دخولتسجيل الدخول

غزوات النبي | 22. غزوة مؤتة.. أول مواجهة مع القوى العظمى

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، مرحبا بكم أيها الأحباب في حلقة جديدة من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، وهي الحلقات التي نستعرض فيها غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، ونرى فيها هديه في القتال وطريقته في معاملة الأعداء، ونتابع فيها رحلة صعود الإسلام من الضعف إلى القوة والسيادة والتمكين.

في الحلقة الماضية وصلنا بالحديث حتى فتح خيبر وعودة مهاجري الحبشة، وتكلمنا عن غزوة ذات الرقاع، والآن بدا أن الأمور استقرت، طبعا انتهت المعركة مع مكة بصلح الحديبيه، انتهى مركز التمويل والتدبير بفتح خيبر، زاد نفوذ المسلمين واتسع، وأصبح باستطاعتهم أن يضربوا أي تجمع يعني يحشدون ضدهم حول المدينة.

وتوجت قوة المسلمين في أدائهم عمرة القضاء، طبعا لو تتذكرون أن البند الأول في صلح الحديبية كان أن المسلمين يرجعون هذا العام، على أن يأتوا العام القادم، يعني قريش تسمح لهم بالعمره في العام القادم، يعني عام سبعة للهجرة، الصلح كان في سنة ستة للهجرة، وبالفعل تحرك النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ذي القعدة للعمره، وكان معه ألفان من الناس بخلاف النساء والصبيان، واصطحبوا معهم سلاحهم الكامل، حذرا وتحسبا لغدر قريش.

المعاهدة تضمنت أن لا يدخل النبي مكة إلا في السلاح الخفيف، بتعبيره إلا السيف في القِرب في الأغماد، لكن النبي صلى الله عليه وسلم اصطحب معه آلة الحرب كاملة تحسبا، ولما عرف المشركون بهذا بعثوا إليه يقولون: ما عرفناك صغيرا ولا كبيرا بالغدر، فلا تدخل السلاح الحرم، وقد شرطوا عليك ألا تفعل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لن ندخلها إلا كذلك. تمام، فَالنبي اصطحب معه آلة الحرب، لكن لن يدخل مكة إلا بهذا السلاح الخفيف لكي يتجنب أن تغدر قريش.

بهذه الرسالة طبعا كانت قريش أرسلت مكرز بن حفص السفير الفاشل الذي تكلمنا عنه، ولما سمع هذا من النبي صلى الله عليه وسلم عاد يطمئن أهل مكة، ولكن طبعا هذا هو درس لنا نحن في التحسب والحذر التام من المشركين، حتى في أحوال المعاهدة معهم.

إذا، لما دخل النبي مكة أبقى على السلاح خارجها وجعل عليها حراسة من مئتي فارس كان على رأسهم سيدنا محمد بن مسلمة، ودخل هو وبقية الصحابه إلى العمرة. أيضا في العمرة، أثناء العمرة، تحسب المسلمون فكانوا في حراسة النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا يحيطون به، تقول الرواية: كانوا يحيطون به سترا له من غلمان المشركين، لكي لا يكون هناك إنسان طائش، ومن الأمور التي قد يتبرأ منها الكبار.

وحصلت ما يمكن أن نسميه حربا نفسية في أثناء أداء المسلمين العمرة، لأن المشركين أشاعوا أن المسلمين تاثروا بالحُمّى التي هي في يثرب، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة الأولى. الرمل هو الجري الخفيف، فهم أمرهم أن يرملوا هذه الأشواط، وأن يمشوا فيما بين الركن اليماني والحجر الأسود، لماذا؟ هذه الجهة، الجهة بين الركن اليماني والحجر الأسود هي في الجهة الجنوبية.

المشركون لما دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم كرهوا أن يرَوْهُ في مكة، فخرجوا من الحرم وظلوا فوق جبل قعيقعان، لأنهم ما أحبوا أن يكون الرسول يجوس في الحرم أمامهم، فلذلك من كان فوق الجبل من هذه الناحية كان لا يرى هذه الجهة الجنوبية، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «أرملوا»، هذا الجري الخفيف ليرى المشركون قوتكم. فلما فعل المسلمون ذلك كذب هذا المشهد الإشاعة، وقال المشركون بعضهم لبعض: هؤلاء الذين زعمتم أن الحُمّى أوهنتهم، أنهم أجلد من كذا وكذا.

كذلك من الحرب النفسية ما كان ينشده سيدنا عبد الله بن رواحة، عبد الله بن رواحة شاعر وهو أنصاري، كان يمشي أمام النبي صلى الله عليه وسلم ينشد شعرا يقول فيه: خلو بني الكفار عن سبيله خلو فكل الخير في رسوله اليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله

فسيدنا عمر لما سمع هذا قال: يا ابن رواحة، بين يدي رسول الله وفي حرم الله عز وجل تقول الشعر! وكأنه أراد أن يقول القران، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «خِلّ عنه، فإنه أسرع فيهم من نَطْح النبل»، يعني هو أشد عليهم من السهام ومن السيوف.

وأدى النبي صلى الله عليه وسلم مناسك العمرة، وكذلك بعدما أداها سارع فأرسل مئتين من أصحابه ليحرسوا السلاح مكان المجموعة التي كانت في الحراسة، لكي تأتي مجموعة الحراسة فيدخلوا ويؤدوا العمرة. طبعا بمجرد ما انتهى من العمرة سارع المشركون وطلبوا منه، أرسلوا إليه طلبوا منه الخروج بمجرد ما انتهت الأيام الثلاثة التي هي الوقت الذي حدد في المعاهدة.

ومن المشهور في عمرة القضاء هذه أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج من ميمونة بنت الحارث الهلالية، فعرض عليهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم عرسه في مكة وانه يطعمهم ويولم لهم، وقال لهم: ما عليكم لو تركتموني فأعرِّس بين أظهركم وصنعنا لكم طعاما وحضرتموه؟ فقالوا: لا حاجة لنا في طعامك، وأخرج عنا. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ولحقت به زوجته ميمونة في الطريق إلى المدينة.

هذه العمرة نستطيع أن نقول إنه هي كانت أول مشاهد الإسلام التي يشاهدها أهل مكة، أهل مكة لأول مرة يطلعون على صورة المجتمع المسلم وهو يؤدي مناسك العمرة، يؤذن، يؤدي الصلوات الخمس، ويطلع على أخلاق المسلمين يتراحمون فيما بينهم، فهذا مما كانت له آثار في نفوسهم، لدرجة أن بعضهم أسلم في هذه العمرة وكتم إسلامه؛ فمن أسلم ولم يستطع أن يُظهر إسلامه كتمه، ومن استطاع أن يظهر إسلامه التحق بالنبي صلى الله عليه وسلم.

لكن هنا ثبت أن المسلمين يعظمون بيت الله تبارك وتعالى، حتى هند بنت عتبه قالت: والله ما عُبد الله حق عبادته كما عُبد في هذه الليلة. فممن أسلم في هذه الفترة التي هي بين الحديبية وبين الفتح: عمرو بن العاص، خالد بن الوليد، عثمان بن طلحة، طبعا هؤلاء كانوا مكسبا عظيما للمسلمين، نحن بنتكلم عن عبقرية عسكرية خطيرة مثل خالد بن الوليد، ده هي من دُهاة العرب ومُدهاة الحرب والسياسة، مثل سيدنا عمرو بن العاص.

وإذا قرأنا رواية سيدنا خالد بن الوليد عن إسلامه سنرى مدى ما أحدثته هذه العمرة في نفوس أهل مكة، هذه العمرة كان لها تأثير مزدوج؛ التأثير الأول هو تأثير العبادة الربانية الروحية التي شهد عليها أناس ربانيون أخلاقيون، التأثير الثاني هو تأثير القوة والسياسة والمكانة، أنهم بعد سبع سنوات فقط من هجرتهم صاروا قوة وشوكه، وكثروا، ودخلوا البيت الحرام بعقد وعهد.

وحقيقة النفوس يا أحباب تتاثر بكلا الأمرين كل على حدة، النفوس تتاثر بالروحانيات، والنفوس تتاثر بالقوة، فما بالك إذا اجتمع هذان التأثيران؟ فلا شك أن التأثر كان كبيرا.

عمرة القضاء كانت في ذي القعدة من عام سبع للهجرة كما قلنا، إسلام سيدنا خالد وعمرو بن العاص كان بعدها بثلاثة أشهر، كان في صفر عام ثمان للهجرة، ولما أسلم كلاهما، كل واحد منهما لما أسلم، وجد نفسه أمام مهمته الجهادية الأولى بعد الإسلام. طبعا نحن لأننا نتكلم الآن عن الغزوات لا ندخل في التفاصيل، لكن بعد ثلاثة أشهر من إسلام سيدنا خالد كانت غزوة مؤتة.

حقيقة، أنا مما نسيت أن أذكره لدى الحديث عن صلح الحديبية: أن هناك خلاف بين العلماء، هل الحديبية غزوة أم ليست بغزوة؟ الذين قالوا أنها ليست غزوة حجتم مفهومة، وهو أن النبي لم يخرج لقتال ولم يقاتل. لكن الذين قالوا بأنها غزوة كانت حجتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مسلحا، وأنه في بيعة الرضوان بايع الصحابه على الموت وعلى القتال وعلى الصبر، وهو إن لم يقاتل فمثلها مثل الغزوات التي خرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم وعاد دون قتال.

هذه هنا من الأمور التي تفسر لكم أيضا اختلاف العلماء في العدد، عدد الغزوات والسرايا، وأن بعضهم يحسب مثل هذه الأشياء غزوة وبعضهم لا يحسبها. لكن هذا الخلاف الآن ينقلنا إلى الحديث عن غزوة مؤتة، لأن بعض العلماء يحسبها ضمن الغزوات، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رسم خطتها على قدر من التفصيل، النبي عين قائد الجيش وعين بدائل قائد الجيش، وأنه روى لأصحابه وهو بالمدينه أخبار القتال كأنه كان معهم، فلذلك هؤلاء العلماء جعلوا هذه أشهب بالغزوات.

لكن بعض العلماء جعلها سرية كبقية السرايا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج فيها، ونحن ذكرنا سابقا أن الفارق بين الغزوة وبين السرية عند علماء السيرة هو الخروج، خروج النبي فيها، خرج فيها كان اسمها غزوة، لم يخرج فيها كان اسمها سرية.

الآن مؤتة، كما تظهر في الخريطة التي أمامكم، مؤتة هذه في أقصى الشمال، نستطيع أن نقول أنها أعظم توغل في الشمال إلى جهة الشام للمسلمين، المسلمون لم يبتعدوا في غزوة أبدا عن المدينة مثلما ابتعدوا في هذه الغزوة، غزوة مؤتة. لذلك هذه الغزوة كانت إعلانا عن مرحلة جديدة تدخل إليها الدولة الإسلامية.

بداية، لعلكم تذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم في حادثتي الرجيع وبئر معونة ذكرنا كانوا في سفر سنة أربع للهجرة، النبي لم ينتقم من القبائل التي قتلت أصحابه، قلنا ساعتها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرغب في فتح جبهة أخرى مع القبائل العربية قبل أن تحسم المعركة الأهم والمعركة الرئيسية التي كانت مع مكة، وذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم سينتقم فيما بعد لمقتل رجل واحد حين تتغير الظروف.

الآن هذا هو الوقت والانتقام الذي نعنيه، الآن صارت الدولة الإسلامية دولة مكينة نفوذها واسع وغلبت أخطر أعدائها أو هادنت كما حصل مع مكة. وذكرنا أنه من بين الرسائل التي أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم للملوك كانت رسالة إلى ملك بُصري في الشام، ملك بُصري هذا، هذه الرسالة كانت مع رجل سفير للنبي اسمه الحارث بن عمير الأزدي.

فإذا برجل اسمه شُرَحْبيل بن عمرو الغساني، كان أمير البلقاء، ألقى القبض على سيدنا الحارث بن عمير الأزدي وقتله. ذكرنا أن رسائل النبي صلى الله عليه وسلم أرسل تسعة، ثلاثة أسلموا، وثلاثة ردوا ردا لطيفا، واثنين كذبوا وجحدوا كسرى وصاحب اليمامة، وواحد قتل الرسول، وهو الغساني هذا، فهذه هي المرة الوحيدة التي يقتل فيها سفير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وصل هذا الخبر إلى النبي عزم على القتال.

طبعا هذه أولا لم تكن أول مرة يتعرض فيها العرب المنتشرين في شمال الجزيرة العربية، الذين هم في نفوذ الروم، لم تكن أول مرة يتعرضوا فيها للمسلمين، حاولوا أحيانا التحشد لغزو المدينة كما ذكرنا في غزوة دومة الجندل، وكذلك عداوات وتحركاتهم في محاولات قطع الطريق على المسلمين والتعرض للمسلمين.

وهذا استدعى عددا من السرايا والبعوث، طبعا نحن لم نتعرض لها الآن في هذه الحلقات، لأن هذه الحلقات مختصرة ونحن مركزون في الغزوات، فلذلك لم نتعرض لهذه السرايا. لكن هذه لم تكن المرة الأولى، وهؤلاء العرب قتلوا أحيانا بعض من أسلم من عرب الشمال، فلذلك هي لم تكن المرة الأولى التي يقتلون فيها أو يتعرضون فيها المسلمين، لكنها كانت المرة الأخطر، لأنهم تعرضوا الآن لقتل السفير.

النبي صلى الله عليه وسلم أخرج جيشا من ثلاثة آلاف، وهذا كان أكبر عدد لجيش إسلامي حتى ذلك الوقت، وجعل القيادة فيه لزيد بن حارثة، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن قتل زيد فالامر لجعفر بن أبي طالب» وسيدنا جعفر عاد من الحبشة قبل عام وثلاثة أشهر، فحسب ما ذكرنا أن هو عاد من الحبشة مع فتح خيبر التي كانت في المحرم سنة سبعة.

وهنا يبدو لكم يا أحباب أن الجهاد أمر لا يتوقف عنه الإنسان طالما كان حيا، هذه الحياة كلها عمل، كلها بذل، كلها كفاح، حياة لا راحة فيها، ولذلك يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَسَارِعُو إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133].

الآن المهم النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة». إذا النبي وضع قادة المعركه أو وضع القائد وبدائله، وأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يصلوا إلى حيث قتل الحارث بن عمير الأزدي، يدعون إلى الاسلام فإن أجابوا وقبلوا فهو خير، وإلا استعانوا بالله عليهم وقاتلوهم.

هنا من المواقف المؤثرة أن سيدنا عبد الله بن رواحة تاخر عن الخروج مع الجيش، الجيش الذاهب إلى الغزوة، هو أراد أن يصلي الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدرك الجيش. فلما راه النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟» فقال: يا رسول الله، أردت أن أصلي معك الجمعة. فقال صلى الله عليه وسلم: «لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت غدوتَهم»، الخروج معهم، هذا يدلك على مسألة المسارعة إلى الجهاد.

فالجيش الإسلامي وصل إلى منطقة معان، وعندئذ بلغهم أن عرب الشمال تحشد في عدد كبير، بعض الروايات تصل به إلى مئة ألف، ثم دعمهم الروم يقولون بمئة ألف أخرى.

الجيش الذي عدده ثلاثة آلاف صار في مواجهة جيش، كما في الروايات الواردة عند أهل السيرة، في مئتي ألف، وإن كان طبعا في الرقم مبالغة، لكن هذه هي الأرقام الواردة. لذلك عقد هذا الجيش الإسلامي مجلسا للتشاور، تقول الروايات إنه استمر ليلتين، فبعضهم يرى أن نتقدم، وبعضهم يرى أن نرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي يأتينا بمدد.

سيدنا عبد الله بن رواحة تكلم فيهم بكلام حماسي، ورغبهم في الشهادة، وقال: يا قوم، إن الذي تفرون أو الذي تكرهون لهو الذي خرجتم تطلبون، الشهادة. ونحن ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور -يعني غلبة نصر- وإما شهادة. ونفذ رأيه واتفق القوم على ذلك.

بدأ القتال، وما هو إلا قليل من الوقت حتى أسفر عن استشهاد زيد بن حارثة قائد الجيش، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه في الجنة، وقال صلى الله عليه وسلم: «دخلت الجنة فاستقبلته شابة، فقلت: لمن أنت؟ قالت: أنا لزيد بن حارثة».

وصلت الراية بعد ذلك إلى سيدنا جعفر. سيدنا جعفر كان لديه فرس شقراء، فتقول الرواية: فاقتحم بفرسه الشقراء في الجيش، وكان يقاتل وهو ينشد على عادة العربي ذلك، وقلنا إن هذا الإنشاد يشبه في أيامنا هذه الأناشيد الحماسية أو ما شابه. سيدنا جعفر كان يقاتل وينشد:

«يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها علي إذ لقيتها ضرابها»

فضرب ضربة قطعت يده اليمنى، فأمسك الراية بيده اليسرى -الآن يده اليمنى ضاعت-، فضرب ضربة على يده اليسرى، فأمسك الراية بعضديه، وعضديه يعني ظل محتضنا الراية، فانهالت عليه السيوف حتى قتل شهيدا رضي الله عنه.

سيدنا عبد الله بن عمر كان من شهود هذه المعركة، وروى أنهم وجدوا في جسد سيدنا جعفر بضعا وتسعين من طعنة ورمية، فيبدو كان الهجوم مكثفا جدا على سيدنا جعفر. والسيدة عائشة رضي الله عنها روت تأثير هذا الخبر، قالت: لما جاءت وفاه جعفر، عرفنا في وجه النبي صلى الله عليه وسلم الحزن. وقال صلى الله عليه وسلم عن جعفر: «رأت جعفر بن أبي طالب ملكا في الجنة مدرجة قوادمه بالدماء يطير في الجنة». وقال في رواية أخرى يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن جعفرا يطير مع جبريل وميكائيل، له جناحان عوضه الله من يديه». لذلك كان سيدنا عبد الله بن عمر إذا لقي عبد الله بن جعفر -اللي هو ابن سيدنا جعفر- قال له: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين. وظل هذا اللقب في أبناء سيدنا جعفر رضي الله عنه.

زيد قتل، جعفر قتل، فجاءت الراية إلى عبد الله بن رواحة، فتقدم بها، وهو -سيدنا عبد الله بن رواحة- شعر في نفسه ببعض التردد أو بعض التأخر، فانشد يحفز نفسه يقول لها:

«أقسمت يا نفس لتنزلن أو لتكرهنه أو لتكرهن الناس وشد الرنة مالي أراك تكرهين الجنة قد طال ما كنت مطمئنة هل أنت إلا نطفة في شنة»

-الشنة هو السقاء البالي الجراب الذي يسقى فيه- هل أنت إلا شيء بسيط؟ وورد عنه أيضا أنه كان يحفز نفسه فيقول:

«يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليتي وما تمنيت فقد أعطيت إن تفعل فعلهما هديتي»

يعني فعل زيد وجعفر. وأخذ في القتال حتى قتل شهيدا رضي الله عنه. النبي صلى الله عليه وسلم تكلم عن فضل الأمراء الثلاثة في حديث طويل، وهو رؤيا له صلى الله عليه وسلم عن مشاهد الجنة ومشاهد النار، وذكر فيه أنه كان يسير مع ملكين، فقال: ثم أشرف بي الملكان على نفر ثلاثة يشربون من خمر لهم، فقلت: من هؤلاء؟ قال: هذا جعفر، وهذا زيد، وهذا عبد الله بن رواحة.

إذا، قتل القادة الثلاثة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان قد قال: «فإن قتل عبد الله فليستعمل المسلمون من شاؤوا»، لم يسم بعدهم قائدا. فقبل أن تسقط الراية، أخذها رجل من الصحابه اسمه ثابت بن أرقم، وهذا صار ينادي: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم. وأحيانا يقولون إنه هو ثابت توجه بالراية إلى خالد بن الوليد -أو المعركة الجهادية الآن الكبيرة- فأعطاها له.

سيدنا خالد قال: أنا ما زلت... المهم سيدنا خالد حاول ألا يأخذها؛ لأن في المسلمين من هو أسبق منه، لكن ثابت بن أرقم قال: ما أخذتها إلا لكي أعطيها لك. وفي ذلك اليوم قاتل سيدنا خالد بن الوليد قتالا عظيما مشهودا، وهو نفسه ذكر عن نفسه قال: تكسرت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف.

في المدينة المنورة، وعلى هذا البعد الطويل، كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في الناس فيقول لهم: «ألا أخبركم عن جيشكم الغازي؟ انطلقوا، ولقوا العدو. أصيب زيد شهيدا، فاستغفروا له» فاستغفر له الناس. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم أخذ اللواء جعفر فشد على القوم حتى قتل شهيدا» اشهدوا له بالشهادة واستغفروا له. «ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى أصيب شهيدا» فاستغفروا له. «ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء هو أمر نفسه» ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم هو سيف من سيوفك فانصره». فيومئذ سمي خالد سيف الله.

ماذا فعل خالد؟ هذا ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.