بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، مرحبا بكم أيها الأحباب في حلقة جديدة من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن ولله الحمد انتهينا من استعراض الغزوات وختمنا بآخر غزوة في الحلقة الماضية والتي كانت عن غزوة تبوك. في هذه الحلقة أريد التوقف بكم عند معالم سريعة في مسألة الغزوات، وأريدكم وأريد من نفسي أن نتأمل ونتفكر فيها، وإن كانت تحتاج طبعا إلى حلقات أكثر وأطول. نحن الآن الأمة الإسلامية في زمن هزيمة، نحن أمة مهزومة حقيقة، لذلك نرى نفسيتنا ضعيفة، ولذلك سرعان ما تأثر نفوس بعض المسلمين بالشبهات.
والهزيمة يا أحباب مرض قاتل، مرض فتاك، مرض خطير، بل نستطيع أن نقول إن الهزيمة شلل، شلل حقيقي للأفكار. أنتم تعرفون قصة التتار مع البغداديين، لما كان أهل بغداد مرعبين من التتار، ولما التتار اقتحموا بغداد وجد مجموعة من البغداديين أحد التتار وجد مجموعة من البغداديين ينظرون إليه في ارتعاب وهول، وهو لم يكن معه سلاح، فأمرهم بالوقوف في مكانهم وأن ينتظروه حتى يأتي بالسيف لكي يقتلهم به، سمعوا وأطاعوا! نعم، حقيقة سمعوا وأطاعوا من هول ما هم فيه من الرعب ومن الضعف ومن الهزيمه، حتى جاء وهو الأعزل بسيف قضى عليه. الهزيمة يا شباب، الهزيمة يا أحباب تلقي على الحقائق الواضحة ثوب الهزيمة، هذا الثوب المشؤوم؛ الأعزل الواحد المنتصر يكون كجيش يخشى ويخاف ويرهب، والجماعة المهزومين تخضع لهذا الواحد المنتصر حتى لو كانت الحقيقة تقول إن قوتهم وهم مجموع أكبر من قوته هو وهو فرد.
أنا شخصيا رايت فيديو وهو منتشر على الإنترنت أن بعض المسلمين في بعض البلاد الإفريقية كانوا يذبحون وهم في طابور يذبحون، كانوا يجلسون هكذا وينادى على الواحد منهم فيتقدم فيذبح أمام الناس، أمام إخوانه يذبح ذبحا، تقطع رقبته بالسكين، وينادى على الثاني وهو في الصف فيقوم ويتقدم ويذبح أيضا. الهزيمة ضعف، الهزيمة شلل فعلا. أنا طبعا بالمناسبه هنا لا ألوم هؤلاء، لا ألوم هؤلاء أبدا، أنا فقط أرح بهذا المثال حالة الهزيمة؛ لأنه الهزيمة فعلا داء خطير جدا جدا.
ففي موضوع غزوات النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما ستجد العديد من الدعاة ومن العلماء المسلمين يتناولون الغزوات في نوع من الضعف والحياء والخجل، ويحاولون مداراة بعض الأمور ويحاولون تبرير بعض الأمور. وبالمناسبه وانا بنفسي أيضا فعلت ذلك في هذه الحلقات؛ لأنه بعض الأمور لا يمكن أن يستقبلها الناس ولا أن يفهموها بشكل طبيعي دون هذا التفسير والتبرير. أنا لم أكن أريد التفسير، ما الذي يضطرني إلى التفسير؟ أنا حاولت جهدي ألا يظهر الأمر وكأنها تهمة أو أنني أعتذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أو أنني أبرر فعله، حاولت جهدي والله، لكن لابد من التفسير ومن تقريب الأمور؛ لأنه كلنا نعيش هذه الحالة ولا بد لنا من مراعاة حال السامعين، فهذا أمر يجب أن نستحضره دائما وقتما نسمع أو نقرا أو نتكلم عن مسألة الغزوات.
وفي الوقت نفسه كثير من غير المسلمين، من الباحثين الغربيين من المستشرقين، حين يتناول نفس هذا الموضوع، موضوع غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، يظهر فعلا أنه لا يهتم ولا يبالي ولا يكتَرِث لكثير من الشبهات؛ يتكلم بشكل طبيعي. والله أنا رايت منهم من تكلم بعبارات قوية لا يجرؤ عليها كثير من المسلمين، ولذلك قلت نضرب لكم بعض هذه الأمثلة لكي تعرفوا أن الذي يفكر وهو منتصر، الذي لا يشعر بثقل الهزيمة، يرى الأمر بشكل طبيعي. مثلا المستشرق الفرنسي هنري دي كاستري، هذا رجل كان من رجال الإدارة الفرنسية في الجزائر، وهذا رجل تأثر بالمسلمين وكتب كتابا قديما، الكتاب اسمه (الإسلام خواطر وسوانح)، وفي هذا الكتاب أدان هنري دي كاستري ما لحق سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من التشويه الصليبي الذي ولد في عصر الحملات الصليبية. فمثلا كان من ضمن كلامه -شوف هذه العبارة البسيطة الواضحة، طبعا هذه العبارة لما تقراها من موقع المهزوم تبدو وكأنها قذيفة صاروخية تماما- اسمع كذا، هذه كلمة مستشرق فرنسي هنري دي كاستري يقول فيها: ما كان ينبغي للنبي حبا في السلام أن يترك الباطل يعلو على كلمة الحق المبين. بل ينتقل هو هنري دي كاستري من الدفاع إلى الهجوم، وطبعا هو منطلق هنا، ليس في ذهنه، لا يبالي أن يتهم بالإرهاب وباضطهاد الأديان؛ هو مثلا هنري دي كاستري يستغرب كيف يُدان الرجل الذي يحارب الخرافة والوثنية! كيف يدان محمد وهو يحارب أن يخضع الإنسان للحجر، وأن الإنسان يتخلى بطوعه وإرادته عن كرامته؟ فمثلا يقول هنري دي كاستري: وقد نظر بعضهم إلى هذه الآيات -يقصد آيات الجهاد وما يماثلها- فاتهموا النبي بالتعصب، أفما كان يجب عليه أن يحارب بقوة السلاح المعاندين من الوثنيين ليبيد تلك الديانة إلى الأبد من بلاد العرب، فهي التي أحت على مذهب التوحيد مذهب الخليل إبراهيم قبل الإسلام، وأن يجعل بين المؤمنين وبين عبادة الأصنام حدا فلا يرجعوا إليها؟
بعد ذلك أيضا، نفس نحن مع هنري دي كاستري، أيضا ينطلق بعدها إلى إدانة جديدة، إلى إدانة هؤلاء الذين كذبوا على أنفسهم وعلى الناس لما صوروا لهم أن الإسلام انتشر بحد السيف، فيقول مثلا هنري دي كاستري: لو كان دين محمد انتشر بالعنف والإجبار لزم أن يقف سيره بانقضاء فتوحات المسلمين، مع أننا لا نزال نرى القرآن يبسط جناحه في جميع أرجاء المسكونة.
خذ مستشرق آخر، توماس كارلايل، هذا مستشرق بريطاني معروف ومفكر مشهور، وهذا الرجل كان له محاضره عن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم ألقاها، كانت من علامات تصحيح الصورة الذهنية لدى النخبة الغربية عن الإسلام، هذه المحاضرة الذين يؤرخون لتطور ونضج فهم الأوروبيين للإسلام يجعلون هذه المحاضرة من علامات هذا التاريخ. هذه المحاضرة يمكنكم أن تقرؤوها في كتاب (الابطال)، هو رجل له كتاب اسمه (الابطال) هو مجموع محاضراته، ففيها محاضرة عن النبي البطل محمد، فيها يقول هذه العبارة، واسمعوا أنا الآن أكلمكم في شان مستشرقين وغربيين يتكلمون في شأن الغزوات أقوى مما يتكلم فيه أغلب المسلمين يقول: توماس كارلايل: لقد قيل كثير في شأن نشر محمد صلى الله عليه وسلم دينه بالسيف، فاذا جعل الناس ذلك دليلا على كذبه فذلك اشد ما أخطاؤوا وجاروا، فهم يقولون ما كان الدين لينتشر لولا السيف. يقول توماس كارلايل: ولكن ما هو الذي اوجد السيف؟ هو قوة ذلك الدين وأنه حق، والرأي الجديد أول ما ينشأ يكون في رأس رجل واحد، الذي يعتقده هو فرد، فرد ضد العالم اجمع، فاذا تناول هذا الفرد سيفا وقام في وجه الدنيا فقلما والله يضيع.
وأرى الكلام ما زال لتوماس كارلايل: وأرى على العموم أن الحق ينشر نفسه بأية طريقه حسب ما تقتضيه الحال، أولم تروا أن النصرانية كانت لا تأنف أن تستخدم السيف أحيانا، وحسبكم ما فعل شارلمان بقبائل السكسون! شارلمان هذا الذي حكم الذي ينسب إليه توحيد أوروبا والرجل الذي كان حاكما في فرنسا، يقول: وحسبكم ما فعل شارلمان بقبائل السكسون. يقول توماس كارلايل: وانا لا احفل اذا كان انتشار الحق، اذا كان انتشار الحق بالسيف ام باللسان او باية آلة أخرى، فلندع الحقائق تنشر سلطانها بالخطابة او بالصحافة او بالنار، لندعها تكافح وتجاهد بايديها وارجلها واظافرها فإنها لن تهزم، الدنيا لن تهزم إلا ما كان يستحق أن يهزم وليس في طاقتها أن تقضي على ما هو خير منها، بل ما هو أحط وأدنى. مثل هذا الكلام قليل من علماء المسلمين ومن دعاة المسلمين ومن الكتاب المسلمين ومن المتحدثين ومن الخطباء قليل من يمكنه أن ينطق بهذه القوة.
طيب دعونا نواصل مع توماس كارلايل فقرة أخرى يقول فيها: يزعم المتعصبون من النصارى والملحدون أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن يريد بقيامه إلا الشهرة الشخصية ومفاخر الجاه والسلطان. كلا، كلا، وايم الله لقد كان في فؤاد ذلك الرجل الكبير ابن القفار والفلوات، المتوقد المقلتين، العظيم النفس، المملوء رحمة وخيرا وحنانا وبرا وحكمة وحجا وأربة ونهى، أفكار غير الطمع الدنيوي، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه. ويأخذ في خلاصة يقول فيها عن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم: أرى في محمد -الكلام ما زال لتوماس كارلايل المستشرق البريطاني كتاب الأبطال ارجعوا إليه- يقول: أرى في محمد صلى الله عليه وسلم آيات على أشرف المحامد وأكرم الخصال، وأتبين فيه عقلا راجحا وفؤادا جليلا، أو أي صنف من أصناف البطل. هذا كلام المستشرق البريطاني توماس كارلايل.
خذ مستشرق آخر، إيميل درمنغم، هذا مستشرق فرنسي غلب عليه الإنصاف، كتب كتابا عن النبي صلى الله عليه وسلم مترجم أيضا، ترجمة الأستاذ عادل زعيتر، وكتابه بعنوان (حياة محمد)، نشر في مكتبة الأسرة في مصر ونشر قبل ذلك موجود على الإنترنت. هذا الرجل إيميل درمنغم سلك سبيلا آخر في بيان صورة النبي صلى الله عليه وسلم لبني قومه، يعني هو كان يحاول أن يقدم صورة معتدلة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقومه قد ترسخ عندهم أن محمد مناقض للمسيح عليه السلام، لذلك ستجد أنه في هذا الكتاب حاول بكل ما أمكنه أن يقرب بين الإسلام والمسيحية. طبعا هو جاوز الحد وحملته هذه الرغبة على أن يتكلف، قال كلاما لا أرضى المسلمين ولا أرضى المسيحيين؛ لأنه محاولة التقريب بين الإسلام والمسيحية غير ممكنة حقيقة؛ الاختلاف عقدي شديد. لكن فيما يخص الموضوع الذي نتكلم فيه هنا، هو موضوع النبي والجهاد، تكلم عن هذه الحقيقة البسيطة الواضحة، يقول مثلا: لم يشرع الجهاد لهدايه الناس بالسيف، ففي القرآن: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّن الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256] والقرآن يأمر المسلمين بالاعتدال وألا يبدؤوا الاعتداء.
ووسع هو صورة الجهاد في الإسلام ليلفت نظر الغربيين والفرنسيين إلى أنه القتال في الإسلام، بل حتى القتال في الجاهلية العربية لم يبلغ حد التوحش الذي يعرف في الغرب. الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، الحديث عن النبي المجاهد المقاتل يناقض الأسطورة التي تقول بأنه كان مصاباً بالصرع وبجنون. الصورة الغربية تحت ضغط الحقد والأجواء الصليبية جمعت بين النقيضين، قالت بأنه مجنون وبانه أراد الحرب، فيقول إيميل درمنغم: بلغ عدد مغازي محمد أربعين في عشر سنين -طبعا احنا ذكرنا العدد والكلام فيه- واشترك هذا الرجل الذي نعته بعضهم بالماكر بمجهول ما يجب أن يتحلى به السيد العربي في الغزوات بجزيرة العرب من تحمل المشاق والصبر على المكاره وخلق الثبات والأناة وحسن السياسة والنشاط والمرونه، وهذا إلى ما يحيق -هذا بالإضافة إلى ما يحيق بسلطانه من المخاطر وإلى اعتماده على مؤازرة جمهور متقلب- ففي هذا المضمار الصعب المضني برع محمد، لا يمكن لمحمد أن يكون مصروعا أو مجنونا حاشاه.
ولذلك لكي يزيد إيميل درمنغم من وضوح هذه الصورة تحدث عن شخصية النبي صلى الله عليه وسلم في حال السلم، في حال الموادعة أو في حال النصر والتمكين، يقول: إذا كان محمد يفرط في القسوة عند اشتباك الفريقين ويقابل العدوان بالعدوان والمكر بالمكر، فانه قلما يقصو في حال دَعَتِه، بل كان يبدو معتدلا إلى الغاية كما يشهد بذلك أمره حين فتح مكة، فقد أبدى في أثناء هذا الفتح من الكرم وعظمه النفس ما لا تجد مثله في التاريخ إلا نادرا، وكان محمد يوصي جنوده بأن يرحموا الضعفاء والشيوخ والنساء والأولاد، وكان ينهى عن هدم البيوت وإهلاك الشجر المثمر، ويأمر بألا يُسِل مسلم حسامه إلا عند أقصى الضرورة. وسنرى أنه أي محمد صلى الله عليه وسلم أنحى باللائمة على الذين أفرطوا في القتل فعوض بالمال مما اقترفوه -يعني النبي دفع الدية للقتل الخطا الذي حصل من بعض صحابته- وهو محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي رأى أن النفس الواحدة خير من كل الغنائم. هذا المستشرق الفرنسي إيميل درمنغم.
تعالوا نذهب إلى باحثة أخرى في مقارنة الأديان، باحثة مشهورة لا تزال حية وهي كارين آرمسترونغ، هذه كانت راهبة وتخلت عن النصرانية، لها العديد من الكتب، من أهمها طبعا فيما يخصنا كتابها عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب اسمه (سيرة النبي محمد)، طبع أيضا بعنوان آخر وهو اسمه (محمد نبي لزماننا)، ولها العديد من الكتب ولها (موجز تاريخ الإسلام) ولها عدد من الكتب. تقول في هذا الكتاب، كتاب (سيرة النبي محمد): حينما بدأ محمد صلى الله عليه وسلم دعوته إلى كلمة الله في مكة كانت تسود بلاد العرب حالة من التفكك المزمن، فقد كان لكل قبيلة من قبائل البدو العديدة قانون قائم بذاته، وكانت أيضا كل قبيلة في حالة من الحرب الدائمة مع التجمعات القبلية الأخرى، وكان يبدو مستحيلا للعرب أن يتجمعوا مما عدا عدم إمكانهم إقامة مدينة أو نظام للحكم يمكنهم من احتلال مركز لهم في العالم. أما الحجاز فقد بدا وكأن من قدر له أن يبقى في حاله بربرية متوحشة خارج نطاق الحضاره، ثم بعد ذلك بثلاث وعشرين عاما -عند وفاة محمد صلى الله عليه وسلم- كان قد تمكن من لم شمل القبائل جميعها وجعلها تلحق بمجتمعه المسلم. فهي تضيف أيضا أنه على العكس من كل الاحتمالات استمرت وحدة العرب التي أنجزها محمد صلى الله عليه وسلم، وكان محمد صلى الله عليه وسلم يتمتع بموهبة سياسية رفيعة القدر إذ
تمكن من تغيير أحوال أمته تغييرا شاملا، وأنقذهم من العنف غير المجدي ومن التحلل، ومنحهم هوية جديدة يزهون بها، وبهذا أصبحوا على استعداد لتأسيس حضارتهم المتفردة. ولقد أطلقت تعاليم محمد صلى الله عليه وسلم مخزون قوة العرب لدرجة أنهم وفي خلال مئة عام امتدت إمبراطوريتهم من جبل طارق في الغرب إلى الهيمالايا في الشرق. وعلى هذا، فإن كان ذلك النصر السياسي هو الإنجاز الوحيد لمحمد صلى الله عليه وسلم فمن حقه علينا أن يحوز إعجابنا.
خذ مستشرق آخر، مستشرق فرنسي لويس سيديو، هذا رجل صاحب كتاب شهير جدا اسمه خلاصة تاريخ العرب، وهذا ربما أول كتاب فرنسي يترجم للعربية ويشمل التاريخ الإسلامي العام. لويس سيديو أيضا حاول أن يوسع الصورة لبيان حقيقة شخصية النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لم تكن هذه الشخصية كما تصورها الغربيون شخصية سباقة إلى القتال وإلى الدماء. يقول لويس سيديو: وأما أخلاقه وأفعاله فكانت في غاية الكمال؛ منها عفوه عن ألد أعدائه بعد فتح مكة، وحلمه في الأخذ بحقوق الحرب من القبائل، وأسفه على قضائه على بعض هذه القبائل، وعدم استعانته بما له من عظيم السطوة والسلطة على إجابة داعي القسوة. يعني النبي كان يستطيع أن يقتل كثيرا بما له من القوة ومن حب أصحابه له، ولكنه لم يفعل، ولذلك كان يحاول بالحث العود بمن خرج عن الحد من أصحابه إلى حدود الاعتدال. ومن ذلك أبباؤه إشارة عمر عليه بقتل الأسرى في بدر، ومنها صفحه عمن قتل عمه حمزة، وقوله: «اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد بن الوليد» حين أخذ بثأر قريبه من بني جذيمة.
طبعا لا حرج على المستشرق إذا لم يفطن إلى أن خالد رضي الله عنه بريء من تهمة أنه أخذ بالثار من بني جذيمة، طبعا المستشرقين ليست لهم قدرة على سبر الروايات ومعرفة الصحيح والضعيف، لكن المقصد هنا واضح، وهو أن النبي تبرأ من الخطأ حتى لو الخطأ ارتكبه بعض صحابته أو كان الذين جرى عليهم الخطا هم قوم من أعدائه. فالقليل من قراءة سيرة النبي والاطلاع عليها يكشف للباحث أنه فعلا إذا رأى رجلا عظيم وأنه حمل رسالة الهداية وحمل السيف من أجل هذه الرسالة وليس من أجل اضطهاد الناس أو إكراه الناس على الدخول في الدين.
القصد يا جماعة الخير، القصد من هذه السطور، أن هذا الفرنسي الذي أصابه الإنصاف كان أوضح في قراءته وبيانه من المسلم الذي أصابته الهزيمة. لم يرى أحد هؤلاء المستشرقين أنه مجرد حمل السيف ومجرد القتال كان عيبا، ولم يرى أحدهم أن القتال أمر يستحق أن نتكلف له التأويلات والتبريرات والاعتذارات. نفسية القارئ هي التي تفرض عليه طبيعة الفهم، ولذلك جدير بنا حري بنا أن نخلع ثوب الهزيمة، وأن ننزع نظارة الضعف، وأن ننظر للأمر بعين من آمن بالله ومن اعتز بدين الله، ساعةئذ ستشرق في نفوسنا فتوحات الفهم والبيان، سيشرق في نفوسنا وفي قلوبنا نور العلم نور العمل.
ويجب ألا أختم قبل أن أقول إنه إذا حاولنا أو إذا أرادنا أو لمن أراد أن يطلع على عبقرية النبي العسكريه، على شخصية النبي المقاتل، فهناك العديد من المؤرخين اهتموا بهذا الجانب، فقراءة كتبهم تزيد من فهم الشخصية العسكريه للنبي صلى الله عليه وسلم، منهم مثلا الأستاذ أحمد عادل كمال وهذا في ظني أفضل المؤرخين العسكريين، ومنهم اللواء محمود شيش خطاب، ومنهم اللواء الركن بسام العسلي، هذا سوري، هؤلاء تخصصوا في التاريخ العسكري، وطبعا بخلاف المؤلفين الآخرين الذين لمسوا هذا الجانب العسكري أثناء استعراضهم للسيرة والغزوات.
أنا أرجو من هذه الحلقة أن تكون قد أوضحت وبينت صورة نبينا صلى الله عليه وسلم المقاتل. إذا كان هذا قد اتضح فأساأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي