بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، مرحبا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من برنامج غزوات النبي صلى الله عليه وسلم. نستعرض فيها غزوات النبي، نرى فيها طريقته وهديه في الحرب، وفي مقاتلة الأعداء، وفي معاملة الأسرى، ونتابع فيها رحلة صعود الإسلام من الضعف إلى القوة والتمكين. وصلنا في الحلقة الماضية إلى الحديث عن صلح الحديبية، وكيف أن المسلمين عادوا منه وهم يتألمون وتاكلهم الحسرة والمرارة لأنهم لا هم اعتمروا ولا هم انتصروا، بل رجعوا ومعهم اتفاقية ظاهرها فيه الظلم لهم، ولم يستطيعوا أن ينقذوا أخاهم المسلم الذي جاء يستغيث بهم، بل سحب أمامهم إلى حيث سيعذب من جديد. ومع ذلك، نزل قول الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1].
طيب، كيف كان صلح الحديبية فتحاً، بل كيف كان فتحاً مبيناً؟ هنا سنجد أنه حقيقة صلح الحديبية يحفل بالمشاهد التي تستحق أن نتوقف عندها. بداية، النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أرحم الناس بأمته على الإطلاق، سنراه ترك مسلما مستغيثا مستجيرا مظلوما، اللي هو أبو جندل بن سهيل بن عمرو، تركه مع علمه أن أباه سيعذب وسيؤذى في مقابل أن يتم هذا الاتفاق. وقال له: اصبر يا أبا جندل، أنا قد عهدنا القوم عهداً ولسنا بغادرين بهم. فلذلك سنفهم، هذا الموقف يجعلنا نفهم أن المصلحة المقصودة من الاتفاق أكبر وأعلى من مصلحة المسلم المعذب المضطهد.
ثانياً، النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الناس مشاورة لأصحابه ونزولاً على رأيهم، ورأيناه قبل ذلك ينزل، بل رايناه في صلح الحديبية ينزل على رأي أبي بكر في بدايته لما اقترح عليه أن يميل على الأحابيش. النبي صلى الله عليه وسلم هنا أمضى رأيه في هذا الصلح مع أن صحابته كانوا كارهين له، وقال عمر: ألسنا رسول الله ولن يضيعني؟ وقال في رواية: إني رسول الله ولست أعصيه. نفهم من هذا أنه إنفاذ هذا الصلح كان من أمور الوحي: إني رسول الله ولست أعصيه ولن يضيعني، فهذه كلمات نفهم منها أنه كان وحياً، الأمر بإمضاء الاتفاق.
الأمر الثالث، أن النبي صلى الله عليه وسلم تجاوز استفزاز القرشيين لمصلحة إتمام هذا الاتفاق. بينما كانوا يكتبون الاتفاق، حاول بعض الشباب من قريش -ذكرت الروايات أنهم بين العشرين والسبعين- حاولوا أن يهاجموا معسكر المسلمين في غفلة منهم، لكن الحراسة الإسلامية اليقظة تمكنت من أسر هؤلاء المهاجمين ووضعتهم أمام النبي صلى الله عليه وسلم. فالنبي عفا عنهم وأطلق سرحهم مع أنه كان يمكنهم أن يقتلهم لأنهم هم الذين هاجموهم والذين نقضوا العهد والعهد كان يكتب بالفعل، وحتى سبحان الله نرى رسول الله لم يفاوض عليهم أمام أبي جندل، يعني لم يترك أبا جندل مقابلهم وإنما فنفهم من هذا أيضاً مدى حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إتمام هذا الاتفاق.
الأمر الرابع، أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر صحابته الذين شهدوا الحديبية وبايعوا بيعة الرضوان، بشرهم بالمكان العظيمة الرفيعة، قال لهم: «أنتم اليوم خير أهل الأرض»، وقال في مواطن أخرى: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد» الذين بايعوا تحتها. حتى لما أنه حاطب بن أبي بلتعة -وسناتي في قصه فتح مكه لما أخطأ الخطأ المشهور أنه حاول تسريب خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعض الناس: لا يدخلن حاطب النار- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كذبت، لا يدخلها، فانه شهد بدرا والحديبية».
هذه المعاهدة كانت ظاهرة الاجحاف، والنبي كان حريصاً على إضاء هذا الاتفاق رغم كل هذا الذي ذكرناه. طيب، إذاً لماذا سمي صلح الحديبية بالفتح المبين؟ السبب في هذا يا أحباب، أنه هذا الصلح كان اعترافاً سياسياً بالدولة الإسلامية، اعترافاً من النظام الإقليمي بالدولة الإسلامية. يعني يشبه في أيامنا الآن الاعتراف الدولي، وأن يكون للدولة مثلاً مقعد في الأمم المتحدة، وأن تتعامل معها بقية الدول وتعتترف لها بقية الدول بالسيادة والاستقلال. وطبعاً هذا الأمر ليس شيئاً هيناً أبدا أبدا، هذا مكسب عظيم، والقرآن يسميه فتحاً مبيناً ونحن لا نرى أي مكسب إلا هذا الاعتراف. لكن يجب أن نقول إنه الاعتراف بالدولة لا تناله الدولة إلا بعد أن تثبت نفسها وترسخ وجودها، وبعد أن يعجز أعداؤها عن إزالتها، عندما لا يكون ممكناً إزالتها ولا يكون ممكناً اجتياحها، ساعةئذ يلجو النظام إلى الاعتراف بها. وأعداء الدولة الإسلامية عجزوا عن اجتياحها في غزوة الأحزاب، وطبعاً تلكأت قريش وحلفاؤها في الاعتراف بالدولة الإسلامية حتى أخذ النبي منهم زمام المبادرة ووضعهم في موقف جعلهم في حرج بين أن يقاتلوا وبين أن يعقدوا اتفاقاً وهدنة.
فهذا الاعتراف الدولي بالمصطلح المعاصر والهدنة ووضع الحرب وإيجاد الحرية لعقد أحلاف، هذا مكن الدولة الإسلامية من الانفتاح والدعوة، ولذلك تضاعف عدد المسلمين في هذه الفترة، الفترة التي هي بعد صلح الحديبية. الصحابه استغربوا أول الأمر من أنه هذا يسمى فتحاً ولم تكن نفوسهم تطيب بما حصل، لكن لما نزلت عليهم سورة الفتح، ساعةئذ طابت نفوسهم. سيدنا البراء بن عازب يقول للتابعين: يقولون تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً لا شك في ذلك، طبعا. ولكن يقول البراء: ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية.
الإمام الزهري رضي الله عنه، أحد دواوين الإسلام الكبيرة محمد بن شهاب الزهري، يقول: لم يكن في الإسلام فتح قبل فتح الحديبية أعظم منه، إنما كان الكفر حيث القتال. الآن لما توقف القتال وامن الناس وكلم بعضهم بعضاً وتفاوض في الحديث، لم يكن أحد في الإسلام يعقل إلا بادر إلى الدخول فيه. يعني في هذين السنتين -هذه كلمة الزهري- في هاتين السنتين من صلح الحديبية إلى فتح مكة، دخل في الإسلام مثل الذين دخلوه من أول الدعوة وأحياناً أكثر. لك أن تتخيل، في سنتين زاد عدد المسلمين كالذي حققوه في عشرين سنة.
كذلك إمام السيرة ابن هشام يقول يدل على ذلك، على كلام الزهري، أنه خرج في الحديبية ألف وأربعمائة، وخرج بعد سنتين إلى فتح مكة في عشرة آلاف. الإمام ابن حجر يقول إنه هذا الفتح، الفتح المبين كان حصل لما وقع الصلح وقع الأمن؛ لأنه لم الهدنة لم يكن هناك حرب، تمكن من يخشى الدخول في الإسلام والوصول إلى المدينه من أن يفعل. وحصل ذلك طبعا فيما بعد: سيدنا خالد بن الوليد وعمرو بن العاص. إذاً، مع كل انتصارات المسلمين ماضية ومع نمو قوتهم، لكن مكة ذات السيادة صاحبة البيت والحرم مركز التجارة في الجزيرة العربية، كانت تقف حائلاً دون أن يفكر أي أحد أن يمد علاقة مع الدولة الإسلامية. يعني المصالحة مع المسلمين أو العلاقة مع المسلمين كانت تساوي معاداة مكة في ذلك الوقت. وطبعاً ما لا يوجد أحد في جزيرة العرب يحب أن يعادي قريشاً، لكن لما اعترفت مكة بالدولة الإسلامية وسالمتك، صار متاحاً إنشاء الأحلاف مع الدولة الإسلامية. ساعةئذ أقبل الناس على التواصل مع المسلمين، فبالتالي تواصلوا مع المسلمين وتعرفوا على المسلمين، وما هو إلا أن يسلموا.
طبعاً كذلك هذه الهدنة التي مكنت الناس من سهولة الحركة والتجارة والتنقل، هذا مما أتاح للمسلمين ولغير المسلمين كثيراً من التواصل، واستثمره المسلمون بطبيعة الحال في الدعوة العالمية. هذا نستطيع أن نقول التوطئة، هذا التوطئة للدولة الإسلامية، لا نقول زاد من مكانتها، بل نقول قفز بمكانتها وهيبتها في الجزيرة العربية. وطبعاً هذا الاتفاق، مع كونه ظاهرياً في صالح مكة وفي صالح قريش، لكنه في حقيقته تعبير عن هزيمتهم وعن تناقص قوتهم، لأنهم أجبروا على الاعتراف بكيان كانوا هم في مكة قبل أشهر يعملون على استئصاله وعلى اجتثاثه وعلى إزالته.
حتى هذا البند المثير المحرج الذي كان يبدو في صالح قريش، ظهرت فيما بعد الحكمة منه، وهو بند: من جاء -من ارتد من المسلمين لم ترده قريش ومن جاء النبي مسلما رد بغير إذن وليه رده إليهم-. ما الذي حصل؟ الذي حصل أنه لم يرتد المسلمون، لكن استمر المشركون في الدخول في الإسلام. فمنهم من أسلم وهو مالك لأمره وشأن نفسه -ليس لأحد ولاية عليه أو هو زعيم في نفسه أو في قومه- كخالد بن الوليد، كعمرو بن العاص، فهؤلاء أسلموا، فكسب الإسلام وخسرتهم قريش. طبعا خالد هذا العبقرية الحربية الكبيرة، وعمرو هو العبقرية السياسية الداهية، أحد دهاة العرب سيدنا عمرو بن العاص. فهذان البطلان الكبيران أبصرا أن الإسلام حق، وأنه دليل، الدليل على أنه حق هو هذا النمو والصعود المستمر، فأسلم والتحق بالمسلمين.
أما الذين كانوا مضطرين إلى الاستئذان من أوليائهم، هؤلاء أيضاً لم يستطيعوا أن يظلوا في مكة، فلذلك بادر أحدهم، وهذا رجل صحابي فدائي معروف اسمه أبو بصير، هذا الرجل كونت مجموعة من المسلمين الذين أسلموا الآن الذي يسلم لن تقبله الدولة الإسلامية بل سترد. الآن هم لا يريدون أن يرجعوا، فكونوا مجموعة فدائية من المسلمين الذين أسلموا، تجمعوا في ناحية وأخذوا يغيرون على قوافل مكة التي بدأت تستانف تجارتها من جديد نحو الشام. هذا الموقف حقيقه يسميه بعض إخواننا تسمية ذكية، يسمونه: المشهد الممنوع من العرض في صلح الحديبية. ليه؟ حقيقة لأنه هذا صلح الحديبية جرى تشويهه في واقعنا المعاصر، الآن صلح الحديبية صار دائماً حاضرا على أساس أنه مادة وتأصيل شرعي للتنازل في الدين والتنازل في المفاوضات. كل من يريد أن يتنازل من الإسلاميين المعاصرين يستشهد بصلح الحديبية، لكن نفس هذا الصلح، صلح الحديبية، وجد فيه هذا المشهد، مشهد نوع من العرض، مشهد أبي بصير.
النبي لم يقبله في المدينه لأنه كان ينفذ الاتفاق مع مكة، لكن النبي أيضاً لم يعرقل عمل أبي بصير في استهداف قوافل قريش، يعني النبي لم يأخذ في شجبه وإدانته واستنكاره ويقول: هؤلاء إرهابيون ما لناش علاقة بهم. وطبعاً هذه الأمور التي حقيقه يلزم بها وتبدو عن وتصدر من الإسلاميين الذين يفوضون، الإسلاميين الذين يفوضون ويتنازلون يحبون دائماً أن يتبرؤوا وأن يدينوا ويجب ما يفعله الآخرون، النبي لم يفعل ذلك. فحقيقة المهم بالفعل اضطرت قريش بعد تكرار ضربات هذه المجموعة، مجموعة أبي بصير، أن تسعى لدى النبي صلى الله عليه وسلم للتنازل عن هذا البند؛ لأنه ظهر أنها خسرت منه ولم تكسب. فلذلك تنازلت قريش عن هذا البند، والتحقت هذه المجموعة بالمدينة ودخلت المعاهدة.
نستطيع أن نقول الآن إنه أهم ما ترتب على صلح الحديبية أمران: الأمر الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ في مرحله الدعوة العالمية، فبدأ في مراسلة الملوك وأطراف النواحي. الأمر الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد سكون جبهة الحرب مع مكة بدأ في الالتفات إلى الجبهات الأخرى التي كانت مركز الكيد له، وكان في طليعتها المركز الأكبر خيبر، المركز اليهودي الكبير.
هنا لن نتكلم كثيراً عن الرسائل التي أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم للملوك والحكام؛ لأننا نتكلم الآن عن الغزوات، وهذه الرسائل يمكن أن تدرس أكثر في الجانب السياسي، لكن سأتي بإشارات سريعة. في مجمل ما حصل أنه النبي أرسل تسع سفارات تمام، تسع سفارات، وهكذا ردودها على هذه الشاكله: جاء أسلم ثلاثة أمراء، البحرين وعمان واليمن، هؤلاء أسلموا استجابوا للنبي صلى الله عليه وسلم وأسلموا. وثلاثة آخرين ردوا رداً لطيفاً: ملك الحبشة رد رداً لطيفاً وأسلم سر، ومقوقس مصر رد رداً لطيفاً وكذلك قيصر الروم، رد على النبي ولم يتعرض له. يبقى ثلاثة أسلموا، وثلاثة ردوا رداً لطيفاً، واثنان جحدوا وعاندوا، وهذا هو كسرا فارس، وصاحب اليمامة من بني حنيفة، هذا اشترط أن يكون هو الوارث للنبي صلى الله عليه وسلم، فالردود هنا كانت لا ليس لا فيها لطف ولا فيها اتباع. ثم أجرم أمير الغساسنة إجراماً بأنه قتل السفير الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيدنا عمير بن الحارث الأزدي. فهذا مجمل الحركة السياسية وما أدت إليه.
أما الغزوات التي كانت بعد صلح الحديبية، فأول ما وقع بعد رجوع المسلمين من الحديبية غزوة تسمى غزوة الغابة. هذه غزوة مميزه من غزوات المسلمين؛ لأنه رواها لنا سيدنا سلمة بن الأكوع، وسلمة بن الأكوع قام فيها بدور بطولي عظيم يشبه ما يقرأ في القصص البوليسية أو ما يشاهد في أفلام الأكشن. طبعاً نحن جيلنا كان يقرأ روايات رجل المستحيل ونحو ذلك، فسيدنا سلمة حديثه عظيم جداً، أنا أرجو أن يرجع الناس إليه إلى نصه؛ لأنه لا يسعنا الآن الكلام عنه بالتفصيل. لكن خلاصه ما حصل أن هجمت فرقة من غطفان على ناحية من أطراف المدينة كان فيها الإبل، فأخذوا بعض الإبل وكان فيها إبل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلوا الراعي.
هنا راهم غلام لسيدنا عبد الرحمن بن عوف، فسرعان ما نقل الخبر، أخبر به سلمة بن الأكوع، وسيدنا سلمة قام فصرخ في المدينة لكي يسمع أهلها بالذي حصل، وانطلق هو بنفسه في طلب القوم. هو سيدنا سلمة كان رامياً بالمصطلح المعاصر كان قناصاً، لكن طبعا بالسهام في ذلك الوقت. هنا سيدنا سلمة أدرك هؤلاء الذين هربوا في مكان يسمى ذي قرد، كانوا يشربون، فظل في مطاردتهم بسهامه إلى درجة.
أنهم لم يستطيعوا أن يقيموا، فهربوا منه، فكان يصيبهم إذا رماهم، طيب، إذا هم حاولوا الهجوم عليه كان عداءً سريعاً فكان يهرب منهم. إذا سلكوا وادياً فسيحاً رماهم بالسهام من فوق الجبال والأنحاء، طيب، إذا ضاق بهم الوادي صار يصعد على الأكمة والمرتفعات ويرميهم يعني إما أنه يطاردهم بالسهام في الوادي الفسيح، إذا ساروا مساراً ضيقاً صعد على الجبل، فلذلك يعني أرهقهم وأعجزهم، واضطروا أن يتركوا الإبل التي اخذوها.
وكلما تركوا شيئاً فكان سيدنا سلمة يختار حجراً مميزاً ويلقيه في نفس المكان لكي يتعرف عليه الذين سياتون من ورائه، وبعدين حتى صاروا يعني هروباً منه يتخففون من ثيابهم وسلاحهم، ولما عزموا على التصدي له كانت قد وصلت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن نهض معه من الصحابة، فأدركه سلمة بن الأكوع وقد قام بالمهمة خير قيام فاستكملوا المطاردة حتى بلغوا منازلهم.
هذه هي غزوة الغابة، وسميت هذه الغزوة لخروج النبي صلى الله عليه وسلم فيها، وإن كانت على هذا النحو البسيط هي يعني نوع من المطاردة العسكرية، لكن أهم الغزوات وأكبر الغزوات بعد صلح الحديبية هي غزوة خيبر، وهذه كانت بعد غزوة الغابة هذه بثلاثة أيام فقط.
حقيقة كانت خيبر من يعني بشريات صلح الحديبية، فمن ضمن ما نزل في سورة الفتح -نحن ذكرنا أن الحديبية نزل فيها سورة الفتح- من ضمن ما نزل في سورة الفتح قال تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: 18-19]. ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: 20]، فهذا الفتح المفسرون على أنه هذا الفتح القريب هو فتح خيبر والمغانم الكثيرة هي مغانم خيبر، وبعضهم قال مغانم خيبر وما بعدها من الفتوح، والمغانم المعجلة هذه فعجل لكم هذه هي غنائم خيبر.
طيب، نحن ذكرنا من قبل كيف كانت خيبر مركز تمويل ومركز تخطيط، ومنها خرجت أخطر غزوة على الدولة الإسلامية اللي هي غزوة الأحزاب، وذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مهتماً وحريصاً أن يفتح على نفسه جبهة أخرى حتى ينتهي من قريش، ولما انتهى جبهة قريش بدأ في الذهاب إلى خيبر.
هناك عدد من الأعراب تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى الحديبية، هؤلاء الأعراب ناداهم النبي للخروج معه فتخلفوا، لماذا تخلفوا؟ لأنهم اعتقدوا أن المسلمين منهزمون لا محالة، هؤلاء يتجرؤون على غزو قريش في عقر دارها في مكة، فلذلك كما قال تبارك وتعالى: ﴿بَل ظَنَنتُم أَن لَن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالمُؤمِنُونَ﴾ [الفتح: 12]، هم جاؤوا يعتذرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكشف الله عن خبايا نفوسهم، قال: ﴿بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: 12].
لكن خيبر أرض خصبة وذات ثمر، ولذلك هؤلاء الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله أرادوا أن يخرجوا معه إلى خيبر، لكن النبي صلى الله عليه وسلم منعهم لأن الله أمره بهذا، فلم يخرج إلى خيبر إلا ألف وأربعمائة الذين شهدوا صلح الحديبية، وتقرون هذا في سورة الفتح: ﴿فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: 83].
الخطير هنا في غزوة خيبر بالنسبة للمسلمين -يعني الآن أنا ذكرت مسألة الأعراب لأنهم منعوا من الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم- لكن الآن نحن نتوجه إلى خيبر، الخطير في خيبر أنها كانت بعيدة وكانت منيعة، هي طبعا تقع على بعد حوالي 170 كيلومترا من المدينة، وهي مجموعة سلسلة من الحصون المنيعة، هي ثمانية حصون في ثلاث مجموعات.
المجموعة الأولى اسمها مجموعة النطاة، هذه فيها ثلاثة حصون: حصن ناعم، حصن الصعب بن معاذ، وحصن قلعة الزبير. المجموعة الثانية مجموعة الشق أو الشق، هذه كان فيها حصنان: حصن أبي وحصن النزار. المجموعة الثالثة كان اسمها مجموعة الكسيبة، هذه فيها ثلاثة حصون: حصن القموص، حصن الوطيح، وحصن السلالم.
ليس من المهم أن تحفظوا هذه الأسماء يعني، لكن القصد أنه في ثلاث مجموعات، وكل مجموعة: الأولى فيها ثلاثة حصون، الثانية فيها حصنان، الثالثة فيها حصنون، وهناك حصون أخرى لكن أقل في المناعة وأصغر في المساحة.
اتجه النبي إلى خيبر من طريق الشمال، يعني اتجه إليها من جهة غير متوقعة، يعني هو ذهب شمالا وعاد إليهم، لعله أراد بذلك أن يقطع عليهم طريق الهروب، أو لعله أراد أن يفاجئهم من جهة غير متوقعة، يعني المدينة من الجنوب، فالنبي أراد أن يأتي إليهم من الشمال، على كل حال سواء كان هذا أو كان ذلك فالحاصل أن نزلت المفاجأة بأهل خيبر فعلا، ولم يشعروا إلا جيش المسلمين يستقبلهم في الصباح، ما أن خرجوا إلى أراضيهم خارج الأسوار حتى فوجئوا بالجيش فعادوا مسرعين فزعين إلى حصونهم.
وهنا بدأ الجيش المسلم في ضرب الحصار على أول هذه الحصون: حصن ناعم، احنا ذكرنا حصن ناعم هذا هو الحصن الأول ضمن المجموعة الأولى اللي هو مجموعة النطاة، وعند حصن ناعم جرت مبارزة خطيرة، هذه المبارزة نراها إن شاء الله في الحلقة القادمة.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي