دخولتسجيل الدخول

غزوات النبي | 24. فتح مكة .. الفتح الأعظم

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، مرحبا بكم أيها الأحباب في حلقة جديدة من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، نستعرض فيها غزوات النبي، نرى فيها هديه وطريقته في الحرب، نفهم فيها الاستراتيجية العامة لغزوات النبي، نتابع فيها رحلة صعود الإسلام من الضعف إلى القوة.

وصلنا في الحلقة الماضية إلى هذا الغدر الذي غدرته قبيلة بكر، وهم حلفاء قريش، غدرت بخزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم تعهد بنصر خزاعة وقال: «نصرت يا عمرو بن سالم». وسارعت قريش فأرسلت أبا سفيان لتجديد الصلح والعهد والابقاء على الهدنة مع النبي صلى الله عليه وسلم، بل حتى اطالتها إذا امكن.

لما ذهب أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم كلمه فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وذهب إلى أبي بكر، أبو سفيان ذهب إلى أبي بكر يتوسط له أن يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أبو بكر. فذهب أبو سفيان إلى عمر الوزير الثاني، فكان رد عمر عليه أشد من رد أبي بكر، سيدنا عمر قال له: أأتشفع عند رسول الله يا عدو الله؟ والله لو لم أجد إلا الذر لقاتلتهم به. فذهب أبو سفيان إلى علي بن أبي طالب فأيضاً أبى عليه وامتنع، ففشلت مهمة أبي سفيان، وبهذا انتهى عقد الحديبية وعادت الحرب بين الفريقين. يبقى كده الحديبية التي كان فيها هدنة لمدة عشر سنوات لم تصمد إلا عامين فقط، وهذا يذكركم يا جماعة الخير بما ذكرناه من أن الباطل لا يطيق وجود الحق إلى جواره حتى مهما كانت بينهم من المعاهدات.

الان خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة في يوم عشر رمضان على رأس جيش من عشرة آلاف مقاتل، وهذا أضخم جيش خرج للمسلمين حتى ذلك الوقت. طبعا يبدو هذا العدد يبدو فيه ما تمتع به الإسلام من الانتشار والقبول بعد صلح الحديبية، وذكرنا كلمة ابن هشام صاحب السيرة النبوية لما تكلمنا عن صلح الحديبية وأنه كان فتحا مبينًا، وذكرنا كلمة الزهري وكلمة ابن حجر، عودوا إليها في الحديث عن آثار صلح الحديبية.

ترك النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة في فترة غياب النبي صلى الله عليه وسلم عن المدينة ترك الصحابي أبا رهم الغفاري، وهذه ليست أول مرة يؤمر فيها النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة رجلاً من غفار، هو ليس من المكيين ولا من أهل المدينة، النبي صلى الله عليه وسلم فعلها قبل ذلك في بعض الأوقات، لكنها هنا مناسبة أريد أن نفهم منها مدى تماسك المجتمع الإسلامي ومدى خفوت النزعة القبلية في المجتمع الإسلامي. هذا رجل من غفار يتولى على المدينة وفيها القرشيون المكيون وفيها أهل المدينة أصحاب المدينة، فيعني شيء عظيم ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في تماسك المجتمع المسلم وفي انتهاء النزعة القبلية، رضي الله عن صحابة النبي أجمعين.

النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج كان حريصاً شديد الحرص على كتمان الوجهه التي هو ذاهب إليها، حتى إنه كتم ذلك عن زوجاته. سيدنا أبو بكر كما يروى أن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه دخل يوماً على عائشة فوجدها تغربل حنطة، قال لها: ما هذا؟ قالت: هل أمركم رسول الله بالتجهز؟ فقالت: نعم. قال: وإلى أية؟ أبو بكر يسأل عائشة، قال: وإلى أين؟ قالت: ما سمى لنا شيئاً غير أنه قد أمرنا بالجهاز.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو قائلاً: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغت في بلادها». ولمزيد من الكتمان أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سرية بقيادة أبي قتادة الأنصاري في أوائل رمضان إلى منطقة تسمى بطن أضم، هذه منطقة إلى الشرق من المدينة، فلذلك ربما يظن من يتابع الوضع أن النبي صلى الله عليه وسلم مهتم بهذه الناحية أو أنه يماد لغزوها. الغرض الأساسي من هذه التعمية هو تحقيق أكبر قدر من المفاجأة، وطبعا إذا تحقق أكبر قدر من المفاجأة فيتحقق النصر بأسرع وأقوى ما يكون وبأقل قدر من القتال ومن إراقة الدماء.

لكن أحد الصحابه الكبار ذو السابق وقع في خطأ خطير، وهو سيدنا حاطب بن أبي بلتعة، سيدنا حاطب رضي الله عنه رجل شهد بدراً وشهد الحديبية، هو في الطبقة الأرفع من الصحابة، الطبقة الكبيرة، طبقة البدريين وأصحاب بيعة الرضوان، الطبقة العليا. النبي صلى الله عليه وسلم استدعى علي بن أبي طالب واستدعى الزبير بن العوام واستدعى المقداد، كلفهم بمهمه خاصة، قال لهم: انطلقوا حتى تأتوا مكاناً اسمه روضة خاخ، ففيها ظعينة، ظعينة يعني امرأة مسافرة معها كتاب، كتاب يعني رسالة، فخذوا منها.

يقول سيدنا علي: فانطلقنا تسرع بنا الخيل حتى أتينا هذا المكان روضة خاخ فإذا نحن بضعينة مسافرة وجدناها، قلنا لها: أخرجي الكتاب. قالت: ما معي كتاب. فقال لها علي: ما كذبنا ولا كذبنا، لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. سيدنا علي بوضوح كده قال لها: نحن لدينا معلومة مؤكدة لا شك فيها أنك تحملين الكتاب، ليس هناك مجال للخطأ، فإما أن تخرجي الكتاب وإما أن نفتش التفتيش الذاتي. فأخرجت الكتاب من شعرها، كانت الكتاب اللي هو الرسالة أخرجته من شعرها وكانت قد وضعته في شعرها وربطته عليها.

قال علي: فجئنا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء النبي به فقال: يا رسول الله، فقال رسول الله: «يا حاطب ما هذا؟». قال حاطب: يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت امرا ملصقاً في قريش. الملصق يعني لم يكن من صميم قريش، كان تابعاً لها، كان من قبائل ملحقة بها، لم أكن من قريش نفسها. طبعا الذين يعيشون في بلاد قبليّة أو يعيشون في قرى تحفظ أنسابها وتنقسم يفهمون هذا الكلام، لكن هذا الكلام لا يفهمة أهل المدن. كنت ملصقاً في قريش يعني من جماعة غريبة طارئة لكن موجودة معهم لطول الزمن، فلم أكن من نفس قريش، لم أكن من أنفسهم. وكان حاطب يقول إنه من معك من المهاجرين لهم قرابات في مكة يحمون أهليهم وأموالهم، وأنا أحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أكتسب عندهم يداً، أحببت أن يكون لدي جميل عليهم لكي إذا حصل النهب أو مشاكل في مكة أو اضطراب مع الجيش فيتذكر أني خدمتهم هذه الخدمة فيحمي قرابتي الموجودين في مكة.

ده تقدير سيدنا حاطب بن أبي بلتعة، يقول: يا رسول الله، لا تعجل علي، ده السبب، عندي أهل في مكة أخاف عليهم في لحظة من اللحظات، أردت أن أعطي لهم جميلًا بحيث يحمون أهلي، لأن بقية المهاجرين والأنصار قد يجدون من يحمي أموالهم وأهلهم لكن أنا لا أجد. فلم أعلل ذلك ارتداداً عن ديني ولا رضا بالكفر، فقال صلى الله عليه وسلم: «أما إنه صدق». سيدنا عمر وعلى عادته قال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. طبعا هذا العمل لولا ما اطلع النبي ولولا ما ما يعرفه هو من نفس الرجل هذا عمل خيانة عظمى في ذلك الوقت. فقال صلى الله عليه وسلم: «إنه قد شهد بدراً»، وفي رواية: «شهد بدرا والحديبية».

ونزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَ كُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسَرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: 1].

طبعا هذا الموقف فيه معجزة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم كما هو واضح، جرى احتواء تسريب المعلومات، واستطاع الجيش المسلم ذي العشرة آلاف أن يتحرك بهذا العدد الكبير من المدينة إلى مكة وأهل مكة لا يشعرون بشيء. ذكرنا أن النبي تحرك عشر رمضان وظل الجيش صائماً في هذه الفترة حتى بلغ منطقة اسمها الكديد أو الكديد -ما أضبط الآن لفظها- فأفطر النبي صلى الله عليه وسلم وأفطر الجيش وعسكر في منطقة مر الظهران.

عندئذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يوقد كل رجل من المسلمين ناراً، فأنت الآن إذا في الليل فكأنك ترى عشرة آلاف شعلة، عشرة آلاف نار لو أن كل رجل من المسلمين أوقد ناراً فسترى مشهداً هائلاً.

طيب دعونا نقف هنا بهذا المشهد وتعالوا ننظر إلى الجبهة الأخرى، الزاوية الأخرى. سيدنا العباس بن عبد المطلب في ذلك الوقت عزم على أن يذهب من مكة إلى المدينة مسلما مهاجراً، فلما خرج من مكة وجد نفسه أمام جيش النبي صلى الله عليه وسلم منطقة تسمى -يعني منطقة حوالي 180 أو 190 كيلو- ببدر، فاسلم وبقي في الجيش. طبعا العباس راى حجم الجيش لما الجيش عسكر في مر الظهران، فتخوف على قريش لأنه عرف أنه لا قدرة لقريش بهذا الجيش، فأراد أن يخبرهم ليسارعوا بالاستسلام لرسول الله وأن يطلبوا منه الأمان لكي لا يفكروا في المقاومة، لأنه لو قاوموا سيهلكون، عشرة آلاف.

فخرج العباس يتجول حول الجيش على بغلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يتجول كان في انتظاره مفاجأة أخرى، إيه المفاجأة الأخرى؟ هذا مشهد ثالث. سمع العباس صوت أبي سفيان في الظلام، إحنا في الليل وأبو سفيان لم تكن عنده أي فكرة أو أي معلومة عن هذا الجيش القريب الذي تحرك، لكن أبو سفيان كان يخرج متجولاً مع بديل بن ورقاء، ففوجئ كلاهما بهذه النار التي تملأ الأفق.

فأبو سفيان قال مرتعاً: ما رايت كاليوم قط نيراناً ولا عسكراً! إيه ده؟ فقال بديل: لعلها نيران خزاعة قد أخذتها الحرب، خزاعة الآن صاحب الثار. فأبو سفيان قال: خزاعة والله أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.

هنا التقى صوت أبي سفيان مع صوت العباس، فالعباس قال: أبا حنظلة، هل تعرف صوتي؟ قال أبو سفيان: أبو الفضل! هذه كنية العباس. فقال العباس: نعم. قال أبو سفيان: نعم، مالك؟ قال العباس: هذا والله رسول الله في الناس وصباح قريش! وصباح قريش يعني يا مهلكة قريش، يا ويل قريش، يعني هذا جيش المسلمين، يا ويل قريش. فابو سفيان قال: وما الحيلة إذاً فداي أبي وأمي؟ فقال العباس: والله لإن ظفر بك الآن -ما في الآن في عداوة مشتعله ومافيش عقد ولا عهد- فالعباس قال: والله لإن ظفر بك ليضربن عنقك، ارركب ورائي على هذه البغلة. واحنا ذكرنا أن هي بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فركب أبو سفيان بغلاة النبي خلف العباس ومضى به العباس سريعا إلى النبي لكي يستسلم ويطلب الأمان. وطبعا الدنيا ليل والعباس يخترق معسكر المسلمين لأنه لم ينتبه لأحد، لأنه كلما مر على قوم راوا البغلة، بغلة رسول الله وعليها العباس، وما حدش انتبه أحد إلى هذا الراكب المختبئ خلف العباس.

الوحيد الذي انتبه له سيدنا عمر بن الخطاب، وسنيدنا عمر اسرع مستبشرا: يا سلام، يقول: والله عدو الله! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد، أبو سفيان قائد المشركين، فرصة عظيمة جداً، وخلاص موجود في يعني لا عهد ولا عقد، وأبو سفيان ولو قتلناه مكة تستسلم على طول. فاسرع العباس وضرب البغلة لكي تسرع به عن عمر قبل أن يقتل أبا سفيان، حتى سبقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهناك أدركه عمر وقال: يا رسول الله، هذا عدو الله أبو سفيان قد أمكن الله منه في غير عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه. فقال العباس: قد أجرته يا رسول الله، يعني في إجارتي، في حمايتي وعمر يتكلم. فقال له العباس: مهلا يا عمر، فوالله لو كان رجلا من بني عدي ما قلت هذا، ولكنه من بني عبد مناف. طبعا أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد مناف، وهذا نسب النبي، النبي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد المناف، لكن سيدنا عمر بعيد، سيدنا عمر من بني عدي.

فقال عمر: مهلا يا عباس، لا تقل هذا، والله لاسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من اسلام الخطاب أبي لو أسلم، وذلك أني عرفت أن اسلامك أحب إلى رسول الله من اسلام الخطاب. طبعا هذا يا جماعة الخير موقف عظيم عظيم عظيم، وهو موقف يذكرنا بنعمة عظيمة من نعم الله علينا وعلى المسلمين. هنا عمر يحب رسول الله حبا جعله يفرح لاسلام عمه العباس فرحة لا يفرحها لو كان أبوه الخطاب قد أسلم، لماذا؟ لأنه يعلم أن اسلام العباس أحب إلى النبي من اسلام الخطاب. هذا حب عظيم، وهذا إخلاص عظيم جداً أن يكون حبك لما يحب النبي أعظم من حبك الفطري لأهلك وأبيك وأرحامك.

طبعا هذا يفسر لك كيف كان المسلمون في ذلك الوقت على هذه القوة الإيمانية في العبادة وفي الحرب وفي السياسة وفي كل شيء. كانت شهوات نفوسهم تكاد تختفي، نفوسهم كانت مخلصة لله، حتى تخلصت نفوسهم من حظ نفوسهم وأخلصها لله وحده. فهذا حقيقة يذكرنا بالنعمة العظيمة التي نحن فيها، نعمة أنه آبائنا وأمهاتنا من المسلمين وأنه نحن لا نضطر.

قلوبنا بين حبنا لآبائنا وبين حبنا لديننا ونبينا صلى الله عليه وسلم. لو كان آباؤنا من غير المسلمين ونعرف أنهم في النار، محنة شديدة والله محنة شديدة وعظيمة أن تتمزق النفوس بين الحب الفطري للأهل والوالد والوالدة وبين حب الدين والإخلاص للدين. فالحمد لله الذي عافانا من هذا الابتلاء ونسأل الله تبارك وتعالى أن يثبت الإيمان في قلوبنا وأن يثبت من كتبها عليهم هذه المحنة، كإخواننا المسلمين في الغرب أو في الشرق الذين لم يكن آباؤهم مسلمين وماتوا على كفرهم.

الآن نعود إلى خيمة النبي صلى الله عليه وسلم. النبي حسم الموقف بين عمر والعباس، وقال للعباس: «اذهب به إلى رحلك فإذا أصبحت فأتنا به». فبات أبو سفيان عند العباس، ولما جاء في الصباح قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟». فقال أبو Sفيان: بأبي وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك وأعظم عفوك، لقد وقع في نفسي أن لو كان إله غيره، يعني غير الله، لقد أغنى عني شيئاً بعد.

أبو سفيان الآن دخل في التوحيد، لقد كاد يقع في نفسي أن لو كان مع الله آلهة أخرى لقد أغنى عني شيئاً بعد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟». فقال أبو سفيان: بأبي وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك وأعظم عفوك، أما هذه فلا يزال في النفس منها شيء. وهذا يخبرك أيضاً عن صدق العرب حقيقة، شوف هو في هذا الموقف الذي ينجيه فيه الكذب لو كان يكذب لنجى، لكنه قال أما هذه فلا.

فهنا قال له العباس: ويلك أسلم، أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قبل أن تضرب عنقك. العباس يريد أن يقول له الموقف هنا لا يحتمل، عدو في معسكر عدوه وبغير عهد ولا عقد، فعلى الأقل ينجو بنفسه. فكأن أبا سفيان حسبها كأنه دخل في نفسه الإيمان، فها هنا أسلم أبو سفيان. إسلام أبو سفيان هنا هو في حقيقتها استسلام لقريش؛ لأن أبا سفيان زعيم قريش وإسلامه هو استسلام قريش، لأنه أبو سفيان قائد وقائد قريش سيدها كبيرها صاحب قرارها.

وهنا من سياسة العباس رضي الله عنه قال: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً، يعني اجعل له ميزة، أعطه مزية، أعطه مكافأة، أعطه وضعاً خاصاً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن». الآن طبعا هذا حقيقته قرار فرض حظر تجول، لكنه جعل دار أبي سفيان من الأماكن الآمنة التي يلجأ إليها، فكانه أرضى ما لدى أبي سفيان من الفخر.

ولكي يتم الأمر على وجهه الأتم، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر العباس أن يبقي أبا سفيان عنده وأن يقف به في مضيق الوادي بحيث يمر الجيش أمامه. نستطيع أن نقول هذا نوع من الحرب الإعلامية أو من الحرب النفسية، وذلك لكي يقع ويترسخ ويقر في نفس أبي سفيان أنه لا مجال للمقاومة، فذلك يحمله على أن يخذل قريشاً وأن يثبط وأن ينهاها عن التعرض لجيش النبي صلى الله عليه وسلم. فالعباس فعل ما أمره النبي صلى الله عليه وسلم، فأبو سفيان شاهد مشهد الجيش، وكلما مرت به كتيبة -طبعاً القبائل في الكتائب في الجيوش الإسلامية كانت على القبائل- فكلما مرت به كتيبة يقول أبو سفيان: من هذا؟ فيقول العباس: هؤلاء بنو كذا. فيقول أبو سفيان: ما لي ولبني فلان؟ يمر مثلاً آخرون فيقول أبو سفيان: من هؤلاء؟ يقول العباس: مزينة. يقول: ما لي ومزينة؟ وهكذا حتى مرت كتيبة رسول الله الخضراء، الكتيبة الخضراء التي فيها المهاجرون والأنصار صفوة الجيش، وهؤلاء كانوا مدرعين، الأسلحة، كانوا مدرعين يلبسون الدروع لا يبدو منهم إلا حدق العيون.

فقال أبو سفيان: ومن هؤلاء؟ قال العباس: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار. فقال أبو سفيان: ما لأحد بهؤلاء طاقة، والله لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيماً. فقال العباس: ويحك يا أبا سفيان، إنها النبوة وليست الملك.

وهنا بعدما تم هذا، أسرع أبو سفيان إلى مكة يحذرهم من التعرض للنبي صلى الله عليه وسلم. يقول لهم: يا معشر قريش، هذا محمد قد اتاكم بما لا قبل لكم به. طبعا هنا مكة صدمت، صدمت بل ثلاث صدمات: أولاً صدمة الخبر بأن جيش المسلمين قد صار على أبواب مكة فجأة، والصدمة الثانية أن قائدهم وزعيمهم وسيدهم يدعوهم إلى الاستسلام، والصدمة الثالثة أنه هو نفسه أسلم وجاء يعرض عليهم الاستسلام، وهو الذي حمل الشعار أو حمل الأمر: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل البيت الحرام فهو آمن، ومن دخل باب بيته وأغلق عليه بابه فهو آمن.

طبعاً أول من اعترض وتفاجأ كانت زوجته هند بنت عتبة، هذه نادت في قومها طبعاً هي مصدومة أيضاً قالت: اقتلوه، بئس طليعة القوم أنت! هو خرج يستطلع الأمور فعاد مسلما وعارضاً للاستسلام. تقول: بئس طليعة القوم أنت، واقتلوه. لا، أبو سفيان قال لهم: لا تغرنكم هذه عن أنفسكم، قد جاءكم محمد بما لا قبل لكم به. فهنا تفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد الحرام.

وهنا أيضاً يجب أن نتوقف طويلاً حول القيادة وأهميتها. أي شخص آخر غير أبي سفيان ما كان سيكون له هذا الأثر في مكة، ولا كان يستطيع أن يحملها على الاستسلام، لكن لانه سيدهم وزعيمهم فكان انهزامه واستسلامه فارقاً وحاسماً. لكن نفراً من قريش لم يسمعوا لأبي سفيان وعزموا على المقاومة، فماذا فعلوا؟ هذا ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.