دخولتسجيل الدخول

غزوات النبي | 6. غزوة بدر الكبرى

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. مرحباً بكم أيها الأحباب في هذه الحلقات المتجددة من برنامج غزوات النبي ﷺ، نبتغي منها معرفة هذه الغزوات، ومعرفة طريقة النبي ﷺ في الحرب، طريقته في معاملة الأعداء، طريقته في معاملة الأسرى، الفارق بين حروب النبي وبين حروب غيره من البشر، الفارق بين الحروب الإسلامية وغيرها من حروب الأمم والحضارات الأخرى بما في ذلك هذه الحضارة الغربية التي تتزين بمعاهدات ومواثيق حقوق الإنسان وغيرها.

في الحلقة الماضية انتهينا إلى الغزوات الأربع الأولى التي خرج فيها النبي ﷺ وذكرنا أنها كانت غزوة الأبواء أو ودان، كانت في سفر من العام الثاني للهجرة بعدها بشهرين، ثم غزوة بواط، كانت في ربيع الآخر وبعدها بشهر واحد في جمادى الأولى، كان لدينا غزوة العشيرة، وغزوة سفوان أو غزوة بدر الصغرى أو غزوة بدر الأولى، سفوان وبدر الصغرى وبدر الأولى كلها غزوة واحدة.

وذكرنا أن هذه الغزوات الثلاث الأولى كانت محاولة هجوم على قريش ولكنها أفلتت في المرات الثلاث ولم يدركها المسلمون، أما غزوة سفوان أو بدر الأولى فهي كانت لأن رجلاً كرز بن جابر الفهري أغار على مرعى في أطراف المدينة، فخرج النبي ﷺ ومعه بعض المسلمين ليطرده ولكنه أفلت منهم. وذكرنا أن القافلة التي حاول المسلمون إدراكها في غزوة العشيرة هي التي ستكون السبب في غزوة بدر الكبرى.

الآن دعونا ننظر إلى هذه الغزوات الأربع التي هي قبل بدر الكبرى، سنجد أننا نخرج منها بهذه الملاحظات: أولاً، هذه الغزوات قامت بدورها في تأمين المدينة وصنعت نوعاً من النفوذ السياسي في المنطقة المحيطة بالمدينة، وأحياناً احتوت على معاهدات ومخالفات، مثلما حصل في غزوة الأبواء أو غزوة ودان الذي حصل فيها التحالف مع بني ضمرة، فهذه صناعة مجال نفوذ حول المدينة.

الملاحظة الثانية أن هذه الغزوات استهدفت مكة حصراً ولم تحاول أن تثير أي جبهة سياسية أخرى، وسنرى هذا الدرس متكرراً في أن النبي ﷺ لم يفتح أبداً جبهتين في وقت واحد إلا إذا كان مدافعاً مضطراً أمام عدوين متحالفين. الملاحظة الثالثة أن هذه الغزوات استهدفت اقتصاد قريش، استهدفت قوافلها التجارية، فكان غرضها اقتصادياً بحتاً مع أن الأثر سياسي وعسكري؛ الغرض السبب المباشر اقتصادي، لكن الأثر الذي ترتب عليها أثر سياسي وعسكري.

الملاحظة الرابعة أنه ثلاثة من هذه الغزوات هجومية وواحدة دفاعية، وهذا فيه درس المبادرة والأخذ بزمام الأحداث؛ فما دامت حالة الحرب والعداوة معلنة، فالانتظار والترقب هو الخسارة لأنك تمنح الخصم والعدو فرصة، ويستطيع العدو أن يحدد هو الوقت والمكان المناسب لهجومه، لكن المبادرة تمنحك أنت هذه الفرصة وتسلبها من عدوك، وتمنحك عنصر المفاجأة وهو عنصر مؤثر في سير الأحداث.

الملاحظة الخامسة مهمة، وهي أن هذه الغزوات الأربع اقتصرت على المهاجرين فحسب، لم يكن يُنتدب الأنصار للخروج فيها. سيسأل سائل: لماذا؟ وسنجيب بعد قليل إن شاء الله. الملاحظة السادسة أننا سنرى أن جهاز المخابرات الإسلامي كان لا يزال في بداية التأسيس، يعني كانت معلوماته ليست دقيقة؛ فقد أفلتت الأهداف الأربعة، وأفلتت ثلاث قوافل، وحتى هذا الرجل الذي أغار على المدينة كرز بن جابر الفهري استطاع أن يهاجم هذا المرعى في ناحية من المدينة وأن يفر دون أن تدركه القوات الإسلامية، وهذه طبيعة الأجهزة الوليدة في التجارب الأولى وفي لحظات التأسيس، وسنرى بعد ذلك أن الأمر سيتطور وسيختلف، وسيستطيع جهاز المخابرات الإسلامي أن يرصد نية الغزو في قبائل بعيدة قبل أن تتحرك إلى المدينة.

الملاحظة السابعة أنه حالة الحرب والعداوة قائمة ومعلنة، وهذا سنحتاجه لأنه يرد على أصحاب الشبهة المتهافتة التي تقول بأن مهاجمة النبي ﷺ للقافلة التجارية في بدر كانت نوعاً من قطع الطريق أو نوعاً من الهجوم على الآمنين. طبعاً هذه شبهة ساقطة وضعيفة ولا يتكلم بها إلا الجهلاء؛ لأن حتى المستشرقين غير المتعصبين والباحث الذي يحترم نفسه حتى لو كان علمانياً لا يطرح هذه الشبهة، لأن هذه الشبهة حقيقة يطرحها الصغار والجهلاء فقط.

أبرز دليل على أن الأمر لم يكن فيه غدر أو قطع طريق أن قريشاً نفسها، وهي العدو، لم ترمِ المسلمين بهذه التهمة؛ لأن حالة الحرب معلنة بالفعل بينهما، وهناك مناوشات عسكرية سابقة من خلال الغزوات التي ذكرناها ومن خلال سرايا أيضاً لم نذكرها. خلاصة هذه الحركة العسكرية أن منطقة المدينة صارت منطقة نفوذ للدولة الإسلامية، وأن القوافل القرشية صارت مهددة، وبالتالي كان لابد من وقوع الصدام.

ترقب المسلمون عودة القافلة التي خرج بها أبو سفيان والتي حاولوا الإغارة عليها لما خرجت في غزوة العشيرة، خصوصاً أن هذه القافلة كان فيها مال كثير للمهاجرين؛ فأغلب أموال هذه القافلة أو أكثر أموالها كان أصلاً من أملاك المهاجرين التي استولت عليها قريش. فأعلن النبي ﷺ في المسلمين الخروج لمن كانت دابته جاهزة، فخرج معه 300 رجل، هؤلاء كانوا من المهاجرين والأنصار، وكان معهم فرسان وكان معهم سبعة بعير، حيث كان الرجلان والثلاثة يتعاقبون على البعير الواحد.

هذه الأجواء المشبعة بالتوتر وبالحرب جعلت قائد القافلة أبا سفيان أكثر حذراً وترقباً، لذلك كان كلما اقترب من المدينة يرسل بعض الأفراد كطلائع يترقبون ويرصدون: هل هناك حركة عسكرية من المدينة؟ هل هناك من يخرج؟ أحياناً في بعض المرات تقدم هو بنفسه، وفي إحدى مرات استطلاعه وجد بعر الإبل، ففضل هذا البعر وفتته، فإذا فيه نوى؛ نوى البلح ونوى التمر.

فهو بخبرته العربي، طبعاً العرب خبراء في التمور، أدرك أن هذا التمر هو من تمر يثرب، تمر المدينة، وبالتالي فهم أنه قد مر هنا بعض أهل المدينة، فعرف أنهم على موعد مع كمين. وحقيقة كان توقعه صائباً، ففي هذا المكان كان قد مر قبله بيوم واحد صحابيان كانا يطلعان خبر القافلة.

هنا سنجد أبا سفيان عمل على مستويين، أو على خطين متوازيين، أو على جبهتين: فأولاً أرسل راكباً سريعاً يحذر قريشاً بأن القافلة في خطر، وطبعاً في ذلك الوقت لم يكن هناك هواتف ولا حمام زاجل. والمستوى الثاني بحث عن دليل ليسلك بالقافلة طريقاً آخر يتجه إلى مكة غير الطريق الذي يسير عليه والذي يتوقع فيه الكمين، وبالفعل انطلق النذير مسرعاً إلى مكة، وما إن وصل حتى أعلن حالة...

إعلان حالة الطوارئ في ذلك الوقت، كان على هذه الهيئة أن يأتي الرسول أو المبعوث أو السفير فيشق ثيابه ويقطع أنف بعيره ويحول رحله، ويصيح: «اللطيم! اللطيم! النذير! النذير!». المهم أن هذا الرجل صار يقول: «أموالكم مع أبي سفيان، الغوث! الغوث! اللطيم!».

فسرى الخبر في مكة حتى نهض زعماؤها يجمعون لحرب المسلمين، فخرج إلى الحرب كل من كان له مال في هذه القافلة، حتى إذا كان أحدهم لم يستطع الخروج أخرج من بيته من قبيلته من عائلته من ينوب عنه. وكان أبو جهل هو قائد التحريض على هذا الخروج، على هذه الحرب، لأنه كان يرى أن هذه فرصة سانحة، ليس فقط لإنقاذ القافلة، بل لاستعادة هيبة مكة وإزاحة هذا الخطر، وهو خطر الدولة الإسلامية.

وبالتالي أخرجت مكة في هذه الحرب ١٣٠٠ مقاتل معهم ٧ فرس، ومعهم كل القيادات الكبيرة لقريش، الزعماء الكبار كانوا في طليعة هذه الحرب؛ أبو جهل، عتبة بن ربيعة، أخوه شيبة بن ربيعة، ابنه الوليد بن عتبة، أبو البختري بن هشام، وجمهرة أمية بن خلف، جمهرة قادة قريش.

في المستوى الأول، استطاع أبو سفيان بالفعل أن يجد دليلاً وأن يسلك بالقافلة طريق الساحل فنجا بالقافلة، غير الطريق الذي كان عنده المسلمون، وأخرج رسولاً يسرع إليهم لكي يخبرهم بأن القافلة قد نجت، وأدرك ذلك بالفعل وهم قريبون من مكة، فهم القوم بالرجوع.

لكن أبا جهل رفض وقال: «لا والله لا نرجع حتى نرد بدراً، نأتي إلى بدر فننحر الجزور، ونسقي الشراب، وتغني علينا القينات، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبد الدهر». فاستطاع أبو جهل، وهو شخصية قوية جداً من قريش، أن يحرض القوم، فلم يرجع منهم إلا بنو زهرة فقط، ومنهم أم النبي ﷺ، فرجعوا بـ ٣٠٠ مقاتل، وهؤلاء قالوا: طالما أن القافلة نجت فلا داعي للقتال.

بدر كانت محطة مناسبة لنزول القوافل، فهي موضع بين جبال، وهذا الموضع ليس فيه سوى ثلاثة منافذ فقط، وكذلك فيه بئر، وكان ينبت فيه النخيل، فهنا كان الموقع موقعاً آمناً وفيه ظل، وربما كان فيه تمر أيضاً، وفي نفس الوقت كان كميناً ممتازاً للمهاجمين؛ لأن المهاجمين إذا استطاعوا سد هذه المنافذ فلا تستطيع القافلة أن تدخل إلا من منفذ واحد فقط فتقع في كمين. لذلك قصد إليه المسلمون، ولذلك كان أبو سفيان حذراً جداً قبل الوصول إليه، ولذلك أيضاً أصر أبو جهل على أن يكون هناك اللقاء وأن يكون هناك الاحتفال.

وهنا سنرى أن جهاز المخابرات الإسلامي استطاع رصد القافلة قبل وصولها بوقت كافٍ، لكنه لم يستطع التعمية على خبر خروج المسلمين، وكذلك لم يستطع التقاط خبر تجهز المشركين. نجح في معلومة القافلة، لكن لم ينجح في معلومة التعمية على خبر خروج المسلمين، ولم ينجح في التقاط خبر تجهز المشركين، وهذا يذكرنا بما كنا ذكرناه من قبل.

لما وصل خبر خروج المشركين، جمع النبي ﷺ صحابته واستشارهم ماذا نصنع، فتكلم أبو بكر وعمر والمقداد عن القتال، وأحسنوا القول، فالقتال صار محسوماً، ومع ذلك النبي يتكلم، فأبو بكر كان يقول: «أشيروا علي أيها الناس»، ويتكلم عمر فيقول النبي: «أشيروا علي أيها الناس»، تكلم المقداد وهكذا.

فعندئذ انتبه سيدنا سعد بن معاذ، وهو زعيم الأنصار، فشعر من تكرار السؤال أن النبي ﷺ كأنه يقصد الأنصار، فقال له: «يا رسول الله كأنك تريدنا؟»، قال النبي ﷺ: «نعم». فقال سعد كلمته العظيمة: «يا رسول الله، امضِ لما أمرك الله، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، إنا لصدق عند الحرب، صبر عند اللقاء، ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك».

فاستبشر رسول الله ﷺ وقال: «أبشروا، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين». وهذا هو التدخل الإلهي القدري فيما أخفق فيه البشر، وفيما يتعلق بإخفاقات جهاز المخابرات الإسلامي، كانت من تدبير الله.

هنا السؤال: لماذا قصد رسول الله ﷺ استشارة الأنصار على وجه التحديد؟ طبعاً نحن تركنا سؤالاً قبل قليل، وهو لماذا كانت السرايا والغزوات قبل بدر لم يخرج فيها إلا المهاجرون؟ السبب في ذلك أن النبي ﷺ حين بايعه الأنصار بيعة العقبة الثانية في مكة، كان المطلوب من الأنصار حماية النبي ونصرته في المدينة، لذلك سنجد في نص المعاهدة: ﴿وَأَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾. هم الآن خارج المدينة، فلذلك احتاج النبي أن يرى رأي الأنصار في مسألة الحرب خارج المدينة، وطبعاً كان الأنصار دائماً في الموقف العظيم الذي يرضاه الله ورسوله، فحُب الأنصار من الإيمان، وكل مواقف الأنصار مواقف عظيمة حقيقة.

هنا يظهر سؤال آخر: لماذا لم يفكر المسلمون في الانسحاب إلى المدينة وتجنب هذه الحرب؟ خصوصاً وأن المسلمين أصلاً لم يخرجوا للحرب، بل خرجوا للعير، والفرقة التي خرجت غير مستعدة للحرب. السبب في ذلك -والله أعلم وهذا اجتهاد- أنه لو أن ذلك حصل، فسيكون الانسحاب الأول الذي ينفذه المسلمون؛ فالمسلمون في سائر السرايا والغزوات السابقة كانوا هم الآخذين بزمام المبادرة، لم يكونوا منسحبين، وبهذه الغزوات صنعوا هذا النفوذ السياسي حول المدينة.

وبالتالي منطقة بدر هذه، حين ننظر في الخريطة نجد أنها داخلة في النفوذ الإسلامي، فالانسحاب منها كان سيعرض مكاسب المرحلة السابقة للانهيار، لأن الكفار لم يكونوا يريدون قصد المدينة، كانوا يريدون بدراً، وكانوا كما ذكرنا -كلمة أبو جهل- يريدون أن يقيموا فيها ثلاثة أيام يأكلون ويشربون ويحتفلون، يريدون أن يثبتوا هيبتهم ومكانتهم، فالانسحاب من هذه المنطقة كان من شأنه إضعاف معنويات المسلمين وخصم من رصيد المكاسب ومن رصيد الهيبة الذي تكون، وبالتالي هو تثبيت وتقوية لمكانة قريش وهيبتها. ومن هنا كان القتال في هذا الموقع هو القرار الصحيح.

طبعاً هنا قصة مشهورة، وهي قصة الحباب بن المنذر لما أشار على النبي ﷺ بتغيير موقع معسكر الجيش، بحيث يكون المسلمون أمام بئر بدر فيمنعون المشركين من الماء، هي قصة ضعيفة عند علماء الحديث وإن كان معناها...

الأساسي صحيحًا؛ لأن النبي ﷺ كان أكثر الناس مشاورة لأصحابه، وإذا رأى الصحابة أمرًا كان النبي ﷺ ينزل عليه وإن كان مخالفًا لرأيه. المعنى صحيح والقصة تحتمل أن تكون صحيحة لكنها لم ترد إلينا بالسند الصحيح.

وهنا لما تقرر القتال اجتهد النبي ﷺ في دعاء ربه اجتهادًا كبيرًا، كان يدعو النبي ﷺ دعاء من يعرف أنه يقود الآن خلاصة المسلمين، لذلك كان من يرى النبي وهو يدعو يشفق عليه لكثرة تعبده، ولكثرة دعائه، ولكثرة إلحاحه، ولكثرة اجتهاده. وقد بشره الله تبارك وتعالى بالنصر، وبشره بنزول الملائكة للقتال، وخرج النبي من خيمته على أصحابه فبشرهم، بل أشار لهم إلى المواضع التي سيُقتل فيها قادة جيش الكفار.

لما تقرر القتال اقترب الجيشان من بعضهما، وقام كل جيش بعملية يحاول فيها أن يستطلع حجم الآخر وإمكانياته. فمن المشركين خرج عمير بن وهب الجمحي، هذا رجل كان يلقب بشيطان قريش، خرج فاستطاع استطلاع المسلمين وعرف أنهم في نحو ثلاثمئة، ولكنه رأى في عيونهم وفي وجوههم رأى الإصرار والصلابة.

فرجع يقول: هم ثلاثمئة يزيدون أو ينقصون، ولكن يا معشر قريش رأيت البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموتى، قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، فما أرى أن يُقتل رجل منهم حتى يُقتل رجلًا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم -يعني لو قتلوا منكم ثلاثمئة على الأقل- فما خير العيش بعد ذلك. فكاد أن يفت هذا في عضد القوم، فانبعث له أبو جهل، أبو جهل قائد التحريض، سبه وعنفه واتهمه بالجبن واتهمه بالتثبيت والتخزين.

بعض العقلاء حاول أن يرجع عن هذا القول ومع هذا الوضع، تكلم حكيم بن حزام، وتكلم عتبة بن ربيعة، وعتبة رجل شيخ قريش يقول: «يا معشر قريش ما تصنعون بأن تلقوا محمدًا وأصحابه شيئًا، لأنكم إن أصبتهم قتلتموه غلبتم وانتصرتم عليه، لأنكم إن أصبتهم لا يزال الرجل منكم ينظر إلى وجه رجل يكره النظر إليه لأنه قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلًا من عشيرته، فارجعوا، خلوا بين محمد وبين سائر العرب، فإن أصابوا فقد كفيتم، وإن كان غير ذلك لم نتعرض لما تكرهون».

فتصدى له أبو جهل، وأبو جهل هنا ضغط عليه ضغطًا شديدًا. انظر أيضًا إلى ذكاء أبي جهل، قال: «ما بأبي الوليد!»، لا، هذا ليس كلام واحد حكيم وحريص على الدماء، لكنه رأى ولده في أصحاب محمد؛ لأن سيدنا أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة كان من السابقين للإسلام وكان موجودًا في جيش بدر.

فيقول أبو جهل: هذا رأى ولده في جيش محمد وخاف عليه من سيوفنا إذ هم في قلة. فطبعًا هذا استفز عتبة بن ربيعة على أساس أنه لا يوالي قومه وباحث عن مصلحته الشخصية. فحقيًا أثبت أبو جهل أنه الرجل القادر على تجييش مكة وعلى إنفاذ رأيه في كل المراحل، وقد كان بئس القائد لأنه ساقهم إلى المقتلة الكبرى.

هنا اصطف الجيشين للقتال كعادة الحروب في ذلك الوقت، وبدأت بالمبارزة، وإذ بالنخوع مبارز بنفسه وأخيه وولده، يكون أول مبارز لكي يثبت لأبي جهل، قال: «أنا، يقال لي هذا، سترى غدًا من الرجل»، فخرج يبارز، هو قاتل أو مقتول. فخرج لهم ثلاثة من الأنصار، فقال عتبة: «يا محمد، أخرج لنا أكفأ من قومنا»، يعني لو أن سيدنا محمد أخرج له ولده حذيفة أبو حذيفة كان قتله.

فأخرج لهم النبي ﷺ ثلاثة من المهاجرين: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، يعني أيضًا من أقارب النبي ﷺ، فخرجوا للمبارزة. وهذا ما نبدأ به الحلقة القادمة إن شاء الله. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.