بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبا بكم أيها الأحباب في حلقة جديدة من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، التي نستعرض فيها غزوات النبي، ونرى فيها طريقته في القتال وهديه في معاملة الأعداء، ونتابع فيها رحلة صعود الإسلام من الضعف إلى القوة. بقيت معنا في هذه الحلقات آخر غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي غزوة تبوك. نحن تحدثنا في الحلقة الماضية عن، يعني تكلمنا عن غزوة حنين وعن حصار الطائف، وهي كانت في آخر العام الثامن للهجرة. وفي العام التاسع للهجرة، غزى النبي صلى الله عليه وسلم غزوة واحدة، وهي غزوة تبوك التي نستعرضها اليوم. في العام العاشر لم تكن هناك غزوات، كان فيها حجة الوداع، وبعدها بثلاثة أشهر، يعني بعد ثلاثة أشهر من هذه الحجة، توفي النبي صلى الله عليه وسلم في العام الحادي عشر في شهر ربيع الأول. فهذه الغزوة اليوم هي آخر الغزوات، وهي أيضا غزوة مميزة، بل هي كانت نقلة للدولة الإسلامية؛ لأنها كانت افتتاح الجهاد العالمي، الجهاد مع الروم القوة العظمى العالمية؛ لأنه بعدما أسلمت الجزيرة العربية ودخلت في مظلة الدولة الإسلامية، كانت هذه هي المرحلة التالية.
نحن ذكرنا في الحلقات السابقة أن الحرب اشتعلت بالفعل بين المسلمين وبين الروم لما أغاثوا حلفائهم الغساسنة لما قتلوا سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا الحارث بن عمير الأزدي. وهذا الحادث، اللي هو مقتل السفير، هو الذي تسبب في غزوة مؤتة. وذكرنا أن قبائل عرب الشمال، يعني شمال الجزيرة العربية، كانت لا تزال العداوة قائمة بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، وكان للنبي فيهم غزوات، ذكرنا منها غزوة دومة الجندل، وكذلك غزوة مؤتة. وكانت لهم سرايا، أشرنا إلى سرية ذات السلاسل التي كان قائدها عمرو بن العاص، ولكن هناك سرايا أخرى لم نذكرها، مثل ذات أطلاح وغيرها أيضا مما لم نذكره في مسألة علاقة النبي بالروم. أن هرقل أو هركليز، اللي هو قيصر الروم، أحد أهم أبطال التاريخ الروماني التاريخ البيزنطي، هرقل هذا تلقى رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لما بعد صلح الحديبية صار النبي يرسل الرسائل، وذكرنا أنه رد ردا حسنا. فمما لم نفصله في ذلك، أنه هرقل عرف أن هذا هو النبي، وله حديث في البخاري مع أبي سفيان؛ أنه سال أبا سفيان عن النبي حتى توثق أنه هو النبي، وعرف أنه هو النبي المنتظر والنبي الموعود، لكنه لم يجرؤ على الإسلام، فضل الدنيا، فضل الملك، يعني راى في قومه وفي حاشيته نفورا من أن يسلموا فطاع وظل على كفره.
طيب، الآن المشهد في الجزيرة العربية أنه بعدما توحدت الجزيرة العربية تقريبا تحت لواء النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل الناس في دين الله أفواجا بعد فتح مكة وبعد فتح الطائف، المرحلة القادمة كانت هي مرحلة هؤلاء العرب في الشمال اللي هم بالذات الغساسنة حلفاء الروم. تبوك تبعد عن المدينة 800 كيلومتر إلى الشمال. ووصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم خبر أن هرقل ملك الروم -طبعا هو كان في ذلك الوقت في الشام؛ لأنه كان قد استعادها من الفرس، أنتم تعرفون ما كان بين الفرس والروم من الحروب، والفرس كانت غلبت، وبعد كده الروم غلبت في قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: 2-3]- فهو ظل هذه الفترة في الشام، فبلغ النبي خبر أنهم يجمعون حشودا ضد المسلمين. وطبعا هذا كان بمثابة الرد على ما حصل من هتك لهيبه الروم في غزوة مؤتة، وبالتالي استعد النبي صلى الله عليه وسلم لذلك. هذه الغزوة تعرف أيضا باسم آخر، وتعرف بأنها غزوة العسرة؛ لأنه كانت في وقت حر شديد، وكانت في وقت جدب، وكان هذا عند اقبال موسم الثمار، طبعا عارفين أنتم اقبال موسم الحصاد، يحب الناس المقام في أرضهم وبيوتهم ليجمعوا ثمرهم، ويعني طبعا الدنيا حر، فيكذلك يطيب المقام في ظل هذه الأمور. سيدنا جابر بن عبدالله يقول عن المسلمين: اجتمع عليهم، على المسلمين يعني، عسرة الظهر -الظهر يعني الراواحل والدواب التي تحملهم كل هذه المسافة- وعسرة الزاد وعسرة الماء، يعني كذلك الطعام والشراب. ولهذا فهذه هي الغزوة الوحيدة التي صرح النبي بوجهته فيها؛ لأنها تحتاج استعدادا خاصا. يعني طريقة النبي هي التورية عن الغزوة ويذكر مكانا آخر، يوري بمكان آخر للتعميد، فالأصل كما ذكرناه في أكثر من مرة، لكن هذه كان لابد للمسلم الخارج فيها أن يعلم شدتها، ويعلم بعد مسافتها، ويعلم كذلك قوه العدو فيها.
أيضا زاد من العسرة في هذه الغزوة كثره ما أحدثه المنافقون في هذه الغزوه في مختلف مراحلها. وهنا سنرى أن المنافقين كان لهم حضور واضح، سواء قبل الغزوه أو في أثناء الغزوه أو حتى بعد الغزوه، وفيهم نزلت سورة التوبه. سورة التوبة هذه فضحتهم وكشفت ما في نفوسهم، ولذلك سميت سورة التوبة بالفاضحة، من أسباب سورة التوبة الفاضحة؛ لأن المنافقين في البداية حاولوا التملص من الخروج، صاروا يختلقون الاسباب لكي لا يخرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم. فيعني واحد مثلا يقول إنه يعتذر عن النبي يقول إنه يفتن ببنات الروم، ففيه نزل قول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: 49]، فتنة الهروب من الجهاد والتخلف عن الجهاد، ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 49]. مثلا بعضهم يعتذر لشده الحر، وفيهم قال تبارك وتعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 81]. لكن إيه الذريعة الحجة؟ قالوا: ﴿لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة: 81]، الوقت غير مناسب، كلمة الوقت غير مناسب دي غالبا ما تكون من حجج المبطلين. فقال تبارك وتعالى: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: 81-82]. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يأذن لهؤلاء الذين يختلقون الأعذار حتى نزل قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُون مَّعَ الْقَاعِدِينَ * رَضُوا بِأَن يَكُونَومَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: 86-87].
طيب، النبي طلب النفقة من أصحابه، تجهيز الجيش، تمويل الجيش، تمويل الحملة العسكرية. فالناس كانت تاتي بأموالها، فهؤلاء المنافقون غمزو فيمن كان يأتي النبي ويعطيه من ماله، ففضحهم الله في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: 79]. الرجل الذي يؤدي شيئا قليلا هؤلاء يسخرون منه، فقال تعالى: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: 79] هؤلاء الذين يغمزون. حتى لما النبي خرج إلى الغزوة كان ترك على المدينة عليا أميرا على المدينة من بعده، فغمز به المنافقون أيضا، فقالوا إنه خلفه بغضا له، حتى تاثر بذلك سيدنا علي مع كثرة الكلام، فخرج خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من مناقب علي، قال له: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي». يعني النبي شبه نفسه وشبه عليا بأن سيدنا موسى لما ذهب إلى لقاء ربه ترك بني إسرائيل وترك عليهم أخاه هارون خليفة له على بني إسرائيل.
طيب، هذا قبل الغزوة. بينما النبي في الغزوة، المنافقون في المدينة بنوا مسجدا، أرادوا هم أن يجعلوا لأنفسهم مركزا يجتمعون فيه بعيدا عن المسجد النبوي المسجد الجامع، فبنوا مسجدا لهم، فنزل في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 107-108]. وستاتي معنا مواقف أخرى للمنافقين في سياق الغزوة.
لكن يجب أن نقول أيضا إنه مثلما ظهر للمنافقين هذا الشان، فهذه الغزوة أيضا شهدت مشاهد عظيمة جدا من المؤمنين، مشاهد من التضحية ومن الإيثار. الصحابه حين نودي بالانفاق سارعوا بل تسابقوا، تسابقوا في الانفاق، كل منهم يحاول أن يجهز في هذه الغزوة ما استطاع. سيدنا عمر مثلا، وكان طبعه أن يتسابق في فعل الخير مع أبي بكر رضي الله عنه، فسيدنا عمر كان عنده مال في ذلك الوقت، قال: والله لأسبقن أبا بكر اليوم. فذهب إلى بيته فأخذ نصف ماله وجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وتخيل أن تتنازل في لحظة واحدة عن نصف مالك، نصف ما تملك، تخيل! وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تركت لأهلك يا عمر؟». قال: تركت الشطر، يعني هذا نصف مالي. فجاء أبو بكر بعد وجاء بماله كله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تركت لأهلك يا أبا بكر؟». فقال: تركت لهم الله ورسوله. فعند إذ قال عمر: والله ما سبقتك إلى خير قط.
سيدنا عثمان بن عفان جاء بألف دينار في ثوبه. الألف دينار يا جماعه الخير يساوي تقريبا الآن أربعة كيلوجرام وربع من الذهب، يعني أربعة كيلو وربع من الذهب، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده ويقول: «ما ضر ابن عفان ما فعل بعد اليوم، ما ضر ابن عفان ما فعل بعد اليوم»، ويكررها؛ لأنه هذا كان مبلغاً كبيراً يقوم بتجهيز، نسب إلى عثمان تجهيز جيش العسرة، يعني كأنما جهزه وحده؛ لأنه هذا المال كان قدراً كبيراً في تجهيز هذا الجيش. سيدنا عبدالرحمن بن عوف أيضا وكان من تجار الصحابة، جاء بمئة أوقية. سيدنا العباس بن عبدالمطلب جاء أيضا بمال كثير. المسلمون جاؤوا بما استطاعوا حتى إنه بعضهم لم يكن يجد إلا أن ينفق الصاع -الصاع الكيلة المعروفة- أو القبضة، القبضة من التمر أو القبضة، يعني شيء بسيط، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبلهم منهم، هؤلاء الذين جاؤوا بالأشياء الصغيرة هم الذين غمز به المنافقون، وفيهم نزل الله نزل قول الله تعالى: ﴿يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: 79].
بعض الناس لم يكن يملك إلا أن يجاهد بنفسه، فأقبلوا على الجهاد، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عنده من الدواب ما يحملهم -بالمصطلح المعاصر لم يكن عند النبي ناقلات جند يمكنه أن يحملهم عليه- يعني كان عدد المجاهدين بأنفسهم أكثر من قدرة المال على تجهيز الحملة، فلذلك أرجعهم لم يقبلهم. فعاد أولئك وهم في حزن، وهم يتوجعون، وقد عبر القرآن الكريم عن هذا المشهد باية مؤثرة، قال تبارك وتعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: 92]. لم يقل الله: وأعينهم تبكي، وأعينهم تسيل، قال: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التوبة: 92]. هؤلاء قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه فيما بعد ذلك: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم». قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ 800 كيلو رايح جاي حر! قال: «وهم بالمدينة حبسهم العذر، ذلك يبلغ المؤمن بنيته ما لا يبلغ بعمل».
بعض المسلمين الصادقين لم يجد شيئا ينفقه اطلاقا، وخلد من هؤلاء رجل اسمه سيدنا علبة بن زيد، هذا رجل قام يصلي من الليل وسال الله قائلا: اللهم إنك قد أمرت بالجهاد ورغبت فيه، وليس عندي ما أتقوى به، وليس عند نبيك ما يحملني عليه، فإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها. يعني هذا رجل تصدق بحقوقه على المسلمين. فلما أصبح قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبشر، فوالذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة».
طيب، بعد هذه الأمور خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، كان معه 30 ألفا من المسلمين، هذا أكبر جيش تشهده الجزيرة العربية في ذلك الزمن، 30 ألفا، وخرج لقتال الروم. العرب لم، لا تزال العرب لا تتجرا على قتال الروم، إمبراطورية كبيرة، يعني ضخمة، واسعة، مدججة بالسلاح. وبينما كان المسلمون في الطريق وقع، اشتد عليهم الجوع والظمأ، لانه المجموعة كانت تتبادل التمرة الواحدة، سبحان الله، يعني تقول روايات كان التمرة، كانت التمرة يمصها أحدهم فيجد طعمها، ثم يشرب عليها جرعة من الماء، ثم يناولها لأخيه. فلذلك اضطروا مع شدة العطش أنه البعير الذي يركبونه ينحرونه لكي يأخذوا ما خزنه في سنامه من الماء، وكان بعضهم يضع ما بقي من البلل والبروده يضعها على رقبته أو على كبده لشده الحر والعطش. سيدنا عمر كان يقول: ظننا أن رقابنا ستقطع، ستقطع الدواب يقل الظهر وهذه يركبها الجيش، فلذلك اقتراح سيدنا عمر على النبي صلى الله عليه وسلم أن ياتي كل قوم بما عندهم من بقية الطعام، فضل الطعام، وليدعو الله، وليدعو النبي الله عليها بالبركة. ففعلا أمر النبي بذلك، فكان الواحد ياتي بكف الذرة وكف التمر كسر من الخبز، فوضعها النبي على بساط ثم دعا الله تبارك وتعالى وقال للناس: «خذوا في أوعيتكم». فبارك الله فيها، وما زال الناس يأخذون من هذا الطعام في أوعيتهم حتى امتلات وأكلوا وشبعوا وبقيت بقية أو فضلت فضلة. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد إلا دخل الجنة». وفي موقف شديد أيضا من العطش النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر رضي الله عنه قال:
للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله عودك في الدعاء خيراً، فادعُ الله لنا. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يمطر، فلم ينزل يده حتى جاءت سحابة فأمطرت، فشربوا وارتووا، وذلكم أو عيتُ. وكان هذا أيضاً من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم.
في الطريق المنافقون أيضاً ظهروا مرة أخرى، فهذا أحد المنافقين قال بعد نزول المطر: يعني سحابة مرت، يريد أن يقول مصادفة.
وكذلك في موقف آخر أيضاً ظهر فيه المنافقون، كانت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ضلت، خرجت شردت، فذهب أصحاب النبي في طلبها، فقال أحد المنافقين: يزعم محمد أنه نبي، وأنه يخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته! فبلغ هذا الكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا به صلى الله عليه وسلم يقول: إن أحدكم يقول كذا وكذا، إني والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها على الناقة، وهي في الوادي، وسماه في شعب كذا، سماه: قد حبستها شجرة بزمامها، يعني الناقة دخلت وادي ودخلت منه شعباً وثم جاءت شجرة فتعلق خطام الناقة بالشجرة فقيدت، فانطلقوا حتى تأتوني بها.
وفعلاً وجدوها عند المكان الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني أيضاً انظر إلى النبي، وهذه من دلائل نبوته أنه لا ينسب الشيء إلى نفسه.
لما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك لم يجد جمعاً للروم، بعض المؤرخين يقول إن الروم تفرقوا وخارت عزائمهم، وبعضهم يقول إنه كان نبأ تجمع الروم من الشائعات. والحقيقة يزيد في ترجيح هذا القول الثاني أنه لا تظهر الكتب التاريخية للروم أي إشارة إلى اعتزالهم عن حرب العرب في ذلك الوقت.
ولذلك ذكر بعض العلماء أن سبب خروج النبي إلى لقاء الروم لم يكن التجمع، وإنما كان التمدد الطبيعي للدولة الإسلامية في مناطق شمال الجزيرة العربية التي لم تدخل في الإسلام بعد، خصوصاً وأن شمال الجزيرة العربية كان الوضع متوتراً مع قبائل الشمال. لكن حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الخروج في هذا التوقيت الصعب وبهذه الأحوال والظروف يدل على أنه كان هناك ضرورة للإسراع والتعجيل، لو كان الأمر تمدداً طبيعياً ويحتمل التأخير لربما تأخر بعض الوقت حتى يتهيا المال، حتى ينقضي موسم الحصاد.
المهم أن النبي لم يلق قتالاً. هل لم يلق قتالاً لأن الروم تفرقوا؟ هل لم يلق قتالاً لأنه لم يكن هذا التجمع مقصوداً به العرب؟ هل كان مداً طبيعياً وهذا مما أضعفه؟ ولا أراه والله أعلم، لكن غزوة تبوك كانت فعالة في كشف معادن المجتمع المسلم، كشف معدن المؤمنين وكشف معدن المنافقين، وكذلك في كشف معادن العرب الذين أسلموا بعد فتح مكة وبعد الطائف حين استنهضت. يعني هي كغزوة في الميزان العسكري للدولة الإسلامية كانت فعالة أكثر في تمحيص المجتمع المسلم.
طبعا لا شك أيضاً أن خروج هذا الجيش العظيم القى الهيبة في نفوس من سمعوا به من العرب وكذلك من الروم لا شك، فهي شيء يعني الجزيرة العربية تخرج لأول مرة بثلاثين ألفاً، والنبي صلى الله عليه وسلم بقي في تبوك عشرين يوماً.
ومن تبوك أرسل بعض السرايا، وهناك جاءه رجل اسمه يوحنا بن رؤبة، هذا حاكم أيلة، أيلة التي هي إيلات الآن، إيلات هي طبعا قرية المفترض أنها مصرية ولكن الآن هي محتلة من الإسرائيليين تسمى إيلات. فجاءه حاكمها جاء للنبي صلى الله عليه وسلم، هي على راس خليج العقبة، فجاء للنبي صلى الله عليه وسلم وجاءت معه وفود من هذه الأحاء اللي هي تعتبر أقصى شمال غرب الجزيرة العربية، وصالحه على الجزية، هم لم يسلموا، صالحوه على الجزية، والنبي كتب لهم كتاباً فيه الأمان لهم ولصفنهم وقوافلهم في البر والبحر.
ومن السرايا أيضاً التي أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم سرية بقيادة سيدنا خالد بن الوليد، هذا أرسله إلى واحد اسمه أُكيدر بن عبد الملك، هذا الرجل هو حاكم دومة الجندل، وقد ذكرناها. فهذه السرية أسرت أُكيدر بن عبد الملك هذا وجاء به خالد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وصالحه النبي صلى الله عليه وسلم على الجزية. إذاً، لم يلق النبي قتالاً، ماشي، لكن هذه الغزوة وسعت النفوذ السياسي للدولة الإسلامية حتى هذه الألحاء ناحية دومة الجندل وناحية إيلات.
في طريق العوده إلى المدينة سيظهر المنافقون مرة أخرى، حاول بعض المنافقين اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم. اتفق منهم اثنا عشر رجلاً، تلثموا واقتربوا من النبي صلى الله عليه وسلم في موضع في طريق العودة، هذا الموضع كان ضيقاً وعلى مرتفع، وحاولوا أن يدفعوا ناقة النبي صلى الله عليه وسلم لتسقط.
فتنبه إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وبعث إليهم حذيفة، سيدنا حذيفة ليضرب وجوه رواحلهم يبعدهم عنه، ففروا واستطاع سيدنا حذيفة أن يصرفهم لأنهم كانوا ملثمين لم يعرفهم أحد. لكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر حذيفة بن اليمان بأسمائهم، ولذلك صار صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم. لذلك كان الخلفاء أبو بكر وعمر كانوا ينظرون إلى الجنازة، أصلى عليها حذيفة أم لا؟ لو صلى عليها حذيفة يصلون عليها ويطمئنون لأن هذا الميت مسلم، وإذا لم يصل عليها لا يصلون عليه.
الشاهد الذي نريد هنا التنبيه إليه أن المنافق يظهر الإسلام ويبطن الكفر، بلغ من خبثه ومكره، أو بلغ من هيمنة المجتمع الإيماني عليه، أنه يخرج في الجهاد ويجاهد، ويخرج في غزوة شديدة غزوة الشدة والعسر. يعني حتى مواطن الجهاد لا تخلو أحياناً من المنافقين، بل أشد مواطن الجهاد لا تخلو أحياناً من المنافقين، وهذا حقيقة من العجيب أن يسهل على المنافق أن يركب المشقات والتضحيات لكي يفسد عمل المؤمنين ويخذل ويثبط ويحاول أن يغتال قائدهم، وهذا يكون أسهل عليه من أن يتأمل ويجعل نفسه لله.
حتى في الزمن الذي انتصر فيه الإسلام وساد فيه الإسلام وارتفع به شأن، حتى المنافق نفسه ارتفع شأنه، رجل مجرد رجل في قبيلة عربية لم يكن أحد يسمع بها صار الآن جندياً في قوة صاعدة تكاد تكون قوة عظمى عالمية، يعني المنافق يصول عليه أن يدبر الاغتيال من نقلة هذه النقلة، رفعة من الرتبة الحقيرة إلى هذه المرتبة الرفيعة، وضحي في أن ضحي بكل هذا لكي يخرج وفي عسرة شديدة وفي جهاد مهلك لكي يغتال هذا القائد، ولا يسهل عليه أن يؤمن ويذعن فيكون له خير الدنيا والآخرة.
سبحان الله، نسأل الله تبارك وتعالى أن ينجينا وإياكم من خصال المنافقين. بقي في هذه السلسلة حلقتان نناقش فيهما أمران مهمان، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي