دخولتسجيل الدخول

غزوات النبي | 18. غزوة الحديبية

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

انتهينا في الحلقة الماضية من الحديث عن غزوة بني قريضة، وفي التي قبلها عن الحديث عن غزوة الأحزاب، وذكرنا بأنه الدولة الإسلامية انتقلت بغزوة الأحزاب نقلة جديدة وصارت آمنة لا يخشى عليها من الاجتياح، وهذا الأمر يعني أنها في بداية توسعها، وقد عبر عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا». بعد غزوة بني قريضة صارت المدينة خالصة للمسلمين وتخلصت من الكتل اليهودية الكبيرة، وبذلك نستطيع القول إنه في هذه اللحظة كانت الدولة الإسلامية آمنة، أعني المدينة الآن آمنة من خارجها وكذلك من داخلها.

ولهذا أول ما سنراه مما نستطيع أن نسميها عمليات ردع الأعداء المحرضين على المسلمين، عملية خاصه هذه نفذها سيدنا عبد الله بن عتيك ومجموعته، هذه العملية حصل فيها اغتيال رجل اسمه سلام بن أبي الحقيق، هذا الرجل لو تتذكرون أنه كان ضمن وفد العشرين الذين قادوا التخطيط لغزوة الأحزاب وخرجوا من خيبر وحرضوا قريشاً وغطفان. وهذه العملية لم يأمر بها رسول الله لكن كانت بمبادرة من الأنصار من الخزرج، الخزرج رأوا أن الأوس قد سبقوهم في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهنا طبعا تأملوا يا أحبابنا حقيقة هذا الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والتنافس في حب الرسول صلى الله عليه وسلم، يعني نحن هنا أمام عمليات فدائية حباً لله وابتغاء مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه عمليات فدائية تأديباً للذين يسبون النبي ويشتمونه ويحرضون عليه.

فالأوس سبقوهم بالعملية التي قام بها محمد بن مسلمة في اغتيال كعب بن الأشرف ذكرناها قبل ذلك، فلذلك بحثوا عن أيضا أو يعني نظروا أو اختاروا رجلاً على نفس المستوى من الإذاء ونفس المستوى من العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم ومن التحريض على النبي صلى الله عليه وسلم ليتخلصوا منه كما فعل الأوس، فلذلك وقع اختيارهم على هذا الرجل وهو اسمه أبو رافع سلام بن أبي الحقيق، وذهبوا يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وأذن النبي لهم. الخطورة في هذه العملية أن هذا الرجل الذي هو أبو رافع هذا كان يقيم في حصن له، فلذلك ذهب سيدنا عبد الله بن عتيك وتصنع أنه من أهل هذا الحصن حتى استطاع أن يدخل واستطاع أن يتسلل إلى بيت أبي رافع، القصة مذكورة طبعا في كتب السيرة على نحو من التفصيل أنه يعني قام كأنه يقضي حاجته، وحسبه الحارس من أهل هذا البيت وحارس الحصن فنادى ليدخل، المهم تسلل إلى الحصن، تسلل إلى بيت أبي رافع وكلما دخل إلى حجرة أو يعني كلما اجتاز باباً أو اجتاز ممراً أغلق عليه الباب من الخلف بحيث لا يستطيع أحد أن ينجد أبا رافع أو أن يلحق بعبد الله بن عتيك حتى توصل إليه وهو بين أهله وأولاده، وطبعاً في ذلك الوقت كانت الدنيا ظلاماً في الليل، لم يكن الناس اكتشفوا الكهرباء أو يعني كانت المشاعل تكون على الطرق، فاستطاع صار ينادي عليه طبعا هو الآن بين أهله وولده فصار ينادي عليه ويقول أبا رافع، فيجيبه فاستطاع أن يميزه في الظلام حتى قتله وعاد متسللاً إلى الخارج.

وفي أثنائه عودته هذه سقط من شرفة فكسرت رقيته رضي الله عنه، لكنه بقي كامناً في الحصن حتى اطمأن إلى أنه قد قتله بالفعل، حتى اطمأن إلى سمع الناعي ينعي مقتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق، فهنا انطلق خارج الباب وأسرع راجعاً مع أصحابه، ولما وصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحدثه بما حصل مسح النبي صلى الله عليه وسلم على رجله فبرأت كأنها لم يشكو منها قط، فهذه واحدة من أهم عمليات الردع.

بعدها خرج النبي صلى الله عليه وسلم في أول غزوة بعد بني قريضة، وهؤلاء هم هؤلاء القوم الذين أجلهم النبي صلى الله عليه وسلم حين من الدهر، هم بنو لحيان، بنو لحيان هؤلاء الذين غدروا بعشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حادثة الرجيع التي كانت في صفر من السنة الرابعة للهجرة، يعني نحن الآن في السنة السادسة فبينهما سنتان تقريبا، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم في غزوة عرفت بهذا الاسم غزوة بني لحيان، وكان معه مئتان من الصحابة وكانوا يقيمون إلى جنوب المدينة، وكانوا على بعد مئتي ميل تقريبا قريباً إلى مكة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشمال يعني يعمي ويناور فخرج إلى الشمال صار حوالي عشرين ميلاً في منطقة تسمى البتراء ثم ارتد إلى الجنوب، فكانت مفاجأة عظيمة لم يجدوا أمامها إلا أن يهربوا ويفروا إلى رؤوس الجبال على عادة العرب إذا دهشوا بما لا يتوقعون، كانوا يفرون يتركون منازلهم فأقام النبي صلى الله عليه وسلم في ديارهم بجيشه ليومين وصار من هناك يبث السرايا، إلا أنهم أيضا أوغلوا في الفرار ولم يظفر منهم بأحد.

وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم سرية في من عشرة فرسان وكان قائدها سيدنا أبو بكر رضي الله عنه إلى منطقة تسمى كراع الغميم، هذه منطقة قريبة من مكة وهذه نستطيع أن نقول إنها مناوشة عسكرية أو رسالة سياسية إلى قريش، ويمكن أن نقول إنه كان تمهيداً لغزوة الحديبية.

أما غزوة الحديبية نفسها فكانت بدايتها أن النبي صلى الله عليه وسلم راى رؤيا، راى أنه وصحابته يطوفون بالبيت الحرام وأنهم يؤدون العمرة، ورؤيا الأنبياء حق طبعا، فلذلك خرج النبي صلى الله عليه وسلم وكان على رأس ألف وأرباعمائة من أصحابه، ذلك كان في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، ذهبوا على عادة العرب أنهم يقصدون العمرة، والنبي صلى الله عليه وسلم من ميقات ذي الحليفه أحرم عند ميقات ذي الحليفة وأرسل عيناً يستطلع له اخبار قريش، ماذا ستكون ردة فعل قريش؟

وهنا لكي نحاول فهم الموقف: قريش الآن من وجهة نظر قريش قريش الآن ترى نفسها في حرج، لأن قريش هي القائمة على شؤون البيت، ليس من المقبول عند العرب وليس من المقبول أن تمنع أحداً أراد أن يحج ويعتمر، مهما كانت بين قريش وبين غيرها من القبائل خصومة، فالعرب ورثوا من دين إبراهيم عليه السلام حرمة الأشهر الحرم وأنه لا يقع فيها قتال، ولذلك كان الناس يتجرون فيها ويأمنون على أنفسهم ويقصدون البيت الحرام للعمرة ولا للحج، وفي البيت الحرام يرى الرجل قاتل أبيه في البيت فلا يصيبه، طبعا هذا كان شيئاً عظيماً على العربي، لكن لحرمة البيت وحرمة الشهر الحرام وإذا وقع القتال في الأشهر الحرام أو في حمى البيت الحرام فهذا يكون عاراً على أصحابه. يعني إذا قريش من جهة لا تملك أن تحرم أحداً من البيت الحرام لأنها هي عنده فهي ترعاه هي تقوم على خدمة الحجيج وليست أنها تملك البيت كما تملك العقار أو تملك التراث أو تملك الدور، فلذلك لم يكن من حق قريش أن تمنح حق الزيارة لمن تشاء أو أن تمنع الزيارة عمن كان بينها وبينه عداوة، هذا هو القانون المستقر عند العرب.

من جهة أخرى قريش ترى النبي وصحابته أعداء ومحاربين، بل نستطيع أن نقول عند هذه اللحظة هم أقل من أعداء لأنها لا تعترف بهم أساساً، هي لا تعترف بهم سياسياً، هم حتى الآن دولة غير معترف بها، هم مجرد جماعة منبوذة، جماعة لاجئة، هي لم تعترف أصلاً بهم ليست كبقية القبائل، فهم بالنسبة لها عصاة خرجوا عليها انشقوا عليها، هكذا فهذا شكل الحرج.

ماذا فعلت قريش؟ قريش أرادت أن تتستر بحلف سياسي أكبر، جمعت حلفاءها وأعلنت أنها لن تسمح لمحمد وأصحابه أن يدخلوا مكة أبداً واستعدت للحرب والقتال. النبي صلى الله عليه وسلم فكر في هذه اللحظة أن يتحول من قريش إلى قوم اسمهم الأحابيش، هؤلاء كانوا حلفاء لقريش وانحازوا إليها، ففكر في أن يذهب بجيشه إلى ديارهم لكي يشتت ويعاقبهم واستشار صحابته في ذلك، فسيدنا أبو بكر قال: يا رسول الله، إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، فلم يستحسن أبو بكر هذا الرأي، وفعلاً نزل النبي على رأي أبي بكر رضي الله عنه.

لذلك حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن يصل إلى أقرب نقطة من مكة دون أن يتعرض لطلائع قريش، طلائع قريش يعني الفرسان أو السرايا، لكي يفرض ما نسميه الآن يفرض أمراً واقعاً، أن هو كلما اقترب من مكة كلما كان في موقف أقوى في التفاوض لو حصل، فلذلك اقترب إلى مكان الحديبية، لذلك كلما اقول كلما كان النبي قريبا مثلاً حين تذهب الرسل المبعوثين السفراء حين تذهب وتجيء بين رجل على مشارف مكة بخلاف ما لو جاءته وهو مثلاً في منتصف الطريق أو في أول الطريق، الموقف هنا أكبر أنه خلاص على مشارف مكة.

وبالفعل سيدنا خالد بن الوليد لم يكن قد أسلم في ذلك الوقت، خرج على رأس مجموعة من فرسان قريش كطلائع، ولما علم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم سلك طريقاً آخر ولم ينتبه خالد ومجموعته إلا والنبي صلى الله عليه وسلم قد تجاوزه، فعاد راجعاً سريعاً إلى مكة، ونزل النبي عند موقع الحديبية وأعلن النبي من جهته أنه جاء إلى العمرة وأنه على استعداد لأي حل مع قريش، وكان يقول: «والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها». وبقي المسلمون هناك، طبعا في هذه الفترة أيضاً وقعت بعض معجزات من النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا مثلاً في مكان فيه ماء قليل على قلة من الماء ونفد منهم الماء الذي كان في البئر الذي يستقون منه، فنزع النبي صلى الله عليه وسلم سهماً من كنانته اللي هو جراب السيف وامرهم أن يجعلوه في هذا البئر، فلما ألقوه في هذا البئر جاشت فيه الماء ونبعت منه حتى ارتوى القوم. وفي رواية أخرى أنه أمر فجاؤوه بماء منها لكي يتوضأ، فلما توضا ومضمض دعا وصب الماء فيها فأخذ الماء ينبع منها حتى شرب القوم وكذلك سقوا دوابهم.

ومن المعجزات كذلك الطعام الذي كان قليلاً، حتى إن سيدنا سلمة بن الأكوع قال في وصف هذا الطعام: كربة العنز، الموضع الذي تربض أو تبرك فيه العنز يعني مكان قليل، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالطعام فجمع على بساط واحد ودعا صلى الله عليه وسلم ربه فبارك الله في هذا الطعام حتى شبع القوم منه وكانوا ألف وأربعمائة.

الواقع الآن أن قريش أعلنت أنها ستمنع، والنبي صلى الله عليه وسلم مستعد للتفاوض لكنه أيضاً مستعد حريص على زيارة البيت، فاستعد الفريقان للحرب ولكن كلا الفريقين واقفون في مكانه، المسلمون لا يتقدمون والمشركون أيضاً لا يتقدمون، ولذلك بدأت محاولات سفراء لإيجاد حل وسط بين الفريقين.

هنا سنقسم تناولنا لقصه الحديبية إلى ثلاثة مشاهد: مشهد سفراء قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والمشهد الثاني مشهد سفراء النبي إلى قريش، والمشهد الثالث سنقف وقفة نحلل فيها هذا الذي حصل ثم نستكمل مسألة الاتفاقية.

الأول سفراء قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم، نهض رجل اسمه بديل بن ورقاء الخزاعي، هذا رجل من قبيلة خزاعة، ونحن ذكرنا قبل ذلك أن قبيلة خزاعة كانت متعاطفة مع المسلمين وكانت منحازة إليهم لكنها غير مسلمة لكنها لا تجاهر بهذا الانحياز، ليس هذا انحياضاً معروفاً عنها. هذا الرجل جاء إلى معسكر المسلمين فقال للنبي صلى الله عليه وسلم إنهم مقاتلوك وهم يصدونك عن البيت، النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إننا لم نجئ لقتال ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضر بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن انتصر فإن أغلب فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا، وإن هم أبوا إلا أن يقاتلوني فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري حتى تنفرد سالفتي أو ينفذ الله أمره».

فقال بديل: ساذهب وأبلغهم بما تقول. ذهب بديل إلى قريش نقل لهم ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، في بعضهم قال له: لا حاجة أن تخبرنا بشيء مما سمعت، مش عايزين يسمعوه أصلاً، لكن بعضهم قال: بل نسمع.

هنا كان مع قريش أحد زعماء ثقيف وهو عروة بن مسعود، احنا ذكرنا قبل ذلك أن ثقيف هم اهل الطائف، قريش أهل مكة وثقيف أهل الطائف، لكن العلاقات والمصهرات قوية بين أهل الطائف وأهل مكة، فعروة هذا صحيح هو زعيم ثقيف ولكنه مقرب من القرشيين.

لأن أمه قرشية، أمه من بني عبد شمس اسمها سبيعة بنت عبد شمس، فأمه قرشية فكان معهم.

الآن بعدما سمع القرشيون ما جاء به، قال عروة: إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، هذا كلام كويس، ولكنه أيضاً عروة، وناتي لموقف عروة. هذا فضل أن يقوم بمحاولة فيها تهديد، حاول أن لا يكون السفير الوحيد هو رجل فيه ميل إلى المسلمين، ففكر أن يقوم بمحاولة فيها تهديد يحاول أن يجس بها نبض المسلمين، فرغب إلى قريش أن يكون سفيرهم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ففعلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن دخل عليه بلهجة التهديد والتوبيخ.

فقال له: يا محمد، أرايت إن استأصلت أمر قومك، يعني الآن أنت ستهاجم قومك؟ هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ الآن يريد أن يجعل النبي في موقف العار، يعني: هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله؟ وإن تكن الأخرى -لو أنهم غلبوكي- فإني أرى حولك أوباش الناس أو شباباً أخلاطاً خليقاً أن يفروا ويدعوك، شايف حواليك ناس من قبائل مختلفة هؤلاء يعني لا اصول لهم، فهؤلاء إذا اشتبكت الحرب يفر عنك فتهدم.

هنا صاح فيه أبو بكر رضي الله عنه، أبو بكر خرج عن طبيعته الرفيقة وقال له: امصص بظر اللات، -وهذه مسبة قبيحة جداً- أنحن نفر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أبو بكر لما راى -لما شعر أنه تخترق هيبة النبي، أو تقتحم هيبة النبي، أو يمس بسمعة الصحابة- خرج عن هذا الطبع الهادئ، فهذا صدم عروة.

فعروة طبعا هو يعرف أبا بكر، فقال عروة: أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزيِك بها، -لولا أن لك جميلاً سابقاً عليَّ وأنا لم أردَّه اليك لأجبتك- ولكن هذه بتلك.

وعروة لما كان يكلم النبي صلى الله عليه وسلم كان يمد يده إلى لحية النبي ويتناولها، يعني يمد يده إلى لحية النبي. إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم كان هناك فارس ملثم، وكلما مد عروة يده جاء هذا الفارس فضرب يد عروة بقائم السيف ويقول له: أخر يدك عن لحية رسول الله قبل أن لا ترجع إليك. عروة سمع هذا الصوت يعرفه، قال: من هذا؟ فقال: المغيرة بن شعبة. المغيرة بن شعبة ده ابن أخي عروة، فتفاجأ أن الذي يكلمه هو ابن أخيه. وطبعاً كان سيدنا المغيرة أسلم وجاء للنبي صلى الله عليه وسلم مسلما، والآن هو في حراسته.

فعروة الذي ذهب بمهمه التهديد رجع وقد فشلت هذه المهمة التي أراد بها استطلاع أحوال المسلمين، فعاد إلى قريش بنفسية أخرى، لذلك قال لهم: أي قوم يا معشر قريش! والله لقد جئت كسرى في ملكه امبراطور فارس، وجئت قيصر في ملكه امبراطور الروم، وجئت النجاشي في ملكه امبراطور الحبشة، والله ما رأيت أحداً يعظم أحداً كما يعظم أصحاب محمد محمداً.

وذكر لهم أنه كان إذا تنخم نخامة وهو يتوضأ -النبي إذا تنخم نخامة أو توضأ وضوءاً- كان الصحابة يبتدرون -يعني يتسابقون- على أن يأخذوا من الماء المتساقط من بشرة النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: إذا أمرهم ابتدروا أمره، لو أمر بشيء كلهم صارع لينفذ، وإذا توضا كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم أخفضوا صوتهم في حضرته ولا يحدون النظر إليه تعظيماً له. يعني بمعنى أنه هؤلاء لا يمكن أن يتركوه، وبالتالي فالحرب خيار سيء.

فلذلك عروة عرض عليهم أن يقبلوا بما عرضه محمد وهو مسألة الدخول في هدنة وأن يترکوه ليعتمر.

ذهب سفير آخر من قريش هذا رجل سيد الاحابيش الذين ذكرناهم قبل قليل اسمه الحليس بن علقمة، هذا لما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذا الرجل من قوم يعظمون البدن، يعظمون الشعائر، شعائر العمرة، فلذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم الماشية التي كانوا اصحبوها لينحروا وطبعاً تعرفون مناسك العمرة، فأمر أن يطلقوه في وجهه -قبل أن يصل إلى النبي يرى الأغنام والشياه التي استقبلوها-.

وبالفعل الصحابة طبعاً كانوا محرمين استقبلوه بالتلبية: لبيك اللهم لبيك، فالرجل لما رأى هذا رجع قبل أن يتكلم مع النبي صلى الله عليه وسلم وقال لقريش: ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، ولما رجع إلى قريش قال لهم: رأيت البدن -والبدن اللي هي الإبل أو الشياه التي تذبح الأنعام التي تذبح-.

فقال له القرشيون: اسكت اسكت، أنت رجل من الأحابيش اجلس، فإنما أنت أعرابي لا علم لك، فقال لهم: يا معشر قريش! ما على هذا حلفنا ولا على هذا عاقدناكم، هل يصد عن البيت من جاء معظماً له البيت؟ هذا ليس ملككم، ولذلك قال لهم: أما والله لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن نفَر رجل واحد، ينتهي الحلف الذي بيننا وبينكم، فمحاولة استرضائه وخففوا عنه.

أرسلوا سفيراً آخر أيضاً اسمه رجل اسمه مكرز بن حفص، هذا لما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذا رجل فاجر. وبينما يكلمه جاء سهيل بن عمرو، سنقف بالمشهد هنا عند سهيل بن عمرو لنتابع المشهد الثاني من المشاهد التي توقفنا عندها، وهو مشهد السفراء الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم من عندي، لكن هذا المشهد الثاني نبدأ به إن شاء الله في الحلقة القادمة.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.