دخولتسجيل الدخول

غزوات النبي | 23. الطريق إلى فتح مكة

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبا بكم أيها الأحباب في حلقة جديدة من سلسلة حلقات غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، التي نستعرض فيها غزوات النبي، نرى فيها طريقته في القتال، ونتابع فيها رحلة صعود الإسلام من الضعف إلى القوة والتمكين.

في الحلقة القادمة توقفنا عند واحدة من اللحظات الصعبة التي مرت على الجيش الإسلامي؛ حين نتكلم في عدد كبير بعشرات الآلاف أو مئات الآلاف من الروم ومن حلفائهم العرب في مواجهة ثلاثة آلاف من المسلمين. والمسلمون قتل قادتهم الثلاثة الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحه، وبالنهاية اجتمع المسلمون -أو بادر إليهم على خلاف الروايات يعني- اجتمع المسلمون على أن يقودهم خالد بن الوليد، وتلك كانت أول مشهدة بعد الإسلام.

طيب، في ظل هذا الوضع سيدنا خالد قرر تنفيذ انسحاب بالجيش الإسلامي، وبالفعل نفذ انسحابا عسكريا مميزا، وهو هذا الانسحاب يعني واحد من أهم أعمال خالد في التاريخ الإسلامي. أنا شخصيا سمعت من بعض العسكريين أن هذا الانسحاب هو من أهم الانسحابات الناجحة في التاريخ الحربي كله. طيب، كيف كان ذلك؟ سيدنا خالد بن الوليد اعتمد في تنفيذ الانسحاب على الحرب النفسية، على أن يقذف الرعب في قلوب عدوه؛ فهو ظل صامدا بالجيش حتى الليل -بعدما طبعا القادة الثلاثة قتلوا- ظل صامدا بالجيش حتى الليل.

في الليل بدأ في متابعة الخطة، الخطة كالاتي: صنع جلبة وضوءاء في الجيش ليحاول إيهام الروم وإيهام حلفائهم العرب أن المسلمين قد جاءتهم امداد في الليل؛ فالحركة والجلبة، وفي نفس الوقت على بعد مسافة واسعة خلف الجيش أشعل نيرانا كثيرة -يعني على مسافة من الجيش أشعل على خط واسع نيرانا كثيرة- أيضا للإيهام بأن هذا العدد الذي جاء هو عدد كبير. واتخذ قرارا فبدل الميمنة ميسرة والميسرة ميمنة، وجعل الساقة مقدمة والمقدمة ساقة، يعني غير في خطة الجيش.

فلما أصبح الصباح وبدا يتواجه مرة أخرى -طبعا مر أيام من الحرب فكل طرف في العدو راى أمامه رجالا غير الذين كان يراهم بالأمس، غير الذين كان يقاتلهم بالأمس- فبالتالي أيقنوا بوصول المدد. هو طبعا حقيقة ما وصلش مدد، لكن ميسرة الجيش كانت تقابل ميمنة المسلمين، لكن ميمنة المسلمين هذه صارت ميسرة، وكذلك العكس. وهنا بعد تأكد من أنه وصول جيش جديد، نفذ سيدنا خالد هجوما قويا على جيش العدو، فضغط ضغطا شديدا، ثم توقف ثم اخذ ينسحب تدريجيا.

فهنا لم يشك هذا الجيش -جيش العدو- أن هذا الانسحاب هو محاولة استدراج إلى فخ، أو حتى محاولة استدراج إلى عمق الصحراء التي يجيد العرب فيها القتال، فأحجموا عن تعقب الجيش المسلم، والجيش ينسحب تدريجيا وهم لا يريدون أن يتعقبوه، وينسحب حتى وصل جيش المسلمين إلى المدينة.

فهذا كان من أهم الانسحابات، هذا انسحاب في مثل هذا الوضع، في مثل هذه الظروف، كان لابد سيؤدي إلى تعقب الجيش وإلى مقتله فضيعة جدا، لولا هذه الصدمة النفسية التي أحدثها سيدنا خالد بن الوليد. لكن عاد الآن الجيش إلى المدينة، المفاجأة حقيقة في صبيان المدينة؛ صبيان المدينة نستطيع أن نقول إن صبيان المدينة تفاجؤوا لأول مرة بجيش كبير خرج من عندهم ورجع منسحبا، فالصبيان خرجوا يحصبونهم بالحصى -يعني يلقون عليهم الحجاره- ويقولون لهم: يا فرار يا فرار. لكن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن هذا وقال: «بل هم الكرار إن شاء الله».

لكن انظر إلى هؤلاء الصبيان، الآن إذا نظرنا إلى نتيجة المعركة أنا أقول: انظر إلى هؤلاء الصبيان كيف هو تعلقهم بالجهاد؟ كيف هو إنكارهم الانسحاب وإنكارهم الفرار؟ فيعني المجتمع مجتمع مجاهد مجتمع بطل.

الآن المعركة نفسها إذا نظرنا إلى نتيجة المعركة بالحساب العسكري المحض، فسنرى أن المسلمين تعرضوا لهزيمه في هذه الغزوة؛ لأنهم رجعوا منها منسحبين. لكن حقيقة بقية الأمور المحيطة بالمشهد العسكري تجعل الصورة مختلفة، لأنه أولا نحن أمام قوم ثلاثة آلاف وذهبوا يقاتلون عرب الشمال الغساسنة الموالين للروم، وفوجئوا بالروم ولم يرجعوا بل اكملوا المسير وخاضوا القتال. طب هذه طبعا جراءة وشجاعة عظيمة، بالذات عند العرب الذين كانوا يتهيبون ويتخوفون من قتال الروم.

طيب، هذه الشجاعة العظيمة أيضا هم ثلاثة آلاف في مقابل عدد ضخم وصلته بعض الروايات إلى مئتي ألف، كما قلنا، هذا انهيار لا يصدق في ميزان القوة بين الطرفين، فشوف انظر إلى الشجاعة المضاعفة. وكذلك هم استطاعوا أن ينفذوا انسحابا متميزا إلى الدرجة التي خشي فيها الروم وحلفاؤهم العرب من تعقب جيش المسلمين لئلا يكون فخا، وهذا يدل أيضا على تهيب الروم لهم، وهو دليل أيضا على بسالتهم في القتال؛ لأن الروم خشيت أن يخسروا المعركة إذا تعقبهم.

حتى أعداد القتلى سبحان الله كان الروم فيها هم الخاسرون، لم يقتل من المسلمين في هذه المعركة سوى اثني عشر فقط، منهم القادة الثلاثة طبعا، لكن قتل من الروم كثير. ولذلك لا نستغرب ولا نتعجب؛ لأنه إذا وجدنا أن بعض العلماء يرى أن هذه الغزوة محسوبة في الغزوات المنصورة؛ لأنه يقيم هذا بشكل عام، وهذا كثيرا ما يحدث في التاريخ يا جماعة الخير، إنه أحيانا يكون الميزان العام للمعركة أو الميزان الرقمي للمعركة يؤدي إلى نصر طرف على طرف، لكن حقيقة المعركة تدل على أن الطرف الأضعف -الطرف الذي يبدو منهزما من جهة الأرقام- هو الطرف الذي كسب مكاسب كثيرة وغير أوضاعا كثيرة واستطاع أن يحوز مكاسب نفسية واجتماعية، كما نراه في كثير من حركات المقاومة عبر العالم.

لكن هنا نحتاج أن نتوقف وقفات؛ أولا أنت ترى أن قوة المسلمين وثقة المسلمين بأنفسهم وما حققوه من النتائج في السنوات السنوات السابقة جعلتهم وهم ثلاثة آلاف لا يحجمون عن متابعة المعركة في مقابل هذا العدد الضخم من الأعداء، وفيهم الروم، الروم ذات الصولة والهيبة والسطوة والسلاح والرجال. هذا يخبرنا إلى أي حد كان المسلمون في هذا الوقت يحصدون ثمار الانتصارات السابقة، وهذا يخبرنا أن كثرة الانتصارات تدفع أحيانا إلى اتخاذ قرارات تغلب عليها الحماسة أيضا.

طيب، حقيقة نحن لا نعرف كيف جرى النقاش بين الصحابه على وجه التحديد لما كانوا في معان، لكن يصعب أن اتصور أن المسألة كانت محض حماسة؛ يبدو لي أنهم راوا في هذا الإقدام على القتال نوعا من الضرورة السياسيه، كان في ضرورة سياسية في مواجهه الوضع الذي صنعه عرب شمال الجزيرة من حلفاء الروم. احنا ذكرنا مسألة التجري على السفير وقطع طريق على بعض المسلمين ونوع من الاعتداءات، راوا أنهم يجب أن يقدموا، وهذا نوع من الضرورة السياسية.

الملاحظة الثانية، سنجد أن كثير من العلماء توقف عند معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يولي خالدا قيادة الجيش، بل حتى لم يذكره -هو ذكر القادة الثلاثة ولم يجعله هو الرابع، لكن جعله كغيره-. فيفسر بعض أهل العلم هذا الكلام أن هذا نوع من التربية والتصفية لسيدنا خالد؛ سيدنا خالد لم يكن مثله، لم يكن في المعركه مثله، كان هو أفضل الفرسان، والدليل أن المسلمين اصطلحوا عليه، لكن خالد عاش حياته كلها قائدا لخيل قريش، فالآن هو نازل تحت مولى -نازل تحت قيادة مولى لرسول الله اللي هو زيد بن حارثة- فكان تحته، وبعد زيد جعفر -طبعا جعفر صحيح هاشمي وقرشي لكن أيضا ليس له اسم في الحرب كخالد رضي الله عنه- ونزل تحت قيادة عبد الله بن رواحة، وعبد الله بن رواحة أصلا أنصاري، ليس من أهل مكه، ليس من قريش.

وهذا والله أعلم هو التفسير الارجح، ومما يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكره قيادة خالد، بل استبشر بها وسماه سيف الله المسلول. فهذا نوع من التربية أيضا ربما نحتاجه أو يحتاجه القاده مع بعض القادة الذين هم تحت أيديهم في حسن سياسة نفوسهم.

وقفة ثالثة، أنه سيدنا خالد بن الوليد وهو هذه الكفاءة العسكريه الكبيرة يتولى قياده المسلمين في أول مشهد يحضره معه؛ على ما يدل ذلك؟ يدل على أن بعض الناس عندها من الموهبه والكفاءة ما يجعلهم يفرضون أنفسهم ويجعل الأمه في حاجة إليهم. وهنا تبقى عبقرية القيادة وحسن توظيف القيادة للطاقات؛ كيف تعالج ما في نفوس هذه الكفاءات والمواهب، تعالج ما فيها مما قد يفسدها على المهمة أو مما قد يفسدها على الأمة؟ لكن لا يمكن التخلي عن هذه الكفاءات والمواهب، النبي أخره لكن لم يمنعه من الخروج أيضا.

وقفة رابعة، أنه سيدنا خالد من أهم ما يميزه أنه يققال قاتل بعقله ويده معا، تكسرت في يده تسعة أسياف، لا شك في قوته وبسالته، لكن موهبته العسكرية الكبرى كانت في تخطيطه للحرب وفي قوة نفسه وشدة شكيمته في أنه يقرر الانسحاب، وهو يقرر الانسحاب وخلفه جيش متحمس، وهذا الجيش لم يحجم عن التعرض لأضعاف في العدد وفي العدة. فهذا يدلك على صلابة النفس وقوة العقل مع الشجاعة لدى سيدنا خالد.

هنا أيضا هذه نعتبرها وقفة خامسة؛ أحيانا يسال بعض الناس: لماذا جاز لخالد أن ينسحب ولم ينسحب النبي صلى الله عليه وسلم في بدر أو الخندق؟ ليه النبي في بدر لم يرجع إلى المدينة، وللنبي في الخندق لم ينسحب أمام جيش الكفار؟ الإجابة على هذا السؤال مهمة، الفارق هنا لكي أيضا نفهم السيرة ونفهم الغزوات؛ الفارق بين مؤتة وبين بدر والخندق أن الجيش الذي يقاتل في بدر وفي الخندق كان هو الجيش الرئيسي للمسلمين، جيشهم الوحيد، قوتهم الضاربة. العاصمة المدينة المنورة مهددة في حال الهزيمة وإذا انسحبوا ستجتاح، فلهذا كان لابد من بذل كل الجهد لتحقيق النصر ولحمايه العاصمه اللي هي قلب الدولة المسلمة.

لكن الجيش في مؤتة كان يقاتل بعيدا في الشمال، أعظم توغل، فيقاتل بعيدا عن العاصمه وخلفهم امداد من المسلمين، فهؤلاء ما عليهم باس إذا انسحبوا، ما عليهم باس إذا انسحبوا في معركة كان الاستمرار فيها خسارة محتمة، وكان الانسحاب فيها ليست له نتائج كارثية.

وعلى هذا انتهت غزوة مؤتة التي كانت الاختبار الأول لسيدنا خالد رضي الله عنه.

طيب، سيدنا عمرو بن العاص، سيدنا عمرو بن العاص كان الاختبار الأول العسكري له في نفس التوقيت تقريبا، بعد شهر واحد من مؤتة، معركة مؤتة كانت في جمادى الأولى من سنة ثمان للهجرة، وجمادى الثانية أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سرية بقيادة سيدنا عمرو بن العاص، وهذه سرية تعرف بسرية ذات السلاسل. على غير ما اعتدنا السرية هذه فيها كلام أحتاج أن أتوقف عندها، وإن كان ليس في منهجنا في هذه الحلقات التوقف عند السرايا.

النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى عمرو بن العاص وقال له: «إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنم» (تسلم وتغنم، تنتصر وتغنم) «وأرغب لك من المال رغبة صالحة» (سيكون لك فيها نصيب من المال بشكل جيد). فقال عمر: يا رسول الله، ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الاسلام، وأن أكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال صلى الله عليه وسلم: «يا عمر، نعم المال الصالح للعبد الصالح».

ما هي السرية التي خرج فيها عمرو؟ خرج يقود ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار إلى ديار قضاعة، قضاعة هذه في الشمال، شمال الجزيرة العربية، يعني أيضا في نفس الوجهه التي توجه إليها خالد أو توجه إليها المقاتلون والجيش في مؤتة، لكن إلى الشرق منها. وهناك بلغه وهو يتوجه أن جموع الأعداد كانت كثيرة، فيبدو أنه استفاد من الدرس السابق، فارسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستمده، فارسل إليه النبي مددا من مئتين آخرين بقيادة سيدنا أبو عبيدة بن الجراح، واستطاع بهؤلاء الخمسمائة أن يداهمهم في ديارهم، وقاتلهم وهزمهم وتفرقوا من أمامه. وسيدنا عمرو منع المسلمين من تعقب الفارين لئلا يكون لهم كمين أو مدد. وبهذه السرية ثبتت أحلاف المسلمين مع القبائل في هذه الأحيان ودخلت في حلف المسلمين قبائل أخرى أيضا.

في هذه السرية، كما قلت، أنا لا أتناولها، لكن هنا فيها بعض مزايا وبعض فوائد أحتاج أن أركز عليها.

أولا، الفائدة الأولى؛ هذه السرية توجهت إلى عرب الشمال، قبائل قضاعة، وجرت عادة النبي صلى الله عليه وسلم -كما ذكرنا في غزوة حمراء الأسد- أنه لا يسمح أبدا بطول مدة الهزيمة ولا بتكرارها، بل كان يسرع فيرسل من الجيوش والسرايا يزيل أثر الهزيمة. حصل ذلك في حمراء الأسد وفي بعض السرايا التي لم نتناولها في هذه الحلقات، وسياتي معنا في غزوة حنين إن شاء الله.

فهذه السرية مما نتعلم منه أيضا خطورة الهزيمة وأنها تجرئ وتغري المزيد من الأعداء على إعادة المحاولة من جديد؛ الهزيمة لا يقتصر أثرها على المعركة نفسها بل يمتد إلى غيرها، ويؤثر على عموم الحالة السياسية. فلذلك أنت ترى أن قضاعة تجرأت وفكرت في غزو المدينة بعد الذي حصل في مؤتة.

أيضا من الدروس؛ درس الشخصيات القوية الموهوبة وتولية القيادة ووضعها في المكان اليقظ، مع خالد بن الوليد في مؤتة ورضيه.

النبي عليه الصلاة والسلام الآن يفعل ذلك مع عمرو بن العاص، وهو أسلم قبل أربعة أشهر فقط. فعمرو في هذه السرية كان أميراً على جيش فيه أبو بكر الصديق، الذي هو أول الناس إسلاماً. حقيقةً يا جماعة الخير، كثير من خسائر المسلمين المعاصرة إن لم يكن أكثرها كان سببها تنحية أهل الكفاءة وإبعاد أصحاب الموهبة؛ فلذلك تقدم وتصدر وادار من لم يحسن لا إدارة المعركة ولا إدارة التفاوض ولا حتى إدارة الاتباع.

هنا أنت ترى في هذه السرية سيدنا عمرو بن العاص يقود ويأمر وينهى، وخالفه أحياناً بعض الصحابة وأبو بكر خالفه فنفذ رأي عمرو وأذعن له الباقون باعتبار الأمير. ولما أبو عبيدة خالفه في شيء أذعن أبو عبيدة للأمير، فمسألة الكفاءة وتقديم ذوي الكفاءة وتقديم ذوي الموهبة هذا أمر مهم وله سابقه في سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم؛ الرجل الذي أسلم منذ أربعة أشهر قاد الناس الذين أسلموا من السابقين الأولين.

كذلك من الدروس والوقفات اللطيفة هنا أن سيدنا عمرو بن العاص مع حداثة إسلامه -نحن بنتكلم على أربعة أشهر فقط، هو أسلم منذ أربعة أشهر- لكنه كان قادراً على الاجتهاد، الاجتهاد الفقهي. لأنه يرون أو جاء في الروايات أن سيدنا عمرو بن العاص احتلم في هذه الغزوة، احتلم وأصابته جنابة وكان في ليلة شديدة البرد. طبعاً الإمام، إمام الأمير، يعني إمام السرية، إمام الجيش هو الذي يصلي بهم الصلوات، الإمامة في الاسلام من يصلي بالناس هو أميرهم هو قائدهم.

هنا قام عمرو بن العاص فصلى بالناس إماماً دون أن يغتسل، تيمم فقط. فلما رجعوا وذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم سأله النبي عن ذلك، فقال عمرو: النبي سأله، قال: يا عمرو، صليت وأنت جنب؟ صليت بالناس وأنت جنب؟ فقال عمرو: يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]، ولو كنت اغتسلت لمت. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وسكت، وكان هذا إقراراً منه بما فعل عمرو.

لكن هنا تأمل في سرعة فهم عمرو للإسلام وتقديره للأامر واجتهاده في المسألة أو في الحكم. وهكذا نستطيع أن نقول استقر شان المسلمين أيضاً، انتشرت هيبتهم في أنحاء الشمال. وبينما الأمور مستقرة وقعت حادثة خطيرة، ما هي الحادثة الخطيرة؟

نحن ذكرنا في صلح الحديبيه أنه من البنود المتفق عليها بند الأحلاف؛ أنه من شاء دخل في حلف محمد وعقده، ومن شاء دخل في حلف قريش وعقده. وذكرنا دخلت خزاعة قالت: أما نحن خزاعة ففي حلف محمد، وأما قبيلة بكر التي هي ند أو خصيم أو عدو قبيلة خزاعه دخلت في حلف قريش. هذا الكلام جرى في صلح الحديبية، الأحلاف مسؤولية مشتركة، يعني يتدافع الحلفاء لنصره بعضهم البعض، وكذلك يتحمل الحلفاء مسؤولية ما يرتكبه حلفاؤهم، فهم أصحاب مسؤولية مشتركة في الدفاع، وأصحاب مسؤولية مشتركة في تحمل المسؤولية.

طيب، ما هي الحادثة الخطيرة؟ قبيلة بكر التي هي المتحالفة مع قريش وجدت فرصة لتغضب قبيلة خزاعه عند مكان قريب من الحرم يسمى ماء الوتير، فهاجمته في الليل. وبعض القاده في قريش قالوا: ما يعلم بنا محمد وهذا ليل ولا يرانا أحد، فلذلك أعانوا حلفاءهم من بني بكر بالسلاح فقتلوا منهم عدداً. والروايات تذكر أن الذي أعانهم هو صفوان بن أمية.

فنهض عمرو بن سالم الخزاعي وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وقص عليه ما حصل، وعلى طريقة العرب في أنهم في وصف الأمر بالشعر، فقال مثلاً عمرو بن سالم: يا رب إني ناشد محمداً حلف أبين وأبيه الأتلدا، في حلف قديم يعني فوق الحلف الجديد، قد كنتم ولداً وكنا والداً، ثم أسلمنا فلم ننزع يداً. فانصر رسول الله نصراً أعتدا، يعني نصراً سريعاً حاضراً ناجزاً، وادعوا عباد الله يأتوا مددا، فيهم رسول الله قد تجردا، إن سيم خسفاً وجهه تربدا -الوجه المتربد الذي يظهر فيه الغضب- في فيلق كالبحر يجري مزبدا، إن قريشاً أخلفوك الموعود ونقضوا ميثاقك المؤكدا، وزعموا أن لست أدعو أحداً، هم بيتون -بيتون يعني قاتلونا ليلاً- بيتون بالوتير الماء المكان، بيتون بالورير هجدا، وقتلونا ركعاً وسجدا.

فصاح النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «نصرت يا عمرو بن سالم، نصرت يا عمرو بن سالم». وهنا نجد أنفسنا أمام واحدة من أهم قواعد الحياة ومن أهم قواعد عالم السياسة؛ المعاهدات يا جماعة الخير هي حبر على ورق إنما تحرسها القوة والسلاح. المعاهدات هي لحظة اتفاق بين طرفين وهي لحظة تعبر عن ميزان القوة بينهما، والمعاهدة هذه تنهار إذا اختلت موازين القوة. يعني لا يحصل على المعاهدة إلا من كان قادراً على الحرب، ومن أجل ذلك قالوا: العاجز عن الحرب عاجز عن السلم، فلا يحصل على السلم إلا من كان قادراً على الحرب.

فانعقاد المعاهدة مرهون بالقوة، وكذلك استمرار المعاهدة محفوظ بالقوة. والأحداث ستظل تاتي بالاختيارات والمواقف التي يعرف بها هل هذه المعاهدة لازالت صالحه للبقاء أم الوضع تغير؟ وحين يتغير الوضع تنهار المعاهدة وتكتب معاهده أخرى جديدة بشروط جديدة، والشروط الجديدة تكون تعبير عن الواقع الجديد.

هذه الكلمه "نصرت يا عمرو بن سالم" سرت في العرب حتى وصلت إلى قريش، فعرفت قريش أن معاهدة الحديبية انهارت فسارعت تجدد المعاهدة وابقاء الهدنة وتمديد الهدنة. خرج أبو سفيان مسرعاً إلى المدينة، وهناك في المدينة حدث أمر جديد، وهو ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.