بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبًا بكم أيها الأحباب في هذا البرنامج، برنامج غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، والذي نعرض فيه غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، نتعرف فيه على هدي النبي في القتال وفي معاملة الأعداء. نتابع فيه رحلة صعود الإسلام من الضعف إلى القوة، نرى فيه الفارق بين حروب النبي وحروب غيره من البشر، الفارق بين الحروب الإسلامية وبين حروب بقية الحضارات، سواء في الجاهلية القديمة أو المعاصرة.
في الحلقة الماضية تكلمنا عن غزوة أحد، وذكرنا بعض ما ترتب على هذه الهزيمة من المشكلات، وأن غزوة أحد كانت بمثابة اهتزاز لمكانة الدولة الإسلامية، وأنها تسببت في تجرؤ بعض القبائل على المسلمين، وذكرنا ما حصل في حادثتي الرجيع وبئر معونة، وأن المسلمين فقدوا ثمانين من قراء الصحابة، أي من علمائهم ودعاتهم، وهو أكثر مما فقده المسلمون في أحد.
اليوم نبدأ معكم في غزوة بني النضير، لكن سنحتاج أن نتذكر أربعة أمور قبل البدء في هذه الغزوة. الأمر الأول: أن هذه الغزوة، غزوة بني النضير، هي واحدة من الآثار السلبية للهزيمة في أحد. المهزوم سيظل يدفع ثمن الهزيمة حتى يثبت لنفسه ويثبت للناس ولغيره أن هذه الهزيمة كانت مجرد كبوة وعثرة، وحتى يثبت ذلك لا بد له من عدد من الانتصارات الحاسمة. الهزائم يا أحباب مثل المعاصي، يجب على الإنسان أن يتجنب الضعف والانهزام أمام المعصية وأمام الشيطان، مثلما يجب على الدولة أن تتجنب الهزيمة أمام عدوها، لأنه حين تقع المعصية أو تقع الهزيمة فهذا يؤثر تأثيرًا سلبيًا، وإذا وقعت المعصية والهزيمة فعلًا لا بد من إفاقة سريعة، لا بد من توبة سريعة، لا بد من انتصار سريع، وهذا تراه في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135]. والنبي صلى الله عليه وسلم نصحنا فقال: «واتبع السيئة الحسنة تمحها».
الأمر الثاني: أن هذه الغزوة كانت ضد يهود بني النضير. أرجو أنكم لم تنسوا ما كنا ذكرناه من قبل حول غزوات اليهود، لما تناولنا أوضاعهم في المدينة، وتناولنا الأسباب النفسية والمادية التي جعلتهم أعداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعداء لدعوته، مع أنهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. ذكرنا في ذلك الوقت أن اليهود كانوا ثلاث كتل كبيرة في المدينة، وكل منهم كانت له غزوة: غزوة بني قينقاع وهذه كانت بعد بدر وأجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم، وبني النضير وهم حديثنا الآن، وبنو قريظة وسياتي الحديث عنهم إن شاء الله بعد غزوة الأحزاب.
الأمر الثالث: أن بني النضير كان لهم خرق سابق لصحيفة المدينة. نحن ذكرنا ذلك لما تحدثنا عن غزوة السويق، كيف أن أبا سفيان نزل المدينة ونزل في ضيافة زعيم بني النضير سلام بن مشكم، وأن سلامًا هذا أعطاه أخبار القوم، وأن أبا سفيان تمكن من تنفيذ إغارة على المدينة وقتل بها اثنين من المسلمين وأحرق نخلاً وفرَّ، وأنه لم يدركه المسلمون. كذلك كعب بن الأشرف الذي ذكرنا أنه كان من الشخصيات القوية وكان لسانًا سليطًا شديدًا على المسلمين، هذا كان حليفًا لبني النضير لأن أمه كانت يهودية من بني النضير، ولذلك ذكرنا أنه كان يكثر من سب المسلمين والتغزل بنسائهم، وأمر النبي بقتله واغتاله محمد بن مسلمة وأبو نائلة وكان أخويه من الرضاعة.
الأمر الرابع: أن قريشًا حاولت من بداية الهجرة أن تؤلب المخالفين للنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وذكرنا أنهم راسلوا عبد الله بن أبي بن سلول حين كان لا يزال على شركه، وهددوه إذا لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة فسيغزونه بالجيوش. طبعًا هذا وافق هوىً لدى عبد الله بن أبي، فبالفعل عزم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم، لولا أن خرج إليهم النبي فوعظهم وذكرهم بخطاب الرحم والعشيرة، وقال: «لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت لتكيد بما تكيد به أنفسكم وأهليكم، تقتلون إخوانكم وأرحامكم». وذكرنا أنه بهذا أفشل النبي صلى الله عليه وسلم خطة قريش. الآن لم يعد في المدينة مشركون لأنه ابن سلول دخل في الإسلام ظاهرًا، هنا الآن بالنسبة لقريش لم يبقَ إلا أن تحاول قريش مرة أخرى بعد غزوة أحد أن تثير هؤلاء المخالفين.
إذا استحضرنا هذه الأمور الأربعة، سنرى أنه كان من الطبيعي أن يفكر بنو النضير في الغدر بالنبي صلى الله عليه وسلم من جديد؛ لأن هذه الهزيمة في أحد منحتهم فرصة للتجرؤ على المسلمين. مصادر السيرة تروي سببين مباشرين لوقوع غزوة بني النضير. تقول الرواية الأولى: إن قريشًا راسلت اليهود وتقول لهم: إنكم أهل الحصون، وإنكم لا تقاتلون محمدًا، صاحبنا محمدًا، أو لنفعل كذا وكذا ولا يحول بيننا وبين نسائكم شيء. فبقي التهديد الذي كان مع عبد الله بن أبي قبل الإسلام، الآن بعثته قريش لبني النضير، طبعًا هذا وافق رغبة لدى بني النضير، فوضعوا خطة للغدر بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا إليه يقولون للنبي: اخرج إلينا في ثلاثين رجلاً من أصحابك، وسيخرج منا ثلاثون حبرًا، نلتقي بمكان في المنتصف، نسمع منك وتسمع منا، فإذا هؤلاء الثلاثون من أحبارنا صدقوا وآمنوا بك، آمنا بك. وبالفعل استجاب لهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأرسلوا إليه فيما بعد أن يجعلهم ثلاثة، قالوا: الناس لن تسمع بعضها، خليهم ثلاثة مقابل ثلاثة، وأخرجوا ثلاثة منهم وكان تحت ثيابهم الخناجر، كانوا ينوون الغدر، لكن تسرب هذا الخبر، إذ إحدى النساء أخبرت أخًا لها كان مسلمًا بخبرهم، فوصل هذا الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فعلم بغدرهم.
الرواية الثانية، وهذه هي الرواية الأشهر في كتب السير، كان لها تفصيل آخر؛ تقول: نحن ذكرنا في مأساة بئر معونة أن عامر بن الطفيل استعان ببعض القبائل من بني سليم وبطون فروع منها رعل وذكوان وعصية، هؤلاء قتلوا سبعين من الصحابة غدرًا لما كانوا في جوار عامر بن مالك. هنا لم يفلت من هؤلاء السبعين سوى اثنين، ذكرناهما، هؤلاء ظنهم المعتدون أنهم قتلة، فهؤلاء منهم واحد اسمه سيدنا عمرو بن أمية الضمري، هذا الرجل استطاع أن يعود إلى المدينة، بينما هو في طريق العودة لقي رجلين من بني عامر، فعزم على أن يقتلهما انتقامًا وثأرًا مما فعله بنو عامر بأصحابه السبعين، وبالفعل تعقبهما حتى قتلهما. لما عاد إلى المدينة وقص الأمر على رسول الله تفاجأ هو أن هذين الرجلين كانا راجعين من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمنهما، وأنه كان معهما كتاب من النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك عزم النبي على أن يدفع ديتهما، هذه هي المسألة الأخلاقية؛ رجل مسلم قتل رجلين بالخطأ فالنبي كان يؤمنهما، فلذلك عزم النبي على أن يدفع ديتهما.
لهذا السبب ذهب النبي إلى بني النضير يستعين بهما على دفع الدية كما هو في وثيقة المدينة، فساعةئذ وجدوها فرصة لا تعوض، فرصة لا تقدر بثمن، فعزموا على اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك قالوا: أهلاً يا أبا القاسم، نفعل يا أبا القاسم، اقعد هنا يا أبا القاسم حتى نعينك على ما تطلب. وخططوا أن يرتقي أحدهم، كان اسمه عمرو بن جحاش، يرتقي الجدار الذي يجلس النبي تحته، يرتقي سطح المنزل وأن يلقي عليه صخرة عظيمة تقتله، لكن جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بنية اليهود، فالنبي قام مسرعًا كأنه يذهب لقضاء بعض حاجته وعاد إلى المدينة. هنا يرى بعض العلماء أن هذه هي الحادثة التي نزل فيها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: 11].
من المدينة أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة يقول لهم: اخرجوا من المدينة، لا تساكنوني فيها، لقد نقضت العهد الذي جعلت لكم بما هممت من الغدر. وأعطاهم النبي عشرة أيام مهلة، وقال في الرسالة مع محمد بن مسلمة: من بعد هذه العشر، ضربت عنقه. وهنا تكرر موقف عبادة بن الصامت الذي ذكرناه من قبل، عبادة بن الصامت كان من الخزرج وكان حليفًا لبني قينقاع، وذكرنا أنه جادله عبد الله بن أبي بن سلول الذي كان أيضًا من الخزرج فيما يفعله بحلفائه، وقال له عبادة: يا أبا الحباب، تغيرت القلوب ومحا الإسلام العهود، وأنت في أمر غيره سنرى غدًا عاقبته. هذا الموقف هنا حصل لمحمد بن مسلمة لأنه من الأوس، والأوس كانوا حلفاء بني النضير، الخزرج كانوا حلفاء بني قينقاع والأوس كانوا حلفاء بني النضير، فهنا محمد بن مسلمة هو الذي حمل الرسالة إليهم، فلذلك قالوا له كما قالوا لعبادة: أنت تفعل هذا من دون الناس؟ قالت يهود بني النضير لمحمد بن مسلمة: ما كنا نظن أن يجيئنا بهذا رجل من الأوس، فقال لهم محمد: تغيرت القلوب ومحا الإسلام العهود. بهذا انقلب الموقف عليهم لأن حتى الأوس لم يعودوا معهم، وأفلتت الفرصة ولم يكن أمامهم سبيل إلا أن يخرجوا.
وبالفعل عزموا على الخروج، لكن عبد الله بن أبي بن سلول، زعيم المنافقين، أرسل إليهم: ألا تخرجوا، وقال لهم: معي ألفان من الرجال يدخلون معكم في حصنكم، وأيضًا تدفع عنكم بنو قريظة، التي هي الكتلة اليهودية الثالثة، وسنقاتل معكم ولا نسلمكم. فهنا بعدما كانوا قد عزموا على الخروج، عزموا على البقاء، فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: لا نخرج ولن نخرج، وافعل ما بدا لك. الآن، لكي لا ننسى، نحن الآن مع الموقف الثالث الكبير لعبد الله بن أبي بن سلول من بعد ما أسلم، الموقف الأول كان دفاعه عن يهود بني قينقاع، الموقف الثاني انسحابه بثلث الجيش من منتصف الطريق في أحد لتخويف المسلمين، وهذا الموقف الثالث، وسنرى فيما بعد مواقف أخرى، لكي نعلم أن هناك تحالفًا طبيعيًا ينشأ بين المنافقين والكفار، هؤلاء المبطلون يتحدون مع أنه بينهم من الخلافات كثير، إذا كان عدوهم هو المسلمين.
في هذا الموقف نزل قول الله تعالى في سورة الحشر: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ * لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [الحشر: 11-13]. يعني المنافقين أو حتى اليهود في كما قال علماء التفسير يخشون المؤمنين أكثر من خشيتهم لله تبارك وتعالى، وهذا طبعًا من الضلال المبين ومن الجهل.
فحشد النبي صلى الله عليه وسلم جيشه، خرجوا إلى حصون بني النضير، حاصروهم فيها، حاصروهم خمسة عشر يومًا، وكانوا في حصن منيع، وهذا حصن بني النضير كان حصنًا محفوفًا بالأشجار والنخيل والبساتين، فلذلك اليهود كانوا يستعينون بهذا الغطاء النباتي على قذف المسلمين بالسهام من وراء النخيل والأشجار، فعزم النبي صلى الله عليه وسلم على تحريق هذه الأشجار والنخيل، لكي يحرم اليهود من هذه المزية، مزية الغطاء. فلما بدأ النبي في تحريق الشجر والنخيل رعبوا ودخلهم الفزع، طبعًا هم وجدوا الآن أن أحدًا لم يغثهم ولم ينجدهم، لا المنافقون ولا بني قريظة، فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستسلموا، وقضى النبي عليهم بالخروج بما حملت الإبل من المال والسلاح، بما نسميه الآن بالمال المنقول دون المال غير المنقول.
وهنا أنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية التي تكشف لنا طبيعة اليهود وطبيعة قتالهم، إذ قال تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: 14]. وبهذا نزل ببني النضير مثل ما نزل ببني قينقاع من قبلهم، كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الحشر: 15]. وهنا تبين أن المنافقين لم ينفعوا أولياءهم، وضرب الله لهم ولمن يغتر بهم هذا المثل البليغ في سورة الحشر في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر: 16-17].
خرج بنو النضير بما استطاعوا حمله معهم من الأموال، وتعمدوا أن يخربوا بيوتهم وأن يفسدوها، وأن ينقضوا السقوف والأعمدة، حتى لا ينتفع بها، وذكر الله تبارك وتعالى هذا عنهم لما قال: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الحشر: 2]، ولذلك حملوا ما استطاعوا على ستمائة بعير، وخرجوا، بعضهم ذهب إلى مركز اليهود الكبير خيبر في شمال الجزيرة العربية.
وبعضهم ذهب إلى الشام، ومن هناك بدأوا فصلاً جديدًا في المؤامرة على الإسلام. هنا في غزوة بني النضير، حقيقة ستخرج لنا مسألتان مهمتان؛ المسألة الأولى تتعلقان بهدي الإسلام في الحرب وهدي الإسلام في العمارة.
المسألة الأولى: ما هو حكم إتلاف الزروع والثمار والنخيل في الحرب؟ نحن نعرف أن الإسلام جاء بعمارة الأرض وحث على الغرس والتثمين والتشجير، والنصوص في هذا كثيرة جدًا؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة» [رواه البخاري ومسلم]. وكقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها».
استفاضت الكتب في هذا، والحالة الوحيدة التي أجاز فيها الإسلام قطع الشجر أو قطع النخيل هي الضرورة الحربية. في حال المقارنة بين حماية الإنسان وحماية النبات، إذا كان الشجر والنخيل يتسببان في إطالة الحرب وفي قتل الناس، حينئذ يجوز حرقه وإتلافه لإنهاء الحرب؛ لمنع العدو من التحصن به، ولمنعه من الاختفاء خلفه، ولمنعه من الاستفادة به أو التقوي به، كأن يكون مورده الاقتصادي الذي يعتمد عليه في إطالة الحرب. لكن إذا كان التقدير الحربي يقول بأنه لا ضرورة من إتلاف هذا الشجر والنخيل، فعندئذ لا يجوز إتلافه لأنه من الفساد في الأرض. وهذا موضوع جميل يحتاج إلى توسع، لكننا سنرى حرص الإسلام على العمارة والغرس والتثمين والتشجير ورعاية المال والمحافظة على الموارد الاقتصادية حتى المحافظة على الجمال، وهذا باب عظيم ترجعون إليه في الكتب المتخصصة.
المسألة الثانية: المسألة الأولى هي ما حكم إتلاف الشجر والزرع والنخيل في الحرب، أما المسألة الثانية فهي كيف تقسم الغنائم إذا لم يقع قتال؟ يعني إذا حصل النصر بالرعب وباستسلام العدو. كنا قد ذكرنا في غزوة بدر أن الله تبارك وتعالى أنزل أحكام الغنائم والأنفال، وكانت كالتالي: أن الغنائم تقسم إلى أخماس وأربعة أخماس؛ أي تقسم إلى خمسة أجزاء، أربعة منها تنفق على المقاتلين، والخمس الأخير يعود إلى الرسول أو إلى الأمير أو إلى الدولة، وتنفق في مصالح المسلمين بحسب ما يقدر الأمير أو الخليفة.
هذا ما وقع فيه قتال، لكن الفيء -وهي الغنائم التي حصلت بدون قتال- نزل الله فيها قول الله تعالى في سورة الحشر: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: 7]. فهذه الغنائم الراجح فيها أنها تُركت لتقدير الأمير أو الخليفة، وهو ينفقها في مصالح المسلمين وفي هذه المصارف الواردة في الآية، وبهذا المال يتحقق ما يسمى الآن العدالة الاجتماعية أو عدالة توزيع الثروة؛ «كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم»؛ لأنها تنفق على فئات ليس لها مال كالفقراء والمساكين وابن السبيل.
غزوة بني النضير بهذا الشكل كانت نصرًا جديدًا في ميزان المسلمين، ونستطيع أن نقول إنها أول انتصار لهم بعد هزيمة أحد وبعد مأساة الرجيع وبئر معونة، فبها بدأ الميزان يعتدل، وبها تلقى اليهود والمنافقون في المدينة ضربة أخرى شديدة، وبها فقدت قريش حليفًا آخر تعول عليه في المدينة. انظر معي، المسلمون بدأوا يتعافون من هزيمة غزوة أحد، واليهود والمنافقون انطفأ أملهم بعد أن أخذوا ضربة شديدة، وقريش فقدت حليفًا كان يمكنها أن تعول عليه، فأرسلت لهم رسالة تهديد، وبالتأكيد أصاب الرعب الكتلة الثالثة الأخيرة من يهود المدينة وهي بني قريظة.
لذلك سنرى فيما بعد أن بني قريظة لم يدخلوا في حلف ضد المسلمين أبدًا إلا حين يحدث حدث مهم سنأتي إليه في وقته، لكن أصابهم من الرعب والخوف والخشية والفزع ما جعلهم يكفون تمامًا عن التعرض للمسلمين، لكن ستحدث حادثة تنعش آمالهم في أن المسلمين على وشك الاستئصال أو الفناء، وسيعظم هذا الموقف بأن ينقضوا عهدهم مع المسلمين أيضًا.
ونحن الآن نحلل في غزوة بني النضير، فسنرى أن المسلمين بدأوا بها يستعيدون زمام الموقف ويحاولون تصحيح الميزان. لأجل هذا كانت غزوة بني النضير غزوة مهمة مع أنه لم يقع فيها قتال ووقع فيها استسلام. ولعلكم لم تنسوا ما ذكرناه من أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في ثمان وعشرين غزوة، لكن الغزوات التي وقع فيها القتال تسع فقط، يعني ثلثي غزوات النبي لم يكن فيها قتال، وذكرنا في الحلقات السابقة أن هذا ضمن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه حقق أهدافه السياسية بأقل قدر من القتال وبأقل قدر من الضحايا. الآن بدأ المسلمون يستعيدون الذمام، فماذا سيكون الموقف التالي؟ هذا ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي