دخولتسجيل الدخول

غزوات النبي | 27. فتح الطائف.. العاصمة الثانية للعرب

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبا بكم أيها الأحباب في حلقة جديدة من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، نستعرض فيها غزوات النبي، ونرى فيها هديه وطريقته في القتال، ونتابع فيها رحلة صعود الإسلام من الضعف إلى القوة.

وقفنا في الحلقة الماضية عند واحدة من اللحظات العصيبة جدا التي مرت على المسلمين، وهو يعني هذا الكمين المحكم الذي نصبته قبيلة هوازن لجيش المسلمين في وادي حنين، وذكرنا أنه تشتت جيش المسلمين في هذا الوادي، وتوقع بعض الذين حضروا المعركة أنه لن تنتهي هزيمة المسلمين قبل البحر، يعني قبل البحر الأحمر، وقال بعضهم -كلد بن أبي ابن أمية أو بطل السحر اليوم-.

في هذا الموقف العصيب، دفع النبي صلى الله عليه وسلم زمام بغلته قبل الكفار، يعني تقدم قبل الكفار، ولم يكن معه إلا ثلة قليلة من أصحابه من المهاجرين والأنصار، بدأت باثني عشر رجلا، هؤلاء كانوا حوله، ثم سرعان ما بلغت الثمانين والمئة، وصار النبي صلى الله عليه وسلم ينادي: «هَلُمَّ إِلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمَّ إِلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ، أَنَا رَسُولُ اللهِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ»، يا آل المهاجرين، يا آل الأنصار. وفيها قال النبي قولته المشهورة: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ».

وكان يمسك زمام بغلة النبي صلى الله عليه وسلم العباس عمه، وكان جهوري الصوت، وكان أيضا ينادي: يا أهل الشجرة اللي هي شجرة بيعة الرضوان، الذين بايعوا النبي أن يقاتلوا وأن يموتوا ولا يفروا، يا أصحاب سورة البقرة، يعني يا حفظة القرآن، هلموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخبرنا ربنا تبارك وتعالى أنه أنزل سكينته على هذه الثلة من المؤمنين، كما في سورة التوبَة: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَفِرِينَ﴾ [التوبة: 25-26].

هذا المركز، هذا النداء المتكرر من النبي صلى الله عليه وسلم، صار يعني هذا النداء جعل هذه الثلة مركزا وجعل المسلمين يوبون إليه، يوبون إليه، يرجعون إليه، فمنها هنا كانت عودة المسلمين إلى نبيهم. سيدنا العباس يروي فيقول: فوالله لقد كانت عفتهم، عفتهم يعني رجعتهم، عفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولاده، يقولون: يا لبيك يا لبيك. طبعا يقول: هلم إلي يا أيها المؤمنون، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة. يقولون: يا لبيك يا لبيك. فجاءوا وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب، شهب، تعرفون منظر الشهب، حتى كان المسلم إذا لم تطاوعه دابته، الفرس أو البعير الذي هو عليه، نزل عنه وتركه وعاد، طبعا يعني يخبرك أن النفرة كانت شديدة.

فعندئذ يعني اشتد القتال وحمي الوطيس، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب فالقاها في وجوه الكفار وهو يقول: «شَاهَتِ الْوُجُوهُ». فما من أحد من هؤلاء إلا وعاد يشتكي عينيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ». سيدنا العباس يقول -طبعا هو شاهد عيان وأحد أهم رواة المعركة- يقول: والله ما هو إلا أن رماهم بحصيات فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا، يعني وقع فيهم الوهن.

وفيما بعد سئل أحدهم اسمه يزيد بن عامر، هذا كان قد شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم، فسئل عن الرعب الذي ألقاه الله في قلوبهم يوم حنين كيف كان؟ قال: فـ يعني يقول الراوي: فاخذ حصاة فرمى بها طستا -الطست طست الوعاء معدني- فطن، يعني الحصاه لما اصابت هذا الطست أو طن يعني أصدر صوتا رنينا، فقال يزيد بن عامر: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا الصوت.

فهذا هذا صنيع الله، كما قلنا، لا يلتقطه المؤرخون ولا يعرفه المؤلفون، لا يرويه إلا شهود العيان. فهذه الثلة التي كانت حول النبي صلى الله عليه وسلم كانت مركز المعركة، كانت قلب المعركة. والبراء بن عازب كان يقول: كنا إذا احمر الباس واشتد الوطيس نتقي به، يعني نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني الشجاع هو الذي يقارب النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخذ النبي في تحفيز صحابته على القتال، ولذلك قال لهم: «مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ» يعني ما الغنيمه التي يملكها. وكان أيضا من مواقف ذلك اليوم موقف أم سليم؛ هذه أم سليم اتخذت خنجرا وقالت: إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم من قولها، يعني الضحك هنا الضحك هنا دليل رضا، ليس دليل سخرية كما قد يقع في أوهام بعض الناس، طبعا الضحك في عصرنا هذا كثرت فيه السخرية فصار علامة على السخرية، ضحك النبي كان من الرضا. ثم قالت أم سليم: يا رسول الله، اقتلوا من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك، هي كمان أرادت أن تعاقب هؤلاء الذين خلخلوا صفوف المعركة من الطلقاء الذين أسلموا حديثا وخرجوا مع النبي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَفَى وَأَحْسَنَ».

طيب، ما إن اعتدل أمر المسلمين وتجمعوا حول نبيهم صلى الله عليه وسلم حتى انقلب ميزان المعركة، وطفق المسلمون يحصدون الكفار حتى انهزموا، وامر النبي صلى الله عليه وسلم بمطاردتهم، وكان هذا نصرا عزيزا. وهؤلاء المنهزمون من جيش هوازن تفرقوا إلى ثلاثة مناطق، أغلبهم انسحب إلى الطائف واعتصم بها، المدينة نفسها طبعا والطائف كانت حصنا منيعا فلذلك كانت أفضل منسحب، وبعضهم انسحب إلى منطقة أخرى تسمى نخله، وبعضهم انسحب إلى منطقة تسمى أوطاس.

فسار جيش المسلمين أولا إلى نخله وبددوا من فيها، والنبي صلى الله عليه وسلم ارسل فرقة بقيادة سيدنا أبو عامر الأشعري -وأبو عامر الأشعري هذا هو عم سيدنا أبو موسى الأشعري الصحابي المشهور- هذه الفرقة ذهبت إلى أوطاس وأيضا هزموهم وبددوهم وأخذوا غنائمهم، واستشهد رضي الله عنه في تفاصيل لا يتسع لها الآن المقام.

فهنا سواء خلال المعركة أو خلال المطاردة قتل المئات من هوازن، لكن الأكثر من عدد القتلى كانت الغنائم، لأنه الآن وقعت النكبة، نحن ذكرنا أن مالك بن عوف اصطحب معه النساء الأطفال وكانوا ستة آلاف، فضلا عن الأموال، والأموال يذكرون أنها بلغت أربعين ألف أوقية من الفضة، وأربعة وعشرين ألفا من الإبل، وأربعين ألفا من الشياه، وهذا بخلاف الخيل والحمير. فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بإبقاء هذه الغنائم في منطقة تسمى منطقة الجعرانة، وذهب على رأس الجيش إلى حصار الطائف المكان الذي انسحب إليه أغلب المنسحبين من المعركة.

هنا كان في الأسرى الشيماء؛ الشيماء هذه أخت النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، رضعت معه من حليمة السعدية، فأكرمها النبي صلى الله عليه وسلم. وبعدها قدمت عليه أمه من الرضاعة سيدة حليمة السعدية، فأكرمها وطوى لها بساطه وأجلسها عليه، وأسلمت حليمة والشيماء.

بدأ النبي في حصار الطائف؛ الطائف كانت حصنا منيعا ولم يكن لها منافذ سوى الأبواب، وهؤلاء أهل هوازن دخلوا عليها وأغلقوها على أنفسهم وحشدوا فيها ما استطاعوا من الأقوات، قيل في بعض الروايات أنهم حشدوا من الأقوات ما يكفيهم لسنة. المسلمون لم يكن أمامهم إلا أن يستخدموا سلاح الرمي، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ بَلَغَ بِسَهْمٍ فَلَهُ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ»، لكن لم تؤثر السهام كثيرا في هذا الموقع.

حاول النبي أن يفتت الجبهة الداخلية في الطائف، فلذلك نادى صار ينادي ويعلن: أيما عبد نزل فهو حر، محاولة لتثوير العبيد أو لتفكيك العبيد، فنزل إليه بالفعل مع الأيام ثلاثة وعشرين عبدا، وأعتق النبي صلى الله عليه وسلم، لكن أيضا هذا لم يؤثر كثيرا في أوضاع الطائف.

هنا حصل المسلمون على الدبابة؛ الدبابة، الدبابة دي، الدبابة هيكل خشبي مغطى بالجلود، هيكل خشبي قائم مغطى بالجلود، والمقاتلون يختبئون به ويزحفون خلفه إلى الأسوار لينقبوه، فهو لأنه هيكل خشبي ومغطى بالجلود فكانت لا تعمل فيه السهام، فهذا هو معنى الدبابة، ليس الدبابة المعاصرة التي نعرفها الآن، الدبابة القديمة هي الهيكل الخشبي هذا، يعني تعرفون حصان طرواده مثلا أو يعني نحو هذه الأشياء، وتجدونها أيضا في الأفلام القديمة أو في المسلسلات التاريخية، فهذا هو معنى الدبابة. فالسهام لم تكن تؤثر فيه، لكن رأوا أهل الطائف يلقون عليها قطع الحديد، قطع الحديد المحماة في النار، فهذا أدى إلى احتراقها، لذلك استمر حصار الطائف أكثر من أيام بضعة، بضعة يوما، والمسلمون تصيبهم سهام أهل الطائف لأنهم في الأعلى وهم لا يصيبون منهم إلا قليلا، واستشهد من المسلمين اثنا عشر رجلا، لكن لم يقتل من المشركين إلا ثلاثة.

النبي صلى الله عليه وسلم قدر أنه من الممكن فك الحصار، لأن أهل الطائف الآن في وضع المهزوم والمسلمون يحيطون بهم، وكذلك المسلمون لديهم ورقة أخرى وهي الغنائم السبي، الغنائم السبي الذي حازه بعد حنين، لأنها غنائم وسبي أهل الطائف، واحنا قلنا إنه تركها في منطقة الجعرانة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان أحب إليه أن يسلم أهل الطائف، لذلك يعني طرح النبي على صحابته فكره أن ينسحبوا من الطائف وقال لهم: «إِنِّي قَافِلٌ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ». فبعض الصحابه قالوا: نرجع ولم نفتحه؟ فكانهم أنكروا، يعني لم يعجبهم هذا الراي. فلما راهم النبي صلى الله عليه وسلم هكذا قال: «فَأَغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ غَدًا»، يعني إذا مش هننسحب. في هذا اليوم أصابتهم جراحات كثيرة، أصيبوا جدا، فعندئذ اقتنعوا برأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قال لهم في ليلتهم: «إِنِّي قَافِلٌ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، أعجبهم ذلك وسكتوا، وضحك النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا أيضا موقف فيه مشاوره النبي لأصحابه وحسن سياسته لنفوسهم.

المسلمون في ذلك الوقت كانوا يتميزون من الغضب ومن الغيظ على ثقيف وما أصابت به المسلمين في هذا الحصار الذي أخفق، فقالوا: يا رسول الله، أحرقتنا نبال ثقيف سهامهم، فادع الله عليهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا، اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا».

وساعة إذ عاد النبي إلى الجعرانة، اللي هو المكان الذي ترك فيه الغنائم، وبدا في تقسيم المال، لكنه ظل لا يقسم السبي والغنائم الأخرى، كان يأمل ويرجو أن يأتي أهل الطائف يطلبونها ولكنهم لم ياتوا، فبعد أيام أخرى قسم السبايا وبقية الغنائم. وهنا في قسمة الغنائم وقعت واحدة من أهم مواقف السيرة ومن أكثرها تأثيرا؛ النبي صلى الله عليه وسلم في قسمة الغنائم اغدق على أقوام كانوا ما زالوا حديثي عهد بالإسلام، يريد بذلك أن يتألف قلوبهم، يعني يحببهم في الإسلام، يزيدهم إقبالا على الإسلام، يزيدهم تمسكا بالإسلام وأن الإسلام جاءهم بما فيه مصالحهم أيضا.

وفي المقابل النبي لم يغدق مثل هذا ولا شيئا من هذا تقريبا على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فيعني كان هذا الموقف من أعجب ما يكون، النبي مثلا أعطى لصفوان بن أمية وهو ما كان لا يزال مشركا أعطاه ثلاثمائة من الأنعام، حتى صفوان قال، يعني وصف تأثير ذلك عليه فقال: والله لقد أعطاني رسول الله وانه لابغض الناس إلي، فما برح يعطيني ويعطي حتى إنه لأحب الناس إلي؛ طبيعة الإنسان الإنسان أسير الإحسان، طبيعة الإنسان.

وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سفيان وعيينة بن حصن الفزاري والأقرع بن حابس وهؤلاء يعني في جملة آخرين، أعطى كل واحد منهم مئة من الإبل، مئة من الإبل يعني لكي نتصور هذا مئة من الإبل يعني الإبل مثلا في ذلك الوقت كانت مثل السيارة، السيارة في وقتنا هذا، يعني لك أن تخيل أن رجلا يأخذ الآن مئة سيارة أو سعر مئة سيارة، فلذلك شاع في الناس من يقول: أيها الناس، اسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، كأنه ينفق من بحر. أيها الناس اسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.

طبعا هذا الموقف دفع بعض الناس، بعض المنافقين إلى أن تكلم بالسوء، جاء أحدهم يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما اريد بها وجه الله. فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «فَمَنْ يَعْدِلْ إِذْ لَمْ يَعْدِلْ رَسُولُ اللَّهِ؟». وقال: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ». والنبي صلى الله عليه وسلم شرح لصحابته دوافع هذا فقال: «إِنِّي أُعْطِي أَقْوَامًا أَخَافُ هَلَعَ وَجَزَعَ» -قوم ما زال إسلامهم ما زال على شفا جرف هار مثلا- فقال: «إِنِّي أُعْطِي أَقْوَامًا أَخَافُ هَلَعَ وَجَزَعَ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالْغِنَى» معتمد على ما جعل الله، يعني معتمد على أهل الإيمان.

بعض الأنصار أيضا تاثر بهذه القسمة لأنه راى، يعني شاهدوا كيف أعطى النبي أقواما لم يسلموا إلا قبل أيام هذا العطاء الكثير، فكان في أنفسهم شيء، لكن الإيمان منعهم أن يقولوا سوءا أو أن يظنوا بالنبي سوءا، فلذلك الروايات تقول إنه تكلم بعض شباب الأنصار أو بعض أحداث السن من الأنصار، لكن لم يكن هذا قول كبارهم، هذه الرواية في البخاري.

فما الذي قاله هؤلاء النفر من الأنصار؟ قالوا: يغفر الله لرسول الله! يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمهم. فذهب سعد بن عبادة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشرح للنبي هذا، وأن بعض يعني الشباب من الأنصار وبعض حدثاء الأسنان قالوا مثل هذه المقالة. وطبعا هذا أيضا نقل سعد للنبي صلى الله عليه وسلم هذا هو من حقيقة الحب للنبي ومن شدة التعلق بالنبي، حقيقة الحب تمنع تمنع المحب أن ينطوي على ما يكره بل يصارح.

ويعاتب. أنا ذكرت أن الروايات الصحيحة في البخاري ومسلم -أريد أن أؤكد على هذا- تصرح بأن هذا الموقف كان موقف بعض الأنصار من الشباب والصغار، لكن رؤساؤهم ذو الرأي فيهم لم يقولوا من ذلك شيئاً. لكن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سعداً بأن يجمع له الأنصار وخطب فيهم هذه الخطبة. اسمعوا معي وتأملوا في هذه الخطبة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الأنصار، ما حديث بلغني عنكم؟».

فقال له فقهاء الأنصار، كبار الأنصار: أما ذو رأينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئاً، وأما أناس منا حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله لرسوله؛ يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألم أتحكم ضلالاً فهداكم الله، وعالة -يعني فقراء- فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟». النبي الآن يذكر فضل الإسلام وفضل النبي على الأنصار، فقالوا: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟» يعني ألا تردون علي؟ فقالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ كلامك حق، لله ورسوله المن والفضل. فعلاً، احنا كنا عالة وكنا أعداء وكنا ضلالاً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم: ستأتينا مكذوباً فصدقك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فأويناك، وعائلاً فأغنيناك». الأنصاف أن ينصف المرء من نفسه. شوف النبي نطق عنهم، هم قالوا: لو أنكم قلتم لي: جئتنا طريداً فأويناك، وعائلاً فآويناك، ومكذوباً فصدقك، ومخذولاً فنصرناك؛ لصدقتم وصدقتم، يعني لو كنتم قلتم هذا لكنتم صادقين ولا صدقتكم أنا عليه.

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم» يعني دخلكم شيء في نفوسكم؟ «أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً لم يسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟» يعني اعتمدت على إسلامكم. «ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟». شوف، شوف النبي يجعل نفسه في أي موقف، ويضع نفسه في أي مقارنة صلى الله على محمد! يقولون: يقول لهم: «ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله في رحالكم؟ فوالذي نفسي بيده، لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار».

فلما سمع القوم هذا، بكوا حتى أخضل لحاهم. في رواية أخرى يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أعيط رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم». وفي رواية أن قريشاً حديث عهد بجاهلية ومصيبة، واني أردت أن أجبرهم. وأتألم.

طبعاً، طبعاً في هذه القصة يا أحباب من العبر والفوائد والعظات ما يستحق التوقف عنده طويلاً طويلاً طويلاً؛ يعني فيها أدب الأنصار وحياؤهم، وفيها إنصاف النبي واعترافه بالجميل، وفيها حكمة النبي في سياسة النفوس في معالجة ما يطرا عليها من الشبهات، وفيها حسن استعمال العاطفة، وفيها وفاء النبي للأنصار وأنه يختارهم على غيرهم، وفيها إيمان الأنصار وزهد الأنصار في الدنيا ورضاهم برسول الله وتضحياتهم الدائمة في سبيل الله، وفيها أمور أخرى أيضاً تستحق أن يتوقف عندها وأن يكون لها حلقات وحلقات.

طيب، الآن لما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من توزيع الغنائم، جاءت هوازن. سبحان الله، وما أسوأ عاقبة التأخر يا جماعة الخير! ما أسوأ عاقبة التأخر! يعني النبي صلى الله عليه وسلم انتظرهم بضعة عشر يوماً لم يرد أن يقسم الغنائم رجاء أن ياتوا فيأخذوها قبل أن تقسم فلم ياتوا، فلما قسمها النبي جاؤوا. ولذلك حتى النبي يقول: «ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء». هم طبعاً جاؤوا فقالوا: يا محمد، إنا أصل وعشيرة. طبعاً الآن افتكروا القرابة كاهل مكة لما قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. قالوا: يا محمد، إنا أصل وعشيرة، فمن علينا من الله عليك، وقد نزل بنا من البلاء ما لا يخفى عليك.

فقال: «اختاروا بين نسائكم وأبنائكم وبين أموالكم»؛ الغنائم قسمت الآن لن نستطيع أن نرد كل شيء، فالنساء والابناء في جانب والأموال في جانب. فقالوا: اختاروا نساءنا وأبناءنا، الأموال مش مهمة. فقال النبي: «ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم». تمام، يعني النبي سيتنازل وسيرد ما أخذه، ما كان في نصيبه وما كان لبني عبد المطلب. فإذا صليت الظهر فقولوا: إنا نستشفع برسول الله على المؤمنين، ونستشفع على رسول الله في نسائنا وأبنائنا.

فقالوا ذلك بعد صلاة الظهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أمام الناس: «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم». فسمع المهاجرون فقالوا: وما كان لنا فهو لرسول الله، يعني أيضاً نتنازل عنه كما تنازل رسول الله. وقالت الأنصار كذلك. الذين اعترضوا هم هؤلاء المؤلفة قلوبهم اللي هم مثل عيينة بن حصن والأقرع بن حابس وهذه المجموعة التي ذكرنا أن النبي جزل لها في العطاء، فالنبي عرض عليهم أن يردوا النساء الأموال ويعطيهم النبي المقابل عن ذلك في أول غنائم قادمة إن شاء الله.

طبعاً هؤلاء الذين جاؤوا لم يكونوا كل أهل الطائف أو لم يكونوا ثقيف، لكن كانت قبائل منهم. هؤلاء أسلموا واستعادوا ما فقدوه من السبي، فكان من حكمه النبي وسياسته أن سالهم عن زعيمهم مالك بن عوف، فأخبروه أنه ما زال بالطائف. وعدهم النبي أنه إذا جاء مسلما قبل منه وأكرمه ورد عليه أمواله وكافأه أيضاً بمائة من الإبل. وبالفعل جاء مالك بن عوف فاسلم ودخل الإسلام وصار جندياً من جنود الإسلام، وتولى هو بنفسه قتال من بقي في الطائف على كفره.

وممن أسلموا أيضاً عروة بن مسعود الثقفي، وهذا كان زعيماً محبوباً في الطائف، وذكرنا أنه كان سفيراً بين قريش وبين النبي في الحديبية. وهذا لما عاد إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، هذا لم يقبلوا منه، ضربوه وسبوه فقتلوه فكان بذلك شهيداً.

لما انهارت هوازن وحصل الانقسام في الطائف، نستطيع أن نقول تفككت جبهة الكفر وصار المشركون الذين هم في الطائف محاصرين بالمسلمين من كل القبائل، ولذلك أقبلت القبائل تدخل في الإسلام بعد فتح مكة والطائف. فأرسلت ثقيف وفداً يعلن إسلامهم في رمضان من العام التاسع للهجرة، يعني تاخر دخول ثقيف في الإسلام عاماً بعد الفتح. ما هي المهمة القادمة بعد انهيار جبهة الكفر؟ نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.