دخولتسجيل الدخول

غزوات النبي | 14. استعادة زمام الموقف الحربي والسياسي

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، مرحبا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقات التي نستعرض فيها غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، ونرى فيها القتال ومعاملة الأعداء، ونتابع فيها رحلة الإسلام وصعوده من الضعف إلى القوة، والفارق بين حروب المسلمين وحروب غيرهم، ومعجزات نبينا صلى الله عليه وسلم في القتال.

وصلنا في الحلقة الماضية إلى غزوة بني النضير، وذكرنا أنه أهم آثار غزوة بني النضير ثلاثة: أنها كانت أول انتصار بعد هزيمة أحد وبعد مأساتي الرجيع وبئر معونه، وطبعاً يزيد في قيمة هذا النصر أنه كان نصراً بالرعب، أنه المسلمين لم يقاتلوا، وإنما استسلم لهم بنو النضير. الأثر الثاني: أنها قضت على الكتلة القوية الثانية من كتل اليهود في المدينة. والأثر الثالث: أنها حرمت قريشاً من موطئ قدم يمكن أن يمثل حليفاً لهم داخل المدينة.

اليوم إن شاء الله نتكلم عن الفترة التي كانت بين غزوة النضير وبين غزوة الأحزاب. غزوة الأحزاب هي كما ذكرنا -أرجو أنكم لم تكونوا نسيتم- هي الغزوة الثانية الفارقة في رحلة السيرة النبوية. هذه الفترة يمكن أن نسميها باختصار -كما أشرت- فترة معالجة آثار الهزيمة. طيب، السؤال: كيف نعالج آثار الهزيمة؟ الإجابة ببساطة: بالنصر بوضوح واختصار. النصر هو ما يعالج أثر الهزيمة في النفس أولاً ولدى العدو ثانياً.

لذلك سيأتي هنا سؤال متكرر: لماذا لم يغزو النبي صلى الله عليه وسلم القبائل التي غدرت باصحابه؟ احنا ذكرنا فروع بني سليم، عضل والقارة، رعل وذكوان وعصية اللي هم أصحاب بئر معونه والرجيع. الإجابة فيما يظهر والله أعلم أن ذلك كان من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في عدم تشتيت نفسه أو المسلمين عن المعركة الرئيسية والأساسية، المعركة مع مكة، مكة عاصمة العرب كما ذكرنا ذلك مرارا قبل ذلك.

لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا اهتم أن يسير جيوشا لكل من أساء إليه أو أصاب أحدا من صحابته، فإنه سيفتح جبهات حرب مع قبائل كثيرة. وقد ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا ألا يقاتل عدوين في وقت واحد، ولم يفعل ذلك أبدا إلا لو كان -طبعا- في حالة الدفاع والاضطرار، إذا تحالف عليه هؤلاء الأعداء، يعني هذه القبائل لم تتجرا لتغزو المدينة، لكنها غدرت بالصحابه الذين خرجوا بعيدا عن المدينة في ديارهم، بينما نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفكر أو كان يتوجه إلى القبائل التي تعزم على أن تغزو المدينة، كان يسبق إليها قبل أن تتحرك.

راينا هذا في غزوة بني سليم -وطبعا هذا حصل مرتين بعد بدر في غزوة بني سليم وغزوة بحران- وارجو أنكم لم تنسوا أيضا هذه الغزوات، وكذلك غزى بني ثعلبة ومحارب في غزوة ذي أمر، وذكرنا في الحديث المشهوره دعثور بن الحارث لما وقف على النبي وقال: من يمنعك مني؟ طيب، فيما بعد حين يتغير الوضع، حين تخمد جبهة مكة، سنرى النبي يوجه الجيوش لمقتل رجل واحد فقط من المسلمين، لكن الآن دعونا لا نسبق الأحداث.

بداية لدينا بعض الانتصارات الصغيرة في هذه الفترة التي جرت على يد -يعني- بعض السرايا التي أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم، لم تكن غزوات طبعا، السرايا تضيع عادة في زمن الماسي هذا الذي كان امتد من غزوة أحد إلى حادثتي الرجيع وبئر معونه. لكن لكي نرى المشهد ولكي نفهمه ولكي نتعايش معه، من أهم هذه الانتصارات التي حققتها هذه السرايا، هناك سرية قادها سيدنا أبو سلمة بن عبد الأسد، هذه كانت في مطلع سنة أربعة للهجره في المحرم، أرسله النبي إلى بني أسد لأنهم تجمعوا يريدون الإغارة على المدينة، فوصلت الأخبار إلى النبي فأخرج أبا سلمة على رأس 150 من المهاجرين والأنصار، سبق إليهم ففزعوا وتشتتوا وغنم المسلمون بعض الإبل والشاة.

الحديثة الثانية كانت عملية اغتيال خاصة وخاطفة، لأنه النبي صلى الله عليه وسلم وصلت إليه الأنباء بأن خالد بن سفيان الهذلي يجمع قومه من هيل لغزو المدينة، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من رجال المهمات الخاصة، سيدنا عبد الله بن أنيس الجهني، هذا كان في يوم خمسة من المحرم سنة أربعة هجرة -يعني خمسة أيام بين سرية أبو سلمة وبين عملية سيدنا عبد الله بن أنيس-.

فذهب إليه سيدنا عبد الله وتسلل إليه، وزعم له أنه -يعني- لما سمع بأنه يجمع لحرب النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل بنفسه ليعينه، والتمس منه فرصة حتى استطاع أن يقتله، وبذلك فشلت هذه الخطة، وسيدنا عبد الله بن أنيس عاد بعد 17 ليلة قضاها غائبا عن المدينة.

طيب، نحن الآن بعد غزوة النضير، غزوة النضير كانت في ربيع الأول سنة أربعة للهجرة، وكانت بعد شهر من مأساتي الرجيع وبئر معونه، لأنه الرجيع وبئر معونه كانوا في صفر سنة أربعة للهجرة. سننتظر نحو سنة ونصف إلى غزوة الأحزاب، في هذه السنة ونصف السنة سنرى أنفسنا أمام ثلاث غزوات: غزوة بدر الموعد، غزوة دومة الجندل، غزوة بني المصطلق، طبعا هذا بخلاف السرايا التي -يعني- لن نناقشها في هذه الحلقات إلا عرضا كما ذكرنا.

أنا بس ذكرت سريتي أبو سلمة وسيدنا عبد الله بن أنيس الجهني لأنها تخفت في حال الماساة التي ذكرناها. طيب، لكن الآن لدينا ثلاث غزوات تمام: بدر الموعد، دومة الجندل، بني المصطلق. هنا أوضاع الدولة الإسلامية سنرى كأنها -يعني- آخذة في الاستقرار، يعني ثلاث غزوات في خلال سنة ونصف ينبئنا بقله الأعداء المتجرين على الدولة الإسلامية.

طيب، تعالوا ناخذ هذه الغزوات واحدة تلو الأخرى. الأول: غزوة بدر الموعد. لكي نتذكر معا، نحن لدينا ثلاث غزوات باسم بدر: الأولى غزوة بدر الأولى أو غزوة بدر الصغرى أو غزوة سفوان، وهذه ذكرنا أنها وقعت لما غار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة ونهب بعض الإبل، وخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم وطلبه حتى بلغ وادي سفوان لذلك سميت بهذا الاسم، ولم يدركه، طبعا فيما بعد أسلم كرز بن جابر وصار من الصحابه وكانت له مساهمه في الجهاد، هذه معلومة -يعني- استطرادا.

اثنان: هذه غزوة بدر الأولى أو الصغرى أو سفوان. اثنان: غزوة بدر الكبرى، الغزوة المشهورة يوم الفرقان. الغزوة الثالثة هي غزوة بدر الموعد، لماذا؟ لأنها كانت موعدا بين المسلمين والمشركين. طبعا إذا لم تنسوا نحن ذكرنا أن المسلمين بعدما انسحبوا إلى جبل أحد جاء أبو سفيان ظل يحاور المسلمين يقول: اعلُ هبل، يقول المسلمون: الله أعلى وأجل، لنا العزة ولا عز لكم، يقول المسلمون: الله مولانا ولا مولى لكم. يوم بيوم بدر، والحرب سجال، والمسلمون يقولون: قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. هذا الحوار آخره كان قول أبي سفيان: موعدنا بدر من العام المقبل، فقال النبي وأمر صحابته أن يقولوا: نعم، هو بيننا موعد.

هذه إذا هي غزوة بدر الموعد، خرج النبي فيها صلى الله عليه وسلم، وكان جيشه فيها 1500 معهم عشر خيول، وكان ذلك في ذي القعدة من عام أربعة للهجرة، ووصلوا إلى بدر وأقاموا فيها ثمانية أيام، لكن لم يصل المشركون.

لماذا لم يصل المشركون؟ خرج أبو سفيان بالفعل من مكة وكان على رأس جيش من 2000 مقاتل، ووصلوا حتى منطقة تسمى مر الظهران -هذه على بعد -يعني- 40 ميل تقريبا من مكة- ولكنهم تثاقلوا وكرهوا القتال، وأصابه الخوف من هزيمة أخرى. هذا تدخل الله، فقال أبو سفيان لقومه: يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب -يعني ترعون فيه وتشرون اللبن- وهذا عام جدب، واني راجع فارجعوا، فاطاعوه وعادوا.

طبعا هذا المشهد نرى فيه صعود الدولة الإسلامية في ميزان القوة والسياسة، ونرى فيه أيضا انحطاط قريش، وأن المسلمين حتى برغم ما أصابهم في أحد وبرغم قلة العدد، كانوا أكثر تجرؤا واستعدادا للحرب من قريش التي تخوفت على نفسها ورجعت، رجعت بدعوة الأحوال الاقتصادية غير المواتية مع أنها المفترض أنها هي التي أصابت المسلمين في أحد.

وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بدر مخشي بن عمرو الضمري -نحن ذكرنا هذا الاسم- هذا الرجل هو الذي عقد النبي معه أول معاهده في غزوة أب أو غزوة ودان، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، أجئت للقاء قريش على هذا الماء؟ فقال النبي: نعم يا أخا بني ضمرة، وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك -يعني لو أنت عايز نلغي الحلف، نلغي المعاهده، نلغي الاتفاقية- نعم، إن شئت رددنا إليك ما كان بيننا وبينك، ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك، فقال: لا والله يا محمد، ما لنا بذلك من حاجة.

طبعا -يعني- نحن لا ندري على وجه اليقين، هل ظن النبي أن مخشي بن عمرو يريد إلغاء العهد أو يريد الانحياز إلى قريش فاجابه بهذه الإجابة القوية، أم أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يرسل هذه الرسالة القوية له ولمن معه؟ محتمل، كل الأمر ين محتمل نستشفه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لكن يغلب على الظن أن مخابرات المسلمين في تلك المرحلة كانت تستطيع إيصال الموقف في قريش، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أنه مخشي بن عمرو لا يجرؤ على إلغاء العقد الآن، لكن أراد توصيل هذه الرسالة وتأكيدها في محيط المدينة، قبائل حول المدينة، ولذلك حضر المسلمون سوق بدر الذي هو -يعني- سوق بدر من مواسم العرب، وجروا فيه وربحوا فيه ضعف أموالهم، وبهذا تكون غزوة بدر الموعد نصرا جديدا يعالج آثار الهزيمة التي كانت في أحد، وبه ينقلب الموقف على قريش أيضا رغم أنه لم يقع فيها قتال.

الغزوة الثانية هي غزوة دومة الجندل. من آثار غزوة بدر الموعد أن الوضع سيسكن لشهور، حتى جاء الخطر من مكان بعيد وغير متوقع، منطقة دومة الجندل. اريدكم أن تنظروا إلى الخريطة التي ستظهر معنا الآن على الشاشة لترى كيف كانت دومة الجندل مكانا بعيدا غير متوقع.

طيب، الآن منطقة دومة الجندل كما ترون بعيدة في الشمال، وهذه هي الغزوة الوحيدة التي توغلت -يعني- توغل فيها المسلمون في الشمال قبل أن تنتهي المعركة مع مكة بصلح الحديبية. هذه المعركة هي وقعت في ربيع الأول سنة خمسة للهجرة، فالمعركة أخذت المسلمين إلى الشمال بعيدا عن مكة.

هذه كان سببها أن وصلت الأنباء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن بعض قبائل الشمال في هذه المنطقه تحشد للإغارة على المدينة وأنها عزمت على قطع الطريق على قوافل المسلمين، ف-يعني- عايز أقول مجرد وصول هذه الأنباء إلى المدينة من هذا الموقع البعيد في الشمال، دليل على ما بلغه جهاز المخابرات الإسلامي من اليقظة ومن الكفاءة على طول هذه المسافة.

وكما هي العادة سريعا -الضربات الاستباقية للنبي صلى الله عليه وسلم- حشد النبي جيشا وخرج به إلى دومة الجندل. ولمزيد من السرية -طبعا المسافة طويلة- لمزيد من السرية والكتمان كان الجيش يسير بالليل ويسكن بالنهار. المسافة كانت 15 ليلة، ففاجأ هذا التجمع من القبائل قبل أن يشعروا به، ووقع ما هو معتاد: تفاجؤوا، تشتتوا، تفرقوا، هربوا من وجوه المسلمين. فبقي النبي في أنحائها وبقي -يعني- يرسل السرايا، يبث البعوث، لكنهم اوغلوا في الهرب -يعني- لم يظفر أو لم يظفر جيش المسلمين أو سرايا المسلمين لم تظفر منهم بأحد.

وهنا في هذه الغزوة عقد النبي صلى الله عليه وسلم معاهده مع رجل سيتكرر معنا فيما بعد اسمه عيينة بن حصن الفزاري، هذا رجل س-يعني- يحفظه من سيواصل الاهتمام بالسيرة وبالتاريخ وتاريخ حتى الفتوحات الإسلامية.

يبقى الآن من هذه الغزوة، غزوة دومة الجندل، حصل المسلمون على مكاسب: الضربات الاستباقية أولا، تشتيت العدو ثانيا، إفشال الخطة ثالثا، حقق المسلمون انتصارا عظيما -وبلا خسائر بشرية- ونشروا هيبتهم وقوتهم في هذه الأنحاء. وطبعا هذه المره كانت الضربة في مكان بعيد -فتعتبر ضربة أقوى لبعد المكان عن المدينة- وكذلك -يعني- ما اخذوه من الغنيمة وما حصل من التقوي بها اقتصاديا.

فبالتالي هنا نرى كيف أنه كفاءة الجهاز الأمني، كفاءة المعلومات، كفاءة المخابرات توفر كثيرا من الدماء وكثيرا من الخسائر في الحروب والمعارك -يعني المعلومة تساوي نصف نصر، المعلومة الواحدة تساوي نصف نصر-.

لو تاملنا في موقع الغزوة سنرى أنه الدولة الإسلامية أغلقت تماما منفذ الشام على تجارة قريش -هي شوف مد نفوذها إلى منطقة على حدود الشام، دومة الجندل- يعني دومة الجندل تبعد عن دمشق مسيرة خمسة أيام، يعني دمشق التي هي عاصمة الشام.

بعض العلماء يرى أن تمدد المسلمين حول -يعني- تمدد المسلمين إلى مشارف الشام عند هذه الناحية كان فيه أهداف أخرى أيضا غير الأهداف العامة -يعني أهداف خاصة، منها مثلا ردع قبائل الشمال- لأنه -يعني- كان ترى أن قبائل الشمال كان ترى أن وجود أن وجود هذه القبائل في منطقة نفوذ الروم كان يعطيها قوة وحصانة وهيبه لدى بقية قبائل العرب لأنها محمية بالروم ونفوذ الروم. فلذلك كان هذا ضربا في هيبتها، وكان منه تجرؤ المسلمين على على المناطق المتاخمة لنفوذ الروم.

طبعا هذا أيضا يعد تمهيدا وتدريبا على غزو الروم في مرحلة لاحقة، وهذا رأي بعض العلماء والكتاب في السيرة، وإن كنت استبعده -وإن كنت استبعده- في هذه المرحلة، لكن على كل حال لا يسعنا أن نرفضه بإطلاقا -فيعني- لكن من غير شك أن هذه الغزوة كانت واسعة الأثر في نشر هيبة المسلمين في هذه الأنحاء الشمالية. الغزوة الثالثة هي غزوة بني المصطلق. غزوة بني...

بنو المصطلق، وهذه الغزوة الثالثة في الفترة بين أحد والأحزاب، يعني هي الغزوة الأخيرة قبل الأحزاب، تسمى أيضًا غزوة المريسي لأن المكان الذي حصلت فيه كان له هذا الاسم. هذه وقعت في شعبان من سنة خمسة للهجرة، بعد ستة أشهر أخرى من دومة الجندل، وكذلك هي شبيهة بما حصل في دومة الجندل، وشبيهة بالغزوات التي لم يقع فيها قتال.

من هم بنو المصطلق؟ هؤلاء هم فرع من قبائل خزاعة، وهم على المسافة بين مكة والمدينة، إلى الجنوب الغربي من المدينة، على بعد 100 كيلومتر تقريبًا. خزاعة هذه كانت من القبائل المهادنة للنبي ﷺ، كان بينهم ود قديم، وذكرنا من قبل قصة معبد بن معبد الخزاعي الذي لقي النبي في حمراء الأسد وساهم في تخذيل أبي سفيان ورده لما كانوا في الروحاء بعد غزوة أحد.

أرجو يا أحباب أن تعاودوا مذاكرة هذه الأمور لكي تثبت في أذهانكم، وأن تكثروا من استعمالها؛ القراءة، اكتبوها على مواقع التواصل، اسألوا فيها المشايخ، احكوا للزملاء والإخوان والزوجات والأبناء والأطفال والعائلة؛ فتكرار المعلومات هو الذي يجعلها حاضرة في الأذهان وإلا فإنها تنسى.

خزاعة كانت قبيلة مسالمة للمسلمين، لكن فرعها بنو المصطلق هؤلاء لم يكونوا كذلك، بل كانوا على العكس من ذلك؛ هؤلاء شاركوا بمجموعات في غزوة أحد. وموقعها، لما ننظر في الخريطة، يدل على أنها أيضًا كانت متضررة من انغلاق طريق قريش التجاري إلى الشام، فتذكرون لما تكلمنا عن بني سليم وأنهم كانوا مستفيدين من خط التجارة إلى الشام، فكانوا مركز تجارة وسيطة لوجستية وهكذا، فهؤلاء موقعهم يدل على ذلك أيضًا.

وردت الأنباء إلى النبي ﷺ بأن الحارث بن أبي ضرار، وهو زعيم بني المصطلق، أيضًا يجمع جمعًا من قبائل العرب لحرب المدينة، فبعث النبي ﷺ عيناً، رجل يستطلع، وهو كما ذكرت المصادر اسمه سيدنا بريدة بن الحصيب الأسلمي، فأكد سيدنا بريدة الخبر.

طبعًا تعرفون الآن ما هو المتوقع كما جرت العادة، سريعا ما جمع النبي جيشًا، نهض على رأسه كان عدد 700 من الصحابة، واتجهوا إلى بني المصطلق إلى الجنوب الغربي من المدينة، فاجؤوا القوم وهم غافلون. أول المفاجأة أن القوم أرسلوا عيناً يستطلع لهم أحوال المسلمين فإذا به يقع في أيديهم، فلم يعد إليهم الخبر، لكن فاجأهم الجيش نفسه؛ لم يأتهم الخبر، جاءهم الخبر اليقين، جاءهم الجيش نفسه، فسرعان ما تشتتوا وهربوا، وفروا في كل وجه، واستولى المسلمون على ما تركوه من الغنائم والأموال.

طبعًا بعض الروايات أوردت أنه وقع قتال خفيف لم يستغرق طويلًا، اكتسح المسلمون فيه بني المصطلق وسبوا النساء والذراري. وهنا وقعت حادثة طريفة، وهي أن جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار، ابنة زعيم القوم، كانت من نصيب أحد الصحابة اسمه ثابت بن قيس، فكاتبته، أي اتفقت معه على أن تفتدي نفسها بمال، فوافق، فلم تجد إلا أن تعتمد على كرم رسول الله ﷺ، فذهبت إليه ليؤدي عنها المال إلى ثابت بن قيس، فداها النبي ﷺ عنها وطلبها للزواج، فرضيت بالنبي ﷺ فصارت من زوجات النبي ومن أمهات المؤمنين، فهي أم المؤمنين جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار.

أعتق المسلمون ما كان في أيديهم من نساء بني المصطلق، صاروا يقولون: «أهار رسول الله ﷺ؟»، وبهذا كانت أم المؤمنين جويرية أكرم امرأة على قومها.

إذًا ثلاث غزوات: بدر، دومة الجندل، بني المصطلق. نستطيع أن نقول بهذه الغزوة يمكن القول بأن المسلمين قد استعادوا مكانتهم، وربما زيادة على ما كانت بعد بدر، الآن الأنباء صارت تحت نفوذهم، والأحياء المحيطة بالمدينة اختفت فكرة الإغارة عليهم، لم تعد تقع، لم يتكرر مثل حادثة الرجيع وبئر معونة، بل على العكس، المسلمون أثبتوا من خلال هذه الغزوات الثلاث قدرتهم على الرد الصاعق السريع، وأن خبر الأعداد لغزو المدينة يفاجئ من أعدوا بجيش المدينة؛ يعني من كان يخطط لهجوم على المدينة، يأتيه جيش المدينة قبل أن يباشر في التحرك إلى المدينة كما حصل في هذه الحالات الثلاث.

طبعًا هنا خلاصة هذه المرحلة، أن المسلمين استعادوا عافيتهم، استعادوا ثقتهم بأنفسهم، استعادوا هيبتهم، وبالتالي لم يكن أمام معسكر المشركين إلا التفكير في التحالفات الكبيرة الضخمة، فلذلك سيقع أكبر تحالف في حياة المسلمين، وأحرج لحظة ستمر على الدولة الإسلامية على الإطلاق.

وهذه اللحظة هي ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.