دخولتسجيل الدخول

غزوات النبي | 7. الآثار الحاسمة لغزوة بدر

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من برنامج غزوات النبي ﷺ، نتناول فيها غزوات النبي وطريقته في الحرب، هديه في معاملة المقاتلين، هديه في معاملة الأسرى، والفارق بين حروب النبي ﷺ وحروب غيره من البشر. بماذا تميزت الحروب الإسلامية عن غيرها من حروب الأمم الجاهلية القديمة والمعاصرة؟

في الحلقة الماضية توقفنا عند لحظة المبارزة في غزوة بدر، ذكرنا أنه بدأت المعركة على عادة القوم آنذاك بأن خرج عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، ثم خرج لهم من طرف المسلمين حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث، يتقاتل المتبارزون قبل التحام الجيشين. وكانت نتيجة المبارزة كاسحة؛ قتل حمزة شيبة بن ربيعة، وقتل علي بن أبي طالب الوليد بن عتبة، واستطاع عبيدة بن الحارث وعتبة بن ربيعة أن يصيب كل منهما الآخر، أي اختلفا ضربتين، كل واحد منهما ضرب الآخر ضربة، وبالتالي انتهى حمزة وعلي من عدوهما شيبة والوليد بن عتبة، فأجهى علي على عتبة، وحمل عبيدة بن الحارث جريحًا واستشهد هو فيما بعد من أثر هذه الإصابة.

طبعًا هذه النتيجة، نتيجة المبارزة، كانت صدمة عنيفة للمشركين، إذ تجندل أبطالهم الثلاثة، وبالتالي كانت دفعة نفسية قوية للمسلمين. وبهذه المبارزة بدأ التحام الجيشين. قبل هذه المبارزة خرج رجل من قريش اسمه الأسود بن عبد الأسد المخزومي، فهذا رجل خرج وأقسم أن يموت دون بئر بدر، وأن يَرِدَه ويشرب منه، فخرج له حمزة فضربه ضربة أطارت نصف ساقه، فأيضًا زحف لكي يبر بقسمه فقتله حمزة.

إذاً المبارزة الأولى كانت كاسحة، كل الذين خرجوا من المشركين قُتلوا في هؤلاء المتبارزين. نزل قول الله تعالى: ﴿هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19]. هذه كما يقول سيدنا أبو ذر رضي الله عنه، "هذان خصمان اختصما في ربهم، فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار"، وبقية الآية في سورة الحج. ثمة جوانب خفية يكشفها القرآن الكريم ولا تستطيع كتب التاريخ أن تكشفها، وذلك هو ما فعله الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين في نفوسهم وفي عالم الغيب، عالم الغيب غير المنظور.

فمن أهم هذه الأمور، كان قبل بدء المعركة أنعم الله تبارك وتعالى على المسلمين بنزول المطر عليهم، ونزول السكينة على قلوبهم، بل أنزل عليهم أيضًا بعض النوم؛ لكي يأخذ هذا النوم من نفوسهم ويسحب منها كل ضيق وتوتر. قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: 11]. فمما يروى أن الصحابة كان الواحد منهم يغفو وهو واقف، حتى يكاد سلاحه أن يسقط من يده، فهذا قدر عالي من الاطمئنان الذي قذفه الله في قلوب المؤمنين.

ومنها كذلك ما قذفه الله من الرعب في قلوب الكافرين، وفي ذلك قال تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: 151]، «اضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان». ومن ذلك أيضًا أن الله تبارك وتعالى صور لكلا الفريقين أن الفريق الآخر قليل، وذلك لكي لا يتهيب أحدهم الآخر؛ يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكَ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: 43]. لأنه إذا ظهر لبعض الناس أن العدو كبير وغير ممكن، فبالتالي هذا يكفه عن الحرب، لكن الله أراد أن تحدث هذه المعركة.

كذلك أنزل الله تبارك وتعالى على عباده المسلمين الملائكة فكانت تقاتل معهم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 9-10]. هذه الآية تتحدث عن ألف من الملائكة، وذكر الله تبارك وتعالى أيضًا أن الأعداد صارت ثلاثة آلاف، أو أن هذا كان وعدًا، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَىٰ ۖ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوَّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [آل عمران: 124-126].

هنا يجب أن نتوقف، لدينا ثلاث وقفات سريعة: أولًا، دور الملائكة لم يكن القتال فحسب، بل الدور الأهم كان تثبيت المؤمنين؛ إذ يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. ملاحظة ثانية، أن الله تبارك وتعالى لم ينزل ملكًا واحدًا ولا ملكين، مع أن الواحد من الملائكة قادر على إهلاك جيش من الكفار، لكنه أنزل ألفًا وثلاثة آلاف وخمسة آلاف؛ لماذا؟ لأنه الغرض من نزولهم لم يكن مجرد هزيمة الكفار، بل كان تثبيت المؤمنين، تبشير المؤمنين، طمأنة المؤمنين، وهذا المعنى لا يحصل إلا بشعورهم، وأن يشعروا وهم في قلة بشعور الكثرة في العدد.

هذا يا جماعة الخير يعلمنا حسن سياسة النفس البشرية؛ النفس البشرية مهما بلغت في الإيمان -وهؤلاء أهل بدر الذين هم صفوة الصفوة- مهما بلغت في الإيمان، للنفس البشرية تعلق بالأسباب. فالله حدثهم عن آلاف وآلاف وثلاثة آلاف مع أن الملك الواحد قادر على إهلاك الجيش. الملاحظة الثالثة، وهذه مهمة، أن هذه الأمور الغيبية من نزول السكينة وقذف الرعب ونزول الملائكة لا تزال مستمرة في واقعنا الآن، يحوط الله بها المجاهدين، ولكن لا تراها الكتب، لا يشاهدها المؤلفون، لا يعرفها المؤرخون؛ فالواجب دائمًا أن نتذكر فضل الله، وأن نعرف أنه لا نصر لنا ولا تمكين لنا ولا عون لنا إلا بالله تبارك وتعالى.

نعود إلى أجواء المعركة، لما التحم الجيشان وعملت كل هذه الأسباب معًا، فما هو إلا أن طاش جيش الكفار. طبعًا في جيش المسلمين من المواقف المهمة أنه كان هناك بعض الجنود انتدبوا لأنفسهم مهمات خاصة، فمنهم مثلًا معاذ ومعوذ، هذان فتيان من الأنصار، عزموا على قتل أبي جهل لأنه بلغهم أنه كان زعيم إيذاء النبي ﷺ. ونعم الحب ونعم الحب لرسول الله ﷺ! هل تدرون يا أخي الحبيب، إخوتي الأحباب، تدرون لو أن كل من أراد أن يؤذي رسول الله ﷺ أو يسبه علم أنه إذا فعل ذلك فلن يفلت ولن ينجو؟ لو أن كل من أراد سب النبي عرف...

ذلك لقلة جداً عدد من يتجرأ على سب النبي أو إذاء النبي، فهذان الرجلان يضربان لنا المثل. وقف كلاهما معاذ ومعوذ، ووقفوا إلى جوار عبد الرحمن بن عوف لأنه من المهاجرين، فسأله عن أبي جهل؛ يعني من هو؟ طبعاً هم أنصاريان لا يعرفانه، فلما أشار إليه قصداً إليه، كانت هذه مهمتهما، قصدا إليه حتى قتلاه.

ثم جاء سيدنا عبد الله بن مسعود، وطبعاً سيدنا عبد الله بن مسعود كان ضعيفاً نحيفاً، فارتقى على أبي جهل. طبعاً أبا جهل كان عظيماً جسيماً، فارتقى سيدنا عبد الله بن مسعود وشهد معه آخر لحظاته في الدنيا، ولذلك قال له أبو جهل: «قد ارتقيت مرتقى صعباً يا رويعي الغنم»، مش يا راعي الغنم يا رويعي. مات في كبره فقطع رأسه سيدنا عبد الله بن مسعود.

من الذين انتدبوا أنفسهم أيضاً سيدنا بلال. سيدنا بلال ما إن أبصر أمية بن خلف، أمية بن خلف سيده القديم الذي كان يعذبه في الجاهلية ويصهره في الشمس، ما إن أبصره حتى انطلق إليه، وهو كان أمية في ذلك الوقت استسلم للأسر، يعني كأنه في حكم الأسير، لكن سيدنا بلال في اندفاعاته هذه لم يبالِ، فأخذ يقول: «أمية بن خلف، رأس الكفر، لا نجوت إن نجوْت».

فتبعه جماعة من الأنصار فقتلوه، وكثر القتلى في المشركين حتى ذهب قادتهم وتضعضعت صفوفهم. لك أن تتخيل جيشاً يحارب الله ويحاربه الله، لك أن تتخيل! فانكسرت صفوفهم وسرعان ما هاموا منسحبين ومسرعين حتى تركوا وراءهم جثث قتلاهم وزعمائهم، وكانت كل جثة في المكان الذي حدده رسول الله ﷺ قبل المعركة، في نفس المكان لم يتقدم عنه ولم يتأخر.

وبعد النصر أقام المسلمون في مكان المعركة ثلاثة أيام، هذه كانت عادة المنتصر في الحرب عند العرب؛ المنتصر في الحرب كان يقيم في مكان انتصاره ثلاثة أيام يأكل ويشرب ويلهو ويطرب. المسلمون لم يفعلوا هكذا، لكن القصد هذه علامة النصر التي هي مثل رفع العلم مثلاً على المكان الذي تم الاستيلاء عليه.

لذلك قام المسلمون وسحبوا جثث المشركين وألقوها في البئر، وقام عليها النبي ﷺ واقفاً، فأخذ ينادي عليهم ﷺ يقول: «يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة»، وعددهم، أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً. فقال عمر: يا رسول الله، كيف تكلم أجداثاً لا أرواح فيها؟ فقال ﷺ: «والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم»، يعني هم يسمعونني كما تسمعونني، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي.

حقاً كان لنصر بدر آثاره المزلزلة في الحجاز وفي الجزيرة العربية وداخل مكة وداخل المدينة. نحن في هذا البرنامج نهتم بحكاية الآثار وفهم الأمور العامة، لا ندقق في الروايات؛ فإن هذا قد انتدب له من هو خير مني ومن هم أعلم بالسيرة والآثار مني، ولكن ما نريد أن نحققه في هذه الحلقات، في هذا البرنامج، أن نفهم فكر النبي العسكري، يعني استراتيجية النبي العسكرية؛ فبالتالي تركيزنا على آثار المعركة أكثر من تركيزنا على أحداث المعركة.

تعالوا الآن أخبركم ببعض الآثار التي ترتبت عن غزوة بدر، الغزوة الحاسمة. أولاً في مكة: أول من وصل إلى مكة بالخبر كان رجلاً اسمه الحصين الخزاعي، هذا الرجل لما أخبر أهل مكة بما وقع ظنوا أنه مجنون، يعني هم لم يتصوروا أن يموت كل هؤلاء القادة، لم يتصوروا أن هؤلاء تأكلهم ضربة واحدة، ولذلك لما تأكد الخبر كان صدمة كبرى؛ لأن قريشاً فعلياً فقدت جميع قادتها تقريباً.

هذا الرجل أول ما جاء وسمع منه صفوان بن أمية بن خلف، قال: سألوه عني، هذا رجل طار عقله، سألوه عني فقالوا له: أين صفوان بن أمية؟ قال: ها هو جالس في الحجر، لم يصدق أنه عاقل. فلما تأكد الخبر، فقدت قريش جميع دهاها تقريباً، لم يبق من الجيل الكبير فيها إلا أبو سفيان، ونستطيع أن نقول إن أبا سفيان كان من الجيل الأوسط، حتى أبو لهب، وهو عم النبي ﷺ، أبو لهب لم يستطع الخروج معهم في بدر، كان قد أصيب بمرض، هذا الرجل مات قهراً وكمداً بعد سماع خبر الهزيمة.

إذن كل قيادات الصف الأول انتهت، ولذلك حدث صعود في مكة لما يمكن أن نسميه قيادات الصف الثاني؛ أبناء الكبار مثل عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، الطبقة الثانية، وعليهم أبو سفيان كان أسبق منهم. هذا الأثر الأول: فقدان قريش لقياداتها.

الأثر الثاني: أن قريشاً تلقت ضربة هائلة في هيبتها السياسية والعسكرية؛ هذه الهزيمة المدوية التي وقعت لها في الحرب، وهذه الحرب قريش هي التي سعت إليها وهي التي أصرت عليها، كانت ضربة قوية في الهيبة السياسية والعسكرية. لك أن تتصور القوم الذين هاجموا هم الذين هزموا هزيمة مدوية، القوم الذين أصروا على الحرب، خصوصاً وأنهم تواجهوا مع قوم أقل منهم في العدد وفي العدة وفي الاستعداد للقتال، كانوا ثلثهم.

ثم أثر ثالث: الضربة القوية التي تلقتها قريش في اقتصادها؛ لأنه ثبت الآن أنها غير قادرة على تسيير قوافلها إلى الشام، والقوافل إلى الشام تعبر على المدينة، فلذلك عصب الاقتصاد القرشي، خط التجارة، لم تعد قريش تستطيع أن تحميه. إذن ثلاث ضربات: ضربة داخلية بالقيادات، ضربة عسكرية وسياسية بالهزيمة، وضربة اقتصادية.

تعالوا إلى المدينة، ما هي آثار غزوة بدر في المدينة؟ سنجد أن المسلمين خرجوا وهم يقصدون العير، ولكنهم عادوا وقد ألحقوا هزيمة قاسية بعدوهم القديم الذي طالما عذبهم وحاصرهم وضيق عليهم حتى اضطرهم إلى الهجرة وإلى الفرار واستولى على ديارهم وأموالهم. بالنسبة للمسلمين، هذا أول شفاء للصدر، هذه أول دفقة معنوية كبيرة بعد طول عذاب ومعاناة، هل انتصف الحق؟ فهذه طبعاً نقلة معنوية كبيرة.

الأمر الثاني: أن المسلمين الآن رأوا في هذا النصر أولى ثمرات إقامة الدولة الإسلامية؛ يعني الآن هم صاروا أصحاب مكانة وسيادة، وصاروا أعزة من بعد ما كانوا أذلة في مكة، صاروا أقوياء بعدما كانوا ضعفاء ومضطهدين، فبذلك ازداد أهل الإسلام إيماناً وتماسكاً وتلاحماً، للدولة تحقق النصر نتيجة.

ثالثة: انتعاش اقتصادي؛ لأن المسلمين وجدوا فيما غنموا في بدر ما أعطى لدولتهم بعض هذا الانتعاش الاقتصادي. كذلك نتيجة رابعة، أن ظهر في المسلمين مكان محفوظ ومقدر لمن شهدوا بدرًا، سموا بالبدريين؛ يعني هؤلاء أصحاب النصر الأول. وطبعًا هذا فضل استعدادهم وبقائهم على طرف النداء، ما إن نودي فيهم إلا خرجوا لأنهم كانوا جاهزين، ولذلك هؤلاء البدريون يتعلم منهم المسلمون حتى الآن وحتى آخر الزمان فضل البقاء على استعداد وجاهزية، ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة؛ لأن النبي ﷺ لم يسمح لمن كانت فرسه بعيدة عنه وسلاحه بعيدًا عنه أن يخرج معه، فالذين خرجوا صاروا لهم مكانة خاصة في كل التاريخ الإسلامي.

كذلك من أهم النتائج التي تحققت من بدر في المدينة أنها قضت على معسكر المشركين؛ أنه قبل بدر كان في المدينة ثلاثة أديان: المسلمون واليهود، وكان المشركون الذين هم العرب من أهل المدينة الذين لم يدخلوا في الإسلام، لكن بعد بدر أسلم هؤلاء المشركون ولم يبق في المدينة إلا الإسلام واليهودية، لم يبق إلا دينان فقط. وهذا يا جماعة الخير ليس أمرًا مستغربًا، حقيقة الأفكار تنتشر حين تنتصر، وكذلك الأفكار تنكمش وتنحسر حين تنكسر.

لذلك هؤلاء المشركون الذين أسلموا في المدينة، منهم من أسلم حقًا وصدقًا لأنه رأى قوة المسلمين وما أنزله الله عليهم من المعجزات، وانتصروا على قريش سيدة العرب وصاحبة البيت الحرام، فبالتالي رأى أن الله هنا فأسلم صدقًا. لكن منهم من أسلم لأنه شعر أن ميزان القوى انقلب لصالح المسلمين، فهذا أسلم نفاقًا، أسلم وهو يبطن الكفر، فلذلك هنا بدأ يتكون في المدينة معسكر المنافقين، وهذا سيكون على رأسه عبد الله بن أبي بن سلول.

كذلك من أهم نتائج النصر في المدينة أنها أظهرت ما يضمره اليهود من الحقد؛ لأن اليهود حتى بدر كانوا ينطوون على ما في قلوبهم من الضغينة، كانوا يصبرون أنفسهم أن المعركة المشتعلة بين قريش وبين المسلمين ستؤدي في النهاية إلى هزيمة المسلمين، فكانوا يرون أن قريشًا كانت ستكف أيهم مصيبة المسلمين، فلذلك كانوا لا يزالون يرجون ويتمنون ويأملون ويطمحون أن تقضي قريش ومعها حلفاؤها من حرب على محمد ﷺ وأصحابه لكي تصفو لهم المدينة من جديد. لكن لما وقعت هذه النكبة بقريش لم يملك هؤلاء اليهود أنفسهم فبدأت تظهر منهم العبارات والحركات العدائية، وهذا ما سنأتي له إن شاء الله في حلقات قادمة.

أيضًا من آثار بدر في الجزيرة العربية، فنستطيع أن نقول إنه هذا النصر كان أول اختبار عسكري للدولة الإسلامية، وبهذا تقاس الدول؛ بالاختبار العسكري، بالحروب تقاس الدول، فظهر في بدر أن هذه الدولة ليست مجرد تجمع لاجئين وتجمع مطاردين وتجمع ضعفاء وحركة منبوذة، وإنما صارت دولة قوة شوكة. وبالتالي فمعنى هذا أنه ولدت قوة إقليمية، وحين تولد قوة إقليمية حقيقة تغيرت موازين القوة، تغيرت خريطة القوى في الحجاز وفي الجزيرة العربية، وبالتالي صارت قبائل الحجاز وقبائل الجزيرة العربية تتماس في مواقعها ومصالحها مع المنطقة تعرف أن المسلمين، بالتعبير المعاصر، صاروا من الفاعلين السياسيين، صاروا جزءًا من المعادلة السياسية لا يمكن تجاوزهم.

وهنا يبقى أيضًا أمر مهم لنا نحن وفي زماننا هذا؛ لو تصورنا أننا كنا في ذلك الزمن واستمعنا مثلاً لنشرة الأخبار في ذلك اليوم، 17 رمضان سنة 2 هجرية، كان يوافق 13 مارس سنة 624 ميلادية، لو كنا نستمع إلى أخبار العالم وكان هناك فضائيات وإذاعات فارس والروم في ذلك الوقت، لم تكن أي إذاعة ولا قناة ولا صحيفة ستهتم بهذه المعركة؛ معركة تجري في مكان مجهول في جزيرة العرب بين قبيلتين من قبائل العرب، بالنسبة للعالم هي مجرد معركة هامشية قبلية صغيرة.

لم يكن يعلم أحد ما الذي سيترتب على هذه المعركة من النتائج العظيمة، وطبعًا لم يكن لأحد أن يعلم أن هذا اليوم هو يوم مشهود في السماء، يوم نزلت فيه الملائكة، أو في حديث البخاري: «ترى أن خير الملائكة هم الذين شهدوا بدرًا». فبالتالي ما أريد أن أقوله الآن أنه كثير من الأحداث الهامشية التي تجري في عصرنا الآن والتي لا تلتقطها الفضائيات ولا تأتي في وسائل الإعلام ولا يكتب خبر عاجل، قد تكون هي في حقيقتها المعارك الفارقة والخطيرة التي سيترتب عليها نتائج هائلة وستزول بها قوى عظمى بعد سنوات.

هذا يعطينا الأمل الذي لا ينقطع في الله تبارك وتعالى وفي مستقبل هذه الأمة. في الحلقة القادمة إن شاء الله نتحدث عن الفترة ما بعد غزوة بدر، وكيف انتقل مستوى التحدي أمام الدولة الإسلامية إلى مرحلة جديدة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.