بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، مرحبا بكم أيها الأحباب في حلقة جديدة من سلسلة حلقات غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، حيث نستعرض فيها غزوات النبي صلى الله عليه وسلم ونرى فيها هديه في الحرب، هديه في معاملة الأعداء، معاملة الأسرى، الفارق بين حروبه صلى الله عليه وسلم وحروب غيره من البشر، ونتابع رحلة صعود الإسلام وانتقاله من الضعف إلى القوة والسيادة والتمكين.
في الحلقة الماضية كنا وصلنا إلى السفارات التي كانت في غزوة الحديبية، وذكرنا أننا سنحاول تقسيم المشهد إلى ثلاثة أقسام؛ القسم الأول هو سفراء قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهذا ذكرناه وانتهينا منه، والمشهد الثاني هو سفراء النبي إلى قريش، والمشهد الثالث نحاول أن نحلل فيه ما حصل.
الآن المشهد الثاني اللي هو سفراء النبي إلى قريش؛ النبي صلى الله عليه وسلم ارسل من جهته رجلا اسمه خراش بن أمية الخزاعي، هذا رجل من خزاعة، هذا الرجل لما وصل إلى مكة كادت قريش أن تقتله لولا أن منعهم الأحابيش، الأحابيش ذكرنا أنهم كانوا حلفاء قريش، وذكرنا أن منهم كان أحد سفرائها اللي هو الحليس بن علقمة، وذكرنا أن هذا الرجل عاد إلى قريش وقد توترت بينهم العلاقات لأنهم يريدون أن يمنعوا أحداً من أن يحج إلى البيت وقد جاءه معتمراً.
فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن قريش كادت تقتل رجلاً من خزاعة، فعزم على أن يرسل رجلاً من صميم قريش، تكلم مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يبعثه سفيراً، فسيدنا عمر قال: يا رسول الله، إني أخاف قريشاً على نفسي، سيدنا عمر ذكر أنه ليس من بني عدي أحد يمنعني، قبيلة بني عدي كانت قبيلة من أواسط القبائل في قريش ليست قبيلة كبيرة، يقول عمر: وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها.
ولذلك سيدنا عمر اقترح على النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسل عثمان بن عفان، لأن عثمان بن عفان طبعا من بني أمية بني عبد شمس، فهؤلاء من سادة قريش الكبار من العائلات الكبيرة، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم وبعثه إلى قريش، وكانت المهمة الأساسية لسيدنا عثمان أن يثبت للقرشيين أن النبي لم يأت لحرب، ولكنه جاء زائراً معتمراً معظماً للبيت، وهذا أمر يحرج قريشاً ويضعها في مأزق سياسي، لأنه ليس مقبولاً أن تمنع من جاء يريد زيارة البيت كما ذكرنا في الحلقة الماضية.
طبعا تحير زعماء قريش في هذا الوضع، ولذلك عرضوا على عثمان أن يطوف بالبيت، أنتم تعرفون هذه المسائل التفاوضية، فسيدنا عثمان رفض وقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يجري أحياناً يريدون سحب التنازلات، هذا أمر من يقرا في السياسة يعرفه، محاولة كسر المفاوض أو اجتذاب المفاوض أو حتى إغراء ممثل القوم، لكن سيدنا عثمان تصلب وقال: ما كنت لأطوف بالبيت قبل أن يفعل رسول الله، فقريش أمهلت، قالوا له: انتظر حتى نتشاور في الأمر، وبقي في مكة أياماً.
لكن هنا خرجت إشاعة تقول أن قريشاً قتلت عثمان، وهي طبعا حاولت أن تقتل السفير الأول، لما وصل هذا الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم جمع صحابته ودعاهم إلى البيعة على قتال المشركين، إما على الموت أو على قتال المشركين، وهذه حقيقة كانت واحدة من أخطر اللحظات في التاريخ الإسلامي، هذه بيعة الرضوان، ذكر لما وصل إلى المسلمين خبر مقتل عثمان بن عفان بدأت بيعة الرضوان.
هنا مع هذه الشائعة نهض الصحابة إلى البيعة، بيعة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك تحت ظل شجرة، عرفت البيعة باسم بيعة الرضوان، وعرفت الشجرة أيضا باسم شجرة الرضوان، لماذا؟ لأن الله تبارك وتعالى أنزل: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18].
فبايع الصحابة النبي على القتال وعلى الموت وعلى عدم الفرار، وهنا وقعت مكرمة لعثمان رضي الله عنه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أثناء البيعة وضع يده اليسرى فوق يده اليمنى وقال: «هذه بيعة عثمان»، يعني بايع له النبي عن نفسه.
سرعان ما وصل الخبر إلى قريش خبر البيعة، فهذا أفزعهم وأرعبهم، وسارعوا لتكذيب الشائعة بإطلاق سراح عثمان بن عفان.
طيب هنا دعونا نقف لندخل في المشهد الثالث لكي نحلل ما حصل؛ بدايه نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ زمام المبادرة وانه وضع قريشاً في حرج، واستعمل في ذلك ما يسمى في القانون الدولي أو الأعراف الدولية، استخدم هذا الحق الأصيل، العرب لم تكن تقبل أن تتحكم قريش في البيت كأنه ملك لها، هذه الأعراف الدولية المجتمع الدولي، هذه الألفاظ حقيقة تكون بلا معنى إذا خلى الإنسان من القوة، لكن حين يتسلح بالقوة فهنا من السياسة أن تستعمل هذه الأعراف وهذه القوانين في صالح الأمة وفي صالح الدولة المسلمة.
النبي استند إلى أعراف دولية، إلى قانون دولي، أنا الآن أحاول تقريب المصطلحات، فهذه المصطلحات كلها لا قيمة لها إلا أن تكون قوياً، إذا كنت قوياً يمكنك أن تستخدمها.
الآن الاخذ بزمام المبادرة جاء في الوقت المناسب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقول: ويح قريش قد أكلتها الحرب، هنا سنجد أنفسنا أمام ثمرة قد تحققت بالفعل من السنوات الماضية؛ غلق الطريق التجاري المتجه إلى الشام، الحروب التي لم تستطع فيها قريش أن تزيل الدولة الإسلامية، بل كانت الدولة الإسلامية هي التي تنمو وتصعد وتزداد قوة.
هنا أيضا حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الاقتراب الشديد من مكة لكي يكون هذا إضافة له وقوة له في التفاوض، ويفرض بذلك أمرا واقعا على الجميع، سواء على قريش أو على من سيتوسطون.
رقم أربعة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم حرص على تأكيد حال قوته، وأنه أقوى من قريش، وأنه في حال قوته مستعد للمصالحة والمهادنة، رغم هذه القوة.
رقم خمسة؛ الآن رغم هذه القوة حرص النبي على تأكيد أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائراً للبيت معظماً للبيت معتمراً، وهذا وضع قريشاً في حرج أمام العرب، فلذلك أنت ترى هنا أن النبي أخذ زمام المبادرة، فعل كل ما يمكن أن يجعله في موضع قوة، جاء في وقت مناسب من ضعف خصمه، استخدم هذه الأعراف والقوانين الدولية، ثم تظهر درة وحكمه السياسة النبوية في تعامله مع السفراء.
السفير الخزاعي المتعاطف اللي هو بديل بن ورقاء، هذا وجد من النبي شرحاً هادئاً كما ذكرنا؛ السفير الذي جاء مهدداً ومتوعداً؛ عروة بن مسعود صاحب الخبرة الدولية القديمة الذي ذهب إلى كسرى وقيصر والنجاشي، فالنبي صلى الله عليه وسلم ترك لأصحابه أن يردوا عليه بما يردعه، أبو بكر نطق بهذا السباب الذي وجهه إليه، ابن أخيه المغيرة بن شعبة كان يضرب يد عمه بالسيف حين كان يمد يده إلى رحية رسول الله، والنبي تركه ينظر ويشاهد كيف هو تماسك المسلمين وتلاحمهم حول نبيهم صلى الله عليه وسلم، فلذلك هذا الذي جاء مهدداً جعل يرجع، رأى في معسكر النبي ما لم يره في ملك كسرى وقيصر والنجاشي، فعاد راجعاً بغير الوجه الذي ذهب به.
السفير الذي يعظم الكعبة ويعظم الطقوس والشعائر، النبي لم يخاطبه أصلاً، وإنما أظهر له مظاهر النسك والعمره والتلبية والهدي، فرجع وصار ضد قريش بعد أن كان سفيراً لها.
وسياتي معنا بعد قليل كيف تعامل النبي أيضاً مع سهيل بن عمرو، وهو سفير قريش الأخير والذي سيعقد اتفاقية الحديبية؛ المظهر الأشد في التعبير عن القوة هو مظهر بيعة رضوان، ألف وأربعمائة واحد تعاهدوا على الموت وعلى القتال وعلى ألا يفروا.
لذلك يا جماعة الخير أمام هذا الوضع الذي نستطيع أن نقول انقلبت فيه الأمور على قريش، وجدت قريش حلاً ينقذ هيبتها ومكانتها، وهو أن لا يدخل المسلمون البيت هذا العام، العرب علمت أن قريش مستعدة للقتال، وأنها ترفض دخول محمد، هذا هو الخط الأحمر الذي كان في سياسة قريش، أن لا يظهر محمد وكانه قد نجح وأجبر قريشاً على ما كانت ترفضه، وهو الدخول.
لذلك الخط الوسط أو الحل الوسط أنه يعود هذا العام لكي لا ينزلوا من عليائهم، لا ينزلوا، لا يخترق خطهم الأحمر، ويأتوا في العام القادم، ولذلك أرسلت سفيرها الأخير سهيل بن عمرو وهو يحمل هذا الحل.
طبعا سهيل بن عمرو كان رجلاً فصيحاً، كان خطيب قريش، أشبه ما يكون الآن بوزير الخارجية، الشخصية الدبلوماسية، أنت تعرف الناس أصحاب الفصاحه غير الناس أصحاب السلاح، شخصية دبلوماسية تحاول أن تصل إلى الحلول التي تتجنب الحروب، أنت حين ترى لقاءات وزارة الخارجية أو وزراء الخارجية أو مسؤول التفاوض فتعلم أن الأمور سائرة إلى حل دبلوماسي ليس إلى حل عسكري، بخلاف ما لو ترى المشهد يتصدره وزراء الدفاع وقاده الأركان.
سهيل بن عمرو خاض مفاوضات مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه المفاوضات انتهت إلى صلح الحديبية، هذا الصلح كتبه سيدنا علي بن أبي طالب، خلاصه هذا الصلح في أربعة بنود.
البند الأول: ألا يعتمر المسلمون هذا العام وياتون للعمره في العام القادم، وهذا هو الذي أنقذت به قريش هيبتها.
البند الثاني: هدنة بين الفريقين لمدة عشر سنوات.
البند الثالث: أن قبائل العرب يمكنها أن تنضم إلى أحد الفريقين في أحلاف، هذا اعتراف بالدولة الإسلامية، فبالتالي الدولة الإسلامية يمكنها أن تعقد اتفاقيات وأحلافاً برضا قريش، لا يعتبر الدخول في حلف محمد إغضاباً لقريش، ولا يعتبر الدخول في حلف قريش معاداة لمحمد.
والرابع، وهذا شرط مهم: أن من ارتد عن الإسلام وعاد إلى قريش فهو وما أراد، لكن من أراد من قريش أن يسلم وخرج منها بغير إذن وليه فعلى المسلمين أن يردوه وألا يقبلوه.
وهنا سنرى سهيل بن عمرو أظهر التشدد في كتابة العقد في أكثر من موضع؛ مثلاً حين أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب في أول الصلح بسم الله الرحمن الرحيم، قال سهيل: أما الرحمن فما ندري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنا نكتب، فالمسلمون قالوا: لا، لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي: اكتب باسمك اللهم، هذه مرة.
المره الأخرى قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا ما تعاهد عليه محمد رسول الله، قال سهيل: ما كنا نعلم أنك رسول الله، ولو علمنا أنك رسول الله ما صددنا عن البيت، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، ولكن اكتب محمد بن عبد الله».
هذه البنود الأربعة منها نستطيع أن نقول منها بندان مقبولان؛ بند الهدنة الذي يستمر عشر سنين، هذا ذكرناه أنه كان عرض النبي على بديل بن ورقاء الخزاعي في البداية، وكذلك بند الدخول في الاحلاف، وهذا البند بند الدخول في الاحلاف هذا حصل بشكل عملي وسريع في وقت كتابة العقد، لأنه اختارت قبيلة خزاعة، وكانوا موجودين، اختارت قبيلة خزاعة أن تدخل في عقد المسلمين وفي حلف المسلمين، واختارت قبيلة بكر أن تدخل في حلف قريش وفي عهد قريش، وهذا الحلف فيه نوع من المسؤولية المشتركة بين الحلفاء.
لكن كان فيه بندان آخران مؤلمان بالنسبة للمسلمين؛ البند الأول الذي يلزمهم بالرجوع هذا العام وقد صاروا على مشارف مكة، الصحابه تشوقوا للبيت الحرام، تشوقوا لمكة، صاروا بالفعل قريبا من مكة، لم يكونوا يشكون في أنهم سيعتمرون لأنهم لما سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم راى هذه الرؤيا لم يكونوا يشكون في أنهم سيعتمرون.
طيب البند المؤلم الآخر هو البند القاضي بأنه من أسلم من قريش وخرج إلى المسلمين بدون إذن وليه فان المسلمين يردونه، بينما من جاء من المسلمين وارتد عن دينه فان قريشاً تقبله، هذا الشرط كان واضح الانحياز إلى مصلحة المشركين، وكذلك هو لا يعبر عن موازين القوة الحاصله الآن بين قريش وبين مكة.
طبعا سيدنا عمر تكلم بلسان الصحابة وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ فقال النبي: «بلى»، قال عمر: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال النبي: «بلى»، قال: فَلِمَ نعطي الدنية في ديننا، نمشي ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا ابن الخطاب، إني رسول الله ولن يضيعني أبداً».
ذهب عمر إلى أبي بكر، كان لا يزال متغيظاً مش فاهم، يقول له: يا أبا بكر، ألسنا على حق وهم على باطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ عم نعطي الدنية في ديننا؟ فأبو بكر قال: يا ابن الخطاب، إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبداً.
زاد في شدة هذا البند وفي مرارة هذا البند أن المحنة العملية التنفيذ العملي له حصل في نفس هذه اللحظة، سهيل بن عمرو كان له أبناء، منهما ابنان
عبد الله بن سهيل وأخوه أبو جندل بن سهيل؛ هؤلاء أسلموا وحبسهما سهيل بن عمرو في مكة، فلما جاءت غزوة بدر؛ اصطنع عبد الله بن سهيل أنه سيخرج ليقاتل مع أبيه، وامتنع عن ذلك أبو جندل. فلما اقترب الجيشان في بدر؛ وثب عبد الله على فرسه ولحق بالمسلمين فكان معهم، فهذا الذي أنجاه من حبس أبيه، لكن أبو جندل لم يستطع أن يهرب من هذا الحبس إلا في هذه اللحظة الفاصلة لحظة صلح الحديبية. ومن عجيب تدبير الله أن أبا جندل وصل في اللحظة الأخيرة لكتابة العقد، وصل وكان يرصف في قيوده، معه القيود وعليه علامات الرهق والتعذيب التي كان يضربه أبوه، فألقى بنفسه بين المسلمين مستغيثا بهم.
سهيل بن عمرو كان قد تلقى في صلح الحديبية طعنة معنوية؛ لأنه أحد شهود العقد، وكان ولده عبد الله بن سهيل شهيدا على وثيقة الاتفاق في طرف النبي صلى الله عليه وسلم، وطبعا ذكرنا أنه كان حريصا على أن يظهر كمتشدد في الاتفاقية لكي لا تبدو قريش وكأنها مغلوبة أو في حال ضعف. فلما رأى سهيل ولده أبا جندل؛ صاح مع النبي صلى الله عليه وسلم: هذا يا محمد أول ما أقاضي عليه أن ترده إلي، رجل جاء من قريش بغير إذن وليه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: نحن لم نقض الكتاب بعد، قال: إذا لم أصلحك على شيء أبدا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجزه لي، قال: ما أنا بفاعل، لدرجة أن مكرز بن حفص -وهو السفير الفاجر كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم- خشية من انهيار الاتفاق؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أجزنا لك، لكن سهيل بن عمرو أبى، وعزم أن يرجع إليه أبو جندل وإلا فلا اتفاق.
أبو جندل طبعا تفاجأ بالوضع، وصار يصيح مستغربا ومستغيثا بالمسلمين: يا معشر المسلمين، أرد إلى المشركين جئت مسلما؟ ألا ترون ما لقيت؟ -ويقولون كان قد عذب عذابا شديدا- أتردوني إلى المشركين ليفتنون في ديني؟ فكان هذا الموقف مما زاد من الألم والمرارة والشدة والمحنة على نفوس المسلمين. والنبي صلى الله عليه وسلم كان من جهته حريصا على إمضاء هذا الاتفاق، فقال له: يا أبا جندل، اصبر واحتسب؛ فإن الله جاعل لك وللمستضعفين معك فرجا ومخرجا، لقد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطينا على ذلك العهد ولا نغدر بهم.
سيدنا عمر حاول أن ينقذ أبا جندل بطريقته رضي الله عنه، فكان يسير إلى جوار أبي جندل ويقرب إليه السيف لكي يسحبه ويقتل أباه، ويقول له: اصبر يا أبا جندل، اصبر؛ فإنما هم المشركون، وإن دم أحدهم دم كلب، لكن أبا جندل أيضا لم تقبل نفسه أن يقتل أباه، فاستسلم مرة أخرى للأسر. لذلك الصحابة كانوا في كرب شديد، حتى إنه أحد الصحابة سيدنا سهل بن حنيف -وكان سيروي فيما بعد للتابعين هذا الموقف- يقول: لقد رايتني يوم أبي جندل ولو أني استطيع أن أرد أمر رسول الله لرددته، فهذا كان أكثر موقف أمكن الصحابة أن يخالفوا فيه النبي ولكن شدة إيمانهم منعتهم.
طبعا ظهر هذا بوضوح حين عقدت الاتفاقية؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يقوموا فينحروا الهدي ويحلقوا رؤوسهم كما يفعل المعتمر، فلم يقم منهم أحد، النبي يناديهم ثلاث مرات فلم يقم منهم أحد. فدخل النبي على أم المؤمنين أم سلمة وذكر لها ما يرى من الناس وهو يقول لها: هلك الناس، أمرهم ولا يطيعون، فقالت أم سلمة: يا نبي الله، اخرج لا تكلم أحدا، ثم انحر، وادع حَالقاً فيحلق. ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فلما رأى المسلمون ذلك؛ قاموا فنحروا هذه الأنعام والهدي، وجعل بعضهم يحلق رأس بعض حتى كاد بعضهم يقتل بعضا من الغم.
وعاد الصحابة إلى المدينة، بينما هم في الطريق نزلت سورة الفتح تقول: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1]. استغرب الصحابة، كيف يكون صلح الحديبية فتحا؟ وهنا موضع تأمل، لأنهم لم يقاتلوا ولم ينتصروا بل ولم يعتمروا، كل أهدافهم لم تتحقق، وأشد من ذلك أنهم عادوا باتفاقية تبدو مهينة ومذله، ويبدو وكأنهم هم الخاسرون فيها، فكيف يكون مثل هذا فتحا مبينا؟
عند هذا السؤال نتوقف ونجيبه إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي