بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، مرحبا بكم أيها الأحباب في حلقة جديدة من سلسلة حلقات غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، والتي نستعرض فيها غزوات النبي، ونتعرف على هديه وطريقته في الحرب، ونتابع فيها رحلة صعود الإسلام من الضعف إلى القوة والتمكين. وصلنا في الحلقة الماضية إلى الحديث عن فتح مكة، وجُلنا الحديث عن القائمة السوداء؛ هؤلاء الذين أعلن النبي أسماءهم وقال عنهم: يقتلون ولو تعلقوا بأستار الكعبة. نقف الآن معهم؛ جمع العلماء أسماء هذه القائمة من الروايات المختلفة، وهناك بعض أسماء اختلفت فيها الروايات، لكن أبرز هذه الأسماء هي الأسماء التي سنذكرها الآن، لكن لكي نفهم هذه القائمة يمكن أن نقسمهم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: رموز النظام القديم، القسم الثاني: هؤلاء ارتكبوا جرائم بعينها؛ جرائم مخزية كبيرة بمصطلحنا المعاصر: جرائم حرب، جرائم ضد الإنسانية، جرائم فيها تجاوز حتى للأخلاق، والقسم الثالث: هؤلاء أكابر الإعلاميين المتخصصين في هجاء النبي صلى الله عليه وسلم، المتخصصين في التحريض عليه، فهؤلاء كانوا من الشعراء والمغنيين. هؤلاء جميعاً -التي وصلت بهم بعض الروايات إلى ستة عشر- هؤلاء جميعاً قُتل منهم أربعة فقط، والباقي استُؤنف عنهم، وطبعا هذا عفو هو عفو من موضع التمكن، موقع قدرة، موقع قوة، هذا مهم، العفو لا يطلق إلا بعد القدرة وليس عفوا مع العجز، لا يُسمى عفواً إذا كان عن عجز.
الآن نأخذ القسم الأول، وهو أكابر النظام القديم، طبعا هذا أمر مفهوم طبيعي، لأنه لا يمكن أن يستقر أي نظام دون القضاء على أهم مراكز قوة النظام القديم، وإلا فإن النظام القديم يتجدد ويُفشل هذا التغيير، ونحن الآن أيضا في عصر خارجون من تجارب ثورات، والثورات قد أخفقت وأخفقت بسبب مراكز القوة هذه، يسمونها الآن الدولة العميقة؛ فيعني نحن رأينا بأنفسنا وبغيوبنا -ونحن كنا شهود عيان، بل كنا ضحايا- كيف أنه إذا لم تقضِ الثورة على النظام القديم فهذه المراكز، مراكز القوى هذه، الدولة العميقة، تقضي هي على الثورة. من أهم هؤلاء المراكز في قريش: صفوان بن أمية، هذا ابن أمية بن خلف، وهذا رجل ورث الثأر لأبيه وعمه وأخيه؛ لأن أباه أمية بن خلف وأخاه علي بن أمية ماتوا في بدر، وعمه أبي بن خلف قتل في غزوة أحد، وكان رجلا غنيا صاحب أموال عريضة ثرية، رجل أعمال بمصطلحنا المعاصر، وهذه الأموال لطالما مولت غزوات قريش، وهو نفسه كان قد حرض صاحبه عمير بن وهب الجمحي على اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، وحرض أبا عزه الشاعر على الخروج في جيش الكفار في أحد، مع أن النبي عفا عنه في بدر بعهد ألا يهجوه مرة أخرى، ولكنه خرج بتحريض صفوان بن أمية، وصفوان بن أمية ذكرنا أنه أمد قبيلة بني بكر بالسلاح حينما غدروا بخزاعة فيمن تصدى لجيش النبي في يوم الفتح أمام مجموعة خالد بن الوليد، وكانت له طبعا أمور أخرى، لكن صفوان لم يُقتل. جاء صديقه القديم عمير بن وهب الجمحي الذي حاول اغتيال النبي، وأخبره النبي بالتخطيط الذي دُبِّر، فأسلم عمير وآمن وحسن إسلامه بعد أن كان يُسمى شيطان قريش، فهذا كان صديقا حميما لصفوان، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم واستأمن لصفوان، فقبل النبي وعفا عنه ولم يُقتل.
رقم اثنين من مجموعة مراكز القوة: عكرمة بن أبي جهل، وريث بني مخزوم، أحد أهم أركان نظام قريش، وكان أيضا فيمن تجمع لصد جيش المسلمين يوم الفتح، وعكرمة لما هُزم استطاع أن يهرب من مكة ولم يأمن على نفسه في أي مكان في الجزيرة العربية، خلاص، هو أدرك تغير موازين القوة، فلذلك ركب البحر، بينما هو في عرض البحر أصابتهم عاصفة، فقال أصحاب السفينة للناس: اخلصوا في الدعاء، فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً ها هنا في البحر. أنتم ترفعون قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 67]؛ عند الأزمات وعند المحن تختفي الأصنام، فكان عكرمة استيقظ في هذه اللحظة وقال لنفسه: والله لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص فلن ينجيني في البر غيره، اللهم إن لك علي عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمداً حتى أضع يدي في يده، ولا أجدنه عفواً كريماً. وبالفعل نجا وجاء واسلم، استأمنت له قبل أن يأتي زوجته أم حكيم، وروي أيضا بغير هذه الرواية، لكن الخلاصه أنه استأمنت له زوجته أم حكيم وأسلم.
ومن أيضاً من مراكز النظام القديم الموجودين في القائمة السوداء: الحارث بن هشام بن المغيرة، هذا أخو أبي جهل -أبو جهل هو عمرو بن هشام بن المغيرة- هذا الحارث بن هشام بن المغيرة أخو أبي جهل، وكذلك زهير بن أبي أمية المخزومي، وهذان كانا أيضا من أركان نظام قريش من بني مخزوم قبيلة أبي جهل، وكانوا ممن حاولوا التصدي لجيش المسلمين في يوم الفتح. هؤلاء أجارتْهما أم هانئ بنت أبي طالب، وهي بنت عم النبي وهي أخت علي رضي الله عنه؛ لأن أم هانئ كانت متزوجة من بني مخزوم، فهؤلاء التجأ إليها، وأراد علي رضي الله عنه أن يقتلهما، لكنها أجارتْهما ومنعتهما من ذلك، منعت أخاها عليا من ذلك، وجاءت للنبي صلى الله عليه وسلم وقالت له: إنِّي قد أجرْتُهما، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجرْنا من أجرْتِ يا أم هانئ. إذن عُفي عنهما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية، فهما من بني مخزوم، هكذا أشهر الأسماء في القسم الأول، وهم أركان النظام القديم.
القسم الثاني: هؤلاء الذين ارتكبوا جرائم مخزية، أو كما قلنا جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية؛ أيضاً من طبائع الحكم والدول والسياسة أن بعض المجرمين أو بعض الجرائم يكون لها تأثير خاص، يقال حتى في اللهجة المعاصرة: جرائم لا تسقط بالتقادم، فأيضاً ليس من الغريب أن يُهدر النبي صلى الله عليه وسلم دم هؤلاء. من هؤلاء؟
الأول: عبد الله بن سعد بن أبي السرح، هذا ماذا كانت جريمته؟ هذا جريمته أنه أسلم، وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يكتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم ارتَدّ وعاد إلى قريش، وزعم أنه كان يكتب الوحي من نفسه، الخلاصة أنه كان يكتب شيئاً واستغل مثلاً جهل النبي باللغة، فكان من نفسه يكتب -وطبعا يقول: كنت أكتب ولا يفطن لها محمد-. طبعا هذه جريمة خطيرة تتعلق بأصل الإسلام وتطعن في القرآن، بل تطعن كذلك في النبي صلى الله عليه وسلم في أنه يعني يغفل عما يوحى إليه وأن من يكتب له يملك أن يغير هذا الذي أوحي إليه. لكن عبد الله هذا كان أخا لسدنا عثمان بن عفان من الرضاعة، فلذلك احتمى بهذه الصلة فاختبأ لدى عثمان رضي الله عنه، فلما جاء وقت البيعة -وهو بيعة أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم- جاء به عثمان حتى وقف به عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، بايِعْ عبد الله. فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليه، فكرر عثمان طلبه، فلم يرد عليه، كرر في الثالثة فاستجاب له النبي صلى الله عليه وسلم، فبايعه ومضى، وبذلك صار آمناً وأسقط عنه الطلب. هذا هو الذي قال النبي فيه لصحابته -النبي بعدما مضى قال لصحابته-: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث راني كففتُ يدي عن بيعته فيقتله؟ فقالوا: يا رسول الله، وما يدرينا بما في نفسك؟ هلا أوماتَ إلينا بعينك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين. ومن عجيب تدبير الله سبحانه وتعالى أن عبد الله بن سعد بن أبي السرح هذا أسلم فعلا وحسن إسلامه، وكان واليا وكان فاتحا، ومات وهو يصلي صلاة الصبح، ولا يعلم الغيب إلا الله، شوف انتقل من رجل مطلوب إلى هذه الخاتمة الحسنة.
ومن أيضاً الذين ارتكبوا جرائم: رجل اسمه مقيس بن صُبابة. ما قصة هذا الرجل؟ هذا الرجل مقيس هذا له أخ أسلم، أخوه اسمه هشام بن صبابة، أسلم وهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل مع النبي إلى المدينة، لكن في أثناء دخوله مع النبي صلى الله عليه وسلم -النبي كان خارجا في غزوة وهذا هشام أسلم- فعاد النبي ومعه هشام، فهناك أنصاري رآه ولم يكن يدري أنه أسلم، فظنه متسللا، وهذا الوقت كان وقت حرب، فقتله لأنه لم يكن يعرف أنه أسلم. فجاء أخوه مقيس هذا وطالب النبي بدمه، أن هذا الرجل أسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم دفع له الدية، تمام، فأخذها وأسلم وبقي في المدينة مع المسلمين -مقيس أسلم وأخذ الدية وبقي مع المسلمين- لكن مقيسا هذا راى غُرّة من الأنصاري، الأنصاري القاتل، فقتله وارتد إلى المشركين، فهذا الذي فعله مقيس بن صبابة، وهذا الرجل مقيس قُتل في سوق مكة، وجده المسلمون في سوق مكة وقتلوه.
وقُتل منهم أيضا عبد الله بن خطل -أو عبد العزة بن خطل-. هذا الرجل قَدِم إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وأسلم، فصار اسمه انتقل اسمه صار عبد الله بعد أن كان اسمه عبد العزة، وأرسله النبي صلى الله عليه وسلم بأموال صدقة ليوزعها على المحتاجين في القبائل التابعة للمسلمين، فكان هو وكان معه في هذه المهمة أنصاري ومعهما خادم، فهو عبد الله هذا -أو عبد العزة هذا- أمر الخادم أن يصنع طعاما ونام، ولما استيقظ رى أن هذا الخادم لم يصنع الطعام، فغضب فقتله وارتد وأخذ أموال الصدقة وذهب إلى قريش، ومن هناك في قريش اتخذ جاريتين مغنيتين -نستطيع أن نقول بالمصطلح المعاصر: أنشأ قناتين فضائيتين جعلهما تغنيان في هجاء النبي صلى الله عليه وسلم وفي التحريض عليه-. عبد الله بن خطل هذا تعلق بأستار الكعبة مستجيرا، وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال النبي: اقتله. فقتل تماما لهذه الجريمة؛ الارتداد والقتل وأخذ الأموال والتحريض على النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن هؤلاء الذين أجرموا: رجل اسمه هبار بن الأسود، وهذا رجل اعتدى على السيدة زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم حتى كانت حُبلى فألقت حملها، وظلت متاثمة بهذا الوجع حتى ماتت، وماتت قبل فتح مكة بشهور، وقصتها قصة غادرة؛ لأن السيدة زينب كانت خارجة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فظل ينخس الناقة حتى أسقطها من فوق الناقة، فسقطت ووقعت وألقت حملها. فهذا الرجل اختفى في مكة، ظل مختبئا حتى جاء النبي في المدينة بعد أن عاد من فتح مكة، فأسلم واستأمن النبي صلى الله عليه وسلم، فقبل النبي منه وعفا عنه.
آخر كانت له جريمة مشابهة، لكن مع ابنتي النبي رقية وأم كلثوم، هذا اسمه الحويرث بن نقيذ، هذا الرجل أيضا ظل يحاول أن ينخس ويدفع البعير الذي كان تركبه ابنتا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أسقطهما من عليه، ولكنه قُتِل هذا الحويرث بن نقيذ. يبقى هذا القسم الأول كان في صفوان وعكرمة وزهير بن أبي أمية والحارث بن هشام، القسم الثاني كما ذكرنا عبد الله بن خطل وسعد بن عبد الله بن سعد بن أبي السرح والحارث بن نقيذ وغيرهما.
القسم الثالث هو قسم الإعلاميين. طبعا المفترض أنه نحن المفترض أنه لا يعرف خطورة الإعلام جيل مثل جيلنا؛ نحن لأننا رأينا فعلا في حياتنا كيف يستطيع الإعلام تمزيق أوثق العرى وامتن الروابط؛ الإعلام استطاع في حياتنا هذه في هذه السنوات العشر الماضية، خمس عشرة الماضية، أن يقلب الأب على ابنه، ويقلب الابن على أبيه، ويقلب الزوجة على زوجها، والاعلام رايناه كيف يحرض على سفك الدم، وكيف الإعلام هذا أنتج جيلا من العسكريين ومن القضاه بل حتى من عموم الناس كانوا يقتلون ويحكمون بالقتل ويعذبون، نحن أكثر الناس الآن فهما لخطورة الإعلام. قريش كانت تستعين بالجواري، الجواري كُنَّ ينشدن الأشعار في مجالس السمر ومجالس الطرب، فلذلك كانت مجالسهم التي تعتبر الآن بمثابة قنوات فضائية كانت تحفل مجالسهم بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم وبتحريض عليه وبتحريض على المسلمين، فلذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل أبرز هؤلاء الشعراء والمغنيات. هؤلاء منهن الجاريتان، منهم الجاريتان اللتان اتخذهما عبد العزه بن خطل -ذكرناه قبل قليل- اللتان كانتا تغنيان الأشعار في هجاء النبي صلى الله عليه وسلم، واحدة منهما اسمها فرتنى، هذه استُؤنف عنها النبي صلى الله عليه وسلم، والأخرى اسمها قريبة، هذه قُتلت. ومثلهما أيضا شاعرة مغنية اسمها سارة، هذه كانت مولاة لبني عبد المطلب، وهذه أسلمت ثم ارتدت وعادت إلى قريش وكانت تغني بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم وتحرض عليه، وأيضا هذه استُؤنف النبي صلى الله عليه وسلم عنها. بعض العلماء وبعض أصحاب السير رووا أنه أيضا كانت هند بنت عتبة في هذا القسم الثالث، وبعض الناس أضاف أيضا في هذا القسم كعب بن زهير بن أبي سلمى.
سلم الشاعر المشهور الذي هو فيما بعد أسلم، وعفا عنه النبي وأنشد البردة التي مطلعها المشهور طبعا البردة المشهورة، التي غاب عني مطلعها الآن، وفيها يقول: إن بئت أن رسول الله أوعدني، والوعد عند رسول الله مأمول. بانت سعاد مطلعها، بانت سعاد فقلبي اليوم متبول، متيم إثرها لم يفدى مكبول.
فهذا أيضا ذكر بعض العلماء أنه كان في هؤلاء ولكن عفا النبي صلى الله عليه وسلم عنهما. المهم، ماذا نتعلم من فكرة هذه القائمة؟ نتعلم أنه أي تغيير يجب أن يكون قويا وحاسما. اللين في موضع الشدة، اللين في موضع الشدة ضعف، مثلما أن الشدة في موضع اللين عنف.
أتعرفون قول المتنبي: ووضع السيف في موضع الندى بالعلي مضر، كوضع السيف في موضع الندى. فلا بد من إنهاء المخاطر التي تهدد الفتح؛ يعني العقوبة في حق المجرمين واجبة إيقاعها هو أول الأمور، إلا أن يقدر الأمير المسلم أن يعفو، يعفو وهو في موضع القوة، موضع التمكن، موضع القدرة، وأن يكون هذا مرهونا ومضمونا بانتهاء خطر هذا العدو، يعني ساعةئذ يمكن أن يأتي العفو. لكن الخطوة الأولى أنه لا يوجد تغيير في عالم السياسة تغيير لين يا جماعة، لا يوجد تغيير لين في عالم السياسة، دائما التغيير لابد أن يكون قويا وحاسما.
طيب، الآن نستكمل الغزوات بعد فتح مكة، بس كان كنا نحتاج أن نتوقف هذه الوقفة مع هذه القائمة السوداء؛ لأنها كانت أيضا موضع شبهات وموضع أسئلة. احنا ذكرنا أن لواء الشرك وزعامة الكفر انتقل بعد مكة إلى الطائف، التي هي العاصمة الثانية للعرب. وبالفعل الجماعة لم يقصروا؛ بعد سقوط عاصمة العرب الأولى ومحط الأصنام، احتشد رجالهم، الطائف يعني مكة كان فيها قبيلة قريش، الطائف كان فيها قبيلة هوازن.
وفي الجملة منهم ثقيف، ثقيف هي فرع من هوازن، وهؤلاء هم أهل الطائف، فهؤلاء احتشدوا ومعهم أحلاف تحت قيادة زعيمهم الشاب، كان في ذلك الوقت شابا، كان اسمه مالك بن عوف النصري. وبالفعل صاروا لحرب النبي صلى الله عليه وسلم، ولكي يزيد مالك هذا من التحفيز والتحريض اصطحب معه النساء والأبناء مع الجيش، لكي يكون ذلك أقوى في تصلب الرجال وفي استنهاض بسالتهم وفي مدافعته عن الحريم وعن النساء وعن الأبناء.
طبعا كان معهم شيخهم الكبير الشاعر المشهور دريد بن الصمة، قال له: ما تفعل، ما هذا؟ كان شيخا كبيرا قد عمي سمع أصوات النساء. قال: ما هذا؟ قالوا: أخرج مالك النساء والصبيان. قال: إن المنهزم لا يرده شيء، لما تقع الهزيمة الناس بتسيب أولادها ونساها، ده اللي بيحصل، فيقول: المنهزم لا يرده شيء، لا ينفعك الأجل برمحه وسيفه. لكن بالنهاية لم يسمع مالك لهذا، فأكبر ورفض وهو الآن في زعامته رفض مشورة دريد بن الصمة، فمضى على ما يريد وتبعه قومه، وفيهم قال دريد البيت المشهور: أمرتهم أمري بمنعرج اللوى، فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد. وهذه من الأبيات المشهورة، وحتى من الأبيات الصادقة في علم الاجتماع؛ أن الإنسان إذا أشار بالحكمة وعصي، فانه يتبع الرأي غير الحكيم، يقول: أمرتهم أمري بمنعرج اللوى، فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد. فلما عصوني كنت منهم، تبعتهم، برغم فلما عصوني كنت منهم، وقد أرى غوايتهم أو أنني غير مهتدي. وهل أنا إلا من غية إن غوت غويت، وإن ترشد غية أرشد.
عوف بن مالك كان يستند أو كان يعتمد أن المسلمين لم يقاتلوا قبله جيشا بهذا العدد الكبير؛ لأنهم كانوا عشرين ألفا، وهو كان يرى أن هذا العدد كافي لدحر المسلمين. لما وصلت الأنباء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ارسل عينا لاستطلاع الأخبار، هذا الرجل ذهب واختلط بالقوم وعاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج النبي من مكة في شوال من العام الثامن للهجرة، وبعضهم قال: خرج في آخر أيام رمضان، يعني لم تمض عشرة أيام على فتح مكة، واستعار بعض الأسلحة من رجل الأعمال القرشي الكبير صفوان بن أمية.
وصل جيش النبي إلى حنين، حنين هذا وادي قريب من الطائف، يعني على بعد أكثر من عشر أميال من مكه، وجيش المسلمين كان اثني عشر ألفا، هم كانوا قوام جيش الفتح وألفين من الذين أسلموا بعد فتح مكة وانضموا إلى الجيش، وهؤلاء الذين أسلموا بعد فتح مكة سموا الطلقاء، هؤلاء مضى على إسلامهم أيام فقط، لكن عدد جيش هوازن كان عشرين ألفا، لكن هذا الجيش الإسلامي أيضا هو أكبر الجيوش التي خرجت في ذلك الوقت؛ لأنه صار اثني عشر ألفا.
جاءت الأخبار إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأنه هوازن خرجت كلها، فتبسم قائلا: «تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله». طبعا أجواء النصر، أجواء الفتح، كثرة العدد، هذا جعل في بعض نفوس المسلمين شيئا من الزهو، قال بعضهم: لن نغلب اليوم عن قلة، احنا اثنا عشر ألفا. فكرة النبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا، فصار يدعو لكي يعلمهم ويقول: «اللهم بك أحاول، وبك أصول، وبك أقاتل». وحكى لهم النبي صلى الله عليه وسلم قصة نبي أعجبته كثرة قومه فسلط الله عليهم الموت، يريد أن يخفض ما عندهم من الزهو.
الجيش الإسلامي بدأ يسير في وادي حنين، هذا وادي منحدر، لكن الجيش في سيره لم يشعر بالكمائن التي نصبها العدو على هذا الوادي. هوازن سبقت إلى هذا الوادي، أخذوا كمائن في الشعاب وفي الفجاج وفي المضايق، بعض المناطق في أعلى الجبلين الذي يمر الوادي بينهم، فما أن دخل المسلمون وانحدروا في الوادي حتى خرجت عليهم كمائن العدو من هذه الشعاب والمضايق، وصاروا يلقون عليهم من الجبال بالحجارة، وشدوا عليهم شدة رجل واحد، وقبيلة هوازن هذه كانت معروفة بأنها من الرماه، متميزين في الرمي، قناصه بالمصطلح المعاصر، فلذلك قيل فيهم: لا تسقط لهم سهام، فكانوا يرمونهم لا يكادون يخطئون.
ساعد على وقوع المسلمين في هذا الفخ أن فرقة من هوازن واجهت المسلمين الذين كان خالد بن الوليد في مقدمتهم على قيادة الفرسان، فانهزمت أمامه وتركت بعض الغنائم، فهذا هنا ظن المسلمون أن هوازن انسحبوا، فأسرعوا في الدخول في مرور الجيش في الوادي وغلوا فيه، يعني طبعا يبدو من قراءة وصف المعركة أن الفرسان انفصلوا متقدمين عن المشاة، السحب إلى الكمين أدى إلى انفصال الفرسان عن المشاة، الفرسان كانوا يطاردون الفرقة التي هزمت وانسحبت، وهذا ما جعل المشاة كأسرى وجعلهم كاللحم السائغ في الوادي وتنهال عليهم السهام والحجارة.
طبعا كانت مفاجأة صاعقة للمسلمين، اضطربت صفوفهم، بعض المسلمين انهزموا وسارعوا منسحبين، زاد من اضطراب صفوفهم هؤلاء الطلقاء الذين هم حديثو الإسلام، عمرهم في الإسلام أيام. من شدة المفاجأة والارتباك وكثرة المنسحبين تصور بعض الذين شهدوا المعركة أن هذه هزيمة ساحقة للمسلمين، حتى كلدة بن أمية، اللي هو أخو صفوان بن أمية، قال: ألا بطل السحر اليوم، يعني سحر المسلمين انتهى وخلاص هزموا وانتهى الأمر. وأخوه صفوان بن أمية تحركت فيه النزعة القرشية فقال له: اسكت، اسكت، فوالله لأن يربني رجل من قريش خير من أن يربني رجل من هوازن. أبو سفيان نفسه قال: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر.
كيف تصرف المسلمون مع هذه المفاجأة؟ هذا ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي