بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقات من برنامجكم غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، حيث نستعرض غزوات النبي صلى الله عليه وسلم نرى فيها هديه وطريقته في معاملة الأعداء، ونتابع فيها رحلة صعود الإسلام من الضعف إلى القوة، ونرى فيها الفارق بين حروب النبي وحروب غيره من البشر؛ الفارق بين الحروب الإسلامية وحروب الحضارات والجاهلية الأخرى.
انتهينا في الحلقة الماضية عند لحظة رحيل الأحزاب، لحظة انكشاف هذه الغمة العظيمة عن المسلمين، وقد ذكرنا أنها أحرج لحظة في تاريخ الدولة الإسلامية؛ لأن الدولة كانت مهددة بالاجتياح والاستئصال. وهذا الاجتياح والاستئصال لو كان قد تم لكانت ذهبت مجهودات الأعوام الماضية كلها في غمضة عين، لكن الآن عجز المشركون في جمعهم وحلفهم العظيم عن اجتثاث الدولة الإسلامية.
فبالتالي قد بدأت الآن مرحلة جديدة، وهذه المرحلة عبر عنها نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: «الآن نغزوهم ولا يغزونا». الحلف الذي جمع قريشاً والوثنيين واليهود وعجز عن تحقيق هدفهم، هذا يساوي أن الدولة الإسلامية صارت في مأمن وصارت غير قابلة للاجتياح. ولأن عالم السياسة عالم القوة، ليس فيه فراغ أو سكون، بل هو عالم حركة دائمة، فحيثما لم يمكن إزاحة الدولة الإسلامية فقد بدأت بالفعل رحلة توسع الدولة الإسلامية وأخذها زمام المبادرة، وبالتالي فقد انتهت الأيام التي يتخوف فيها المسلمون من الهجوم.
هذه حقيقة واقعية، هكذا الدنيا، الدول يا جماعة الخير إما غازية وإما مغزوّة، لا سكون ولا فراغ. الدولة التي لا تستطيع التمدد هي في الواقع تبدأ رحلتها في الجمود والانكماش، والدولة التي أمنت على نفسها من التهديد هي في الواقع تبدأ رحلة التمدد والتوسع. فغزوة الأحزاب كانت هي اللحظة الفاصلة بين هاتين المرحلتين.
طبعاً من غير شك أن هذا كان له أثر عظيم على المسلمين في المدينة المنورة، رأوا في هذه الغزوة من عناية الله ورعايته ما زادهم إيماناً وتماسكاً وتسليماً لله. وهذه المدينة، المدينة المنورة، خلال سنوات معدودة -خمس سنوات من الهجرة- صارت حصناً لا يرام، مدينة صارت حصناً، قوة لا تقصد، قوة لا تهدم، صارت قوة في الجزيرة العربية لا مثيلة لها؛ لذلك عجزت الأحلاف أن تجتاحها بفضل الله تبارك وتعالى.
بالنسبة لقريش وغطفان، فقد ثبت لهم العجز عن إزالة وهدم هذه الدولة، وبالتالي كان لابد من إيجاد طريقة أخرى للتعامل مع هذه الدولة، وسنرى فيما بعد كيف بادر النبي صلى الله عليه وسلم وفرض عليهم هذه الطريقة التي يتعاملون بها مع الدولة الإسلامية.
بالنسبة لليهود، فقد أعلن يهود خيبر بتخطيطهم وتمويلهم هذه الحرب على الدولة الإسلامية، وأعلنوا الحرب، وبالتالي فقد صاروا في موضع من ينتظر الرد من الدولة الإسلامية. وبالنسبة للحالة السياسية في الحجاز وفي الجزيرة العربية، فبعد غزوة الأحزاب صارت دولة الإسلام أقوى قوة إقليمية، لأنها الآن صارت أقوى حتى من قريش ومن غطفان ومن خيبر مع بعض، وطبعاً هذا زاد في هيبتها وقوتها ومكانتها. أما بالنسبة لليهود في المدينة، فهذه هي حكايتنا اليوم؛ عاد الأحزاب وبقي تصفية الحساب مع هؤلاء الخائنين الغادرين: يهود بني قريظة.
لعلكم لم تكونوا قد نسيتم الكتل اليهودية الثلاث التي تحدثنا عنها: بنو قينقاع، بنو النضير، وبنو قريظة. انتهى بنو قينقاع، وانتهى بنو النضير، والآن هي غزوة بني قريظة. لما رجع الأحزاب، حيي بن أخطب الذي كان زعيم بني النضير ونُفي إلى خيبر، حمل خطة الحرب إلى قريش، وأقنع كعب بن أسد بأنه لو أن الأحزاب رجعوا دون أن يستأصلوا محمداً فسيدخل هو مع بني قريظة في حصنهم. وحيي بن أخطب وفى بوعده فعلاً لكعب بن أسد، زعيم بني قريظة، ودخل معهم في حصنهم حتى ينزل به ما سينزل به.
لما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته بعد رحيل الأحزاب وانكشاف الغمة، خلع ثياب الحرب واغتسل، وكان ذلك في بيت زوجته أم سلمة رضي الله عنها أم المؤمنين، فهنا نزل إليه جبريل يقول له: اخلع ثياب الحرب، لكن الملائكة لم تخلع ثياب الحرب بعد. فأخرج إليهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «إلى أين؟» فأشار جبريل إلى بني قريظة. فهنا نادى النبي صلى الله عليه وسلم في الناس النداء المشهور: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة».
طبعاً لا شك ليس لدينا شك في أنه النبي صلى الله عليه وسلم كان سينهض إلى بني قريظة بعد أيام أو أسابيع، لكن التوجيه الإلهي له كان أن ينهض من هذه الساعة، من هذه اللحظة. لهذا بعض العلماء يرى أن غزوة بني قريظة داخلة في غزوة الأحزاب وملحقة بها لقلة الزمن، بمجرد ما انتهت الأحزاب بدأت قريظة، وذكرنا أن هذا من أسباب اختلاف بعض العلماء في عدد الغزوات، إذ يلحقون بعضها ببعض.
هذا النص: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة»، صار نصاً رئيسياً في الفقه الإسلامي لأن الصحابة اختلفوا في فهمه. الصحابة خرجوا لكن العصر فاتهم، ولم يصلوا إلى بني قريظة إلا بعد أن خرج وقت صلاة العصر؛ فلذلك انقسموا فيما بينهم: بعضهم يقول نفعل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ونؤثر صلاة العصر حتى لو فات وقتها، فإذا وصلنا إلى بني قريظة سنصلي هناك، ظناً منهم أن ظاهر النص يقتضي ذلك. وبعضهم نظر إلى الحكمة أو العلة أو حاول أن يفهم المقصد، فقالوا إنما أراد رسول الله أن يحثنا على الإسراع، لكن بما أن وقت الصلاة قد أوشك على الخروج فلا بد من أن نصليها ثم نكمل الطريق. فبعض الصحابة صلاها في الطريق قبل أن يدخل وقت المغرب، وبعضهم ذهب إلى بني قريظة إلى حدودها وأنحائها وصلاها في بني قريظة بعد صلاة المغرب. ولما عرضوا هذا على النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر النبي على أي منهما، فكان هذا من أدلة أن المجتهد مأجور وأن النصوص تحتمل خلاف الأفهام.
قبل أن يصل المسلمون إلى بني قريظة، وصلت الملائكة؛ لأن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «فإني سائر أمامك، أزلزل حصونهم وأقذف في قلوبهم الرعب». وطبعاً هنا هرع بنو قريظة إلى حصونهم وأغلقوها على أنفسهم، وبدأ حصار المسلمين لهم.
الغزوة مع سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، استمر حصار المسلمين 25 ليلة، هذه أطول فترة حصار لأنها أطول من حصار بني قينقاع وبني النظير؛ ذكرنا أنها بني قينقاع والنظير كانوا 15 يومًا، وبالفعل لم ينزلهم من حصونهم إلا استولى عليهم الرعب وأعلنوا استسلامهم، لكنهم طلبوا أن يحكم فيهم حليفهم سعد بن معاذ.
سيدنا سعد بن معاذ هذا زعيم الأنصار وكان سيد الأوس، وبنو قريظة والأوس كانوا حلفاء في الجاهلية، فهم طلبوا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. سيدنا سعد بن معاذ كان لا يزال حيا في هذه الفترة، لكننا ذكرنا أنه كان مصابًا إصابة من غزوة الخندق (الأحزاب)، أصيب في أكحله الذي قلنا إن العرب تسميه نهر الحياة، وهو الوريد.
فهنا سيدنا سعد كان مصابًا هذه الإصابة القاتلة وكان طريحًا، وكان يدعو يقول: «اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة». لذلك لما طلبوا أن ينزلوا على حكمهم جيء به محمولًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولما وصل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قوموا إلى سيدكم». وبعض الناس كان يناشد سعدًا أن يترفق في الحكم فيهم لأنهم حلف قديم، فكان سعد على المثال القديم؛ تذكرون لما تكلمنا عن عبادة بن الصامت وتكلمنا عن عويم بن سعيد الأنصاري وتكلمنا عن محمد بن مسلمة ماذا فعلوا مع بني قريظة وبني النظير، فسعد كان على هذا المستوى.
فسعد لما سمع مثل هذه الطلبات قال: «إني والله لا أخشى في الله لو مت لائمًا». ولما عرض عليه أن يحكم في بني قريظة قال: «إني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وتسبى النساء والذرية وتقسم أموالهم». يعني كانوا بالفعل على وشك أن يقاتلوا وخانوا وغدروا وكانوا حلفاء مقاتلين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قضيت فيهم بحكم الله يا سعد».
سيدنا سعد بن معاذ رضي الله عنه لما قضى على بني قريظة كان يقول ويدعو الله: «اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاه فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه» -وهم قريش-. «اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان قد بقي من حرب قريش شيء فأبقِ له حتى أجاه فيك، وإن كنت وضعت الحرب فأفرغ جرها واجعل موتتي فيها أفجرها». ليفسد هذا الجرح أو لا يشفى هذا الجرح، وليكن موتي منه لكي يموت شهيدًا.
وبالفعل انفجر جرح ذراعه هذا وصار ينبع دمًا ومات من ذلك شهيدًا رضي الله عنه، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اهتز لموته عرش الرحمن». وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة مشت في جنازة سعد بن معاذ، وكان النبي يسرع بها ويقول: «أخشى أن تسبقنا الملائكة إلى تغسيله» رضي الله عنه.
نحن الآن في السنة الخامسة للهجرة، وسيدنا سعد أسلم قبل الهجرة بعام واحد، يعني عاش في الإسلام 6 سنوات لا غير، رضي الله عنه كان من نماذج الهمة العالية وكان من نماذج العزم والصلابة، هذا رجل نصر الله به الدين ودخلت قبيلته في الإسلام بإسلامه، ووقف المواقف العظيمة كما في غزوة الأحزاب، فسيرته رضي الله عنه من أعطر السير.
لذلك لما سمعت أم سعد تنعيه، وكانت أم سعد تنعيه فتقول: "ويلى لأم سعد! سعدًا صرامة وجدًا وسؤددًا ومجدًا"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مقالة جميلة: «كل نائحة تكذب، إلا أم سعد». يعني سعد مهما قيل فيه من المدح فهو فيه صادق وحقيقة. وهناك أيضًا حديث عظيم قيل في سيدنا سعد، وهذا نحتاج إلى تأمله، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال عنه: «لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا منها سعد»، فنسأل الله تبارك وتعالى أن يهون علينا ضمة القبر، ضمة كل الناس سيذوقونها، أسأل الله تبارك وتعالى أن يهونها علينا.
نعود إلى بني قريظة؛ بنو قريظة كان رجالهم 400 وبعضهم قال 700 وبعضهم قال 800، المهم قتلوا وسبيت نساؤهم وذراريهم، وكانوا يفرقون بين الرجال وبين الصبيان بعلامة شعر العانة، فمن خرج شعر عانته دل هذا على رجولته فقتل، وإلا كان من الذرية فسبي. واستثني من هذا العقاب نوعان: النوع الأول رجال أسلموا من بني قريظة ولحقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فهؤلاء أمنهم، وكذلك امرأة من بني قريظة نفذ فيها القتل ولم تسب؛ لأنها طرحت الرحى، والرحى حجر ثقيل تعرفه أمهاتنا بالذات في العصور القريبة، وهو الرحى الذي تطحن به الحبوب، فرمت الرحى على صحابي اسمه خلاد بن سويد فقتلته، فقتلت قصاصًا.
هذه المرأة لها قصة عجيبة، هي لما حبست في بيت عائشة رضي الله عنها، فالسيدة عائشة تروي أنها كانت كثيرة الضحك، تقول: "والله إنها لعندي وتتحدث معي تضحك ظهرًا وبطنًا"، لا تكف عن الضحك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالهم بالسوق، وهتف هاتف باسمها يقول: "أين فلانة؟" فقالت: "أنا والله"، فقالت السيدة عائشة: "ويلك ما لك؟" قالت: "أنا سأقتل"، فقالت عائشة: "ولماذا؟" قالت: "حدثًا أحدثته"، فانطلق بها وضُرب عنقها. وكانت عائشة تقول: "والله ما أنسى عجبي من طيب نفسها"، يعني عدم مبالاتها وانشراح صدرها وكأنها لا تواجه الموت.
أشد الشبهات التي طرحت في علاقة النبي صلى الله عليه وسلم باليهود هي هذه الشبهة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل اليهود الأبرياء ونفذ مذبحة في اليهود ونفذ إبادة عرقية. وطبعًا أهل الشبهات يتكلمون في هذا، وهذا الموضوع صار من أكثر ما يطرحه المنصرون والمستشرقون المبغضون، بل حقيقة حتى بعض المستشرقين المنصفين وقع في هذا الفخ وذكر أنه هذه الحادثة ضمن ما يدان به النبي صلى الله عليه وسلم، رغم أن سيرة محمد طاهرة إلا بعض الحوادث القليلة ومنها حادثة اليهود. وأنا شخصيًا رأيت بعض المسلمين، خصوصًا من يعيشون في الغرب أو يكثرون من مخاطبة الغربيين، حاولوا...
واجتهدوا في نفي وقوع هذه المذبحة، ورأيت بعضهم كتب بحثاً تكلف فيه تكلفة شديدة لكي يجعل قتلى بني قريظة نحو أربعين رجلاً لا أكثر. وطبعا هو يرى بذلك أنه يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه يدفع عنه الشبهة، وأنه يدافع عن الإسلام ويجمل الإسلام في عيون الناس.
وهنا حقيقة يجب أن أعيد التذكير بما ذكرناه في الحلقة الثانية، من أنه أهم ما يجب على المسلم حين يتعامل مع الشبهة ألا ينهزم أمام الشبهة، لا ينهزم أمام منطق الشبهة، بل يجب أن يتأملها ويحاول أن يكتشف أعماقها. وحقيقة الإمام ابن القيم هنا له كلمة رائعة جداً؛ الإمام ابن القيم يقول عن نفسه: ما انتفعت بشيء من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية كما انتفعت بقوله. الآن ابن تيمية يكلم ابن القيم، ابن تيمية يقول لابن القيم: لا تجعل قلبك كالأسفنج تمتص الشبهات، ولكن اجعله كالبلور، البلور الزجاجة تمر به الشبهة فيراها دون أن تدخله. فهذه من الأسلحة النفسية التي يجب أن يتحلى بها المسلم.
نحن هنا سنختصر جداً في الرد على هذه الشبهة، فبالتالي سنحاول أن نقسمها إلى نقاط. رقم واحد: الواجب على المسلم أنه لا يخجل ولا يجد في صدره حرجاً مما ثبت في القرآن أو في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه المعيار والمقياس هو ما جاء فيهما، يعني كل ما جاء في القرآن والسنة هو الحق، هو الخير، هو الجميل، هو الحسن، حتى لو كان مخالفا للمزاج المعاصر للثقافة الغالبة للهيمنة الموجودة في الزمن. القرآن والسنة هم المعيار، يعني لو ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل سبعمائة، أو قتل سبعة آلاف، أو قتل أكثر، الواجب على المسلم أن يعرف ألا صلى الله عليه وسلم ما فعل هذا إلا بالحق، وأن هذا الفعل من النبي صلى الله عليه وسلم هو التصرف الصحيح وهو التصرف الأمثل، وبعد ذلك يكون الواجب عليه أن يبحث في الحكمة لماذا تصرف النبي هذا التصرف ويتأمل، لكن يتأمل من موقع التلميذ المتعلم الذي يقتدي بنبيه.
رقم اثنين: في ذلك الوقت يا جماعة الخير لكي نفهم، ذلك الوقت كان جميع الرجال يقاتلون، يعني الناس الآن لم يكن في الناس في ذلك الوقت القسمة المعاصرة بين مدنيين وعسكريين وأن المدنيين أرياء والعسكريين يجوز قتلهم. هذه من الفوارق التي لا ينتبه لها كثير من المعاصرين، لأن المعاصرين الآن يحسبون أن كل من لم يقاتل كان بريئاً، ولذلك كانوا يردون الصبيان فلا يقتلون وكانوا أيضاً لا يقاتلون لصغر سنهم، فلذلك يا جماعة الخير في ذلك الزمن الصبي كان يرد لا يقاتل، ولذلك الصبي إذا سبي لا يقتل. فكل رجل في الواقع هو جندي في المعركة، وهذا طبعا سيفسر لنا تفريق المسلمين بين الرجل وبين الصبي، لأنه أحد الصحابة سيدنا كعب القرظي كان موجودا هنا يقول: كنت من سبي بني قريظة، فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر شعر العانة قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت فيمن لم ينبت.
وحقيقة كلمة المقاتلة أو المقاتلين الكلمة دي تعني الرجال، المقاتلة المقاتلين هم الذكور البالغين، هذا قول مضطرد في كتب الفقه، سموا المقاتلة لقدرتهم على القتال حتى لو لم يقاتلوا، يعني الإمام الشافعي يقول مثلا: ينبغي للإمام أن يحصي جميع من في البلدان من المقاتلة، ويقول: وهم من قد احتلم أو استكمل خمس عشرة سنة من الرجال، ويحصي الذرية الإمام وهم الذين دون المحتلم دون البالغ، ولذلك لا تضرب الجزية على النساء والصبيان والرهبان لأنهم ليسوا من المقاتلة، ليسوا من الرجال الذكور البالغين القادرين على القتال.
رقم ثلاثة: قتل اليهود، قتل النبي لبني قريظة كان عملا عادلا، لأنه لو نجح مخطط اليهود وهزم المسلمون لكان رجال المسلمين هم القتلى، وكانت نساء المسلمين وذراري المسلمين هم السبايا عند الغالبين، الذين عوقبوا بالقتل والسبي هؤلاء لو كانوا انتصروا كانوا سيعاقبون بالقتل والسبي أيضاً. يعني الذين يستنكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل كل رجال بني قريظة لا يستحضرون أنه رجال بني قريظة هؤلاء كانوا سيقتلون من رجال المسلمين وكانوا سيسبون من نساء المسلمين لو انتصروا.
أضيف إلى ذلك أنهم هم الذين ابتدأوا بالغدر، وهم الذين نقضوا العهد ونقضوه في أحرج الأوقات. الآن تخيل معي كيف تتصرف الجمهوريات المعاصرة لو أن أقلية نقضت العهد وانتفضت ضد الدولة في وقت الحرب؟ الدولة دي إذا انتصرت ماذا ستفعل بهذه الأقليات؟ أمريكا حبست اليابانيين في معسكرات اعتقال في الحرب العالمية الثانية مع أنهم لم ينقضوا عهداً، ولما هزم الألمان حصلت موجة عاتية من اغتصاب الألمانيات على يد الحلفاء مع أنه حتى قوانين حربهم التي وضعوها هم كانت تحرم الإساءة إلى المدنيين وكانت تقيد الحري لمن لم يثبت عليه هذا الجرم، ومع ذلك هم لم يلتزموا بقوانين.
فكيف يقال إذا بأن الذين نقضوا العهد وشاركوا في الحرب في أحرج الأوقات كانوا أبرياء؟ كيف يمكن أن يدان قتلهم ويقولون: لا تزر وازرة وزر أخرى؟ الوزر في حقهم ثابت يا جماعة الخير، لأنهم لو انتصروا كانوا سيتمتعون بالغنائم والسبايا من المسلمات وكانوا سيقتلون رجال المسلمين، وفي الحرب لا يترك قتل الجنود باعتبارهم أبرياء قد ساقهم قادتهم إلى الحرب، كل من شارك في الحرب فهو يحمل وزرها ويدفع الثمن حين يخسر، لأنه أيضا إذا انتصر سيتمتع بهذه الغنائم.
هذا اختصار سريع لرد هذه الشبهة التي شاعت ورادت، وماذا سيحدث بعد ذلك نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي