دخولتسجيل الدخول

غزوات النبي | 21. غزوة خيبر

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

مرحباً بكم أيها الأحباب في حلقة جديدة من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، نستعرض فيها غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، ونتابع فيها رحلة صعود الإسلام من الضعف إلى القوة والتمكين والسيادة.

في الحلقة الماضية وقفنا مع الجيش الإسلامي عند أسوار أول حصن من حصون خيبر الثمانية، ذكرنا حصن ناعم، وكان ضمن مجموعة النطاة. ذكرنا أنه خيبر كانت عدة حصون مقسمة على ثلاث مجموعات؛ مجموعة النطاة، مجموعة الشق، ومجموعة الكتيبة. مجموعة النطاة الأولى، أول حصن فيها هو حصن الناعم، وذكرنا أنه هناك أيضاً حصون أخرى أصغر وأقل قوة، وذكرنا أنه جيش المسلمين دار من الجنوب إلى الشمال ففاجأ أهل خيبر من الشمال.

وبينما هم ذات صباح خرجوا من حصونهم، وجدوا أنفسهم أمام الجيش، فعادوا ورجعوا فزعين مرعوبين، يقولون: محمد والخميس، الخميس يعني الجيش. فعادوا مسرعين إلى حصونهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين»، وكررها ثلاث مرات.

بدأ المسلمون حصار حصن ناعم الذي هو الحصن الأول، وهذا الحصن حقيقة أجهدهم، أخذ منهم جهدا كبيرا. قاد القتال فيه أبو بكر رضي الله عنه ولكن لم يفتح له، ثم تولى القيادة بعده عمر رضي الله عنه أيضاً لم يفتح له، ومات تحته بعض الصحابة منهم سيدنا محمود بن مسلمة، هذا مات لأنه كان في هذا الحصن بطل يهودي معروف فارس اسمه مرحب، القى عليه من فوق الحصن رحى فأصابته وقتلته.

فكان الناس عشرة أيام في حصارهم لهذا الحصن لا يستطيعون فتحه، كأنه لما طالت مدة الحصار تشجع اليهود وشجع قائدُهم وفارسُهم وبطلهم مرحب، فتجرد ونزل يطلب المبارزة، وعلى عادة العرب اخذ يهتف بشعر يمدح فيه نفسه ويذكر فيه بطولته، ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب شاك السلاح بطل مجرب، إذا الحروب أقبلت تلهب. هذه بمثابه الأغاني الحماسية مثلا في عصرنا هذا، كان العرب آنذاك يتغنون بهذا الشعر.

فخرج له من المسلمين عامر بن الأكوع، عامر بن الأكوع هذا هو عم سيدنا سلمة بن الأكوع الذي ذكرنا بطولته في غزوة الغابة في الحلقة الماضية، وخرج يقول له: قد علمت خيبر أني عامر شاك السلاح بطل مغامر. وهنا تقول الرواية: فاختلفا ضربتين. قلنا اختلف ضربتين يعني كل منهما ضرب صاحبه، فعامر استطاع أن يصد ضربة مرحب، لكن ضربة عامر لشدتها وقوتها تجاوزت مرحب فأصابت عامرا نفسه، فكأنه ضربه بشدة فأصاب نفسه وقطع وريده، فقتل في ذلك، لدرجة أنه حتى بعض الناس اشتبه عليه الأمر، ظن أنه قد يكون منتحرا أو ما شابه. سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «كذب من قال ذلك بل له أجره مرتين». كلمة كذب تستعملها العرب بمعنى أخطأ أيضاً، ليس هو الكذب الذي هو تغيير الحقيقة، ولكن كذب فلان يستخدمونها بمعنى أخطأ فلان.

في هذه الليلة العاشرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله». فبات الناس متشوقين لمعرفة هذا البطل، وكان كلهم يرجو أن يكون هو، لأن النبي قال يحبه الله ورسوله. فلما أصبحوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين علي بن أبي طالب؟» فقيل يا رسول الله يشتكي من عينيه، كان أصابه رمد. قال: «فأرسلوا إليه». فُتي به، فتفل النبي صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له، فقام كأن لم يكن بعينه شيء، وأعطاه الراية.

وهنا بدأت مرحلة قيادة سيدنا علي لحصار الحصن، وخرج إليه مرحب وهو يهتف بشعره يقول: قد علمت خيبر أني مرحب شاك السلاح بطل مجرب، إذا الحروب أقبلت تلهب. فرد عليه سيدنا علي بأبياته المشهورة: أنا الذي سمتني أمي حيدرة، كليث غابات كريه المنظره، أكوفهم بالصاع كيل السندره. فتبارك مرحب فقتله.

فكان في هذا الفتح سيدتنا أم سلمة رضي الله عنها أم المؤمنين، كانت شاهده على هذا الفتح فقالت: قد سمعت وقع السيف في أسنان مرحب، يبدو أنها كانت ضربة قوية للغاية. ولما سقط القائد مرحب سقطت المدينة الحصن وسرى فيهم الرعب، وهذا يؤكد لنا ما كنا ذكرناه مراراً وتكراراً أهمية القيادة والقائد؛ كاد كل نجاح أن يكون بسبب القيادة والقائد، وأحياناً غالباً ما يكون كل فشل بسبب القيادة والقائد.

بعد ذلك توجّه المسلمون إلى الحصن التالي، وهو حصن الصعب بن معاذ، وحمل رايتهم في هذا سيدنا الحباب بن المنذر رضي الله عنه، واستطاعوا فتحه بعد ثلاثة أيام. وكان أهم ما وجد في هذا الحصن الطعام الكثير، المسلمون في ذلك الوقت كانوا في قلة من الطعام، فكان هذا الطعام الذي غنموه من الحصن كان إنقاذآ لهم وأنجادا لهم.

وبعد ذلك توجه المسلمون إلى حصن قلعة الزبير، وهو الحصن الثالث في المجموعة الأولى، وقطعوا مجرى الماء الذي يغذي الحصن، فقاتلوهم أيضا ثلاثة أيام وفتح الله عليهم الحصن، وبذلك تكون المجموعة الأولى من حصون خيبر، وهي مجموعة النطاة، قد فتحت وكانت أشد حصون اليهود وكان فيها أشد مقاتل.

وبعد ذلك انتقل المسلمون إلى المجموعة الثانية، وهي مجموعة الشق، وهذه كان فيها كما ذكرنا حصن أبي، وحصن نزار، واقتحموهما على الترتيب، وفي كل مرة كان اليهود يفرون إلى الحصون التالية. وبالتالي لم يبق إلا المجموعة الثالثة من الحصون التي تسمى حصون الكتيبة، وأيضا حاصر المسلمون حصن القاموس، وهذا كان أكثر هذه الحصون مناعة، وحصن الوطيح بعده، وحصن السلالم بعده، وظلوا في هذا أربعة عشر يوما إلى أن طلب اليهود الصلح واستسلموا.

في هذه الغزوة، غزوة خيبر، وقعت بعض الوقائع الجليلة. من هذه الوقائع الجليلة المهمة واقعة رجل مجهول؛ رجل أعرابي مجهول أسلم وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة خيبر، ولما جاءت بعض الغنائم أرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم نصيبه منها، فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «قسمته لك» يعني نصيبك من القسمة. قال الأعرابي: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى بسهم هنا، وأشار إلى حلقه، قال: ولكني اتبعتك على أن أرمى بسهم هاهنا فاموت فأدخل الجنة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن تصدق الله يصدقك». هذا الرجل في أحد الحصون، وبينهما هو في الحصار، جاءه سهم في الموضع الذي أشار إليه فقتله، فجاؤوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: «أهو هو؟» قالوا: نعم يا رسول الله. قال: «صدق الله فصدقه الله». وكفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبته، وصلى عليه ودعا له وقال: «اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا، وأنا شهيد على ذلك». فهذا موقف الأعرابي موقف عظيم.

على النقيض من هذا الموقف، موقف آخر مقاتل فارس شجاع كان يقاتل حتى وصفه الصحابه بقولهم: ما كان لا يدع شاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه. وقالوا فيه: ما أجزأ منا أحد اليوم كما أجزأ فلان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما إنه من أهل النار». فاستغرب الصحابه لذلك، خرج من الصحابه رجل صار يتتبعه يحاول أن يتفهم ويكتشف السبب، فإذا به يجده جرح جرحا شديدا هذا الفارس. وبينما في الحرب جرح جرحا شديدا فلم يصبر، فانتحر بسيفه، وضع قائم السيف هكذا على الأرض ثم اتكأ عليه فوقع على سيفه فقتله السيف. فجاء هذا الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أشهد أنك رسول الله. فقال النبي: «وما ذاك؟ ما السبب؟» قال: الرجل الذي ذكرت لنا أنفا أنه من أهل النار، وأعظم الناس ذلك استغرب الناس، خرجت في طلبه فرأيته جرح جرحا شديدا فاستعجل الموت، فقتل نفسه قتل بيده. فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث المثير والمفزع والمخيف حقيقة، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة».

كذلك في هذه الغزوة أيضا وقع موقف آخر، وهو أيضا موقف مؤلم ترى فيه عاقبة الطمع والجشع ومسألة حب المال. النبي صلى الله عليه وسلم جاؤوا إليه برجل توفي يوم خيبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا على صاحبكم»، طبعا هو قتل قال النبي صلوا عليه، توفي فالنبي قال صلوا على صاحبكم، يعني النبي لن يصلي عليه، هذه علامة غضب، علامة أن هناك معصية وعدم قبول، لأن النبي لن يصلي عليه. فتقول الرواية فتغيرت وجوه الناس، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن صاحبكم غل في سبيل الله». غل يعني اخذ من الغنيمة قبل أن تقسم، يعني اخذ ما ليس من حقه، هذا هو الغلول. ففتش الصحابة متاعه، فوجدوا خرزا من خرز يهود لا يساوي درهمين، الشيء الذي أعجبه ولم يصبر فيه على نفسه شيء زهيد وسيء أخذه لنفسه قبل أن تقسم، يعني أهلك نفسه من أجل أمر بسيط ورخيص لم يقاوم فيه شهوة نفسه. فمثل هذه المواقف تخبرنا أنه حتى الجهاد، حتى الذين خرجوا للجهاد، يحتاجون إلى قدر هائل من مقاومة النفس، ومن الصبر على الشهوات، ومن تحمل الأذى والجراح في سبيل الله، وكذلك يحتاجون إلى الصدق مع الله تبارك وتعالى، كما حدث للأعرابي الأول.

الان لو أردنا أن نحلل غزوة خيبر فنستطيع أن نقول أن غزوة خيبر كانت من الغزوات الفارقة اقتصاديا. احنا ذكرنا أن خيبر كانت من أكثر الأماكن أموالا، وأن المسلمين غنموا منها كثيرا من الثياب والسلاح والمتاع والطعام والابل والبقر والغنم، يعني مدينة اقتصادية كبيرة. نستطيع القول أنه الحالة الاقتصادية للدولة الإسلامية قبل خيبر كانت شيئا، وبعد خيبر كانت شيئا آخر، ولذلك يروى قول عائشة: ما شبعنا من تمر حتى فتحت خيبر.

الاستسلام الذي استلمه اليهود كان على هذا الشرط، أن الاتفاق الذي وقع بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن يرحل اليهود عن خيبر، وأن يحملوا معهم ما أطاقه ركابهم، وهي الأموال المنقولة إلا الذهب والفضة والسلاح. واشترط عليهم النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يكتموا شيئا ولا يغيبوا شيئا، لا يخفوا شيئا، لا يطمروا شيئا، فإذا فعلوا ذلك وثبت أنهم أخفوا أشياء وغيبوا، فلا ذمة لهم ولا عصمة، يعني لا أمان لهم.

ومع ذلك غدروا، فمما أخفوه كان مسكا لحيي بن أخطب. المسك يعني نقول حقيبة، نقول صندوق، نقول شيء لحيي بن أخطب، هذا كان فيه ذهب وفضه، وهذا أخذه معه لما خرج من بني النضير، لما أجلي بنو النضير من المدينة إلى خيبر أخذه معه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعم حيي بن أخطب: «ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير؟» فقال عم حيي: أذبته النفقات والحروب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا، العهد قريب والمال أكثر من ذلك»، يعني غزوة النضير في آخر أربعة للهجرة، والان نحن في بدايه سنة سبعة للهجرة، فيقول له: لا، العهد قريب والمال أكثر من ذلك، ليس هو المال الذي يهلك في هذه الفترة.

فلذلك كلف النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا الزبير بن العوام بتولي هذا الأمر، أن يحقق في هذا الموضوع. سيدنا الزبير حقق معه، ضغط عليه، مسه ببعض العذاب والأذى فكشف عن مكانه. فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابني أبي الحقيق، وكان أحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب. وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بسبب هذا النكث الذي نكثه لعهدهم، ولذلك أراد أن يجليه بلا شيء أبدا.

فعرض عليه اليهود عرضا جديدا؛ اليهود عرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقوا في خيبر، لكن تحت حكم النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم أخبر بالزراعة، يزرعوها يقومون برعايتها كما كانوا، هم أقدر على زراعتها من الصحابة، على أن تكون الضريبة يؤدوا للمسلمين نصف ثمار خيبر. طبعا في نفس الوقت أيضا هذا كان يوافق أن النبي صلى الله عليه وسلم والصصحابة لم يكن عندهم من الأيدي العاملة، وكذلك لم يكن عندهم من الفراغ للزراعة ما يتسع لإدارة أرض خيبر، فوافق النبي صلى الله عليه وسلم على هذا العرض، واشترط عليهم أن يخرجهم منها متى ما شاء. وجودهم هنا هو وجود مؤقت، وجود نوع من المن والفضل، وليس وجود مالكين لأرضهم أو مستوطنين في هذا المكان، فوافقوا على ذلك، وبقي يهود خيبر على هذا الحال إلى عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم بدات منهم خيانات فأجلاهم سيدنا عمر في مسألة يأتي لها الكلام إن شاء الله إذا تكلمنا عن عصر الراشدين.

ممن تولى إحصاء الأموال وجبايتها سيدنا عبد الله بن رواحة، وسيدنا عبد الله بن رواحة كان هو مسؤول أخذ الأموال من اليهود، وكالعاده حاولوا اغراءه ببعض الأموال، بعض الهدايا، لكي يتخفف عنهم في مسألة الإحصاء. فسيدنا عبد الله بن رواحة قال لهم مقالة الصحابي العادل الأمين، قال لهم: يا أعداء الله، أتطعمون السحت؟

والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إليّ، رسول الله، ولأنتُم أبغض الناس إليّ، وما مع ذلك لا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن أعدل فيكم.

فقالوا: بهذا العدل قامت السماوات والأرض.

ممن سبي في هذه الغزوة صفية بنت حيي بن أخطب، زعيم بني النظير المقتول في بني قريظة كما حكيناها في الحلقات السابقة. وهذه صفية اعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها وصارت أم المؤمنين. ولو تذكرون، هي التي روت لنا كيف أن أباها حيي بن أخطب عرف النبي وعزم على عداوته، وروت لنا أيضاً هذه الرواية العجيبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في عينها كدمة وتورماً وخضرةً أو زرقةً كأن أصابتها ضربة، فقال: «ما هذه الخضرة يا صفية؟».

قالت: كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق -يعني كانت عند زوجها السابق- وكنت نائمةً فرأيت كأن قمراً وقع في حجري، فلما أخبرته بذلك -يعني استيقظت وحكت له أنها رأت هذه الرؤيا- فالرجل فسر الرؤيا فلطمها وقال: تمنين ملك يثرب! -يعني هو فهم أنها من هذه الرؤيا ستتزوج محمداً صلى الله عليه وسلم- فلطمها وقال: كأنك أنت تتمنين وتشتهين أن تكوني زوجة ملك يثرب الذي هو النبي صلى الله عليه وسلم.

فقالت صفية رضي الله عنها: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبغض الناس إليّ لأنه قتل زوجي في الحادثة التي ذكرناها قبل قليل لما أخفى مسك حيي بن أخطب، وقتل أبي -لأن أبوها قتل في بني قريظة بعدما حرض على النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب- فتقول: فما زال يعتذر إليّ النبي صلى الله عليه وسلم، فما زال يعتذر إليّ ويقول: «إن أباكِ ألّبَ عليّ العرب، وأباكِ فعل، وأباكِ فعل» حتى ذهب ذلك من نفسي.

في هذه الغزوة أيضاً حاول اليهود أن يسموا النبي صلى الله عليه وسلم، القصة المشهورة عن الشاة المسمومة؛ لأن واحدةً منهم -امرأةً منهم- طبخت شاةً وأهدى منها اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن وقع الاتفاق. الرواية في البخاري، هذه الرواية تبين أن عملية التسميم هذه كانت بمعرفة وتواطؤ من مجموعة من اليهود، لم تكن تصرفاً فردياً من المرأة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم اصاب منها شيئاً -أخذ منها شيئاً- ثم عرف أنها مسمومة فأمسك، إلا أنه ما زال متاثراً بهذا الجزء الذي اصابه منها حتى وفاته صلى الله عليه وسلم. لكن صاحبه، أحد الصحابة الذين كانوا معه، سيدنا بشر بن البراء أكل منها -لم يصب شيئاً كالنبي، ولكن أكل منها- فسمم فمات متأثراً بالسم. النبي صلى الله عليه وسلم كان قد صفح عن هذه المرأة، لكن لما مات بشر من هذا السم سلمها إلى أوليائه فقتلوها قصاصاً.

هنا سنجد غزوة خيبر، لما هذا المركز الكبير سقط وفتح، فألقى سقوطه الرعب في المراكز اليهودية الأصغر؛ كان في هناك مركزين آخرين: فدك وتيماء. وهذا أيضاً يذكرنا من جديد بقاعدة العواصم التي تكلمنا عنها كثيراً في مطلع هذه الحلقات؛ أن العاصمة الكبيرة التغيير فيها يؤثر بسرعة على الأطراف والأقاليم. فلذلك هذه المراكز الأصغر، فدك وتيماء، كانت ضمن الفيء -ذكرنا أنه فتحت بدون قتال، ونحن ذكرنا أحكام الفيء أو شيئاً من أحكام الفيء لما تكلمنا في غزوة بني النظير-.

لما وصل الخبر إلى مكه، خبر فتح خيبر، طبعا زاد ذلك المشركين هماً وغماً، خصوصاً وقد حصل موقف لطيف؛ أحد الصحابة كان قد أسلم، وهذا رجل أراد أن يرجع إلى مكة ليأخذ أمواله، فذهب إلى مكة يجمع أمواله ليشترى بها غنائم المسلمين التي صارت تباع في الأسواق، كل هذا لكي يستطيع أن يخرج بأمواله من مكة دون أن يعترضه أحد. فلما دخل إليهم بهذا الخبر، انعش هذا الخبر آمالهم، ولكنه لما خرج جاءتهم حقيقة الخبر وأن النبي هو الذي انتصر عليهم وهو الذي غنم غنائمهم، فانقلبوا من ذروة الفرحة إلى ذروة الغيظ، فالخبر لما يكون متوقعاً بيكون أهون وأقل وقعاً من الخبر حين لا يكون متوقعاً.

وهنا أيضاً ترافق هذا النصر، فتح خيبر، مع واقعه عزيزة أخرى وهي عوده مهاجري الحبشه. في هذه الأجواء وصل مهاجر الحبشة الذين كانوا في الحبشه بقيادة سيدنا جعفر بن أبي طالب، فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم من غنائم خيبر كأنهم حضروها. أعطاهم قسمهم كأنهم حضروها، طبعا المهاجرين لم يعد لهم أموال ولا أملاك، لكن هذه العوده لمهاجري الحبشه هي في حقيقتها دليل قوي على أن هجرة المسلمين إلى الحبشة لم تكن مجرد فرار من عذاب المشركين في مكة، لكنها كانت بمثابة الاحتياطي الاستراتيجي للمسلمين، لو أنها كانت نجاة من عذاب المشركين لكانوا قد عادوا بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، لكنهم بقوا هناك حتى حققت الدولة الإسلامية الأمن وتمكنت واعترف بها في صلح الحديبية، فعندئذ قدموا مرة أخرى من الحبشة.

الغزوة، غزوة خيبر، كانت في المحرم من عام سبعة للهجرة، بعد شهر واحد من عقد صلح الحديبية تقريبا، وبعدها بشهرين كانت غزوة ذات الرقاع، غزوة أخرى كانت في ربيع الأول من عام سبعة للهجرة، وهذا هو الصحيح. طبعا بعض العلماء جعلها في السنة الرابعة، هذا خلاف متخصص لا يهمنا كثيراً الآن في هذه الحلقات.

لكن الغزوة سميت بذات الرقاع لأن الصحابة كانوا يلفون على أرجلهم الخرق؛ الراحلة قليلة، والظهور قليلة، ولدرجة تقول أنه كانت تسعة نفر كانوا يتعاقبون على بعير واحد، البعير الواحد يحمل تسعة بالتعاقب، فلذلك تأثرت أقدام الصحابة بلت نعالهم، لذلك استعملوا الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع.

وهي كانت من الغزوات الاستباقية التي قادها النبي صلى الله عليه وسلم، المفاجأة تعمل على تشتيت العدو وعلى إهاء خطره، وبسط المسلمون نفوذهم في هذه الأحاديث. طبعا غزوة ذات الرقاع هذه كانت في منطقة الشمال الشرقي من المدينة وأيضاً إلى الشمال الشرقي من خيبر.

إلى هذا الحد تكون الدولة الإسلامية قد تمكنت من مكاسبها السياسية والعسكريه، وانتقلت نقلتها الاقتصادية، وبقي أن نرى القفزة الجديدة القادمة، وهذا ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.