دخولتسجيل الدخول

غزوات النبي | 25. ثمرات فتح مكة

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، مرحبا بكم أيها الأحباب في حلقة جديدة من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، وهي الحلقات التي نستعرض فيها غزوات النبي، ونرى فيها طريقته وهديه في الحرب، ونتابع فيها رحلة صعود الإسلام من الضعف إلى القوة والتمكين والسيادة.

وقفنا في الحلقة الماضية عند الحرب النفسية والإعلامية الناجحة التي دفعت أبا سفيان إلى أن يسلم ويدخل في الإسلام ويستسلم، وبذلك ذهب عائدا إلى قومه في مكة يرغبهم في الاستسلام ويخوفهم من التصدي لجيش النبي صلى الله عليه وسلم، وفعل ذلك كله في نفوس أهل مكة فأسرعوا إلى دخول بيوتهم أو إلى الاعتصام بالبيت الحرام. لكن جماعة من قريش لم يعجبها هذا، وحملتهم العصبية الجاهلية والحمية الجاهلية على أن يتجمعوا لمقاتلة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي في الحقيقة محاولة لا فائدة منها.

النبي صلى الله عليه وسلم أرسل كتائب جيشه لتدخل مكة من سائر جهاتها على هذا النحو الذي ترونه الآن في الخريطة الظاهرة أمامكم، وبالتالي فلم تكن هناك مقاومة من أي أحد في كل هذه الجهات، إلا في الجهة التي تسمى جهة الخندق التي يقودها سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه، ووصل إلى النبي أن بعض هؤلاء القرشيين تجمعوا للتصدي، فأمر خالدا أن يحصدهم حصدا، فلم يكن إلا مناوشة خفيفة قتل فيها اثنا عشر رجلا منهم، وسرعان ما أسرع الباقون إلى الفرار. ومضى بذلك قرار النبي صلى الله عليه وسلم: من أغلق عليه داره فهو آمن، ومن دخل البيت الحرام فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.

هذا القرار يا أحباب هو ما نسميه بلهجتنا المعاصرة ومصطلحنا المعاصر قرار حظر تجول. قرار حظر التجول هذا قرار يحتاجه كل نظام جديد، كل نظام جديد لم يستقر أمره بعد يحتاج أن يفرض حظر تجول، لذلك ستسمعه دائما بعد نجاح ثورة أو بعد انقلاب عسكري أو بعد احتلال، فوجود الناس في الشوارع مثير للقلق، مثير للتوتر، محفز على المقاومة، فقرار حظر التجول بالنسبة للنظام الجديد هذا هو الأوضاع حتى يستتب وضعه، وإلا كان البديل هو الدخول في مواجهات. إذا كان الشعب أو كان المغلوب متقبلا لهذا الوضع فأفضل الأوضاع أن يستسلم لكي لا تسيل الدماء، لكن إن كان الشعب أو إن كان الطرف المغلوب عازما على المقاومة غير مستسلم للوضع الجديد، فلا بد له من مقاومة حظر التجول ومن كسر حظر التجول وأنزل أكبر عدد من الناس إلى الشوارع، لأنه هذا هو الذي يعرقل انتظام الوضع الجديد ويعرقل استتباب الأمر للنظام الجديد، وهذا طبعا نحن الآن نعيش في زمن من الثورات ومحاولات الانقلاب الناجحة والفاشلة فمسألة قرار حظر التجول أتصور أنها تكون واضحة لمن يسمعنا الآن، سواء ما حصل في مصر أو في تركيا أو في غيرها من البلاد.

قبل أن يدخل جيش النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، كان حامل لواء الأنصار في هذا الجيش سيدنا سعد بن عبادة، وهو زعيم الخزرج، وقال سعد بن عبادة: اليوم يوم الملحمة، اليوم يوم الملحمة، يعني سيكون قتال كثير، أو يعني يوم كأنه يقول يوم الثار أو يوم الانتقام وما شابه. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «كذب سعد». نحن قلنا قبل ذلك إن كلمة كذب هذه تستعملها العرب بمعنى أخطأ، تمام، فقول النبي هنا بمعنى أخطأ سعد، فقال: «كذب سعد، اليوم يوم المرحمة، هو قال اليوم يوم الملحمة، والنبي قال اليوم اليوم يوم المرحمة»، هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة.

ولمزيد من طمانة الناس، ولا سيما طبعا أبو سفيان وأهل مكة، فأخذ النبي راية الأنصار من سعد بن عبادة صاحب هذه الكلمه وأعطاها لابنه، ابنه قيس بن سعد بن عبادة، وهذا من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم، يعني هو لم يحزن قلب سعد اللي هو زعيم الأنصار وهو سيد الخزرج، يعني لم يحزنه حين نزع الراية منه، لأنه أعطاها لولده، وطبيعة الحال أن المرء يحب لولده حتى أكثر مما يحب لنفسه، فهو كأنه نزعها منه لكنه أرضاه بإعطاء الراية لولده، وهو أيضا ابن سيد زعيم الأنصار وزعيم الخزرج.

وهنا دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، دخلها فاتحا منتصرا، وقد كان قد أخرج منها قبل ثمان سنوات، خرج منها مهاجرا مضطهدا، وهذا ما صدق قول الله تبارك وتعالى الذي نزل عليه في يوم الهجرة، وذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: 85]، فهذا كان يوم صدق هذا الوعد، والنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم كان يلبس عمامة سوداء وكان يقرأ سورة الفتح.

وأراد النبي صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم أن يصدق أو يحقق أو ينفذ شعرا كان قاله شاعر الإسلام حسان بن ثابت رضي الله عنه، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم من حيث توقع أو تمنى أو بالاحرى من حيث هدد، سيدنا حسان بن ثابت كان في إحدى قصائده التي يهجو فيها قريشا قال فيها مادحا النبي صلى الله عليه وسلم: هجوت محمدا فأجبت عنه، وعند الله في ذاك الجزاء. هجوت محمدا برا تقيا، رسول الله شيمته الوفاء. فإن أبي ووالدي وعرضي، لعرض محمد منكم وقاء، يعني أنا أتوقى النبي بنفسي وعرضي وأبي، فإن أبي ووالدي وعرضي لعرض محمد منكم وقاء. ثكلت بنيتي إن لم تروها، تثير النقع من كتفي كداء. هذا الموضع الذي هو اسمه كداء هو يعني حسان بن ثابت يقول إيه، يقول يعني سافقد ولدي أو أتمنى أن أفقدي بنيتي، ابنتي، إذا لم تدخل خيل المسلمين فتثير النقع، يعني تثير التراب من جهة كداء. فدخل النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المكان تحقيقا لمقولة حسان رضي الله عنه. وهذا الشعر يعرفه المهتمون بالشعر لأنه كان فيه بيت يقال عنه أنصف بيت قالته العرب، وذلك قول حسان وهو يرد هذا الهجاء يقول: هجوت محمدا فأجبت عنه، فشركما لخيركما الفداء، فشركما لخيركما الفداء، فهذا من يقولون أنصف بيت قالته العرب.

وأعلن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن دخل، أعلن عما يمكن أن نسميه الآن في المصطلح المعاصر، أعلن عن قائمة سوداء، يعني هذه القائمة أيضا تصدر عادة عند تغير النظام السياسي، النظام الجديد يصدرها يضع فيها أكابر المجرمين وأكابر الشخصيات الخطيرة من النظام القديم، فالنبي صلى الله عليه وسلم أعلن عن عدد من الأسماء، هؤلاء جرى استثنائهم من العفو العام، فقال عن هؤلاء: «يقتلون ولو تعلقوا بأستار الكعبة». إن شاء الله سناتي لتحليل هذه القائمة وأشخاصها وماذا فعلوا وما الذي حصل معهم، لكن الآن دعونا نواصل الآن قصة الفتح، الذي يهمني الآن هو أن نعرف أن عفو النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مطلقا، لم يكن عفوا لامحدودا، هذا ضد طبائع الأشياء، هذا ضد بداهة الأمور، العفو المطلق العفو المطلق هذا يثير الأعداء، يجرهم يغريهم بالعداوة اعتمادا على العفو، فمافيش لا يوجد شيء في طباع الأشياء اسمه عفو كامل عفو عام عفو مطلق عفو بلا استثناءات، يعني النبي صلى الله عليه وسلم صحيح دخل مكة بغير قتال هذا يشبه العفو العام، لكنه لم يطلق عفوا لكل الناس مهما كانت جرائمهم، هذه دعونا نبقيها في أذهاننا وسنحتاج إليها إن شاء الله بعد قليل.

النبي صلى الله عليه وسلم دخل البيت الحرام في صباح يوم تسع عشرة رمضان من سنة ثامن للهجرة، فاستلم الحجر الأسود في الكعبة، دخل إلى الكعبة وصلى فيها، وجاء وقت العمل العظيم وهو إزالة الأوثان والأصنام من حول الكعبة، ثلاثمائة وستون صنما انتصبت حول الكعبة نصبت حول الكعبة، هذه الأصنام التي شوهت التوحيد وأشاعت الشرك في بيت الله الحرام ونشرت الكفر في بلاد العرب كلها، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يطعنها ويسقطها وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81]، وقل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد.

ولما دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة راى فيها تمثال إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وهم الكفار كانوا قد يعني صنعوا تمثال إبراهيم، وجعلوا في يده في تمثال اليد يعني كان إبراهيم يستقسم بالأزلام، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «قاتلهم الله، ما كان إبراهيم يستقسم بالأزلام».

وحصل المشهد الآخر أيضا وهو مشهد العجيب مشهد الانتصار الكبير، إنه سيدنا بلال بن رباح صعد على ظهر الكعبه وأذن الظهر من فوق سطح الكعبة، فكان هذا المشهد نستطيع أن نقول رمزا، يعني كان رمز علو الإسلام، أنه هذا العبد الحبشي الذي كان مهانا مضطهدا معذبا يكاد يموت تحت التعذيب، الآن يصعد الكعبة ويعيد نداء الله عليها، هذا النداء الذي كان يعذب هو يعني بسببه قبل سنوات.

ثم صعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبل الصفا وصار يذكر الله تبارك وتعالى ويدعوه، وهنا يعني كان مشهد مؤثر أيضا، لما ظن بعض الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم خلاص يعني رجع إلى مكة وامتلا بحب مكة وانه قد لا يعود مرة أخرى إلى المدينة، فلذلك قال قائلهم: أدركت رسول الله رغبة في قريته ورأفة بعشيرته مع العفو العام، فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فلما أفاق من الوحي قال: «يا معشر الأنصار، قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته؟». قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله. قال: «فما اسمي إذا؟ كلا، إنني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، المحيا محياكم والممات مماتكم»، فأقبلوا إليه يبكون، ويقولون والله ما قلنا ما قلنا إلا ظنا بالله ورسوله، يعني هذا الكلام ما خرج عنا إلا لأننا لا يعني الظن هو البخل الظن بالله ورسوله، يعني ما نحب أن يكون الله أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عندنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإن الله ورسوله ليصدقانكم ويعذرانكم».

وخطب النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الفتح، وقال: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده». وقال صلى الله عليه وسلم: «ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية تذكر وتدعى وتدعى من دم أو مال، تحت قدمي، إلا ما كان من سقاية الحاج وسدانة البيت». يعني هذا الكلام معناه باختصار إزالة التقاليد القديمة، القوانين القديمة، يعني يشبه ما نسميه الآن البيان رقم واحد، أو أن يقال مثلا يعني تعطيل العمل بالدستور، هذه يعني كل مأثرة كانت في الجاهلية انتهت إلا ما كان من سقاية الحاج وسدانة البيت اللي هو رعاية البيت الحرام، فهذا يعني البيان الذي يجب الوضع القانوني الذي كان قبله.

وفي هذا اليوم أيضا أباح النبي صلى الله عليه وسلم لخزاعة القبيلة المغدوره أن يقتصوا لأنفسهم من بني بكر، فأذن لهم في قتالهم، فثاروا منهم لما كانوا قد فعلوه عند ماء الوتير وفي الحرم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: «كف السلاح» إلا خزاعة عن بني بكر، وهذا استمر من الظهر إلى العصر، ثم بعد صلاة العصر قال النبي: «كفوا السلاح»، لكن خزاعة قتلوا رجلا بعد يعني في اليوم التالي بعد يعني اعلان وقف إطلاق النار، أو اعلان انتهاء فترة السماح بالثار، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا، حتى قالوا ما رايناه غضب كذا قط، ثم قام وخطب في الناس وأعلن أنه إنما أباح ذلك بإذن من الله تبارك وتعالى، ففي خطبته في اليوم الثاني قال: «إن الله عز وجل هو حرم مكة ولم يحرمها الناس، وإنما أحلها لي ساعة من النهار أمس، وهي اليوم حرام كما حرمها الله عز وجل أول مرة». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن أعتى الناس على الله عز وجل ثلاثة: رجل قتل فيها، ورجل قتل غير قاتله، ورجل طلب بثار في الجاهلية». وعزم النبي صلى الله عليه وسلم على أن يدفع دية الرجل المقتول الذي قتلته خزاعة ودفعها واداها عنه صلى الله عليه وسلم.

وفي رواية أخرى جاءت الزيادة يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله حبس عن مكة الفيل»، يذكر كرامة مكة، «وإن الله يعني أهلك أبرهة وجيشه، إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين»، وهذا دليل رضا الله عنهم، «وأنها لن تحل لأحد كان قبلي ولا لأحد بعدي»، فظلت مكة محرمة إلا في هذه الساعة الاستثنائية، وإنما كان ذلك بأمر من الله عز وجل.

طبعا الآن أقبل الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبايعونه فبايع الرجال وبايع النساء، وكان فيمن بايعه من الرجال هنا موقف مهم حقيقه من أولئك الذين جاؤوا للبيعة للنبي صلى الله عليه وسلم أبو قحافه، الذي هو والد أبي بكر، اسمه أبو قحافه هو اسمه عثمان كنيته أبو قحافه ووالد أبي بكر، كان قد بلغ من الكبر عتيا وكانت راسه كأنها ثغاء، اللي هي البياض كأنها قطن يعني كان شعره كله أبيض، جاء به ابنه أبو بكر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي لأبي بكر: «هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه» صلى الله عليه وسلم. فقال أبو بكر: يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه.

واجلسه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومسح النبي صدره وقال له: «أسلم». وأسلم، وبذلك تمت كرامة لأبي بكر ليست لأحد غير أبي بكر، يعني هذه الكرامة هي أنه ليس في الصحابة أحد أسلم كل أهله إلا أبو بكر، هذا هو الوحيد الذي أسلم.

هنا وقع موقف شبيه بالموقف الذي ذكرناه في الفتح، لما قال العباس لعمر: لو كان رجلا من بني عدي ما فعلت هذا! فقال: يا عباس، مهلا، فإسلامك يوم أسلمت كان أنا أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وذلك أني أعرف أن إسلامك أحب إلى رسول الله من إسلام أبي الخطاب. هنا أبو بكر أيضا لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم، لما رأى أبوه يسلم، بكى أبو بكر، فقال له النبي: «ما يبكيك يا أبا بكر؟»، قال: يا رسول الله، وددت لو كانت يد عمك أبي طالب، وأن يقر الله عينك باسلامه خير من أبيه!

فانظر هذا الإخلاص في المحبة، يعني هذا الإخلاص في محبة النبي صلى الله عليه وسلم يتمنى أن لو كان أبو طالب أسلم، ولم يكن أسلم أبوه، لأن إسلام أبي طالب أحب إلى رسول الله من إسلام أبيه. وهذه مستويات عالية ورفيعة ومراتب سامقة. وكما قلت في ذلك الوقت: الحمد لله الذي عافانا من أن تنقسم قلوبنا بين حب الله ورسوله وبين الحب الفطري لأبنائنا وأمهاتنا، الحمد لله الذي خلقنا مسلمين.

الآن البيعة كانت بيعة الرجال على الإسلام والإيمان والجهاد، هذه البيعة التي بايعها. وهنا انتهى التكليف بالهجرة إلى المدينة، لأن قبل ذلك كان فرضا على المسلم أن يهاجر إلى المدينة، لأن المسلمين كانوا بحاجة إلى الرجال، من يسلم كان ينبغي أن يهاجر، لكن هذا أبطل بعد فتح مكه، وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا»، يعني إذا نودي فيكم للجهاد فانفروا.

لكن بيعة النساء كانت على الإسلام وعلى الالتزام بأوامر الإسلام، وهي هذه البيعة التي وردت في آية سورة الممتحنة الأخيرة، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَا يُشْرِكَ باللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: 12]، هذه بيعة النساء. فمن بين النساء اللاتي بايعن كانت هند بنت عتبة، وهند أسلمت في الفتح، وذكرنا نحن إنه بدايه الأمر كان في عمرة القضا لما قالت: ما عبد الله حق عبادته كما عبد في هذه الليلة، فلذلك بايعت النبي صلى الله عليه وسلم وهي تقول: يا رسول الله، ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهرها أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائي.

وهنا أيضا مما يذكر في الفتح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحاول أن يستعيد أموال المهاجرين، ولم يحاول أن يستعيد أملاكهم التي سلبها المشركون منهم قديما أيام الهجرة، لكن أبقى الأمور على ما هي عليه، كي لا تثار الضغائن والأحقاد في ذلك الوقت. حتى دار النبي صلى الله عليه وسلم داره هو، لم ينزل فيها، سيدنا أسامه بن زيد سأله، قال: يا رسول الله، هل تنزل في دارك بمكه؟ فقال: «وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟»، عقيل هو عقيل بن أبي طالب ابن عمه، وهو الذي استولى -وذكرنا أنه عقيل وبقية آل أبي طالب- استولوا على دور محمد وجعفر وعلي رضي الله عنهم.

أيضا من المواقف المشهورة في فتح مكة قول النبي صلى الله عليه وسلم لقريش: «ما تظنون أني فاعل بكم؟»، الموقف الاشهر فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. فقال صلى الله عليه وسلم: «اذھبوا فانتم الطلقاء». يجب أن أقول هنا أن هذه الرواية ضعيفة وإن كان معناها صحيحا، يعني المعنى صحيح، لكن هذه الرواية وردت من طرق ضعيفة، يعني النبي عفى عن من أذاه من أهل مكه وأصدر عفوا عاما، ذكرنا أنه لم يبح دما إلا هذه القائمة السوداء التي ذكرناها. والصحيح عند العلماء الفقهاء أن مكة فتحت عنوة ولم تفتح سلما.

لكن هنا تأمل في قاعدة الحياة، تأمل يختصرها بعض إخواننا أصدقائنا بقولهم: يعني النبي لما جاءهم بالقران قالوا: كذاب، ساحر، شاعر، كاهن، مجنون، لكن لما جاءهم بالقرآن ومعه جيش من عشرة آلاف قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. هذا يدلك على ما كنا ذكرناه في الحلقات الأولى عن الحق الذي معه قوة، والحق الذي ليس معه قوة، انظر الفارق بينهم!

من مكة أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سراياه لكسر الأصنام الكبرى، الأصنام الكبرى، المعبودات الكبرى، الهياكل الكبرى، فأرسل سيدنا خالد بن الوليد ومعه ثلاثون فارسا لهدم صنم العزى، وهذا كان أكبر الأصنام، كان في منطقة تسمى نخلة. وأرسل سيدنا عمرو بن العاص لهدم صنم يسمى سواع، وهذا صنم قبيلة هذيل، وهذا كان على بعد 150 كيلومترا تقريبا من مكة. وأرسل من يهدم صنم مناة، وهذا الصنم الأكبر لقبائل كلب وخزاعة وغسان، القبائل في شمال مكة.

فمن مكة بدأت تهدم الأصنام. فتح مكة كان هو الفتح الأعظم؛ لأنه هو الغرض الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم من أول يوم بدأ فيه دعوته. احنا ذكرنا أنه كان يرجو من البداية أن يؤمن ملأ قريش ويدخلوا في الإسلام ويوفروا كل هذا الوقت وكل هذا الجهد وكل هذه السنين والدماء، لكنهم أبوا، فهذا الفتح كان ختام رحله طويلة بدأت قبل ثمانية أعوام من الهجرة وقبل عشرين عاما من بدء الدعوة الجهرية.

العرب كانت تترقب ما سيقع بين النبي وقومه، العرب كانوا يؤمنون أن البيت الحرام بيت الله، وأن الله تبارك وتعالى لا يسلط على البيت من لا يرضاه، كما كان في حدث الفيل؛ لأن الله أهلك أصحاب الفيل. فلما تحقق للعرب فتح مكة وكسر الأصنام وتطهير البيت، علموا أنه رسول الله حقا وصدقا. ولأن مكة كانت عاصمه العرب وكانت سيدة الجزيرة العربية، فسرعان ما انتشر التغيير الذي حصل في مكه في قبائل العرب، فصارت القبائل تقدم على رسول الله وتسلم، وتعلن دخولها في الدين ودخولها في الدوله الإسلامية وتغير نظامها، سواء في أمور الدين التعبدية، أو في أمور الحكم والسياسة والمعاملات على النحو الذي يرضاه الإسلام.

من أهم آثار فتح مكة أنه انتقلت زعامه الكفر إلى العاصمه الثانية في الجزيرة العربية، إلى الطائف. احنا ذكرنا في الحلقات الأولى أن العاصمه الثانية كانت الطائف، ولذلك لما كذبه أهل مكة انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ولكنهم ردوا عليه بأسوأ الرد، فهذا أيضا من أهم آثار فتح مكة، وهو ما سيثير المرحلة الكبيرة القادمة التي نراها في الحلقه القادمة إن شاء الله. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.