دخولتسجيل الدخول

غزوات النبي | 16. تبدل الأوضاع بعد غزوة الأحزاب

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، مرحبا بكم أيها الأحباب في برنامج غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، والذي نستعرض فيه غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، نرى فيه طريقته في الحرب ومقاتلة الأعداء، ونتابع فيها رحلة الإسلام وصعوده وانتقاله من الضعف إلى القوة والسيادة والتمكين، وندرك فيها الفارق بين حروب النبي صلى الله عليه وسلم وحروب غيره من البشر.

توقفنا في الحلقة الماضية عند الأحزاب وهم أمام الخندق، وكيف تفاجئوا بهذه الكِدة التي لم تعرفها العرب، وكيف أجبروا على تحويل خطتهم من القتال السريع الخاطف إلى الحصار، وكذلك في المقابل كيف كان المسلمون يعيشون حالة طوارئ مستمرة؛ لأنهم كانوا مضطرين إلى حماية الخندق ليلا ونهارا خشية أن يقتحم، وكانوا يواصلون الرمي بالسهام والنبال ليحولوا دون محاولات اقتحام الخندق.

وهنا تطلع المشركون إلى بني قريظة، طبعا هذه الكتلة اليهودية الثالثة الباقية من يهود المدينة بعد إجلاء بني قينقاع وبني النضير، وهؤلاء بنو قريظة ذكرنا أنه كانت تقع آطام المجمع السكني الكومباوند الخاص بهم في جنوب المدينة.

طيب، إذا نظرنا الآن من زاوية يهود بني النضير الذين هم أصحاب الخطة والتمويل لهذه المعركة، سنرى أن يهود بني النضير هم الذين طردوا من المدينة قبل ذلك، الآن هم في خيبر وهم الذين بدأوا بذرة هذه المعركة، لو نظرنا من جهتهم سنرى أن كل هذا الجهد يتعرض الآن لضربة غير متوقعة بهذا الخندق، لذلك ذهب حي بن أخطب الذي هو زعيم بني النضير صاحب الفكرة إلى كعب بن أسد الذي هو زعيم بني قريظة.

فرفض كعب بن أسد أن يدخله وقال له: إنك رجل مشؤوم، بسبب حي بن أخطب أخرج بنو النضير من المدينة، فأنت رجل مشؤوم على قومه، لكن حي استثار فيه نخوة عربية فرماه بالبخل، فقال: والله ما تمنعني إلا خشية أن أصيب من طعامك، حقيقة اليهود عاشوا وسط العرب فتاثروا بكرم العرب وصاروا يتاثرون أيضا بمخازي العرب، فكرة الكرم وفكره البخل هذه كانت من أهم الصفات عند العرب، فقال له إنك تمنعني أن أصيب من طعامك، فاضطر كعب بن أسد أن يدخله.

جلس حي بن أخطب يراود كعب بن أسد لكي تشترك بنو قريظة في هذا القتال، يقول له هذه فرصة لا تعوض فرصة لا تقدر بثمن، هذه قريش وغطفان وحلفائهما جاؤوا يريدون استئصال محمد وأصحابه.

كعب بن أسد من جهته لا يريد أن يكرر سيرة اليهود من قبله، هو الآن عنده درس يهود بني قينقاع ودرس يهود بني النضير، ويخشى أنه إذا اشترك في هذه الحرب وحصل فيها ما لا تحمد عقباه فهؤلاء المشركون سيرجعون إلى بلادهم ويبقى هو وحده ليتعرض لعاقبة محمد، فتعاهد له حي بأنه سيدخل معه في حصنه، إن حي سيدخل معه في حصن بني قريظة فيصيبه ما أصاب بني قريظة، لو في عقوبة ينزلها محمد حي ضحي بنفسه، وعندها بدأ كعب بن أسد في قبول ما يعرض عليه وعزم على أن يخون وينقض، هذه هي الحادثة التي ذكرت لكم في الحلقات السابقة أن كعب بن أسد بعد غزوة النضير بنو قريظة لم تكن أبدا لتجرؤ، لكن سيحدث حدث معين سيجعلهم يتجرؤون، هذا هو الحدث الذي أقصده أنه شعر أن هذه فرصة لا تعوض ولا تقدر بثمن، وكمان ضمن من شدة ثقة حي بن أخطب بأنه لن ترجع قريش إلا أن تستأصل محمدا.

هنا تسربت هذه الأنباء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يا جماعة الخير في كل حدث يتصرف فيه الأنباء يجب أن ننتبه إلى قوة جهاز المخابرات الإسلامية، هذا أمر مهم جدا وهو فارق في السيرة، أخرج النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة من جيشه وكانت بقيادة مسلمة بن أسلم وكذلك زيد بن حارثة، أخرجهم من قوة الخندق لكي يحرسوا النساء والأولاد في المدينة؛ لانه ليس بين النساء والأولاد في البيوت وبين بني قريظة شيء، لا توجد قوة عسكرية.

وأرسل كذلك زعماء الأنصار سيدنا سعد بن معاذ زعيم الأوس وسيدنا سعد بن عبادة زعيم الخزرج، أرسلهم في وفد من المهاجرين والأنصار لكي يطلعوا أحوال بني قريظة هل هم على ما يطمعون، فلما كلموهم تقول الروايات وجدوهم على أخبث ما يكون، فجاءوا بالسب والعداوة وقالوا: من رسول الله، لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد، فهنا المسلمون زادت عليهم الشدة شدة أخرى، زادت عليهم البليه بلية أخرى، ولذلك أنزل الله تبارك وتعالى يعبر عن حال المسلمين قوله تعالى: ﴿إِذ جَاوُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذ زاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 10-11].

وكذلك وصف الله تبارك وتعالى حال المنافقين فقال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12].

ولذلك بدأت هذه الأمراض في القلوب تتحول إلى أدوات، هناك صارت أساليب في الهرب والانسحاب من المعركة، يخبرنا ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: 13].

والله تبارك وتعالى ثبت الذين آمنوا بفضله وقال في ذلك: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22].

هنا في خضم هذه الشدة حاول النبي صلى الله عليه وسلم أن يضغط على نقطة الضعف التي ذكرناها، نقطة الضعف في هذا الحلف الكبير هو أن يختلفوا، فحاول النبي أن يفتت هذا الحلف، فأراد أن يراسل عيينة بن حصن الفزاري وأن يعطيه ثلث ثمار المدينة على أن يرجع بغطفان، هم أصلا ما حركهم إلا نصف ميزانية خيبر، فالنبي أراد أن يعطيه هو ثلث الثمار على أن يرجع، واستشار في هذا زعماء الأنصار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فقالوا له: يا رسول الله هذا أمر من الله أم شيء تفعله لنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل شيء أفعله لكم، إني أرى الناس تحزبت عليكم».

فقالوا: انظر إلى العظمة، صار الأنصار، حب الأنصار علامة الإيمان، قالوا: يا رسول الله، لقد كنا في الجاهلية وما يطمع أحدهم في شيء من تمر المدينة إلا أن يكون قرى ضيافة أو شراء تجارة، أفبأن أكرمنا الله بالإسلام يأخذونها عنوة؟ لا والله لا نقفر، فوجد النبي من إصرارهم ما كان تجاوز رحمته بهم صلى الله عليه وسلم.

ها هنا نستطيع أن نستخرج من هذا الموقف على الأقل أربع فوائد، الفائدة الأولى هي سياسة النبي صلى الله عليه وسلم في تفتيت الأعداء وأنه حاول استعمال إغراء المال في تفكيك هذا التحالف وفي محاولة ما يرى أنه تنازل لتحقيق المصلحة الأعلى، التنازل عن المال لتحقيق المصلحة الأعلى، وهذه أمور حقيقه يجب أن يتقبلها القاده الإسلاميون والمفاوضون ونحو ذلك أن يقدروا هذه الأمور.

الدرس الثاني أنه الأنصار توقفوا وسالوا هل هذا وحي من الله أم هو من التدبير والسياسة؟ انظر كيف أنهم سيسلمون ويخضعون ويذعنون إن كان هذا وحيا من الله، لكن لو كان من السياسة سيناقشون وينظرون الرأي، فهنا ترى شدة إذعان الأنصار واستسلامهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، إن كان الأمر وحيا فهم على أتم الاستعداد للتنفيذ مهما كان ومهما خالف هذا رأيهم.

الدرس الثالث، انظر إلى هذه العزة الرفيعة هذه الهمة العالية هذا الاباء الكبير، مع أنهم في شدة ومحنة وكرب كل هذا لم يفت في عضدهم ولم يخدش شأنفتهم وعزتهم، أسال الله أن يرزقنا مثل هذا.

والأمر الرابع، انظر في نزول النبي صلى الله عليه وسلم على شورى أصحابه ورجوع النبي صلى الله عليه وسلم عن رأيه طالما أنه وجد منهم هذا، وهذه أيضا من محاسن سياسة النبي صلى الله عليه وسلم ومن معالجته لنفوس اتباعه وأنساره، لو كان النبي قد عزم رأيه لكانوا نزلوا عليه، لكنه لا يكسر شوكتهم، لا يهبط بعزيمتهم، لا يزدرى آراءهم صلى الله عليه وسلم.

وبهذا عزم المسلمون على الصمود والثبات، لم تفت فيهم المحنة لم تفت فيهم الشدة، كانوا يتضرعون إلى الله تبارك وتعالى: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، وكان صلى الله عليه وسلم يدعو: «اللهم منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم».

وهنا يا جماعة الخير هيأ الله تبارك وتعالى مشهدين، هذان المشهدان على تفتيت الأحزاب وعلى إفشال الأحزاب، المشهد الأول هذا مشهد خالص لله تبارك وتعالى هذا مشهد ثابت بالقرآن والسنة الصحيحة، أما المشهد الثاني فهو من أسباب البشر التي ييسرها الله تبارك وتعالى وهذا مشهور في كتب السيرة.

المشهد الأول المشهد الخالص لله تبارك وتعالى فهو أن الله تبارك وتعالى سلط على المشركين البرد والريح الشديدة، فصار لا يستقر لهم شيء، صارت الريح تقلع خيامهم تقلب قدورهم التي يطبخون فيها يأكلون فيها، ولم يعودوا يتحملون البرد وأصابهم اليأس من القدرة على اقتحام الخندق، فبالتالي ظهر وكأن إقامتهم هنا بلا فائدة، والله تبارك وتعالى يذكر هذا فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: 9].

والله تبارك وتعالى في آخر الآيات قال: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: 25]، الله هو الذي تولى هذا وكان الله قويا عزيزا.

والنبي صلى الله عليه وسلم أرسل حذيفة بن اليمان يتسلل إلى معسكر قريش ليحاول أن يستطلع خبرهم، وفي هذه القصة حقيقة عبرة وفيها تصوير لحال المسلمين وما كانوا فيه من الجوع والخوف والبرد، متى اضطر سيدنا حذيفة لرواية هذا؟ لما سمع أحد التابعين يقول: لو أني أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلت معه وأبليت، مثل كثير منا الآن يتمنى أنه لو كان رأى الرسول وأنه لو كان في زمن النبي لكان قد فعل وفعل، وهو لا يعرف أن هذه كانت من الفتنة والاختبار وأن كثيرا ممن أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم اختاروا الكفر بل اختاروا أن يقاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم اتباعا لآبائهم أو اتباعا لمصالحهم أو غير ذلك فكانت فتنة، لذلك أوصانا الصحابه: لا يتمنين أحدكم مشهدا قد غيبه الله عنه.

المهم لما سيدنا حذيفة سمع هذا الرجل في هذه الحماسة ذكر له قصة الخندق فقال له: لقد رايتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقُرٌّ برد، فقال صلى الله عليه وسلم: «ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟»، قال حذيفة فسكتنا فلم يجبه أحد، شدة شديدة يا جماعة الخير، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟»، قال فسكتنا لم يجبه أحد، فكررها النبي الثالثة فسكت، فقال صلى الله عليه وسلم: «قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم»، يقول حذيفة فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم، صلى الله على محمد ورضي الله عن صحابته الكرام.

انظر ما شدة الخوف لكن جاءه التكليف فكان أقوى على نفسه منه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ائتني بخبر القوم ولا تذعرهم» لا تحرضهم، لا تنبههم، فخرج يقول حذيفة: فلما خرجت من عنده كنت كأنما أمشي في حمام في الدفء، أنزل الله عليه الدفء حتى أتيتهم فرایت أبا سفيان، أبو سفيان كان قد كشف ظهره للنار أوقد نارا لكي يستدفئ ووضع ظهره إلى النار، سيدنا حذيفة رأى أبا سفيان عاري الظهر، قال: كدت أن أرميه ولو كنت رميته لأصابته، لكن تذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم فأمسكت ثم رجعت وأنا أمشي في مثل الحمام.

فلما أتيت فأخبرته بخبر القوم وفرغت جاءني البرد، فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه كان يصلي فيها، فنمت حتى أصبحت رضي الله عن حذيفة.

هذه القصة نرى فيها شدة ما كان فيه الصحابه لدرجة أنه لم يبادر أحد بتنفيذ طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أن الأجر عظيم: جعله الله معي يوم القيامة، ونرى فيها أيضا شدة طاعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم إذا أمر أحدهم وكذلك أيضا أمره في مسألة قتل أبي سفيان كيف أطاع النبي ولم يقتل أبا سفيان مع إمكانية هذا وقربه منهم.

هذا المشهد المشهد الذي هو خالص لله تبارك وتعالى، وهو يشبه مشهد إنزال الملائكة وإنزال الغيث الأشياء التي لا يراها المؤرخون، لا يعرفها الكتاب والمؤلفون، المشاهد التي يشعر بها أهل الجهاد في معاركهم ولا يلتقطها أحد ممن يؤرخون أو يكتبون ولولا القرآن والسنة ما عرفناها.

المشهد الآخر الذي فيه أسباب البشر فهو أن رجلا من غطفان قد أسلم واستطاع أن يتسلل إلى النبي صلى الله عليه وسلم واسمه نعيم بن مسعود، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره أنه أسلم.

فالنبي أمره أن يخذل عن المسلمين، وهذه سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم قدوة، قدوة في توظيف الطاقات والرجال، قدوة في استثمار الفرص؛ فمن كان قد أسلم ولم يُعرف إسلامه، فالنبي كان يستعمله في مصلحة المسلمين. إحنا مر بنا في غزوة حمراء الأسد كيف استفاد النبي من معبد بن معبد الخزاعي -والعلماء يقولون، بعضهم يقول إنه كان أسلم ولكن لا يُعرف إسلامه- فكيف استفاد منه في تخذيل قريش وفي تثبيطهم عن معاودة الهجوم على المدينة؟

الآن أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه رجل أسلم، قال له: إنما أنت رجل واحد، خذل عنا، لن ينفعنا كثيراً بقاؤك معنا في الخندق وأنت مسلم. نعيم بن مسعود كانت له علاقات، هو رجل استثمر علاقاته بمعسكر الكفار أحسن ما يكون الاستثمار، فبالتالي وضع خطة بديعة جداً. هذه الخطة كالتالي: ذهب هو إلى بني قريظة، فقال لهم: يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم -فيَبدو أنه كانت له علاقات- فقالوا له: صدقت، ما أنت عندنا بمُتَّهَم. قال له: إن قريشاً وغطفان ليسوا مثلكم، البلد بلدكم أنتم في المدينة، وفي المدينة فيها أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، وبالتالي لو أن قريشاً وغطفان الذين جاؤوا لحرب محمد، لو أنهم أرادوا شيئاً أصابوه، لكن لو أنهم لم يصيبوا هذا الشيء، يعني إن أرادوا نهزة أصابوا، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلّوا بينكم وبين هذا الرجل ببلدكم، محمد وما عندكم به طاقة.

فبالتالي اقترح عليهم: لا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم، وهؤلاء يكونون عندكم لكي تأمنوا أنهم لا يتركوا محمداً ويهربوا. فوالله كانت فكرة جيدة، قالوا: لقد أشرت بالرأي. ثم ذهب إلى قريش، وقال لهم: بلغني أمر، ورأيت أن لكم عليّ حقاً أن أبلغكم؛ فإنا عرفت أن بني قريظة ندموا على ما كانوا قد صنعوا من خيانتهم ونقضهم العهد مع محمد، فأرسلوا إلى محمد أننا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم فنُعطيك إياهم تضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم؟ فأرسل إليهم محمد: نعم، أرضى بهذا. فلذلك يُنصح، نعيم بن مسعود يُنصح أنه: إذا بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهائن من رجالكم، فلا تدفعوا إليهم أحداً.

هنا أرادت قريش أن تختبر هذه المعلومة، فأرسلت إلى يهود -وكان ذلك في ليلة السبت- يقولون لهم: يا معشر يهود، يا يهود بني قريظة، نحن الآن لسنا بدار مقام والبرد والجوع، وهذه ليست خطتنا أن نحاصر المدينة، فبالتالي اهجموا معنا غداً السبت من الجنوب، ونحن نهاجم باكتساح من الشمال. فقالوا لهم اليهود: والله هذا اليوم يوم سبت، وهذا يوم لا نعمل فيه شيئاً، وبعدين، ثم نحن لن نقاتل معكم حتى تعطونا رهائن من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة؛ لأننا نخشى إذا اشتدت الحرب أن تنسحبوا إلى بلادكم فتتركونا والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا به. فهنا عملت بني قريظة ما قال لهم نعيم بن مسعود، وصدقت قريش وغطفان ما قاله لهم نعيم بن مسعود.

أحياناً نتخيل، حقيقة، لو كانت هذه الفكرة نفسها قد جاءت إلى رأس كعب بن أسد، أن هو يأخذ رهائن من قريش وغطفان قبل أن يخون وقبل أن ينقض العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، يعني لو أنه فعلها لكان قد أحتاط لنفسه، لا يخون إلا وهو ضامن. لكن الله أغفل قلبه عن هذا الحل، والله لا يصلح عمل المفسدين ولا يهدي كيد الخائنين. بهذا تفكك الحلف بين قريظة وبين قريش، وعجزت قريش وغطفان عن اجتياح المدينة، وضربتهم الريح والبرد، ولم يقدروا، لم يكن لديهم استعداد للحصار، وألقى الله في قلوبهم الخذلان، فعزموا على أن يرحلوا.

وبهذا انكشفت هذه الغمة العظيمة عن المسلمين، وعاد الأحزاب. نستطيع أن نقول إنه عند هذه اللحظة، عند هذه اللحظة، خرجت الدولة الإسلامية من أخطر غزوة وأخطر تهديد وجودي كاد أن يجتاحها وأن يجتثها. هذه كانت أحرج لحظة في تاريخ الدولة الإسلامية، ظلت العاصمه الإسلامية المدينة المنورة مهددة بالاجتياح حتى غزوة الأحزاب. عند غزوة الأحزاب، حين ثبت عجزهم عن اجتياح المدينة، هذه الدولة الإسلامية انتقلت نقلة أخرى، نقلة جديدة، وضعاً جديداً.

إن شاء الله في الحلقة القادمة سنكلم عن هذه النقلة الجديدة، سنرى نتائج هذه الغزوة، ونرى كيف قفزت الدولة الإسلامية في سلم الصعود السياسي والعسكري. نسأل الله تبارك وتعالى أن يُفكك حلف الأحزاب الذي يتأمر على أمة الإسلام في هذا اليوم، ونسأله تبارك وتعالى أن ينصر المجاهدين في سبيله في كل مكان، ونسأله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.