بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبًا بكم أيها الأحباب في حلقة جديدة من برنامج غزوات النبي ﷺ، نستعرض فيها غزواته، نرى فيها هديه وطريقته في الحرب، وهديه وطريقته في معاملة الأعداء، نتابع فيها رحلة الإسلام وصعوده من الضعف إلى القوة، وإلى السيادة والتمكين.
موعدنا اليوم مع غزوة الأحزاب، أخطر غزوة في تاريخ المسلمين، وأحرج لحظة مرت في تاريخ الدولة الإسلامية. تكلمنا في الحلقات الماضية عن غزوة بدر التي أعلنت عن قيام الدولة الإسلامية وتحولها إلى قوة إقليمية، وتكلمنا عن غزوة أحد وما أحدثته الهزيمة فيها من الآثار والأضرار، وكيف أن المسلمين قضوا زمنًا يعالجون فيه آثار هذه الهزيمة حتى أثبتوا لأنفسهم وللجميع أن هزيمة أحد كانت مجرد كبوة وعثرة لا غير، وأنهم استعادوا مكانتهم مع الغزوات التي خاضوها في بني النضير، وبدر الموعد، ودومة الجندل، وبني المصطلق، فضلًا عن السرايا، وذكرنا ذلك في الحلقة الماضية.
الآن تعالوا نرى مشهد الصراع في الحجاز. أولًا المسلمون في موقف قوة؛ شرحناه، فقد أحكموا سيطرتهم على المناطق المحيطة، وأغلقوا طريق مكة التجاري إلى الشمال، إلى الشام، وصارت لديهم القدرة على مفاجأة عدوهم الذي يحاول أن يجمع لحربهم في قراره حتى قبل أن ينتبه، وقد ذكرنا عددًا من الغزوات.
قريش الآن صارت تتهيب أن تهاجم المسلمين وتختلق الأعذار، وذكرنا أنها رجعت عن حرب هي التي حددت موعدها، وهي غزوات بدر الموعد. الأمر الثالث هو القبائل العربية؛ المسلمون الآن هذا وضعهم، وقريش هذا وضعها، والقبائل العربية في منطقة الحجاز لا يستطيعون التحرك ضد الدولة الإسلامية الوليدة؛ لأن أي تحرك صار يُجهد في أوله كما رأينا في الغزوات داخل المدينة.
اليهود المطرودون من بني النضير وبني قينقاع أخفضوا شأن اليهود في بني قريظة، وكذلك هؤلاء اليهود الذين طُردوا ذهبوا إلى خيبر. فبالتالي نستطيع أن نقول إن الأطراف الثلاثة التي كانت ضد المسلمين هي: قريش، واليهود، والقبائل العربية؛ شعروا جميعًا أنهم بحاجة إلى التحالف ضد الدولة الإسلامية، لأن كل طرف منهم ثبت له أنه عاجز عن التحرك وحده، فكل واحد من هؤلاء له هزيمة وهزيمتان أمام المسلمين.
فلذلك كانت البداية من يهود بني النضير الذين ذهبوا إلى خيبر. عشرون من سادة بني النضير تحركوا إلى قريش، كان على رأسهم حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن أبي الحقيق، وهؤلاء خرجوا من خيبر ومعهم خطة محكمة. الخطة كالتالي: أن تجمع قريش أقصى ما تستطيع لحرب النبي ﷺ، واليهود من جهتهم سيحشدون ويغرون أقصى ما يستطيعون من القبائل، بالذات مع التركيز على قبيلة غطفان الكبيرة العدد، وهؤلاء سيغرونهم بالمال.
من أين يأتي المال؟ يهود خيبر مركز زراعي كبير، يهود خيبر سيضحون بنصف ميزانية الدولة بالمعنى المعاصر، وفي رواية بميزانية العام كله؛ لأن خيبر كانت مركزًا ماليًا ممتازًا، فهي أرض خصبة وفيها نخل وتمر، وكذلك فيها يهود وتجار، وكذلك الغنائم التي سيأخذونها إذا انتصروا في الأحزاب، فغنائم المدينة سيعطونها لهم. ومن جهتهم أيضًا سيكون من مهمة اليهود أنهم يحاولون أن يقنعوا بني قريظة بنقض العهد مع النبي ﷺ في لحظة مناسبة، بحيث تكون الحرب داخل المدينة وخارج المدينة في نفس الوقت.
واضح، يعني خطة محكمة واجتمع فيها سائر من لهم عداوة مع المسلمين؛ التخطيط والتمويل من اليهود، وقوام الجيوش من قريش وحلفائها وغطفان. وحقيقة سر قوة الخطة في اجتماع هؤلاء الحلفاء، لكن نقطة ضعفها الكبرى: ماذا لو وقع بينهم الخلاف؟ هذه هي نقطة الضعف.
لذلك ذهب اليهود فأخذ القرشيون عليهم العهد وهم يتعلقون بأستار الكعبة ألا يخالف منهم أحد، تجنبًا أن أحد الأطراف يغدر أو ينسحب. وهنا سبحان الله وقع موقف عجيب ومثير للتأمل؛ القرشيون الوثنيون عباد الأوثان سألوا اليهود: «يا معشر يهود، أنتم أهل الكتاب الأول وأنتم أهل العلم، أخبرونا عما أصبحنا نحن فيه، ومحمد، ديننا خير أم دين محمد؟ نحن عمار البيت، نحن نسقي الحجيج، نحن نقوم على الكعبة».
فقال لهم اليهود: «أنتم أولى بالحق من محمد، أنتم تعظمون وتسقون الحجيج وتطعمون وتعبدون ما كان عليه آباؤكم، فأنتم أولى بالحق». وفي ذلك أنزل الله تبارك وتعالى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ سَبِيلًا﴾ [النساء: 51]، اليهود يعرفون الحق في أنفسهم، فقال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: 52]. طبعًا لا شك أنه من المؤكد أن هذا القول من اليهود قد زاد القرشيين تمسكًا بكفرهم.
المهم، أُبرم الاتفاق مع أهل مكة، وانطلق كل منهم إلى مهمته؛ اليهود ذهبوا إلى غطفان لتحريضهم وإغرائهم بالمال، وذهبت قريش تجمع حلفاءها بني أسد وغيرهم، وكانت النتيجة النهائية حشدًا ضخمًا أتصور لم تشهد الحجاز مثله من قبل، لأنه عشرة آلاف مقاتل يتوجهون إلى المدينة، يصممون على اجتياحها وعلى إنهاء الدولة الإسلامية.
تعال انظر من جهة المسلمين؛ يستطيعون اكتشاف التجمع الذي يحتشد ضدهم في دومة الجندل، فبالتأكيد وصلت الأخبار إلى المدينة، فكيف بمكة؟ العدو الرئيسي. لكن المشكلة هنا أن هذا التجمع ليس كالتجار التي يمكن مهاجمتها في عقر دارها، هذا تحالف ضخم.
فجمع النبي ﷺ صحابته وتشاوروا في هذا الاجتماع الضخم؛ أولًا حشد ضخم لا يمكن الدخول إليه في عقر داره، وكذلك لا يمكن حتى المغامرة بخوض معركة مكشوفة معه، فالمقاتلون في هذا الحشد ضخمون جدًا، بينما آخر جيش أخرجه المسلمون للقتال كان في حدود 1500 مقاتل، وبعض التقديرات تشير إلى أن سكان المدينة بمن فيهم النساء والأطفال كانوا حوالي 5000 أو 6000، يعني هذا التجمع هو ضعف عدد سكان المدينة.
لكن في هذا الاجتماع جاء الفرج من حيث لا يحتسب أحد، جاءت فكرة جديدة نطق بها سيدنا سلمان الفارسي. سيدنا سلمان الفارسي هذا رجل من أهل فارس، وكان ابن كاهن معبد النار، وله قصة في غاية العظمة والروعة؛ لأن هذا الشاب ضحى بكل ما يملك وتعرض للأهوال والمخاطر لأنه كان باحثًا عن الحق، حقيقة همة عالية وعزم صلب، فمنذ أن اكتشف كنيسة نصرانية في أرض فارس، عرف أن دين المجوس وعبادة النار من الباطل، واحتال حتى هرب من أهله وقصد أحبار نصارى وعلمائهم، وعاش معهم، والواحد منهم كان إذا مات أرشده.
إلى غيره، حتى كان الحبر الأخير الذي قابله في عمورية الآن في محافظة أفيون التركية، يقول له: لا أعرف أحداً على مثل ما أنا عليه، لكن أظن الآن زمان نبي يخرج في أرض العرب، فإذا استطعت أن تدركه فافعل.
وخرج سلمان من وسط تركيا الآن جانبها الغربي إلى المدينة، ولما رأى النبي عرف فيه هذه العلامات التي أخبره بها الرجل الحبر النصراني، فأسلم وصار مع المسلمين وعاونه على إعتاق نفسه لأنه بيع عبداً لرجل يهودي. فكانت هذه غزوة الأحزاب، كانت أول غزوة يشهدها سلمان.
سيدنا سلمان قال: يا رسول الله، هذه الفكرة الجديدة؛ نحن كنا بأرض فارس إذا تخوفنا الخيل والجيش كبير، خندقنا علينا، حفرنا خندقاً، فهل لك يا رسول الله أن نخدق؟ فهذه الفكرة الجديدة أعجبت المسلمين وبدت كأنها إنقاذ للموقف، وبالفعل استقروا على هذا الرأي.
فكرة الخندق هي أن يحفر في الأرض مسافة عميقة وعريضة بحيث لا تستطيع الخيل أن تجتازها، عريض أعرض من قدرة الخيل وعميق، ويقف خلف الخندق حراسة دائمة، حراسة يقظة، هذه تمنع العدو من محاولة ردم الخندق أو من محاولة نصب جسر على الخندق لكي تعبر عليه الخيل.
فهذه الفكرة كانت مناسبة جداً للمدينة، لأن المدنية محمية من جهاتها الثلاث بالجبال، فهي بين لابتين، سلسلتين جبليتين، وكذلك الجنوب كان مغلقاً بطم بني قريظة؛ ذكرت بني قريظة كانوا يسكنون كومباوندات بتعبيرنا المعاصر، يغلقون الجهة الخلفية بمبانيهم العالية، فبالتالي الجهة الوحيدة التي يدخل بها المدينة هي الجهة الشمالية، فهذه هي الجهة التي ينبغي أن يحفر فيها الخندق على النحو الذي يظهر لكم إن شاء الله في هذه الخريطة.
إلى اليمين الجبل يسمى حرة واقم، وإلى اليسار جبل يسمى حرة الوبرة وامتداداته إلى الجنوب، وتنتتهي أيضاً عند طريقين؛ إلى الشرق طم بني قريظة، وإلى الغرب في منطقة ضيقة لا تستطيع الخيل أن تجول فيها، لذلك المهمة العاجلة التي لابد منها هي الإسراع في حفر الخندق لكي يشمل كل هذا القوس الشمالي، ويجب أن ينتهي منه قبل أن تصل جيوش الأحزاب، لذلك سميت هذه الغزوة غزوة الخندق، والقرآن الكريم سماها غزوة الأحزاب.
هنا اشتعل نشاط محموم بين المسلمين في حفر الخندق، لأن حفر الخندق هذا طوله يبلغ حوالي ميل، فكان كل عصب من الرجال مكلفين بحفر أربعين ذراعاً، وشارك معهم رسول الله ﷺ في الحفر بنفسه. وهذه الأيام عانى فيها المسلمون -يسمونها المفزع الثلاثة-: عانوا من الخوف، وعانوا من الجوع، وعانوا من البرد.
الخوف معروف؛ لأنه إذا دهمهم هذا الجيش فخطر وجودي مهلك. الجوع كانوا في شدة في ذلك الوقت، لأنه حتى بعضهم كان يربط الحجر على بطنه، كما قد رأينا ما يحدث مع إخواننا في غزة الآن نسأل الله أن يفرج عنهم، فكان أحدهم يربط الحجر على بطنه لكي يملأ معدته فلا يتألم. وشكوا إلى النبي ﷺ الجوع، فإذا النبي يكشف لهم عن بطنه، فإذا به يربط عليها حجرين من شدة الجوع. فلم يكن ثمة طعام، كان يؤتى إليهم بقبضة الشعير فيصنع بها دسم، السمن الرديء يفوح منها الريح، الغذاء كان قليلاً وكان فاسداً لشدة قلته. والبرد طبعاً هذا الوقت كان في شهر فبراير أو مارس، والمدينة في الليل باردة، الحمد لله أتيحت لي زيارة وحيدة للمدينة المنورة وكانت في شهر مارس أيضاً، وحقيقة رأيت فيها كيف يكون البرد في الليل، طبعاً أهل المدينة يعرفون، ومن أنعم الله عليه بزيارة هذه الديار المقدسة.
في ظل هذه الأجواء تواصل العمل المحموم في حفر الخندق، وعرضت طب الأرض صخرية أيضاً، انتبه ليست الأرض ترابية ولا رملية، الأرض صخرية. فمما حصل مثلاً أنه سيدنا جابر ومجموعة سيدنا جابر عرضت لهم كدية شديدة، لا يقولون لا تعمل فيها المعاول، يعني الفؤوس لا تؤثر فيها، فنزل إليها رسول الله ﷺ فضربها ضربة بالمعول فصارت كثيباً هِيلاً، صارت رملاً مفتتاً.
كذلك ورد أنه عرضت للبراء رضي الله عنه صخرة شديدة، فجاء ﷺ فضربها ثلاث ضربات، من شدة الضربة خرج من كل ضربة كالبرق، فكان النبي ﷺ يقول: «الله أكبر! أعطيت مفاتيح الشام، فُتحت الشام، والله إني لأنظر إلى قصورها الحمراء». الضربة الثانية: «الله أكبر! فُتحت فارس، وإني لأرى قصر المدائن الأبيض». الضربة الثالثة: «الله أكبر! فُتحت اليمن».
هذه البشائر كانت مما يثبت المؤمنين ويزيدهم إيماناً، وكانت طبعاً تزيد المنافقين نفاقاً؛ لأنه كان يقول قائلهم: "يعدنا محمد كنوز كسرى وقيصر"، واحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهب لقضاء حاجته، ونحن معاصرين وراء خندق ننتظر معركة وجودية.
وهنا أيضاً في هذه الغزوة وقعت للنبي ﷺ بعض المعجزات، منها المعجزة المشهورة: سيدنا جابر رضي الله عنه رأى شدة جوع النبي ﷺ، فذهب إلى امرأته وأمرها بذبح شاة من التي كانت عندها وطحن صاعاً من شعير، فذهب جابر إلى النبي وأسر إليه أنه صنع طعاماً له ولنفر من أصحابه، فإذا النبي ﷺ ينادي على أهل الخندق جميعاً أن يذهبوا إلى بيت جابر، كانوا ألفاً يعملون في الخندق، لكن بارك الله تبارك وتعالى في الطعام، من معجزات نبينا ﷺ هذه البركة في الطعام، وبقي لجابر وزوجته بعدها قطعة من هذا الطعام، وهذه يرويها العلماء في معجزات النبي وفي دلائل النبوة تجدونها في كتب الشمائل والخصائص.
في يوم آخر، جاءت أخت النعمان بن بشير بحفنة من تمر، جاءت بها لأبيها وخالها، فإذا بالنبي ﷺ ينثره فوق ثوب ودعا أهل الخندق ليأكلوا معه، فأكلوا وشبعوا وما يزال التمر كأنه لم ينقص. طبعاً هذه المعجزات يتقبلها المسلم، وليس علينا أن لا يتقبلها غير المسلم، لكنها كانت مما ثبت الله به المؤمنين.
الآن وصلت جيوش الأحزاب إلى الخندق، طبعاً أنت إذا كنت في جيش الأحزاب -أعيذك بالله وأعز نفسي- لكن لكي نتصور الصورة، الرجل الكافر في جيش الأحزاب وجد شيئاً لا يعرفه، مفاجأة لا يتوقعها، ومن العجيب حقاً أنه لم تصل إليهم أخبارها، هم تفاجأوا حين وصلوا، وهذا حقيقة يدل على السيطرة الأمنية على الأخبار، فلا يهود بني قريظة ولا المنافقون استطاعوا تسريب خبر الخندق، فهذه من جوانب تميز جهاز المخابرات الإسلامي الذي لا يتوقف عنده كثيراً المتحدثون في...
السيرة؛ لذلك قال أبو سفيان حين رأى الخندق: «هذه مكيدة لم تعرفها العرب». وكذلك خيول العرب جفلت وجفت؛ لأن الخيول أول مرة ترى هذا فلا تجزع.
بدأ المشركون في الدوران حول الخندق، حاولوا أن يعثروا على ثغرة أو نقطة يمكن من خلالها العبور، وطبعًا المسلمون يتابعون رميهم بالسهام والنبال، فلم يمكنهم من ذلك. فبالتالي تغيرت الخطة الحربية للمشركين؛ بدلاً من خطة هجومية انقلبت إلى خطة لحصار المدينة.
ميزة الخندق صحيح أنه يحمي المدينة من هجوم الكفار، لكن أيضًا هو يحاصر المسلمين داخل المدينة. ولذلك لما قرر المشركون أول إخفاق لهم حين قرروا حصار المدينة، لم يكونوا قد أعدوا أنفسهم لحصار؛ هم أعدوا أنفسهم لهجوم كاسح، هجوم خاطف، لكن البقاء في العراء وفي البرد لأيام طويلة هذا لم يخطر لهم على بال، ولذلك صارت المعركة على هذا النحو: حصار في الليل هم يحاصرون المسلمين في الليل، وسعي محموم في النهار لمحاولة اقتحام الخندق، سواء يحاولون أن يعثروا على نقطة ضيقة أو نقطة ضعيفة أو يحاولوا بناء جسر سريع.
طبعًا هم يتميزون بتفوق عددي كبير، نتحدث عن عشرة آلاف، لذلك قسموا الهجوم على شكل دوريات ومجموعات طوال النهار. وكان يجب على المسلمين وهم قلة في العدد أن يظلوا متيقظين على مدار الساعة طول اليوم. جاءت على المسلمين أيام ما كانوا يستطيعون فيها أن يجدوا وقتًا لأداء الصلوات، فكانوا يجمعونها في الليل؛ لأن عندهم العدد الذي يمكنهم من تقسيم الهجوم إلى دوريات، لكن المسلمين ما عندهم هذا العدد. وفي هذه الأيام قُتل عشرة من المشركين وستة من المسلمين، وهذا القتل الذي كان رميًا بالسهام وبالرمح. وكان في طليعة من أصيب في الخندق سيدنا سعد بن معاذ، زعيم الأنصار، أصابه سهم في أكحله. السهم الأكحل هو الوريد في الذراع، العرب كانت تسميه عرق الحياة أو نهر البدن؛ لأن الإصابة فيه إصابة خطيرة.
في يوم من الأيام استطاع المشركون تنفيذ ما يمكن أن يسميه غارة مفاجئة وسريعة، فاقتحموا بها نقطة ضيقة من الخندق، وكان على رأسهم فارس مشهور اسمه عمرو بن عبد ود، وكان معه عكرمة بن أبي جهل، وكان معه ضرار بن الخطاب، فهؤلاء عبروا إلى ساحة خلف الخندق. لكن سرعان ما بعث لهم علي بن أبي طالب ومعه مجموعة من الفرسان، وحال بينهم وبين النقطة التي عبروا منها.
دعا عمرو بن عبد ود عليًا للمبارزة؛ وطبعًا عمرو هذا كان من الفرسان الأبطال، كان من الفتاك، وتصدي سيدنا علي له كان من المخاطرة الكبيرة التي تدل على شجاعة سيدنا علي وعلى قوة سيدنا علي رحمه الله ورضي عنه، لدرجة أن عمرو بن عبد ود قال: «تنحَّ يا ابن أخي، فوالله ما أحب أن أقتلك». فقال علي: «يا عمرو، إنك كنت قد عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى خليلة إلا قبلت منها». هذا كان عهدًا ربما قاله أو معلن أو مشهور عن عمرو بن عبد ود، قال: «نعم». قال: «فإني أدعوك إلى الإسلام». قال: «لا حاجة لي بذلك». قال: «فإني أدعوك إلى القتال وأنا أحب أن أقتلك». تقاتل حتى ثار عليهم الغبار وغطاه، ولم يعد يدري أحد ما الذي يحدث. ثم انتهت المبارزة بقتل عمرو بن عبد ود، فكان هذا ضربة معنوية عظيمة للمشركين؛ عمرو بن عبد ود أحد الأبطال الكبار لديهم.
المجموعة التي اقتحمت الخندق بعده هرعت إلى العودة؛ لأنها حُصرت في الواقع وبعضهم وقع في الخندق وقُتل، لكن استطاع عكرمة أن يفلت بعدما اتكى على رمحه في القفز، فسقط رمحه وقفز هو إلى الجانب الآخر وأصيب بذلك.
هنا بقيت أزمة المشركين؛ صحيح استطاع المسلمون أن يصدوا هذا الهجوم الخاطف، لكن بقيت الأزمة قائمة، وكيف أن المسلمين محاصرون، لا يستطيعون أن يتقدموا ولا أن يحاربوا، وكان قصار مدهم أن يدافعوا، والمسلمون في برد وخوف وجوع. ف هذا ما سماه القرآن الكريم الزلزال الشديد. كيف كانت بقية فصول هذا الزلزال الشديد؟ هذا ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي