بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبًا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقات من برنامج غزوات النبي ﷺ، نستعرض فيها غزوات النبي ﷺ، نعرف منها هديه في الحرب، وهديه في معاملة الأعداء، ومعاملة الأسرى، والفارق بين حروبه وحروب غيره من البشر، الفارق بين الحروب الإسلامية وغيرها من الحروب، ونتابع رحلة الإسلام وصعود الإسلام وانتقاله من الضعف إلى القوة.
انتهينا في الحلقات الماضية إلى الأوضاع بعد معركة بدر، سواء في داخل المدينة وفي خارجها. في خارج المدينة، ذكرنا أن المسلمين استكملوا السيطرة على محيط المدينة، واستطاعوا بذلك إغلاق الطريق التجاري بين طريق قريش إلى الشام، وحتى من خلال السرية التي أرسلها النبي ﷺ بقيادة زيد بن حارثة، أغلقوا الطريق البديل الذي حاولت قريش أن تسلكه إلى العراق ثم إلى الشام.
وفي داخل المدينة، قضى المسلمون على الكتلة اليهودية الكبيرة، وهي الكتلة الأكبر التي كانت يهود بني قينقاع، وجرى إجلاؤهم عن المدينة بعد نقضهم العهد وبعد اعتدائهم على المسلمين، وكذلك أسكت النبي ﷺ الأصوات التي تخصصت في هجاء النبي ﷺ وهجاء المسلمين من شعراء اليهود.
لأن الباطل يا إخواني لا ينتهي طبعًا في ضربة واحدة، فكان لابد من معركة كبرى أخرى مع قريش؛ لأن قريش لابد لها من استنقاذ هيبتها، ولابد لها من محاولة استعادة مكانتها، لأن هزيمة بدر هزيمة مذلة. وكان أيضًا يدفعها إلى ذلك محاولة فتح الطريق مرة أخرى إلى الشام، الطريق التجاري، لأنه هذا عصب اقتصادها.
فلهذا جهزت قريش جيشًا كبيرًا وحبست على تمويله قافلة بدر، قافلة بدر التي كانت السبب في الحرب؛ نستطيع أن نقول أوقف فتها قريش على تمويل الحرب القادمة. واستنفرت حلفاءها من العرب من بني كنانة ومن تهامة، واستنفرت طاقتها.
ذهب جبير بن مطعم لاستدعاء عبده وحشي بن حرب، وحشي هذا كان مشهورًا بإصابة الهدف إذا رماه بالرمح، ووعده أن يعتقه إذا استطاع أن يقتل حمزة بن عبد المطلب؛ لأن سيدنا حمزة قتل عمه طعيمة بن عدي، قتل عم جبير بن مطعم. ووحشي هذا جاءته هند بنت عتبة بن أمية ووعدته أن تعطيه حليها، وطبعًا هند امرأة من الطبقة العليا في مكة، فالحلي هو حلي أميرة مثلاً أو حلي بنت من العائلة الحاكمة أو زوجة من العائلة الحاكمة أو الأميرية أو الملكية. الآن فهي وعدته أن تعطيه حليها إذا قتل حمزة، لأن حمزة قتل أباها، قتل عمها شيبة بن ربيعة، وشارك في قتل أبيها عتبة بن ربيعة كما ذكرناه في المبارزة التي كانت في بدر.
لو أنكم ما زلتم تتذكرون، وطبعًا أنت لو مكان وحشي الآن تشعر أن الدنيا فتحت ذراعيها لك؛ لأنه الآن سيعتق، وكل هذا في ضربة واحدة لشخص واحد هو سيدنا حمزة. وأخرجت قريش مع الجيش نساءها لكي يحفزن الرجال، فكانت هند وكانت النساء زعيمهن هند تنشد أشعارًا تحفز الرجال، مثل قولها: نحن بني طارق ... نمشي على النمارق إن تقبلوا نعانق ... أو تدبروا نفارق
وخرج الجيش القرشي الضخم حتى وصل إلى قرب المدينة عند جبل أحد، جبل أحد على حدود المدينة. في المدينة، رأى النبي ﷺ رؤيا مزعجة، فقال لأصحابه: «إني رأيت كأن في درع حصينة»، فأولتها المدينة. «وإني مردف كبشًا»، فأولته كبش الكتيبة. «ورأيت أن سيفي ذا الفقار فُل»، فأولته: «فل فيكم»، يعني فيه كسر. «ورأيت بقرًا تذبح»، فأولتها: «بقر»، والله خير.
فأول كبش الكتيبة يعني قائد كتيبة الكفار، والفل هو الكسر كما ذكرنا، يعني المسلمين سيحدث فيهم كسر. والبقر هو شق البطن، إذا شق البطن يسمى بقرًا، وهو طبعًا كناية عن القتل، يعني أنه سيكون في الصحابة قتل. فلذلك أحب النبي ﷺ أن يبقى في المدينة وأن لا يخرج منها لمواجهة الجيش؛ لأنه درع حصينة، وأولها المدينة. وطبعًا كانت المدينة في ذلك الوقت تفوق الكفار؛ لأن المسلمين سيتولون قتالهم في الشوارع، وتولى النساء مثلاً إلقاء الحجارة أو إلقاء السلاح من فوق البيوت، يعني كأنها حرب مدن.
لكن كثيرًا من الصحابة الذين فاتهم الجهاد في بدر كانوا يتشوقون لحرب الكفار، ولذلك أخذتهم العاطفة أن ينهضوا إلى خارج المدينة. وكذلك بعض قادة الأنصار كبر عليهم الأمر، واستنكفوا أن ينتظروا بالمدينة حتى يأتيهم الكفار إلى داخل المدينة؛ لأن كيف أنت الآن، الزعيم الأنصاري يقول كانوا لا يجرؤون على ذلك في الجاهلية، كيف يجرؤون عليه في الإسلام؟
فلما رأى النبي ﷺ هذا الإصرار، ونبينا ﷺ كان من أكثر الناس مشورة لأصحابه، نزل على رأيهم، ودخل بيته ولبس سلاحه ولبس لامة الحرب، أي ثوب الحرب. وفي دخوله ﷺ بعض الناس لاموا وقالوا استكره هنا رسول الله، فلما خرج قالوا: يا رسول الله استكره هناك، فأقم، يعني ما أحببت أن تفعل، افعل أو أقم والراي رأيك. فقال ﷺ: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لاماته، يعني ثوب الحرب، أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه، إن كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة، إذا انتهينا إلى رأي ننفذه، فإن فساد الرأي أن تترددا».
فلذلك خرج المسلمون إلى أحد في منتصف المسافة بين المدينة وبين أحد. عبد الله بن أبي بن سلول، رأس المنافقين -طبعًا لعلكم لم تنسوا ما فعله في غزوة بني قينقاع لما أمسك النبي يريد أن يرفع العقوبة عن بني قينقاع وأراد أن يبقيهم بعدما قرر النبي إجلاءهم- يبقى هذا عبد الله بن أبي بن سلول في منتصف الخروج من المدينة إلى أحد، انسحب بـ 300 من أتباعه، يعني هم خرجوا في الجيش وانسحبوا، أراد بذلك أن يخذل الناس وأن يضعف الناس، وطبعًا تذرع وقال: أطاع الصبيان وعصاني. طبعًا هو كان أيضًا رأيه أن يبقى في المدينة، ولا أظن أنه سيقع قتال.
ولذلك نزل فيه قول الله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ ۚ كَانُوا لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبَ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: 167]. أراد هو بذلك تخذيل الناس لأنه خرج معهم ثم انسحب، وبالفعل كاد ينجح في هذا؛ لأن هذه الحركة تأثرت بها قبيلتان.
من الأنصار، وكانوا من المؤمنين بنو سلمة، وبنو سليمة، وبنو الحارث، لكن الله ثبتهما، وفيهما نزل قول الله تعالى: ﴿إِن تَفۡشَلُواْ فَإِنَّكُمۡ غَآئِبُونَۖ وَٱللَّهُ وَلِيُّكُمۡۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلنَّٰصِرِينَ﴾ [آل عمران: 122]. ولذلك فرح الصحابة من هاتين القبيلتين بهذه الآية؛ لأنها ذكرت أنهم إن فشلوا فالله وليهما، ففرحوا بها.
المهم الآن أنه نقص جيش المسلمين من ألف إلى سبعمائة، وأحياناً في روايات أخرى تقول إنه نقص من ألف وثلاثمائة إلى ألف. المهم أن النبي ﷺ وصل إلى أحد، واتخذ موقعه في مكان عبقري؛ ومع أن المشركين سبقوه إلى أحد، إلا أنه استطاع أن يجعل ظهر الجيش إلى جبل عينين، وهذا سيعرف فيما بعد بجبل الرماة. ونشر فوقه خمسين من الصحابة المتميزين في الرمي، وكانوا بقيادة عبد الله بن جبير.
هؤلاء الصحابة الرماة مهمتهم أن يحموا ظهر الجيش، وأن يمنعوا التفاف المشركين من خلف الجيش، ولذلك أمرهم أن لا يتركوا أماكنهم حتى يرسل إليهم مهما كانت نتيجة المعركة، قال لهم: «إن رأيتمونا نُقتل لا تنصرنا، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركون، ابقوا إلى أن أرسل لكم».
من أهم ما حصل قبيل المعركة ما قاله أبو سفيان لبني عبد الدار؛ وكانوا هم الذين يختصون بلواء قريش، أي أصحاب الراية وحملة اللواء، وهذا كان تقليداً ترسخ في قريش منذ الجد قصي بن كلاب، الذي أسس عصر قريش وزع بين أبنائه مهمات الحكم؛ فكان اللواء مهمة من مهمات بني عبد الدار، والسقاية والرفادة مثلاً من مهمات بني عبد مناف، وهكذا.
أراد أبو سفيان أن يستثير بني عبد الدار ويستنهض إخوتهم، فقال لهم: «يا بني عبد الدار، إن الناس تبع للوائح، وإنكم توليتم اللواء يوم بدر فوقع ما وقع، فإذا كنتم أهلاً له فحملوه، وإلا فكفيناكم»، أي اتركوه لنا ونحن نحمله. فطبعاً هذا أحمسهم واستثارهم لحمل اللواء.
لما بدأت المعركة، طاح المسلمون في المشركين، فاكتسحوهم وأخذوهم وقتلوهم وطاردوهم، وحتى تفكك جيشهم وانهار؛ والله تبارك وتعالى يقول في هذه: ﴿وَٱذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦ وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦ﴾ [آل عمران: 152]. فلذلك انهار جيش المشركين وبدأ في الانسحاب، ولم يرَ صموداً منهم إلا لبني عبد الدار أصحاب اللواء.
حمل اللواء زعيم القوم رجل اسمه طلحة بن أبي طلحة، فقتله، ثم تلقاه بعده إخوته وأبناؤه؛ كلما حمله واحد قُتل، وسقط اللواء إلى جواره سبعة، وفي رواية تسعة من بني عبد الدار. حقيقةً ما أجمل هذا الصمود لو كان في سبيل الحق! أبو سفيان نفسه الذي حمسهم تراجع وانسحب، وكان في المشركين خالد بن الوليد، وكان قائد الفرسان، حاول أن يقتحم أي نقاط في جيش المسلمين لكن أسهم الرماة كانت ترده، فلم يستطع أن يخترق جيش المسلمين ولا أن ينفذ التفافاً.
إذاً حقيقةً، جيش المشركين لم ينتفع بغناء النساء، ولا انتفع بثبات أصحاب اللواء، ولا انتفع بخالد والفرسان، لكنه أخذ في التراجع. وجد المسلمون أنفسهم قد وصلوا إلى معسكر المشركين، أي وصلوا إلى النساء اللاتي يكنّ خلف الجيش، حتى يقول راوٍ: «رفع أحدهم السيف فإذا التي أمامه امرأة».
وصلوا إلى آخر الصفوف الخلفية، وسيدنا البراء بن عازب الأنصاري يقول إنه رأى نساء المشركين وهن يهربن ويرفعن ثيابهن لكي يتمكن من الركض والفرار؛ فبدأ بذلك أن المعركة انتهت فعلاً، وبالتالي أخذت صفوف المسلمين تجمع الغنائم التي تركها المشركون. هنا رأى الرماة هذا الموقف وهذا المشهد فبدأوا في النزول من الجبل، وكانوا خمسين، يقولون: «يا قوم، الغنيمة الغنيمة! غلب أصحابكم»، أي انتصروا وظهروا.
قال سيدنا عبد الله بن جبير قائد الرماة: «أنسيتم ما قال رسول الله ﷺ؟»، فقالوا: «والله لئن نلناهن لنصيبن من الغنيمة». تصوروا أن المعركة انتهت، وهنا كان أول الخلل، وكانت هذه بداية انقلاب المعركة؛ لأن الذين نزلوا كانوا أربعين، ونزلوا قبل أن يرسل إليهم رسول الله ﷺ، فلم يبقَ على الجبل إلا عشرة، وهذه هي الثغرة التي كان سيدنا خالد بن الوليد سيعاني منها فيما بعد.
سيدنا خالد كان قائداً فذاً، وهو رجل لم تعمه الهزيمة ولم يعمه تفكك الجيش عن ملاحظة هذا الانقلاب في الموقف؛ فلما رأى قلة عدد الرماة وأن ظهور المسلمين قد انكشفت، استخلص فرقة من الخيول، وبما أنه قائد الفرسان، دار بها حول جبل الرماة فقتل هؤلاء العشرة الذين بقوا من الرماة ومعهم قائدهم عبد الله بن جبير رحمه الله، وبذلك امتلك المشركون ظهر المسلمين، وهنا صاروا ينادون على المنسحبين.
انتبهت امرأة من المشركين أيضاً إلى هذا الموقف، فسارعت إلى لواء المشركين الذي كان حوله تسعة، وكان ملقى على الأرض لا يجرؤ أحد على رفعه، فرفعته. ارتفاع اللواء بعد هذا الموقف صار بمثابة بؤرة جديدة التقت والتفت وتمركزت عليها فلول المشركين، وبالتالي صار بعضهم ينادي على بعض.
هذا الانقلاب تزلزلت له صفوف المسلمين؛ فالناس تجمع الغنائم وفوجئت بأن ظهرهم قد انكشف وأنهم يقتلون، وفجأة اللواء يرتفع مرة أخرى، فلما رجعوا على أعقابهم اكتشفوا أن المسلمين يعودون، لذلك حصل ارتباك في جيش المسلمين، وحُصروا من أمام ومن خلف، حتى إن هذه اللحظة قتل بعض المسلمين بعضاً، ممن قُتل بيد المسلمين اليمان، وهو والد سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.
في هذا الارتباك، خرج رجل لمهمة خاصة، وهو وحشي بن حرب، وكانت مهمته وحيدة لا يفكر في غيرها؛ أخذ يراقب المسلمين، لا يهمه إلا سيدنا حمزة. يقول وحشي وهو يروي: «خرجت أنظر إلى حمزة فإذا به كأنه الجمل الأورق»، والأورق هو اللون الأخبر. كان حمزة يهد الناس بسيفه، لدرجة أن وحشي ذكر أن أحد الناس سبقه إليه وكان اسمه سباع بن عبد العزى، فلما رآه حمزة قال: «هلم إلي يا ابن مقطعة»، يعيره بأمه، وهذه أمور تجوز في الحرب.
يقول وحشي: «فضربه حمزة ضربة ما أخطأت رأسه، لكن وحشي بعيد لأنه يرمي بحربة، فهززت بالحربة حتى رميتها ودفعتها عليه، فوقعت في ثنته -وهي أسفل البطن- حتى خرجت من بين رجليه». يقول وحشي: «فذهب ليقوم، نظر إلي وذهب ليقوم فغلب فوقع فمات، حتى إذا مات أخذت حربتي».
ورجعت إلى المعسكر، هذه المهمة الوحيدة. هنا حقيقة أحد المشركين الأذكياء استثمر هذا الوضع، فأطلق صيحة مفاجئة يقول: "قتل محمد! قتل محمد!". وأحياناً يقولون بإن سيدنا حمزة كان شبيهاً بالنبي ﷺ، فلذلك ظن بالفعل أنه قتل، لكن لا يدري حقيقة على وجه اليقين، هل قال هذا إشاعة أو قال هذا خُيّل إليه؟
المهم، مما يزيد الأمر اشتباكاً، أن أحد فرسان المشركين كان اسمه ابن قمئة الليثي، هذا الرجل أراد أن يقتل النبي ﷺ فتصدى له سيدنا مصعب بن عمير، وسيدنا مصعب أيضاً كان شبيهاً بالنبي فقتله ابن قمئة، فكان يقول: "قتلت محمداً". على كل شيء، سواء كان هذا أو ذاك، الخلاصة أن اللواء الظاهر المكشوف والارتباك، مقتل حمزة مقتل مصعب، هنا الأمر تغير، ولذلك شاع الخبر في المسلمين وفي الكفار، فكان كالصاعقة على المسلمين، وكان إنقاذاً لأولئك المشركين؛ لأن حتى بعض المسلمين أخذته الصدمة فألقى سلاحه وجلس لا يدري ماذا يفعل، ارتباك شديد، وبعضهم انسحب حتى وصل إلى المدينة.
وهذا يا جماعة الخير أمر مهم، هذا يدلنا على أهمية القائد وأهمية القيادة؛ كاد كل شيء أن يكون قائداً، وزوال القيادة هو بمثابة ضربة القلب أو ضربة المخ بالنسبة للجسد، هي ضربة قاتلة مميتة. لكن حقيقة بعض المسلمين كان أشد ثباتاً، مثلاً سيدنا أنس بن النضر هذا صاح في المسلمين الذين وجدهم قاعدين، يقول لهم: «ما يقعدكم؟»، قالوا: «مات رسول الله»، قال: «وما الحياة بعد رسول الله؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه».
وربنا تبارك وتعالى صور لنا هذا الموقف في قوله: ﴿لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 152]. فهنا بدأ النبي ﷺ يحاول استعادة زمام الموقف، انسحب إلى جبل أحد حتى يكون غير مكشوف الظهر، وصار ينادي على المسلمين أن يجتمعوا إليه، ورويداً رويداً أخذت تتجمع حوله كتلة من المسلمين، الذين يبلغهم هذا النداء أو يتبينوا الموقف.
لكن أيضاً هذا النداء سمعه المشركون، فإذا بهم يركزون هجماتهم على هذا التكتل الذي كان حول النبي ﷺ، فكانت هذه من أصعب المواقف في حياة النبي ﷺ، وطبعاً من أصعب المواقف في حياة الأمة الإسلامية؛ لأنه دارت حول النبي معركة بذل فيها المشركون أقصى طاقتهم لقتله، وكذلك بذل المسلمون أقصى طاقتهم لحمايته ﷺ. فاستشهد حول رسول الله عدد من الصحابة كان أكثر من الأنصار، وأصيب عدد من المهاجرين؛ شلت يد سيدنا طلحة بن عبيد الله، وسيدنا سعد بن أبي وقاص كان يرمي عن النبي ﷺ وكان رامياً.
وحتى بعض النساء شاركت ونالت شرف الدفاع عن النبي ﷺ، مثل أم عمارة التي هي نسيبة بنت كعب المازنية الأنصارية، وفيها النبي ﷺ قال: «من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟». ولعلنا إن شاء الله نفرد حلقة عن بطولات الصحابة حول النبي ﷺ، ولكنه أمر يستغرق سلاسل وحده، المهم أنه حصل حول النبي ﷺ بطولات كثيرة.
أما المعركة حول النبي ﷺ فقد أسفرت عن إصابته، فقد جاءته ضربة سيف على خوذته فجرحت رأسه، وجاءته ضربتان على المغفر الذي هو الدرع فدخلت حلقتا المغفر في وجنتيه ﷺ، وسقط النبي ﷺ فجحش ركبتاه الشريفتان وأدمي عقباه، فكان يقول: «كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم وكسروا رباعيته» وهو يدعوهم إلى الله. وأيضاً ثبت عنه ﷺ أنه كان يمسح الدم ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».
لكن على كل حال، هذه الكتلة الثابتة حول النبي ﷺ مثلت مركزاً حفظ حياة النبي ﷺ، وإليها المسلمون ورجع إليها فلول المسلمين حتى هبط الليل وتوقف القتال. في مشهد آخر، نساء قريش اللاتي كن قد هربن، رجعن وأخذن في التفتيش عن قتلى المسلمين، وصرن يمثلن بقتلى المسلمين، فبالتالي أخذن في قطع الآذان وقطع الأنوف، وبالتحديد هند بنت عتبة كانت قائدة فريقه، قائدة فرقة التحريض، وكانت صاحبة ثأر بالذات من حمزة. فهنا حقيقة انفرد نساء المشركين بجثامين المسلمين، وهذا كان من أصعب المواقف على المسلمين وعلى النبي ﷺ.
الآن نتوقف عند هذا المشهد؛ مشهد المشركين وهم منفردون بجثامين النبي، مشهد جيش المشركين وهو يحاول أن يحاصر كتلة المسلمين وفيهم النبي ﷺ، ومشهد المسلمين وهم متكتلون حول النبي ﷺ، لنرى كيف انتهت غزوة أحد وماذا ستكون آثارها فيما بعد. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي