كانت إعجاب بالفروسية، فروسية صلاح الدين، يعني صلاح الدين لم يكن مثلا من العلماء كالمأمون، لم يكن زعيما لدولة مستقرة زاهرة حضاريا، فهو مقاتل محارب.
فيقول مايكل هاملتون مورغن يقول: قائد مسلم وهو رجل شديد التدين لن يتمتع بفكر مثل هارون الرشيد والمأمون، ولا الحاكم في القاهرة، أو عبد الرحمن الثالث اللي هو عبد الرحمن الناصر في قرطبة، لكنه سيجسد نوعا من شرف الفروسية الإسلامية، سيكون مثار إبهار الأوروبيين، بل وسيدفع نبله هذا إلى العديد من المواقف المحرجة، فما كان منهم إلا التماسا أن السبب وراء أخلاقه الرفيعة والكريمة ما كان إلا أن لديه دماء أوروبية تجري في عروقه.
وهذا الرجل هو صلاح الدين، لذلك كانت النتيجة، وهذا أيضا كلام توماس أرنولد يقول: أخلاق صلاح الدين الأيوبي وحياته التي انطوت على البطولة قد أحدثت في أذهان المسيحيين في عصره تأثيرا سحريا خاصا، حتى إن نفرا من الفرسان المسيحيين قد بلغ من قوة جذّابهم إليه أن هجروا ديانتهم المسيحية، وهجروا قومهم، وانضموا إلى المسلمين. الموضوع طويل، والموضوع طويل للغاية، وأينما توجهنا نحاول أن نرى ونقارن عظمة الإسلام في أحكامه، أحكام القتال، وأحكام الأسرى، وأحكام الجزية، وأحكام الأقليات، وإلى آخر هذا الكلام.
في كل هذه الأمور لن نجد شيئا يقارن ولا يشابه معاملة المسلمين ضمن أي منظومة قانونية وضعية، وفضل منهج الإسلام على سائر القوانين كفضل الله على خلقه، لأنه دين الله ففضله على سائر القوانين كفضل الله على خلقه. لكن لأننا في عصر هزيمة، فكثير من الناس يجهل حقيقة الإسلام، كثير من الناس يجهل حقيقة حتى الغرب، يعني يجهل حقيقة هذه الحضارة الغالبة المعاصرة.
واخر ما حصل يا جماعه في هذا الباب حصل قبل شهور، مقارنة صارخة واضحة ساطعة بين ما فعلته المقاومة الفلسطينية مع الأسرى الإسرائيليين لما أسروه في يوم سبت أكتوبر. ظهر للعالم كله كيف أنه الأسرى عند الفصائل الفلسطينية كانوا يعاملون والمقاومة كانت تحت الضرب والقصف والذبح، ومع ذلك كان الأسرى الإسرائيليون يعاملون أرقى معاملة، وكيف كان الأسرى الفلسطينيون يعاملون لدى الإسرائيليين. لكن العصر الذي نعيش فيه، عالم غربي، عالم أعور، عالم أظلم.
وبعد أن حصل تبادل الأسرى، هؤلاء الأسرى الإسرائيليون شهدوا بانفسهم، النساء والصبيان الذين أفرج عنهم شهدوا بأنفسهم بما وجدوه من معاملة إسلامية حسنة، وما كانوا فيه من رعاية، على عكس الحال الذي خرج عليه الأسيرات الفلسطينيات من سجون الاحتلال، تحدثوا عن الإذاء والتجويع والإهانات. بل أخرج الإسرائيليون أنفسهم، أخرجوا على قنواتهم هم، معاملتهم المذلة لأسرى الفلسطينيين، سواء كانوا من المقاومة أو من غيرهم من الناس، هم نشروا بأنفسهم مشاهد من زنازين هؤلاء الأسرى على قنواتهم لكي يظهروا انتقامهم، طبعا فضلا عن سائر التقارير الحقوقية.
قبل يومين من تصوير هذه الحلقة، كانت الأمم المتحدة أصدرت تقريرا عن سوء المعاملة وعن الإساءات الجنسية تجاه فتيات ونساء من غزة أسرتهن إسرائيل في الحرب الأخيرة. فأنا الآن أقارن بين حركة المسلمين وبين حركة غيرهم، بل أقول في كل موطن جهاد معاصر تخرج لنا حكايات عن أسرى أسلموا بسبب ما رأوه من حسن المعاملة. كلكم تعرفون، أو إذا لم تكونوا تعرفون ابحث مثلا: البريطانية إيفون ريدلي، هذه أسلمت لما وجدته من المعاملة في سجون طالبان. فتاة إيطالية في الثامنة عشرة من عمرها اسمها سيلفيا رومانو، هذه أسلمت بعد ثمانية عشر شهرا أسرت عند المجاهدين في الصومال، فأسلمت وصارت الآن عائشة وتقرأ القرآن.
المرأة التي اسمها مريم، المرأة الكبيرة في السن، كانت أسيرة لدى المجاهدين في مالي، هذه لما حررتها فرنسا، دفعت فدية وحررت، هذه فاجأت الجميع وفاجأت الرئيس الفرنسي ماكرون باسلامها وهي تنزل من سلم الطائفة وتقول: أنا مريم. هو طبعا كان ينتظرها ليلقي خطابا عظيما ضد الإرهاب وعظمة فرنسا، صدم بهذا المشهد وغادر دون خطاب، هذا قبل أشهر قليلة، وأشد من ذلك أنها هربت من فرنسا وعادت إلى مالي مرة أخرى.
الكلام طويل طويل، والأمثلة كثيرة، وفي النهاية إذا خرج المشاهد من هذه الحلقات وقد آمن أن الإسلام حتى في حروبه كان هو الأعظم، فقد حققت هذه الحلقات هدفها. أسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما، ونراكم في سلاسل أخرى إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي