بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، مرحبا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقات التي نستعرض فيها غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، ونعرف منها هديه في الحرب ومعاملة الأعداء، ونتابع فيها رحلة الإسلام وصعوده من الضعف إلى القوة. وصلنا في الحلقات الماضية إلى واحدة من أصعب اللحظات التي مرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي تركز هجوم المشركين عليه وهو في ثلة من أصحابه، وأنهم استطاعوا الوصول إليه حتى اصابته ضربات بالسيوف وقعت على خوذته وعلى ركبتيه فجرح رأسه الشريف وشجت جبهته، ودخلت حلقتا المغفر في وجهه وكسرت رباعيته، ووقع وجحش ركبتاه، واستبسل الصحابة من حوله حتى استطاعوا أن يدفعوا عنه هجوم المشركين؛ منهم من قتل ومنهم من أصيب إصابات بالغة، لكن استطاعت هذه المجموعة أن تمثل مركزا يئوب إليه المسلمون، وأن يفشلوا محاولة الكفار.
وبذلك تم الانسحاب بنجاح إلى صخرة في جبل أحد. وهنا حاول المشركون الهجوم على هذه المنطقة، لكن المسلمين استطاعوا ردهم عنه فلم يجدوا إليه سبيلا، وذكرنا أن نساء المشركين انفردن بجثمان المسلمين الشهداء فصاروا يمثلون بها، يقطعون الآذان والأنف ويبقرون البطون. وهنا فقد المسلمون في هذه الغزوة سبعين منهم، كان على رأسهم حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وأنس بن النضر وكثيرون آخرون من بقية السبعين.
وسيدنا أنس بن النضر هذا ممن نزل فيه قول الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]؛ لأنه سيدنا أنس فلتته غزوة بدر وعاهد الله لئن أدرك حربا مع الكفار ليصدقن فيها، قال: كيف فاتني أول مشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لئن أشهدن الله مشهدا آخر ليرين الله ما أعمل. لذلك كان جسده ممزقا بسضعين ضربة، ما بين ضربة سيف وطعنة رمح ورمية سهم، ولم تعرفه إلا أخته عرفته ببنانه بعلامة في بنانه.
هنا المكان الذي انحاز إليه النبي وصحابته، جاء أبو سفيان تحت الجبل وصار ينادي: هل فيكم محمد؟ هل فيكم ابن أبي قحافه -اللي هو سيدنا أبو بكر-؟ هل فيكم ابن الخطاب؟ فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم ألا يجيبوه. فهنا ظن أبو سفيان أنهم قتلوا، فقال لقومه: أما هؤلاء فقد كفيتم وهم قد قتلوا. فهنا لم يطق عمر رضي الله عنه إلا أن أجاب، فقال: يا عدو الله، إن الذين ذكرتهم أحياء، وقد أبقى الله ما يسوءك.
هنا قال أبو سفيان لعمر: أنت أصدق عندي من ابن قمئة الذي ذكرنا أنه زعم أنه قتل محمدا، وهو كان قد قتل سيدنا مصعب بن عمير. ثم قال أبو سفيان: أعل هبل أعل هبل -وهو هبل الصنم- فقال الصحابة رضوان الله عليهم: الله أعلى وأجل، وكان يلقنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال. فلقن النبي صلى الله عليه وسلم صحابته فقالوا: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. وهنا قال أبو سفيان: موعدنا بدر من العام المقبل. فأجابه الصحابة بعد أن أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: نعم، هو بيننا وبينك موعد.
وهذا أخذ جيش المشركين في الارتحال. لذلك هنا توقف بعض العلماء؛ لأن هذا الارتحال لجيش المشركين فيه دليل على أنهم خافوا، أو أنهم صرفوا عن أمر التوجه إلى المدينة أو البقاء في أحد؛ قلنا قبل ذلك: كانت عادة المنتصر في معارك العرب في ذلك الوقت أن يبقى في المكان ثلاثة أيام يحتفل بالنصر، لكن أبو سفيان لم يفعل، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم أثر جيش المشركين من يستطلع أحوالهم، فوجدهم قد ركبوا الإبل -معنى هذا أنهم يتوجهون إلى مكة-، لو أنهم كانوا يركبون الخيل فمعناه أنهم سيستعدون لجولة جديدة، أو أنهم يغِيرون غارة على المسلمين أو غارة على المدينة، لكن هذه المعلومة التي جاءت بها الاستطلاع أنهم ركبوا الإبل، فعندئذ نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ساحة المعركة وتفقد الشهداء.
طبعا رأى ما حصل فيهم من التمثيل، وأمر صلى الله عليه وسلم بدفنهم بغير غسل كما هو الحال مع الشهيد، وكان أشد ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما وقع لحمزه لعمه حمزة بن عبد المطلب. كذلك تأسف النبي صلى الله عليه وسلم وحزن لما وقع بمصعب بن عمير؛ لأنه سيدنا مصعب حين قتل لم يكن عليه سوى ثوب واحد لا يكفي لتغطيته كله، مع أنه كان قبل الإسلام أنعم فتى في قريش وأنضر فتى في قريش.
عاد المسلمون إلى المدينة، وكلف النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصحابه بالقيام على الحراسة؛ لأنه تخوف أن يعود المشركون بجيشهم مرة أخرى. ولذلك كانت هذه الليله ليله عصيبة، اجتمع فيها على المسلمين الحزن والتعب والألم وكذلك الحراسة في اليوم التالي. وأنا أعود وأذكر هنا أننا في هذه السلسلة نهتم بدروس الغزوة أكثر من اهتمامنا بتفاصيل أحداثها؛ لأن تفاصيل الأحداث قد كفانا إياه العلماء الذين هم خير مني وأحفظ مني وأخبر مني بهذه التفاصيل، وهي مبذولة لكل الناس، لكن نحاول في هذه السلسلة أن نقدم الجديد فاهتمامنا بالدروس المستفادة بتحليلها أكثر من اهتمامنا بمتابعة التفاصيل والأحداث.
هنا في اليوم التالي وقعت غزوة شديدة الأهمية مع أن أكثر الناس لا ينتبهون إليها، وهي غزوة حمراء الأسد. النبي صلى الله عليه وسلم أعلن في صباح اليوم التالي خروج الجيش، حشد الجيش مرة أخرى للخروج، واشترط أن يخرج معه في هذا الجيش إلا الذين كانوا قد خرجوا معه بالأمس في أحد، وبذلك منع المنافقين من الخروج معه، المنافقين الذين انسحبوا مع عبد الله بن أبي بن سلول كما ذكرنا.
فخرج بالجيش إلى مكان يسمى حمراء الأسد، وهذه على بعد ثمانية أميال من المدينة تماما، ولذلك سميت غزوة حمراء الأسد. في هذا الوقت نفسه -اللي هو صباح اليوم التالي- المشركون أيضا راجعوا أنفسهم، لماذا رحلوا ولماذا تركوا؟ هم كانوا طبعا في ذلك الوقت قد وصلوا إلى مكان يسمى الروحاء، هذا مكان على بعد حوالي 36 كيلومترا من المدينة، فهم بدأوا في التفكير لماذا رحلوا؟ تحسروا أيضا؛ لأنه كانت أمامهم فرصة ليقصدوا المدينة بهذا الجيش، أو على الأقل يستكملوا ما أصابوا به المسلمين. فلذلك وقع فيهم تردد، فوقفوا في هذا المكان وفكروا بالفعل في الرجوع، بل استقر قرارهم على الرجوع إلى المدينة مرة أخرى.
فبينما كان النبي صلى الله عليه وسلم في حمراء الأسد، هذا المكان، جاءه رجل اسمه معبد بن أبي معبد الخزاعي، قبيلة خزاعه كان يكثر فيها المتعاطفون مع النبي صلى الله عليه وسلم لظروف تاريخية لا يسعنا الآن الحديث فيها. فهذا الرجل عزى النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المصيبة التي نزلت في أحد، لكن هنا استثمره النبي صلى الله عليه وسلم في حرب دعائية ليكف بها قريشا.
فلذلك ذهب معبد إلى الروحاء وأخبر قريشا أن محمدا قد خرج بجيشه في أثرهم، وأنه الآن في حمراء الأسد، احنا ذكرنا أن أحد كانت على حدود المدينة، لكن حمراء الأسد كانت على بعد ثمانية أميال، وقال معبد: إن جمع محمد قد زاد وكثر عما كان بالأمس. طبعا هم الآن في الروحاء وما زالوا في التردد، وبعضهم قرروا الرجوع، لكن ما يزال القرار في أوله، ففعلا فت هذا في عضدهم وحملهم على الرجوع إلى مكة.
إذا نرى هنا أن الخروج إلى حمراء الأسد كان في غاية الأهمية، وسنرى في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي سيرة خلفائه الراشدين من بعده كيف أنهم حرصوا أن تتكرر على المسلمين الهزيمة، يكون أسرع شيء هو محاولة تعفية آثار الهزيمة، إزالة آثار العدوان كما يقال. أولا اشتراط النبي صلى الله عليه وسلم ألا يخرج معهم إلا من كان في الجيش بالأمس فيه معنى أن النبي يعلمهم أنهم قادرون على تحقيق النصر بأنفسهم، وأنهم بقوتهم هذه -لا بمزيد قوة عليها- يستطيعون أن ينتصروا. وكذلك فيه معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر المنافقين أنه في غنى عنهم حتى بعد أن تعرضوا لهذه المشكلة أو المصيبة أو الهزيمة.
لذلك هنا الأعداد، لو نظرنا إلى غزوة أحد، الأعداد مقارنة الأعداد تقول بأن المشركين انتصروا؛ لأن المشركين خسروا حوالي 22 رجلا، والمسلمين قتل منهم 70 من المسلمين. لكن رجوع المشركين من أحد، ثم رجوعهم من الروحاء دون أن يقيموا في المكان على عادة المنتصر، كان هذا دليلا أيضا على أنهم اكتفوا بما حققوه، وأنهم كانوا يخشون من ضياعه إذا واصلوا القتال أو إذا قصدوا المدينة، فهذا أيضا يخبرنا بما تمتع به المسمون من الهيبه وإلا كانوا استكملوا.
لهذا في نهاية المعركه، إذا رجعنا إلى أولها، سنرى كيف تحققت الرؤيا التي راها النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل في درع حصينة -اللي هي المدينه؛ لأن المدينه كانت حصنا له وحصنا لصحابته لم يطرقها أحد-، وكيف أنه أردف كبشا -الذي فسره النبي صلى الله عليه وسلم بانه كبش الكتيبه؛ لأنه قتل المسلمون حملة اللواء من بني عبد الدار-، وأن سيفه قد فل كسر -فكانت تلك الكسرة في أصحابه-، وأن بقرا تذبح -أنه يصيبهم قتل-.
وبعد أحد نزل القرآن الكريم يواسي المسلمين ويخبر المسلمين بموضع الخلل، يخبرهم من جاءت الهزيمة، ونزل يبشرهم أيضا بأن هذه الهزيمة التي وقعت عليهم لم تكن لسخط من الله عليهم، ولا لان الله قد تخلى عنهم، بل بشرهم الله تبارك وتعالى بما كتب للشهداء من النعيم. ومن يتأمل في سورة آل عمران التي تعرضت لذكر هذه الغزوة، يجد فيها روحا رقيقه، روحا حانية؛ الله تبارك وتعالى قال لعباده: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 139-148].
وهناك وقف في قراءة ورش: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾، هذا وقف جميل جدا لمعاني الآيات وربما هو الأنسب، لكن القصد هنا أن القرآن نزل يخبرهم بموضع الخلل، يمسسهم بهذه اليد الحنون الشفوق.
فالقرآن الكريم أخبر صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بخطوره حب الدنيا، وأن حب الدنيا حب الغنيمة كان هو سبب الهزيمة، وأن الله مع ذلك قد شملهم برحمته. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 152].
وأخبر القرآن الكريم بما يقوله المنافقون والذين في قلوبهم مرض. قال تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا في صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: 154]. من قدر له أن يموت سياتيه قاتله في بيته في مضجعه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: 155] -هذه آثار الذنوب- ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: 156] -هذا كلام المنافقين، أنه لو لم يخرجوا إلى القتال لكانوا عاشوا- ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: 157-158].
يعني هذه آيات رقيقة، آيات عظيمة حافلة بالدروس، وأرجو أن ترجعوا إليها وتقرءوها، وأرجو حتى أن تقرءوا تفسيرها في كتب التفاسير، كتاب مثلا مثل في ظلال القرآن للشهيد سيد قطب واشباهه من التفاسير التي تتوقف عند المعاني والدروس والعبر.
مثلما كانت لغزوة بدر آثار جليلة في مكة والمدينة والجزيرة العربية، فكذلك كانت لغزوة أحد آثار خطيرة ومريرة تضرر منها المسلمون؛ فالنصر يأتي بالنصر، والهزيمة تأتي بالضرر. يجب على المنتصر دائما أن يعزز انتصاراته، ويجب على المهزوم حقيقة أن يدفع ثمن هزيمته على الأقل فترة من الزمن، حتى يثبت أنها كانت مجرد كبوة، ومجرد عثرة، ومجرد هفوة، وأنها ليست أول التراجع أو أول الانهيار.
من أهم آثار غزوة أحد في المدينة أولاً: ما تعلمه المسلمون من درس المعصية الذي وقعوا فيه، وخطورة التعلق بالدنيا، وأن هذه الرغبة في الدنيا كانت ستذهب بما سبق تحقيقه، وهي بالفعل تسببت في خسارة العديد من أبطال المسلمين ومن رجالهم الكبار. كذلك تعلم المسلمون أنهم ينتصرون بقدر طاعتهم والتزامهم بأمره وأخذهم بالأسباب، وأن الله تبارك وتعالى لا يحب ولا يجامل ولا ينصرهم لمجرد كونهم مسلمين؛ إن لم يقوموا بالواجب، لم يقوموا بالطاعة، إن لم يقوموا بالأخذ بالأسباب، فإن الله يكتب عليهم الهزيمة.
كذلك سنرى أن غزوة أحد أثارت فرحة في صفوف المنافقين وفي صفوف اليهود، وبالتالي هؤلاء كانوا يرجون أن يكون ذلك أول الهزيمة، ورجوا أن يكون ذلك أول الأفول وأول الانهيار؛ لذلك انتعش الأمل فيهم من جديد لكي يعودوا للتآمر والتدبير على النبي ﷺ.
أما في مكة، فسنرى أن أحد قد أثارت انتعاشاً في أحوال الكفار المشركين؛ لأن الأمل ثار فيهم من جديد في إزالة هذه الدولة الإسلامية، وبدا لهم أن الحرب سجال وأنهم يصيبون من المسلمين كما يصابون، وهذا في فهم المشركين؛ أن الله ليس مع المسلمين كما يقول المسلمون، وإنما هم ناس مثل الناس ينهزمون وينتصرون، ولذلك هذا ثبت بعضاً منهم على كفره وأعطاه الأمل من جديد أن يكون دين آبائهم وأجدادهم هو الدين الحق.
وفي الجزيرة العربية، كما هو الحال في عالم السياسة وعالم الحروب، يحدث أن تنبعث الآمال لنهش المهزوم والإصابة منه، لهذا وقعت حادثتان متزامنتان غدر فيهما بالمسلمين غدراً شنيعاً، وهما حادثة الرجيع ومأساة بئر معونة.
في حادثة الرجيع، جاء رجال من قبيلتي عضل وقارة، هؤلاء جاؤوا للنبي ﷺ فذكروا له أن فيهم بعض الناس أسلموا، وأنهم على استعداد لسماع القرآن، وطلبوا أن يرسل النبي معهم من يعلمهم الدين ويقرأ القرآن. فأرسل النبي معهم عشرة من الصحابة، الصحابة القراء الذين يتقنون القراءة ويحفظون القرآن، فلما كانوا في الطريق فيما يسمى الرجيع، استعانوا عليهم بقبيلة من بني لحيان، فاجتمع عليهم مئة فغدروا بهؤلاء العشرة الذين هم من علماء الصحابة. حاصروهم وأعطوهم الأمان إذا استسلموا ألا يقتلوهم، فرفض الصحابة فقاتلوهم حتى قتلوا منهم سبعة، بقي ثلاثة أعطاهم الكفار العهد والأمان مرة أخرى، فنزلوا على الأمان فقيدوا، وقتلوا منهم واحداً وسلموا الاثنين الآخرين إلى مكة، وهما سيدنا خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة، فقتلهما الكفار في مكة؛ وبذلك قُتل عشرة من فقهاء الصحابة.
الحادثة الثانية أشد، وهي حادثة بئر معونة. هذا رجل من زعماء العرب كان اسمه عامر بن مالك، جاء إلى المدينة وعرض النبي عليه الإسلام، فتقول الرواية لم يسلم ولم يبعد، لا رفض ولا قبل، لكنه أظهر أنه ربما لو ذهب بعض دعاة المسلمين معه إلى أهل نجد فربما استجاب قومه. وقال للنبي ﷺ بأنهم في ذمته، فهم في جواره، فأرسل النبي معه سبعين من القراء لدعوة أهل نجد.
عند بئر معونة، توجه أحد هؤلاء الصحابة اسمه سيدنا حرام بن ملحان إلى عامر بن الطفيل، زعيم بني عامر، فأتت كتاباً من رسول الله ﷺ. عامر بن الطفيل لم ينظر في كتاب رسول الله، بل أمر أحد رجاله بطعن هذا الرسول، وهو سيدنا حرام بن ملحان، فقتله. وبذلك يكون عامر بن الطفيل قد خفر جوار عامر بن مالك، واعتدى على عهده. وحاول كذلك أن يجمع حشداً من قبيلة بني عامر ليقتل بقية السبعين، لكن بعضهم رفض لأنهم في جوار زعيمهم عامر بن مالك، فاستنصره عامر بن الطفيل على بني سليم، فجاء بعضهم من فروع اسمها رعل وذكوان وعصية، فاجتاحوا السبعين وقتلوهم، ولم يفلت منهم إلا اثنان؛ فقتل سبعين من صحابة النبي ﷺ.
هاتان الحادثتان، الرجيع وبئر معونة، كلاهما وقع في شهر واحد، وهو شهر صفر من عام أربعة للهجرة، أي بعد هزيمة أحد بحوالي ثلاثة أو أربعة أشهر، وفقد المسلمون فيهما ثمانين من الصحابة، وهو أشد مما فقدوه في نكبة أحد. كما قلنا، عامر بن الطفيل خفر جوار عامر بن مالك، وبنو سليم الذين فروع منها رعل وذكوان هم الذين قتلوا السبعين.
بالتالي، هاتان الحادثتان بقدر ما أثارتا الحزن والأزمة والمصيبة عند النبي ﷺ، لكنهما أيضاً صنعتا هذه الحزازات بين عامر بن الطفيل وبين عامر بن مالك، وهذا مما ستكون له آثار. النكبة التي بعد أحد تهمنا، وهي أن النكبة التي بعد أحد كانت أشد من نكبة أحد، وهكذا ثمن الهزيمة؛ ماذا سيحدث بعد ذلك؟ هذا ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي