بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبًا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من برنامج غزوات النبي ﷺ، نستعرض فيها غزوات النبي ﷺ ونعرف هديه في الحروب ومعاملة الأعداء، ونتابع فيها رحلة الإسلام وصعود الإسلام من الضعف إلى القوة، ومن الاضطهاد إلى السيادة.
انتهينا في الحلقة الماضية إلى الحديث عن غزوة بدر ونتائجها في مكة، ونتائجها في المدينة، وكذلك في الجزيرة العربية، وأن هذه الغزوة، غزوة بدر، تعتبر حرب تأسيس الدولة الإسلامية.
الآن في هذه الحلقة، ندخل فيما بعد بدر؛ أول ما واجه المسلمين بعد المعركة قضيتان مهمتان: القضية الأولى هي موضوع الغنائم والأنفال، والقضية الثانية هي موضوع الأسرى.
نبدا بموضوع الغنائم والأنفال؛ لما انتهت الغزوة، غزوة بدر المباركة، كان لدى المسلمين الكثير من الغنائم التي حازوها من الكفار، أموال مثل الإبل والخيل، ولديهم سلاح كسيوف ورماح ودروع. سنجد أنه المرة الأولى التي يقع بأيديهم هذه الأموال، فهنا لم يعرفوا كيف يقسمونها؛ لأن حرب المسلمين في ذلك الوقت لم تكن كحرب القبائل، لم تكن مشغولة بالنهب وحده، بل المسلمون لم يكونوا نهابة.
بالنسبة للغنائم، فالمسلمون كانوا ثلاث فئات: فئة حازت الغنائم، وفئة أكملت مطاردة الكفار المنسحبين إلى أن اطمأنت إلى هروبهم وإلى تحقق الانتصار، وفئة كانت مهمتها حراسة النبي ﷺ حتى لا يتعرض لهجمة مفاجئة أو إغارة مفاجئة أو التفاف أو عملية خاصة. فكل فئة من هذه الثلاث فئات كان لها فضل، وكان لها دور في النصر وفي تثبيت النصر وفي حيازة الغنائم، ولذلك وقع الاختلاف بين المسلمين حول من فيهم أحق بهذه الغنائم وكيف يمكن أن تقسم.
لهذا نزلت سورة الأنفال، وكان هذا مطلعها: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 1]. هذه الآية حقيقة نزعت الأنفال من المقاتلين وجعلت الأنفال كلها لله والرسول، كأنه لا حق لهم فيها أبدًا، وأمرت بتقوى الله وإصلاح ذات البين وبطاعة الله ورسوله.
وأخذت الآيات تقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: 2-4].
بعد ذلك أخذت الآيات في سورة الأنفال تصف ما حصل في المعركة؛ وفكرة الآيات أن ما حصل في هذه المعركة هو محض فضل من الله، وأن هذا النصر هو محض تدبير من الله تعالى. المعنى المفهوم أن هذه الآيات تقول لهم: ليس لكم في الأنفال شيء، لأن هذا النصر من أوله إلى آخره، كل هذا النصر كان على غير رغبتكم؛ لأن المسلمين خرجوا أصلاً وهم يقصدون العير لا الحرب، ولما تبين لهم أنها الحرب وقعت بينهم مجادلة: نقاتل أم نرجع إلى المدينة؟ وهناك قوم كرهوا أن يخفق تدبيرهم فيدخلوا الحرب وهم لم يخرجوا لها، والله ثبتهم، وأنزل عليهم المطر، وأنزل عليهم السكينة، وغشيهم بعض النوم، وأنزل إليهم آلاف الملائكة تقاتل معهم.
حكاية السورة لهذه الآيات كانت بهدف إعادة نفوس المسلمين إلى حقيقة الدين والتقوى والتعلق بالآخرة والتجرد من مكاسب الدنيا، ونزع مكاسب الدنيا منهم. وعندئذ بعد أربعين آية نزلت عليهم أحكام تقسيم الغنيمة، وهي التي قضت كما تعرفون بأن توزع أربعة أخماس الغنائم على المقاتلين، والخمس الأخير يبقى لرسول الله ﷺ ينفقه في مصالح المسلمين وحاجة الأمة، فكأنه كان من الأموال العامة التي يتصرف فيها الأمير أو الخليفة أو القائد.
الموضوع الثاني هو موضوع الأسرى؛ سنجد أنه في معركة بدر أُسر من المشركين سبعون أسيراً، وبعضهم كان من كبار قريش. من الأسرى مثلاً سهيل بن عمرو، هذا خطيب قريش وفصيحها، وسنراه بعد ذلك في صلح الحديبية، وكأنه وزير خارجيتها بتعبيراتنا المعاصرة.
منهم أيضًا عقبة بن أبي معيط، وهذا رجل كان من زعماء إيذاء النبي ﷺ، والنضر بن الحارث؛ هذا نستطيع أن نقول إنه كان وزير إعلام قريش، لسان قريش الإعلامي. هذا الرجل له قصة مميزة، لأنه لما رأى النبي ﷺ في مكة يقرأ على الناس قصص الأنبياء وقصص السابقين، قام بمهمة خاصة، فسافر إلى فارس فيما يشبه دورة تدريبية مكثفة، فتعلم هناك قصص ملوك الفرس وحكماء الفرس وأساطير الفرس، وعاد إلى مكة، فكان يتحين أن يرى النبي ﷺ في مجلس ما، فإذا قام النبي قصد هو هذا المجلس وصار يحكي لهم قصص الفرس وملوك الفرس وشعراء الفرس، يريد بذلك أن يلهيهم ويصدهم عما تلاه عليهم النبي ﷺ، هو بتعبيراتنا المعاصرة نعتبره مثل قناة فضائية متخصصة في إشغال الناس.
من الأسرى كذلك رجل اسمه أبو عزة الجمحي، هذا رجل شاعر، وهو أحد الإعلاميين الكبار في قريش وأحد الألسنة اللاذعة لها. وأيضًا من كبار قريش الذين أسروا الوليد بن المغيرة، الوليد بن المغيرة كان من زعماء قريش الكبار، وكان أغنى رجل في قريش وكان شيخها وزعيمها، وهو والد الوليد بن الوليد، وهو نفسه أخو خالد بن الوليد. وكذلك ممن أسر ابن لأبي سفيان.
فلدى الأسرى وقع الخلاف أيضًا بين المسلمين؛ فمثلاً سيدنا سعد بن معاذ، زعيم الأوس من الأنصار، كان متضايقًا من أسر الرجال، وعرف النبي ﷺ ذلك فسأله: «والله كأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم؟»، أي الأسر، فقال: «أجل والله يا رسول الله، هذه كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل بأهل الشرك أحب إلي من استبقاء الرجال». كان يريد أن يقصف أو يكسر قوتهم البشرية، هذا رأي سيدنا سعد بن معاذ باعتبارها حربًا وفرصة. والنبي ﷺ استشار الصحابة فسألهم: «ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟»، فأبو بكر رضي الله عنه قال: «يا رسول الله، قومك وأهلك، استبقِ واستأن بهم».
لعل الله أن يتوب عليهم، فكان سيدنا أبو بكر أقرب إلى استبقاء الأسرى وإلى فداء الأسرى. سيدنا عمر كان رأيه كرأي سعد بن معاذ؛ قال: يا رسول الله، أخرجوك وكذبوه، قربهم فاضرب أعناقهم. وسيدنا عبد الله بن رواحة من الأنصار قال: يا رسول الله، انظر وادياً كثير الحطب، فادخل فيه ثم أضرم عليهم ناراً.
النبي ﷺ سمع هذه الآراء، فكانت من الآراء؛ نجد أن سيدنا سعد وسيدنا عمر وسيدنا عبد الله بن رواحة كانوا مع مسألة قتل الأسرى، وحتى سيدنا سعد كان مع كراهية الأسر أصلاً، وأبو بكر كان مخالفاً. المهم أن النبي ﷺ سكت ولم يرد عليهم، فتوقع بعض الناس؛ قال بعض الناس يأخذ بقول أبي بكر، وبعض الناس قالوا يأخذ بقول عمر، وقال بعض الناس يأخذ بقول عبد الله بن رواحة.
فخرج النبي ﷺ وقال: «إن الله ليُلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة». كلا النوعين موجود في أهل الإسلام، وكلاهما يستعمل هذا في الله وفي سبيل الله. فقال النبي ﷺ: «وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم عليه السلام لما قال: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36]، ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى لما قال: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام إذ قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: 26-27]، وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: 88]».
لكي نقرب الصورة من أذهاننا؛ سيدنا أبو بكر والموافق لرأيه كان اهتمامهم وتركيزهم على فكرة هداية هؤلاء الأعداد، يعني كل يوم يزيد في حياة هؤلاء الأعداء احتمال أن يهتدوا لهذا الدين، لا سيما وهم أرحام وأقارب وعشائر المسلمين أيضاً؛ فلذلك كانوا أميل لقبول إطلاقهم مقابل المال، أي فداء الأسرى. ميزة هذا الرأي أنه ما سيأتي للمسلمين من الأموال هم بحاجة إليه في دولتهم الجديدة، وكذلك حاجة أنهم أنعموا عليهم بالفداء فتاهلت قلوبهم، وكذلك أخذوا أموالاً.
أما سيدنا عمر والموافق لرأيه، فقد اهتموا بفكرة الإسلام ودولة الإسلام، وأن هذه الدولة في هذه المرحلة تحتاج إلى أقسى أشكال التعامل مع أعدائها؛ لأن هذه القوة تقلل من أعدائها في المستقبل، وهذا يردعهم ويسرع بوتيرة نصر الدولة الإسلامية لأنه يلقي الرعب في نفوس الأعداء وفي نفوس المتربصين. التهاون في هذا الوقت وفي هذه المرحلة قد يجر الأعداء؛ لأن الأعداء سيستهينون بفكرة أن يقاتلوا الدولة المسلمة، فإذا هُزموا دفعوا الأموال واستعادوا الرجال واستعدوا لجولة أخرى من الحرب.
وكذلك هؤلاء الأسرى، أنا الآن ما زلت أشرح في رأي سيدنا عمر، هؤلاء الأسرى ليس فيهم أمل كبير في هدايتهم؛ لأن قد عرض عليهم الإسلام في مكة، فهم الذين عذبوا المسلمين وهم الذين نبذوا المسلمين وحاصروهم في مكة، ثم اضطروه إلى الهجرة والفرار، وأعلنوا عليهم الحرب وجاءهم بالجيش. النبي ﷺ كان أقرب إلى رأي أبي بكر أن يقبل الفداء وينتفع بهذه الأموال ويرجو أن يهديهم الله تبارك وتعالى، لكن نزل قول الله تعالى يؤيد رأي عمر ورأي سعد بن معاذ ورأي عبد الله بن رواحة، وهو أن الإثخان في القتل هو أنفع للمسلمين، وأن هيبتهم وبثهم في قلوب العدو أفضل من الأموال، وأن الاستكثار من الأسرى لا يناسب حال الدولة الوليدة التي أمرها لا يزال في البداية. الاستكثار من الأسرى لا يناسب المجاهدين في أول دولتهم، والمجاهدين في أول دولتهم لا يناسبهم أن تميل نفوسهم إلى المال وإلى المكاسب؛ ولذلك قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 67-68].
هذه الآية فيها أمران: الأمر الأول أن الإثخان في القتل هو الصواب، وأن الله تبارك وتعالى عفا عمن رأى الفداء لأنهم إنما اجتهدوا في ذلك وهم لم يقصدوا المخالفة، وإن رأيهم في هذا لم يكن عن فساد نية أو سوء غرض أو تعلق بالدنيا، لكنه كان ميلاً خفياً لم ينتبهوا إليه.
وفيما بعد، مع تقدم حال الدولة الإسلامية، نزل قول الله تبارك وتعالى في شأن الأسرى، ما نقرأه في سورة محمد، واسمها سورة القتال أيضاً، حيث يقول تبارك وتعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: 4]. في هذه الآية نزل حكم جديد للأسرى وهو المن، يعني إطلاقهم بغير مقابل، أو الفداء، وهو إطلاقهم مقابل المال. وبالتالي صار حكم الأسرى كما يقول سيدنا ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ قال ابن عباس: «ذلك كان يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا ولما اشتد سلطانهم أنزل: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾».
وبالتالي جعل الله النبي والمؤمنين، وطبعاً من بعدهم خلفاء المسلمين، جعلهم في الأسرى بالخيار: إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوا، وإن شاؤوا فادوه، وإن شاؤوا أطلقوه منّاً. والحقيقة هو مرتبط بالتقدير العام للأمير، التقدير العام لأهل الشورى في الدولة الإسلامية، تقدير الموقف العام من حيث القوة والضعف، ونتيجة هذا القرار على الأعداء، أحياناً أيضاً يكون مرتبطاً ببعض الأسرى على وجه التحديد؛ يعني من كان معروفاً بالعداوة أو بالغدر قُتل، وكان هذا استثناء، ومن كان يرجع صلاحه أُطلق بمقابل أو بغير مقابل وهكذا.
حقيقة الإسلام في هذا الأمر وفي سائر الأمور دين عملي، دين حركي، يسميها بعض العلماء مرونة الإسلام؛ لأنه يستوعب الأحوال المختلفة والأحوال المتنوعة، سواء أحوال المسلمين أو أحوال أعداء المسلمين. فبالتالي هذا شكل حكم الإسلام في الأسرى، أنه مرتبط بالتقدير الذي يراه أهل هذه الدولة الإسلامية. لكن إذا رجعنا الآن إلى بدر الذي حصل مع الأسرى في بدر، فإن النبي ﷺ أكرمهم وقبل فيهم الفداء وأمر الصحابة بأن يستوصوا بهم خيراً، فكانوا يطعمونه الخبز بينما كان الصحابة يأكلون التمر، والخبز كان أفضل من التمر في ذلك الوقت، وهذا أثر حقيقة في العديد من الأسرى. وكذلك جاءت الرسل والمبعوثون، يعني أهل هؤلاء الأسرى جاؤوا يفدون أسرارهم بما قرر النبي ﷺ عليهم من الأموال؛ لأن النبي كان قد...
قرر لكل أسير فدية تناسب وضعه من الغنى والمال، وبعض الأسرى أطلقهم دون مقابل ودون فداء، وبعض الذين كانوا يعرفون الكتابة ألزم كل واحد منهم أن يعلم عشرة من أبناء الأنصار كتابته؛ فيكون هذا فداءه إذا لم يكن معه مال، فكانت كأنها منحة تعليمية كما يسميها بعض أصدقائنا.
بعد بدر تواصلت الغزوات والسرايا، وأريد أن أنبه الآن إلى ما ذكرناه في مسألة الأنفال ومسألة الأسرى، كلاهما يجمعه اهتمام الإسلام بزكاة النفس، وتعلق النفس بالله وبالآخرة، وتجردها من مكاسب الدنيا، وأنه لا يتعلق بشيء من الغنائم أو الأموال؛ هذا أمر نفسي هائل وأمر إيماني كبير ركزت عليه سورة الأنفال وطبعًا بقية السور. ما يجمع القضيتين أنه هذان الأمران كانا أول خلاف بين المسلمين في مسائل عسكرية وحربية، ووجدنا القرآن الكريم يركز على أن ينزع التعلق بالدنيا من المجاهدين.
نستكمل بعد بدر، فالجهاد لا ينقطع، وكما يقول أهل السياسة: كل نجاح هو انتقال إلى مرحلة جديدة من التحديات. لذلك سنجد أنفسنا بعد بدر وحتى غزوة أحد أمام تحديات، ولم يطل الانتظار كثيرًا؛ لأنه بعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بسبعة أيام فقط، جاءت الأخبار عبر جهاز المخابرات الإسلامية بأن بني سليم يجهزون لحرب على المدينة.
بنو سليم هؤلاء كانوا من القبائل التي كانت تنتفع بمرور تجارة قريش إلى الشام في أرضها، فديارهم تقع إلى الجنوب الشرقي من المدينة، وكانوا لو استخدمنا المصطلح المعاصر مركز تجارة وسيطة، أي مركز خدمات "لوجستيك"؛ فبالتالي كان يهمهم استمرار طريق التجارة، تمامًا مثل مصر حاليًا يهمها استقرار الملاحة في قناة السويس لأنها طريق تجاري. ومن جهة أخرى، استشعروا الخطر من نمو هذا المركز الإسلامي إلى جوارهم، فلذلك عزموا على الحرب.
لكن النبي صلى الله عليه وسلم سارع إليهم فداهم في ديارهم، ففروا من أمامه وهربوا في الجبال والوديان، وللسرعة والمفاجأة التي باغتهم بها النبي ﷺ تركوا إبلهم، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الناحية ثلاثة أيام حتى اطمأن إلى فشل خطتهم وتمزق جمعهم، فعاد إلى المدينة صلى الله عليه وسلم، وغنم المسلمون في ذلك الوقت 500 بعير وهي الغنائم التي تركها بنو سليم.
بعد بني سليم وقعت غزوة بني قينقاع، وهذه أول غزوة يواجه فيها النبي صلى الله عليه وسلم اليهود، ودعونا نؤجل الحديث عنها، سنتكلم عن الغزوات مع اليهود حديثًا خاصًا. وبعد بني قينقاع بشهرين وقعت غزوة أخرى وهي غزوة السويق، وكانت في ذي الحجة من العام الثاني للهجرة.
هذه كانت غزوة دفاعية؛ لأن أبا سفيان قائد القافلة أقسم بعد بدر أن لا يمس رأسه الماء من جنابة، أي لن يجامع زوجته، وهذا نوع من العقوبة لنفسه والشدة والحزم، وأنه لن يتمتع حتى يأخذ الثأر، فأقسم أن لا يمس رأسه الماء من جنابة حتى يغير على المدينة. فقام بغزوة خاطفة، قاد مائتين من الفرسان من مكة تسللوا إلى المدينة، واستقبلهم في المدينة رجل يهودي اسمه سلام بن مشكم، وهو سيد بني النضير، فاستضافهم وأعطاهم أخبارًا عن المدينة وعن المسلمين، وهذه إحدى وجوه الغدر.
بناءً على هذه المعلومات، نفذ أبو سفيان إغارة على ناحية تسمى العريض في المدينة، فقتل رجلين من المسلمين وأحرق بعض النخل، ثم عاد وفر إلى مكة يريد أن يبر بقسمه. هنا خرج النبي صلى الله عليه وسلم على رأس مائتين من المهاجرين والأنصار طردوهم، لكن لم يتمكنوا من إدراكهم، ولكن مطاردة المسلمين لهذا الجيش جعلت المشركين في رعب، فصاروا يلقون بالسويق -وهو الطعام- ليخففوا أحمالهم كي تسرع بهم الخيول والإبل، ولذلك غنم المسلمون هذا الطعام وسميت الغزوة بهذا الاسم: غزوة السويق.
بعد غزوة السويق بشهر، في محرم من السنة الثالثة للهجرة، وقعت غزوة تسمى غزوة ذي أمر، وهي شبيهة بغزوة بني سليم؛ لأنه جاءت الأخبار بأن رجالًا من قبيلتي ثعلبة ومحارب تجمعوا لحرب النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في 400 أو 500، ويقال 450، وهؤلاء كانت ديارهم إلى الشرق من المدينة. فلما تفاجؤوا بجيش النبي صلى الله عليه وسلم هربوا أيضًا إلى الجبال وتفرقوا، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم مدة شهر في ديارهم، وليس ثلاثة أيام كما في بني سليم.
وفي هذه الغزوة، كما يروي علماء المغازي والسير، وقعت القصة المشهورة للنبي صلى الله عليه وسلم لما حاول دعثور بن الحارث، وهو زعيم بني ثعلبة ومحارب، أن يتسلل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاستطاع أن يجد منه غرة؛ لأن النبي كان يستظل بشجرة وكان قد خلع ثيابه لأنه كان فيه مطر، فأخذ دعثور سيف النبي صلى الله عليه وسلم ووقف به أمام النبي وقال: «يا محمد، ما يمنعني منك اليوم؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الله»، فسقط السيف من يده، ويقولون: «فدفعه جبريل فأسقط السيف من يده»، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «وأنت من يمنعك الآن مني؟» فقال دعثور: «لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والله لا أكثر عليك جمعًا أبدًا».
فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم سيفه، ورجع هذا الرجل إلى أصحابه فقالوا له: «ويلك، ما لك؟»، فقال: «نظرت إلى رجل طويل فدفع صدري فوقعت، فعرفت أنه ملك، وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولا أكثر عليه جمعًا».
بعدها بشهرين، في جمادى الأولى من السنة الثالثة للهجرة، تجمعت بنو سليم مرة أخرى، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى، وكان في هذه المرة على رأس 300 من المسلمين، وتكرر نفس ما وقع في غزوة بني سليم الأولى، لكن هذه الغزوة يسميها أهل السير غزوة بحران، وهذا هو اسم المكان الذي وصل إليه النبي صلى الله عليه وسلم لقتالهم، وبقي فيها عدة ليال خارج المدينة.
المدينة، هذه الغزوات نرى فيها تطورًا كبيرًا في جهاز المخابرات الإسلامي؛ لأن الأخبار صارت تنقل من بدايتها، تأتي قبل أن يتحرك الناس، وبالتالي صار هناك فرصة لضربات استباقية.
وطبعًا لا شك أن هذا التطور يرجع في جانب منه إلى الخبرة، وفي جانب منه إلى عدد ممن أسلموا من تلك القبائل بعد بدر وبقوا فيها، فلذلك كانوا ينقلون الأخبار إلى النبي ﷺ.
أنتم تعرفون القوي يحب أن ينحاز الناس إليه، وأن يصطنع لأنفسهم يدًا عنده. فبهذه الغزوات تستطيع الدولة الإسلامية أن تكون قد سيطرت على هذه الأنحاء وشلت طريق قريش التجارية إلى الشام.
ولذلك حاولت قريش أن تسلك طريقًا إلى الشام بديلًا، طريقًا من العراق إلى الشام، فوصلت الأخبار إلى النبي ﷺ فوجه إليه سرية كان قائدها زيد بن حارثة، فاستولت على القافلة وأسرت دليل القافلة، فزاد كرب قريش وأُغلق طريقها إلى الشام.
ماذا سيحدث في هذه الحال؟ هذا ما نراه إن شاء الله الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي