بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقات من برنامج غزوات النبي ﷺ، نستعرض فيها غزوات النبي، نعرف منها هديه في الحرب ومعاملة الأعداء، نتابع فيها رحلة الإسلام وصعوده من الضعف إلى القوة.
في الحلقة الماضية تكلمنا عن الوضع المتوتر في المدينة بين المسلمين وبين اليهود، والعوامل التي مكنت والتي مهدت لوقوع الصدام بينهما. وهذا الصدام بدأ في جولته الأولى مع الكتلة الأولى من اليهود، وهم يهود بني قينقاع.
قبل أن نذهب إلى ما حصل مع بني قينقاع، تعالوا ننظر إلى الصورة العامة لغزوات النبي ﷺ مع اليهود. هذه الصورة العامة لغزوات النبي مع اليهود يمكن أن نلخصها في سبع نقاط، وركزوا معي:
أولاً: المدينة كان فيها عدد من الكتل اليهودية الصغيرة، هذه بمثابة الحارات أو التجمعات الصغيرة، نعتبرها حارات؛ هذه كتل يهودية صغيرة تابعة لقبائل المدينة، ولذلك يقال مثلاً يهود بني عوف، يهود بني النجار، يهود بني الحارث، وهكذا. فهذه الكتل الصغيرة حقيقة ذابت في الأحداث، لم تكن مؤثرة، وغالباً لم يذكر اسمهم، والظن الغالب أنهم أسلموا.
لكن الكتل اليهودية الكبيرة التي كانت تسكن في منازل وفي حصون مستقلة، أو بالمصطلح المعاصر مجمعات سكنية، هذه الكتل الكبيرة هي ثلاث كتل: بنو قينقاع، بنو النضير، بنو قريظة.
كل كتلة من هذه الكتل الثلاث كان لها غزوة بهذا الترتيب: غزوة بني قينقاع، غزوة بني النضير، غزوة بني قريظة. ولكي يسهل عليك حفظها، كل غزوة من هذه الغزوات الثلاث كانت بعد غزوة كبيرة مع قريش؛ فمثلاً بعد بدر غزوة بني قينقاع، بعد أحد غزوة بني النضير، بعد الأحزاب غزوة بني قريظة. هذا يسهل الحفظ.
كل كتلة من هذه الكتل الثلاث كانت جريمتها أشد من جريمة سابقتها، ولذلك سنرى أنه كل عقوبة كانت أشد أيضاً من عقوبة سابقتها؛ فمثلاً جريمة بني قينقاع كانت أخف من جريمة بني النضير، وجريمة بني النضير كانت أخف من جريمة بني قريظة، ولذلك كانت عقوبات النبي وفق هذا التدرج.
كل غزوة من هذه الغزوات الثلاث نزل فيها قرآن، سنأتي لذلك في وقته إن شاء الله. وبعد انتهاء النبي ﷺ من المعارك مع مكة، وحين وقع صلح الحديبية، كان أول ما توجه إلى حربه المركز اليهودي الكبير في الجزيرة العربية، وهو خيبر؛ هذا خارج المدينة، وكان مركز مؤامرات ومركز تمويل ومركز يعمل ضد الدولة الإسلامية. فلذلك صلح الحديبية في ذي القعدة سنة ستة، والنبي فتحها في سبعة؛ فتح خيبر في المحرم سنة سبعة.
هذه الكتل اليهودية فضلاً عنها، كان هناك أيضاً بعض الشخصيات اليهودية الكبيرة القوية التي كانت تمثل بحد ذاتها تهديداً، أو أنها قامت بدور بارز في الحرب على النبي ﷺ وفي نقض العهد؛ فلذلك هذه الشخصيات حصل معها ما يمكن أن نسميه الآن عمليات خاصة ضد هذه الشخصيات، وهذا ما سنأتي إليه إن شاء الله.
المهم الآن دعونا لا ننسى هذه النقاط: أن المدينة كان فيها كتل يهودية صغيرة ذابت في الأحداث وغالباً أسلموا، والكتل الكبيرة المستقلة ثلاثة: بنو قينقاع، بنو النضير، بنو قريظة. كل كتلة من هذه الكتل لها غزوة: في غزوة بني قينقاع، غزوة بني النضير، غزوة بني قريظة. وكل غزوة مع يهود هذه الكتل الكبيرة كانت بعد غزوة كبيرة مع قريش؛ غزوة بني قينقاع بعد بدر، غزوة بني النضير بعد أحد، غزوة بني قريظة بعد الأحزاب.
وهذه الكتل تدرجت في عداوة النبي ﷺ وفي الخيانة وفي نقض العهود، فلذلك تدرجت عقوبتهم من الأخف إلى الأشد، وكل غزوة من هذه الغزوات الثلاث نزل فيها قرآن. وبعد انتهاء المعارك كان أول هم للنبي ﷺ هو مركز خيبر اليهودي الكبير الذي كان في الجزيرة العربية.
الآن نحن وقفنا عند غزوة بدر؛ بعد غزوة بدر، لما جاءت انفلتت سنّة بني قينقاع وأظهروا من العداوة والبغضاء للمسلمين وجاهروا بذلك، وكان هذا نقضاً صريحاً للعهد ومخالفة واضحة لصحيفة المدينة. فلذلك ذهب إليهم النبي ﷺ في سوقهم في المدينة، اللي هو سوق بني قينقاع، ونصحهم وحذرهم أن يصيبهم ما أصاب قريشاً في بدر.
هذا دليل على أن النبي ﷺ سعى في إزالة أسباب اندلاع الحرب، لكنهم ردوا عليه قائلين: «يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماء لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلت لعرفت أننا الرجال، وأنك لا تلقى مثلنا». قالوا له قريش ناس ما عندهم خبرة عسكرية، ما عندهم تاريخ عسكري، لكن نحن لسنا كذلك. وطبعاً هذه إجابة من يعلن الحرب، وفيهم نزل قول الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۗ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: 13]. لو كان لديكم أبصار لرأيتم كيف أن القلة التي نصرها الله انتصرت على الكثرة.
إذاً هناك عداوة بزغت الآن، لكن السبب المباشر لوقوع الغزوة ليس معروفاً على وجه اليقين؛ جاء في كتب السيرة قصة مشهورة، ولكنها ضعيفة عند المحدثين، فأهل الحديث لهم صرامة شديدة ووضعوا شروطاً قاسية جداً لصحة الخبر، فهذه ليست صحيحة على منهج المحدثين، لكن رواها أهل المغازي والسير.
وهي قصة المرأة المسلمة التي ذهبت تبيع شيئاً في سوق بني قينقاع، فجلست إلى صائغ يهودي فحاولوا أن يراودوها على كشف وجهها فابت، فقام هذا الصائغ فربط طرف ثوبها إلى ظهرها، فلما قامت المرأة انكشفت فضحكوا، فسمع ذلك أو رأى ذلك رجل من المسلمين فوثب على الصائغ فقتله، فاجتمع اليهود على المسلم فقتلوه، فاستغاث أهل هذا الرجل المسلم القتيل على اليهود، واجتمع المسلمون. وهكذا بدأت الحرب، فخرج إليهم النبي ﷺ على رأس جيش من المهاجرين والأنصار، وهذا كان في منتصف شوال من السنة الثانية للهجرة، وطبعاً نهض بنو قينقاع إلى حصنهم واعتصموا فيه وحاصرهم النبي ﷺ وظل في...
حتى قذف الله في قلوبهم الرعب واستسلموا. هذا أيضًا يلفت نظرنا إلى تبخر المزاعم والدعاوى العريضة التي كانوا يقولونها عن أنفسهم: «لا يغرك أنك لقيت أغمًا، ما لو قتلتنا لعلمت أننا الرجال». فأمر النبي ﷺ بهم لما استسلموا.
وبينما هم كذلك، ظهر هنا ولأول مرة إلى العلن تحالف المنافقين مع اليهود؛ جاء عبد الله بن أبي بن سلول، زعيم المنافقين، وهو في الظاهر مسلم، فرآهم في القيد، فأمر عبد الله بن أبي بن سلول الصحابي القائم على تقييدهم وحراسته، وكان اسمه المنذر بن قدامة السلمي، أن يفك قيدهم. فقال المنذر: «والله لا يحلهم رجل إلا ضربت عنقه، قد أمر بهذا رسول الله».
فذهب عبد الله بن أبي بن سلول إلى النبي ﷺ وتشفع لهم، وذكر له أنهم كانوا حلفاءه في الجاهلية، فبنو قينقاع كانوا حلفاء الخزرج، وعبد الله كان زعيم الخزرج، فقال: «يا محمد، أحسن إلي في موالي»، أي حلفائي. فسكت عنه النبي ﷺ، فكررها عبد الله بن أبي بن سلول، فسكت رسول الله ﷺ.
هنا نقف وقفة، لأننا نرى أنفسنا في موقف دقيق؛ فعبد الله بن أبي بن سلول أسلم قبل أيام فقط، كما ذكرنا، أي أقل من شهر، وهو رجل زعيم قومه، وكاد يكون زعيم المدينة لولا أن جاء النبي ﷺ إلى المدينة مهاجرًا ونبيًا ورسولًا ورئيسًا، حتى إن أهل المدينة كادوا ينصبونه، وكانوا في بروتوكولات التنصيب. فالنبي الآن أمام رجل كبير في السن وزعيم في قومه وأسلم حديثًا، وهذا الرجل يحاول أن يفسد شيئًا حصل عليه المسلمون بسيوفهم بعد حصار 15 يومًا.
فتأمل موقف النبي ﷺ؛ سكت النبي ﷺ لما رأى عبد الله بن أبي بن سلول لا يجيبه، فأدخل يده في درع النبي ﷺ واشتد عليه، أريد أن أشبهها الآن كأنك تمسك رجلًا إذا كان يرتدي ثوبًا من خناقته أو إذا كان يرتدي بنطالًا من حزامه، فأدخل يده في درع النبي ﷺ، أي أمسكه من مخنق ثوبه. فالنبي ﷺ غضب وعرف في وجهه الغضب وهو يقول: «ويحك! أرسلني»، فقال عبد الله بن أبي: «لا والله لا أرسلك حتى تحسن إلي في موالي؛ 400 حاسر و300 دارع، يعني 700 مقاتل ممن هم يهود بني قينقاع، منعوني من الأحمر والأسود، كانوا حلفائي، وكنت تريد أن تحصدهم في غدوة واحدة، وأنا امرؤ أخشى الدوائر»، أي أخشى العواقب، لا أفرد في أصدقائي، وكذلك لا آمن ما الذي سيحدث غدًا، وأنت ممكن تمشي وتتركنا واليهود يظلون حلفائي. فقال النبي ﷺ: «هم لك»، فخلى رسول الله ﷺ سبيلهم.
وأمر بإجلاء من في المدينة، وهنا نتائج الغزوة: غنم رسول الله ﷺ وغنم المسلمون ما كان لديهم من أموال، وتولى إحصاء ذلك سيدنا محمد بن مسلمة رضي الله عنه. ثم حاول عبد الله بن أبي بن سلول مرة أخرى أن يمنع تنفيذ قرار النبي ﷺ بالجلاء وأن يبقوا في ديارهم، فذهب إلى النبي ﷺ في بيته ساعة، إذ كان على حراسة النبي رجل من الأنصار ومن الأوس اسمه عويم بن ساعدة، فحاول أن يدخل، فقال عويم: «لا تدخل حتى يأذن رسول الله ﷺ»، فدفعه ابن أبي، فدفعه عويم دفعة شديدة حتى قيل اصطدم وجه عبد الله بالجدار وسال منه الدم.
يستدل بهذا الموقف في هدي النبي ﷺ في معاملة المنافق وتأليف القلوب وتقدير المصالح والمفاسد، وأنه ترك عقوبة بني قينقاع واكتفى بإجلائهم نزولًا أو استجابة لطلب عبد الله بن أبي بن سلول. النبي لو شاء لأمر بنزعه أو ضربه، وكان استطاع أن ينفذ أمره، لكن النبي قدر أن يتألف عبد الله بن أبي بن سلول.
ولكن يجب أن يُذكر الموقف الأول ويُذكر هذا الموقف؛ فلا ننسى أنه من ناحية أخرى، النبي ﷺ لم يقتلهم ولم يأسرهم، لكنه أمر بإجلائهم ومنع عبد الله بن أبي بن سلول من الدخول عليه كي لا يتكرر الموقف مرة أخرى، واتخذ النبي هنا حارسًا من الأوس، وعبد الله كان زعيم الخزرج، وحارس الأوس هذا لا يدين لعبد الله بن أبي بن سلول بأي نوع من الولاء، ولذلك لم يأذن له بالدخول. والنبي ﷺ لم يعاتب عويم بن ساعدة في أنه منعه من الدخول ولم يعاتبه في أنه اشتبك معه، فهذه أيضًا من حكمته ﷺ في وضع الحدود واستيعاب المواقف بأقل الخسائر. فينبغي أن نذكر الموقفين لنرى هدي النبي في التعامل مع المواقف، فالنبي لم يكن دائمًا كذلك، وإنما هذا أمر دقيق.
في هذه الغزوة أيضًا، غزوة بني قينقاع، ظهر موقف مناقض لموقف عبد الله بن أبي بن سلول؛ لأنه جاء عبادة بن الصامت، وكان أيضًا حليفًا لبني قينقاع في الجاهلية، جاء إلى النبي ﷺ وقال له: «يا رسول الله»، وتولى سيدنا عبادة يتكلم عن نفسه، يقول: «أتولى الله ورسوله ﷺ والمؤمنين وأبراء من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم». فأثبت أنه انتقل وخلص بالولاء للنبي ﷺ، لذلك تولى عبادة بنفسه القيام على إجلاء بني قينقاع، لدرجة صار بعضهم يقول لبني قينقاع: «يا أبا الوليد، من بين الأوس والخزرج ونحن مواليك، فعلت بنا هذا؟ ألم نكن حلفاء من بين الأوس والخزرج؟ أنت الذي تنفذ أمر إجلائهم!». فقال لهم عبادة: «لما حاربتم جئت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إني أبراء إليك منهم ومن حلفهم».
بنو قينقاع طالبوا النبي ﷺ أن يؤجل جلاءهم لأن لهم ديوناً عند الناس، فأمهلهم النبي ﷺ ثلاثة أيام ليستخلصوا ما استطاعوا من هذه الديون، وكان سيدنا عبادة بن الصامت صارماً في إخلائهم بعد ثلاثة أيام، وأن لا يزيدوا على ذلك ساعة واحدة. توسلوا إليه، فقال: «لا ساعة، لكم ثلاث لا أزيد عليها، وهذا أمر رسول الله، ولو كنت أنا ما أجلتكم وما نافذتكم».
ولذلك، هذا من الأوس وهذا من الأوس، فبين الأوس وقعت محاورة بين عبادة بن الصامت وبين عبد الله بن أبي بن سلول، وهي محاورة ترى فيها الفارق بين الإيمان والنفاق. فعبد الله بن أبي بن سلول يقول لعبادة: «تبرأت من حلف مواليك، ما هذا بيدهم عندك»، ذكّره بمواطن أبلى فيها في نصرته وفي دعمه.
فقال سيدنا عبادة -وهذه كنية عبد الله بن سلول، أبا الحباب-: «تغيرت القلوب ومحى الإسلام العهود، أما والله إنك لمعتصم بآمر سترى غيه غدا». أي أن الوضع الذي أنت فيه لا يبشر بخير، وسنرى عاقبته غداً، لأن ولاءك ما زال خارج الإسلام.
وفي هؤلاء نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 51]. ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: 52].
كلم عبد الله بن أبي بن سلول: «إني امرؤ أخشى الدوائر»، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المجادلة: 14].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: 54]. ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: 55]. ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 56]. هذه الآيات تقرؤونها وأنتم تستشعرون هذا الحوار بين الرجلين، فمن نفيس المعاني ومن بديع الكلام.
الآن بعد غزوة بني قينقاع، إذا أردنا أن نعدد المكاسب من هذه الغزوة، فهي كالاتي: الهدف الأول أو المكسب الأول استقرار هيبة المسلمين داخل المدينة، وبالذات في نفوس اليهود، لأن بني قينقاع كانوا أشد يهود المدينة بأساً، وكانوا أكثرهم سلاحاً وأكثرهم أموالاً، فقد ذكرنا أن سوق اليهود كانت سوق بني قينقاع. فبالتالي لما هُدم وهُزم بنو قينقاع، ألقى هذا الرعب في قلوب باقي يهود المدينة الكبار، ولم يغنِ عنهم أموالهم ولا عتادهم شيئاً.
المكسب الثاني أنه أظهر تزايد القوة في التحام المسلمين بنبيهم ﷺ، وفي أنهم ازدادوا إيماناً، وأنهم تبرؤوا وتخلصوا ونفوا عن أنفسهم أحلاف الجاهلية وولاءات الجاهلية وعلاقات الجاهلية. الآن المسلمون صاروا أكثر تجرداً وإيماناً، فقد كان هذا اختباراً للمسلمين في علاقاتهم القديمة، فازداد التباعد في الروابط القديمة حتى إنه عبد الله بن أبي بن سلول بدا وظهر وكأنه وحيد يتكلم في شأن حلفائه. هو صحيح استطاع تخليصهم من القتل والأسر، لكنه أيضاً عجز عن تخليصهم من النفي ومن الطرد. لذلك سيسود الهدوء في جبهة يهود المدينة لمدة عام ونصف تقريباً، لن يبدر منهم شيء، لا من بني النضير ولا من بني قريظة، حتى سنة ونصف ستأتي فرصة ويحاولون التقاطها، سنأتي على ذكرها إن شاء الله في وقتها.
بقي في موضوع اليهود هذه الفترة، هذه الشخصيات التي قلنا إنها كانت شخصيات بارزة في العداوة، وإنها كانت تمارس التحريض على المسلمين، وإنهم بهذا نقضوا العهد وخرجوا عن القانون، وهنا سنجد ثلاث شخصيات في ذلك الوقت: رجل اسمه أبو عفك، وابن سنينة، وكعب بن الأشرف.
أما أبو عفك، فهذا كان يهودياً من يهود بني عمرو بن عوف، وكان شيخاً كبيراً بلغ 120 عاماً كما يقول أهل السير، وكان رجلاً شاعراً يهجو النبي ﷺ. فانبعث له من تلقاء نفسه رجل من الأنصار اسمه سالم بن عمير من بني النجار، الذين هم أخوال النبي ﷺ، فاغتال النبي -استأذن من النبي ﷺ لكن النبي أقره-.
وأما ابن سنينة، فهذا رجل من يهود بني حارثة، وكان أيضاً شاعراً وآذى المسلمين بشعره، فانبعث له أيضاً أحد جيرانه من الأنصار، وكان أخاً لصديقه اسمه محيص بن مسعود فقتله أيضاً. انزعج له أخوه حويص، صديق هذا ابن سنينة، فلم يصدق أن أخاه قتل جاره وصديقه، فكان يقول لأخيه: «أي عدو الله قتلته! أما والله لرب شحم في بطنك من ماله». يبدو أنهم كانوا يأكلونه ويشاربونه، أو أنه كان ينفق ويتصدق بالأموال أو يهديهم. فقال الصحابي محيص: «والله لو أمرني بقتلك الذي أمرني بقتله لقتلتك». فصدم أخوه وقال: «لو أمرك محمد أن تقتلني لقتلتني؟»، قال: «نعم، والله لو أمرني بقتلك لقتلتك». فقال: «والله إن ديناً بلغ بك هذا لعجب». وبسبب هذا أسلم حويص لما رأى أخاه متشرباً هذا الدين تشرباً، مَلأ عليه نفسه وقطع عنه كل انتماء آخر. وساعة إذ ذهبت اليهود إلى النبي ﷺ كانوا يطلبون القصاص أو الدية لابن سنينة الذي قُتل، فقال لهم النبي ﷺ: «لو أنه فر كما فر غيره لغُيِّل، لكنه نال منا الأذى وهجا بالشعر، ولن يفعل هذا أحد منكم إلا كان له هذا»، فأذنوا وجددوا العهد بينهم وبين النبي ﷺ.
الثالث كعب بن الأشرف، هذا كان رجلاً من شعراء اليهود ومن أثريائهم، وهذا رجل بذل لسانه وماله في هجاء المسلمين وفي التعاطف مع المشركين، وأنشد قصائد كان يتغزل فيها بنساء المسلمين وكان يرثي فيها قتلى بدر، بل ذهب إلى مكة وإلى زعماء قريش وزاد من هجائه بعد جلاء بني قينقاع. فالنبي ﷺ قال: «من لي بابن الأشرف فقد آذاني»، فانبعث لذلك سيدنا محمد بن مسلمة وأبو نائلة، وذهبوا ووضعوا خطة لكعب بن الأشرف لاغتياله ونجحوا في ذلك فعلاً، وألقى اغتياله الرعب في قلوب أمثاله من زعماء اليهود ومن شعراء اليهود. وهذه الأحداث...
الثلاثة كانت بعد غزوة بدر، وكانت قبل غزوة أحد. كيف سيكون الصدام القادم مع قريش، وكيف سيكون مع اليهود؟ هذا ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي