بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. مرحباً بكم أيها الأحباب في هذه الحلقات التي نستعرض فيها غزوات النبي ﷺ، فنعرف منها هديه في الحرب ومعاملة الأعداء، ونتابع فيها رحلة الإسلام وصعوده من الضعف إلى القوة. وصلنا في الحلقات الماضية إلى الحديث عن مرحلة ما بعد غزوة بدر، وفي الحلقة الماضية أجلنا الحديث عن أولى الغزوات مع اليهود، وهي غزوة بني قينقاع.
أيها الأحباب، لإن هذا الموضوع مهم، فالغزوات التي تواجه فيها النبي ﷺ مع اليهود كان المسلمون يدرسونها طوال عصرهم وطوال تاريخهم كأي غزوات أخرى، لكن بدأ الأمر يختلف وتكون فيه حساسيات وشبهات وأسئلة مع العلو اليهودي الأخير الذي له الآن أكثر من 100 عام، وطبعاً أسفر عن قيام دولة إسرائيل. فمنذ ذلك الوقت بدأت تكثر الشبهات وتكثر محاولات التشويه، ومع استمرار وجود إسرائيل ودخول العالم العربي في التطبيع، وما فرضته اتفاقيات التطبيع من حذف الإساءة إلى إسرائيل وإلى اليهود من المناهج التعليمية ومن وسائل الإعلام، فبالتالي صار الجهل بهذا الموضوع يزداد، وكثرت فيه الحيرة أحياناً.
وتيرة التطبيع زادت في السنوات الأخيرة؛ لأنه بعدما كان الأمر مقتصرًا على مصر والأردن فقط، الآن صار يشمل الإمارات، المغرب، السودان، والبحرين، والسعودية في الطريق -لولا أن عطلها طوفان الأقصى والله أعلم ما الذي سيحدث بعد ذلك-. فالمتوقع أن يزداد الجهل بطبيعة العداء مع اليهود في الجيل الحالي؛ لأنه حتى مواقع التواصل الاجتماعي الآن تفرض قدراً كبيراً من المراقبة على المحتوى الذي يقولون إنه يسيء لليهود ويعادي السامية، وطبعاً يتعرض أصحاب هذا المحتوى إلى الحظر. وأنا متأكد بعد قليل سنكتشف أن كثيراً من الخطب والدروس والمقالات أيضاً ستُحذف من هذه المواقع تحت نفس هذه الذريعة. حقيقة لا أحد يدري كيف سيكون شكل هذا الجيل الذي سيغيب تماماً عن هذه الحقائق. وطبعاً ربما تكون طوفان الأقصى ستنقل الناس نقلة هائلة، لكن على الأقل ما قبل طوفان الأقصى كان هناك حالة من الجهل المريع، وإذا لم تستفد الأمة من طوفان الأقصى فيتوقع أن يستمر هذا الجهل.
الآن نريد أن نحكي هذه القصة من بدايتها لكي نفهم مسألة هذه العداوة، ولكي نفهم هذه الغزوات في سياقها. بداية اليهود كانوا يعرفون بعثة نبينا محمد ﷺ، وبعضهم كان يعرف زمان بعثته ومكانها، والأدلة على ذلك كثيرة جداً. مثلاً هناك بشريات جاءت في التوراة تبشر بالنبي ﷺ، وهذه البشريات يمكن أن تقرأوها لدى العلماء المتخصصين في مقارنة الأديان وفي الرد على اليهود والنصارى؛ لأن هذه البشائر حصل فيها تدخل من خلال الترجمة المحرفة أو من خلال تأويل المعنى لأنهم يحاولون نفيها، لكن مع ذلك بقي منها في النسخ المطبوعة حالياً ما يمثل مشكلة لهم وما يثبت البشرى بالنبي ﷺ.
مثلاً من ذلك ما جاء في سفر التكوين في الإصحاح 16، اسمع هذه العبارة وفي هذا المقطع الملاك الذي هو جبريل يخاطب سيده هاجر يقول لها الآن -أنا أنقل بالنص-: «ها أنتِ حبلى فتلدين ابناً وتدعين اسمه إسماعيل؛ لأن الرب قد سمع لمذلتك، وإنه يكون إنساناً وحشياً، يده على كل واحد ويد كل واحد عليه، وأمام جميع إخوته يسكن». هذا نص على أن النبي ﷺ من ولد إسماعيل، وأن يده تعلو على يد الجميع ممن فيهم إخوته إسحاق، وهذا أمر لم يتحقق منذ عهد إبراهيم إلا في عهد نبينا ﷺ، فمنذ ذلك الوقت صارت يد المسلمين أعلى من اليهود والنصارى لأكثر من ألف سنة لاحقة.
المثل الثاني جاء في سفر حجي في الإصحاح الثاني، العبارة أنقلها نصاً: «وأزلزل كل الأمم، ويأتي مشتهى كل الأمم». وركزوا معي في كلمة مشتهى؛ «ويأتي مشتهى كل الأمم، فام هذا البيت مجداً، قال رب الجنود: لي الفضة ولي الذهب، يقول رب الجنود: مجد هذا البيت الأخير يكون أعظم من مجد الأول، قال رب الجنود، وفي هذا المكان أعطي السلام». ركزوا معي أيضاً في كلمة السلام، يقول رب الجنود هنا: «مشتهى كل الأمم» في الترجمة الموجودة الآن، وهذه بحسب علماء أسلموا من أهل الكتاب ترجمة محرفة، لأن الصحيح أن تكون كما يقولون: «ويأتي محمد لكل الأمم»، لأن حتى اللفظة العبرية "مشتهى" هي "حمدا" في العبرية. فهذه نبوءة وفيها محمد، وفيها أن البيت الأخير الذي هو الكعبة يكون مجده أعظم من البيت الأول الذي هو بيت المقدس، وفي هذا المكان الذي هو الكعبة يعطي ربنا الإسلام وليس السلام كما هو موجود في النص. وأنا الآن أطلق شذرات، ويحتاج هذا الكلام إلى تفصيل يمكن أن تقرأوه عند الذين يتخصصون في مقارنة الأديان وفي مجادلة اليهود والنصارى.
من البشريات التي جاءت في التوراة أيضاً ما جاء في سفر إشعياء، وهذه في الإصحاح رقم 42 في العبارة رقم 11: «لترفع البرية ومدنها، ومدنها صوتها، الديار التي سكنها قيدار، لتترنم سكان سالع من رؤوس الجبال، ليهتفوا، ليعطوا الرب مجداً، ويخبروا بتسبيحه في الجزائر». قيدار في هذا النص هو قيدار ابن إسماعيل، والبلاد التي سكنها قيدار هي بلاد العرب، وسالع لتترنم سكان سالع هو جبل سلع في المدينة المنورة. وهكذا موضوع البشارات موضوع طويل جداً، لكن نحن المسلمين يكفينا فيه قول ربنا تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: 146].
وفي السنة المشرفة ثبت كثير من الوقائع التي تدل على معرفة اليهود بالنبي ﷺ وانتظارهم لبعثته، والقرآن الكريم سجل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 89]. ومن أعجب هذه الوقائع قصة حصلت مع الصحابي الأنصاري سلامة بن سلمه بن وقش الأنصاري؛ هذا سيدنا سلامة بن سلمه بن وقش يحكي يقول: كان لنا جار من اليهود في بني عبد الأشهل -وهذه قبيلة سيدنا سلامة- فخرج علينا يوماً من بيته قبل مبعث النبي ﷺ، فجاءنا في المجلس ووقف في المجلس، وسيدنا سلامة يقول: وأنا يومئذ أحدث من فيه -يعني كان أصغر واحد- وكان مضطجعاً مستلقياً في جزء من...
البيت يقول: فهذا اليهودي كلم القوم فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، وهو يقول ذلك لأهل شرك، أصحاب أوثان لا يرون أن بعثًا كائن بعد الموت، لا يتصورون أن هناك يوم القيامة. فقالوا له: «ويحك يا فلان! أيكون هذا الناس يبعثون بعد موتهم إلى جنة ونار؟». فقال اليهودي: «نعم، والذي يحلف به! وإن أحدكم ليود أن له بحظه من تلك النار». نار الآخرة أعظم من أفران الدنيا؛ يحمونه ثم يدخلونه فيه ثم يطبق عليه، ويتمنى أن ينجو من تلك النار.
هو يقول لهم: ساعة لما الإنسان يشوف النار في الآخرة سيتمنى أنه يأتي إلى الدنيا ويدخل في أعظم فرن؛ سواء أفران صهر الحديد أو غيرها، أو حتى أفران العمليات النووية، أعظم فرن أن يدخل فيه ويطبق عليه، ويتمنى أن ينجو من تلك النار. فقالوا له: «وما آية ذلك؟». فقال اليهودي: «نبي يبعث من هذه البلاد»، وأشار بيده نحو مكة واليمن، لأن المدينة في الشمال فمن أشار إلى الجنوب فإشارته تذهب إلى مكة وإلى اليمن.
فقالوا: «ومتى ذلك؟». قال: فنظر إليّ سيدنا سلم -يقول: فنظر إليّ وأنا أحدث القوم سناً- وقال: «إن يستنفد هذا الغلام أجله يدركه». يعني لو هذا الولد كبر ولم يمت صغيراً يدركه. فيقول سيدنا سلم: «فوالله ما ذهب الليل والنهار»، يعني استمرت الأيام وبعث الله رسوله ﷺ وهذا اليهودي حي بين أظهرنا، فآمن به الأنصار وكفر به اليهود. فقلنا: «يا فلان، ويلك! ألست بالذي كنت تقول لنا فيه؟». قال: «بلى، ولكن ليس هو»، يعني ليس هذا هو النبي المرسل.
ومن ذلك أيضاً من المواقف التي تدل على معرفتهم بالنبي ﷺ ما روته أم المؤمنين صفية رضي الله عنها. هذه صفية أم المؤمنين هي بنت حيي بن أخطب، أبوها زعيم يهود بني النضير. تذكر مشهداً غريباً، حيث تقول: «كنت أحب ولد أبي أكثر مما يحب غيري، وإلى عمي كان لها عم اسمه أبو ياسر، فتقول: لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذني دونه، كانوا يقدمونها على أولادهم».
فلما قدم رسول الله ﷺ ونزل قباء، ذهب أبي وعمي إلى اليهود، ثم رجع مع غروب الشمس فأتيا ساقطين يمشيان الهوينا، ويبدو عليهما الرهق. تقول أم المؤمنين: «فهششت إليهما كما كنت أصنع، فما التفت إلي أحد، وسمعت عمي يقول لأبي: أهو هو؟ فيقول: نعم هو هو، أتعرفه وتثبته؟ فيقول: نعم أعرفه وأثبته. يقول: فما في نفسك منه؟ فقال: حيي عداوته ما بقيت». سبحان الله!
والأخبار في هذا يا أحباب كثيرة وعجيبة، إذا فتحتم كتب السيرة وكتب دلائل النبوة تتعجبون من أنهم كانوا يعرفون عن النبي ﷺ، وكانوا يتكبرون على الإيمان بالنبي ﷺ، وسعيهم الحثيث لعداوته. كانوا يسيطرون على تجارة المدينة؛ سوق المدينة هي سوق بني قينقاع، وهؤلاء بنو قينقاع قتلة يهودية من الكتل الثلاث الكبرى في المدينة. هذه الكتل اليهودية الكبرى كانت منفصلة في مساكنهم، تقريباً كانت كتلًا سكنية، نستطيع أن نقول مجمعات سكنية، فكانت هذه الكتل غير متداخلة مع أهل المدينة في المساكن، لكن طبعاً متداخلين في التجارة، في الأحلاف، في الحروب وهكذا.
وكان لهم سيطرة اقتصادية، وكذلك كانت لهم مكانة دينية رفيعة في المدينة؛ لأنهم أهل دين سماوي ولديهم من علوم الأنبياء السابقين. لذلك كان أهل المدينة، حتى وإن كانوا أهل أوثان ولم يعتنقوا اليهودية، يوقرون أهل الكتاب. ولما يقع الخلاف بين اليهود وبين أهل المدينة، كان اليهود يهددونهم بأنه قد أوشك أن يبعث نبي وأنه أخو موسى، وأنه يقود هؤلاء اليهود ويغلب به العرب. فهذا التهديد كان من أسباب إيمان الأنصار بالنبي ﷺ لأنهم كانوا يعرفون خبراً قديماً عنهم مما سمعوه من اليهود.
لذلك لما وصل النبي ﷺ إلى المدينة، نظم العلاقة مع أهل المدينة من خلال الوثيقة المعروفة، التي نسميها صحيفة المدينة، ويحب البعض أن يسميها دستور المدينة. هذه الوثيقة جعل فيها لليهود حقوقاً وجعل عليهم واجبات. من أهم هذه البنود مثلاً: «وأن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين، فكونوا مع المؤمنين ما دمت محاربين، وعلى اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وعليهم النصر على من حارب».
هذه الصحيفة فيها استقلال مالي، ولكن هناك تعاهد على التعاون على من يريد الهجوم على هذه المدينة، وأن يسرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة. وما يكون بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشترى يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله ﷺ، وبينهم النصر على من دهم يثرب لا تجار قريش ولا من نصرها. يعني هذه البنود جعلت من حقوق اليهود أن المسلمين معهم، لا يتآمرون عليهم ولا يحاربونهم، ومن واجبات اليهود أن لا يحاربوا ولا يحالفوا ولا يجيروا أحداً من قريش أو من أعداء النبي ﷺ.
إذاً النبي ﷺ حدد الحقوق والواجبات ولم يظلم اليهود، حاشاه أن يظلم ﷺ. نستطيع أن نخلص البنود في ضمان الدفاع المشترك عن المدينة، وعدم الاعتداء، وعدم الخيانة، وعدم إعانة قريش. هذه في حقيقة الأمر أبسط ما تطلبه أي دولة من الأقليات المقيمة فيها.
لكن تعالوا ننظر إلى المسألة من وجهة نظر اليهود؛ سنجد أن النار اشتعلت في نفوسهم لأن وجود النبي ﷺ في المدينة قد أضر بهم. وهذا يا إخواني من شؤم الكفر ومن شؤم العناد، لأن الكفر والعناد يفوت على صاحبه الآخرة ويفوت عليه الدنيا أيضاً. اليهود كانوا أول الناس أن يؤمنوا بالنبي ﷺ لأنهم يعرفونه، وكانوا إذا آمنوا به سيكونون أسعد الناس به لأنه أخو موسى. لو آمن اليهود به لكانوا السابقين إليه، وكانوا أرفع قدراً من أهل الوثن، لكن العناد مرض خطير جداً.
فهؤلاء اليهود حين لم يؤمنوا بالنبي ﷺ وعاندوا، فقدوا الآخرة واختاروا العذاب الخالد، ثم فقدوا الدنيا أيضاً؛ لأن مكانتهم انحطت بعدما كانوا موقرين لأنهم أهل علم وأهل كتاب، وأهل المدينة الذين هم أهل الوثن كانوا يوقرونهم، فأصبح أهل المدينة يرون أنفسهم أتباع الدين الحق واتباع النبي الخاتم، فبالتالي هم يرون أنفسهم الآن أعلى من اليهود ولديهم الكتاب الذي ختمت به الكتب.
والرسول الذي ختمت به الرسالات. الأمر الثاني أن اليهود هنا فقدوا مكانتهم الدينية، وفقدوا وضعهم السياسي؛ لأنهم في الزمن القديم قبل النبي كانوا يستطيعون أن يتعايشوا على الأحلاف وعلى الحرب، حرب مستمرة بين الأوس والخزرج، لكن الآن الأوس والخزرج صاروا إخوة وانتهت الحروب بينهما والمدينة صارت صفًا واحدًا، فاليهود صاروا بلا حلفاء، بل صارت المرجعية السياسية والعسكرية والقانونية إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ هَٰذِهِ الصَّحِيفَةِ مِنْ فَسَادٍ مَنْ حَدَثَ أَوْ أَجَارَ يُخَافُ فَسَادُهُ فَإِنَّ مَرْجَعَهُ إِلَى اللَّهِ﴾، المرجع إلى الله وإلى محمد رسول الله.
إذاً فقدوا الآخرة وفقدوا الدنيا، في وضعهم الديني وفي وضعهم السياسي. والآن أيضًا فقد اليهود وضعهم الاقتصادي؛ لأنه من أوائل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة أنه أنشأ سوقًا، وهذا السوق حقق به النبي صلى الله عليه وسلم هدفين: الهدف الأول كسر احتكار اليهود لتجارة المدينة، والهدف الثاني أوجد به فرص عمل للمهاجرين؛ لأن المهاجرين من مكة أغلبهم تجار، مكة ليست ديار زرع فأغلب مكة تجار، فبالتالي سوق المسلمين كان فرصة عمل لأهل مكة المهاجرين، ووضعًا اقتصاديًا كسر به احتكار اليهود وتفوق السوق الإسلامي على سوق اليهود؛ لأنه كان فيه آداب وأخلاق إسلامية، وصار يجتذب المسلمين، فتعارض مع جمهور اليهود فتاثر سوقهم ووضعهم الاقتصادي.
لهذا كله سعى اليهود في الكيد للنبي صلى الله عليه وسلم وفي الكيد للمسلمين، وفي مواقف عديدة حاولوا ضرب هذه الدولة المسلمة، وكانوا بذلك يخرقون هذه الوثيقة التي هي بمثابة العهد، وبالتالي كانوا هم البادئين بالعداوة. من أبرز ما حاولوا بعد الهجرة مثلاً أطلقوا إشاعة أنهم سحروا المسلمين فلا يولد لهم بالمدينة ولد ذكر، وطبعًا هذه الإشاعة انتهت مبكرًا لما ولدت السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وعنهما وعنهم جميعًا عبد الله وأسماء وأبو بكر، لما ولدت ولدها عبد الله بن الزبير، فلذلك اشتد فرح المسلمين به لأنه أبطل الإشاعة أو أبطل سحر اليهود.
بعض اليهود كانوا إذا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم حرفوا الكلمة وقالوا: السام عليك يا محمد، أي الموت، السم هو الموت، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «وعليكم». إنهم كانوا يثيرون الشبهات، فأحيانًا مثلا كانوا يقولون: ما بال محمد يصلي إلى قبلتنا؟ -وكانت الصلاة إلى بيت المقدس- ولا يتبع ملتنا. أحيانًا كانوا يقولون: ما آمن لمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم.
القصة المشهورة لما أسلم سيدنا عبد الله بن سلام، وكان حبر اليهود، والنبي قال لهم: «ما تقولون فيه؟»، قالوا: حبرنا وابن حبرنا وعلمنا وابن علمنا. قال: أرايتم من أسلم؟ قالوا: ماذا الله أن يسلم؟ ما يكون له ذلك. فلما خرج إليهم وقال: يا يهود إني قد أسلمت، والله إنه لرسول الله حقًا، عادوا بالقول وقالوا: سفيهنا وابن سفيهنا وجاهلنا وابن جاهلنا.
حاول اليهود إثارة حرب أهلية بين الأوس والخزرج، فهذا رجل -شيخ من كبار اليهود- أرسل غلامًا إلى مجلس فيه الأوس والخزرج، هذا الغلام كان يحاول أن يذكرهم بالأشعار التي قالوها في حرب بعاث، وحرب بعاث هذه كانت بالطاحنة جرت بين الأوس والخزرج قبل الهجرة، فلما ذكرهم هذه الأشعار ثارت نفوس القوم وبدأوا حتى كادوا يقتتلون فعلاً، لكن أدركهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «الله الله! أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بين قلوبكم؟»، فخفض القوم وتذكروا.
وقع من بعض اليهود نقض صريح للمعاهدة، نحن ذكرنا في الحلقة الماضية ما فعله سلام بن مشكم لما استقبل أبو سفيان في بيته في غزوة السويق، وبطن له خبر المدينة وخبر المسلمين، أخبره بأحوالهم ووفر له الفرصة للإغارة، فلهذا كله كان لابد أن يقع الصدام يومًا ما بين اليهود وبين المسلمين. ثم جاءت غزوة بدر وجاء النصر العظيم في بدر، حينها لم يستطع اليهود أن يخفوا ما في صدورهم من البغض ومن الضغينة؛ لأنهم كانوا يرجون أن تتمكن قريش من استئصال المسلمين.
فهنا كان لابد بعد كل هذا أن يقع الصدام، والصدام الأول بين المسلمين واليهود كان مع الكتلة الكبيرة، كتلة بني قينقاع، وهذا ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي