بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، مرحبا بكم أيها الأحباب في هذا البرنامج الجديد، برنامج غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، والذي نبتغي منه معرفة غزوات النبي، وطريقته في الحرب، وهديه في معاملة الأعداء المقاتلين، وكذلك في معاملة الأسرى، والفارق بين حروب النبي صلى الله عليه وسلم وحروب غيره من البشر، وبما تميزت الحروب الإسلامية عن غيرها من حروب الجاهلية القديمة، أو حتى الجاهلية المعاصرة، هذه الجاهلية المعاصرة التي تتزين بمواثيق حقوق الإنسان ومعاهدة جنيف لحماية الأسرى.
وهكذا في هذه الحلقة الأولى سنتناول الفكرة الأساسية؛ فكرة الجهاد، ونحاول أن نفهم هل الجهاد أصلاً ضرورة؟ يعني هل الحق ضعيف في نفسه حتى يحتاج الذي يحمل هذا الحق أن يجاهد ويحمل السلاح ويقاتل؟ أليست قوة الحق في نفسه؟ أليست قدرته على الإقناع كافية؟ يعني أليس حمل السلاح كما يقولون والصوت العالي يكون دليلاً على ضعف الموقف؟ ولماذا لا نكتفي بقوة المنطق فنلجأ إلى منطق القوة؟ أخي الحبيب، المشاهد الكريم، طبعا من المؤكد أنك سمعت هذا الكلام كثيراً، وحقيقة أريدك في هذه الحلقة أن تتأمل معي هذه الأمور.
لو أن الناس يهتدون بمجرد بيان الحق، لما احتاج النبي صلى الله عليه وسلم أن يحمل السيف، بل وما احتاج أحد من المصلحين أن يجاهد ويعاني، وبالتالي لم يكن أحد من المصلحين سيتعرض للنك والتعذيب والأذى. يعني لو أن الناس يهتدون بمجرد بيان الحق لاختفى من التاريخ الإنساني كل مظاهر العشيرة والعصبية والقبيلة، ما كان سيظهر في الدنيا شيء اسمه دولة أو إمبراطورية أو نظام عالمي. فيعني لو أن الناس يهتدون بمجرد بيان الحق، لم تكن سترى هذه الدول تحتاج إلى أجهزة أمن واستخبارات وجيوش، ما كان أصلاً سيكون في الدنيا سلاح وقتال وعساكر ومعدات حربية وأسلحة فتاكة.
لكن كل هذا، كل هذه الأمور ظهرت؛ لأنه الحقيقة أن مجرد بيان الحق للناس لا يعني ولا يساوي اهتدائهم إليه. الحقيقة ببساطة تقول: إن مجرد وجود الحق وجود الحق وحده لا يكفي، لهذا احتاج الناس إلى الاحتماء بالعصبية، لا يلتزم بكل ما يعرف أنه الحق، بل ربما ارتكب الذنب وارتكب الخطيئة وارتكب الجريمة وهو يعلم أنه ذنب وأنه خطيئة وأنه جريمة. الحقيقة يا جماعة الخير الكلام الصحيح، أنه الذين لا يستسلمون لرغباتهم، الذين يكبح جماح أنفسهم ويكبح شهواتهم ويكبح طغيان أنفسهم، هؤلاء قلة، وهؤلاء هم القلة الفاضلة.
لكن الكثرة الغالبه من الناس لا يردعها عن الخطيئة وعن الجريمة إلا العجز أو الخوف؛ العجز في نفسه أو الخوف من العاقبة ومن العقوبة. الإنسان في هذه الدنيا مسرح لمهمة الشيطان، الشيطان قال كما قال تبارك وتعالى: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِم وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 16-17]. طيب المفاجأة حقيقة أنه غالب البشر ينجح الشيطان معهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضُوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116]. والنبي صلى الله عليه وسلم قال، أخبرنا أنه من كل مئة وفي رواية من كل ألف سيدخل الجنة واحد فقط؛ فحقاً الشيطان ينجح مع الإنسان.
الان لو سالنا سؤال: طيب لماذا يرتكب الإنسان الذنب والخطأ والجريمه؟ يعني اذا كان الإنسان يعرف أن هذا خطا وذنب وجريمة، لماذا يرتكب؟ طيب لماذا لا يتبع الإنسان الحق لو تبين له أنه الحق؟ هناك أسباب متعددة حقيقة، أحياناً يكون لمجرد الكبر، وقد قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]. الإنسان قد يعرف الحق لكن يتكبر عليه، قد يكون لطغيان الشهوة، مثلاً قال تبارك وتعالى عن قوم لوط: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: 56]، فهؤلاء قوم يحبون الدنس تغلبهم شهوتهم.
أحياناً الإنسان لا يتبع الحق لطغيان العادة، تعود على شيء كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّ بما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: 23-24]، فطغيان العادة يمنع من اتباع الحق. أحياناً المنافع والمصالح التي ارتبطت بوجود الباطل وارتبطت بالفساد تكون تمنع من اتباع الحق، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: 57]؛ يعني مؤمنون أنه هدى، اعترفوا أنه الهدى ومع ذلك لأن هذا الهدى له تكاليف فسيكفرون به.
في كل الأحوال، ما دام الحق ضعيفاً فلن يستجيب له إلا هؤلاء القلة النادرة الفاضلة، لكن الرد التلقائي على يعني من بقيه الناس ومن أغلب الناس، كما ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم، مثلاً في قوم نوح قالوا: ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود: 32]. في ناس لا تفهم إلا بالقوة، البقية تريد القوه: ﴿أتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين﴾. فما كان جواب قومه إلا أن قالوا: ﴿ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين﴾ [العنكبوت: 29]. قوم صالح فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا: ﴿يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين﴾ [الأعراف: 77]. قالوا: ﴿يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز﴾ [هود: 91]. طالما الحق ضعيف، هذه هي الإجابة.
أحياناً يبلغ التحدي والكبر مبلغاً غريباً، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: 32]. اعترفوا أنه الحق وطلبوا أن يعني لا بد للحق من قوة. انظر مثلاً إلى بني إسرائيل؛ بنو إسرائيل شهدوا معجزات الله، بنو إسرائيل هؤلاء لم ينضبط أمرهم إلا حين كانت تظلهم العقوبة، حين رفع الله فوقهم جبل الطور حتى كانوا يخشون إن عصوا الله تبارك وتعالى أن يقع عليهم، هنا قال: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: 171] ولم يبلغوا شأناً إلا حين كانت أنبياؤهم ملوكهم كداود وسليمان عليهما السلام؛ يعني ساعة إذ استجابوا للأنبياء لما كانت الأنبياء ملوكاً. وكما في الحديث: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي». لكن لما كان أنبياؤهم ليسوا ذوي سلطان، فكان حال بني إسرائيل معهم كيف؟ قال تعالى: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: 70].
طيب إذا لم يكن عليهم سلطان قاهر، بنو إسرائيل بلغوا في الاستهزاء والاستخفاف حتى قالوا: قلوبنا غلف، يعني قلوبنا مغلقة، يعني قلوبنا لا تستقبل هذا الحق، بل تجرؤوا أن يقولوا لأمر الله: سمعنا وعصينا، كما في سورة البقرة التي نقراها جميعاً، واليوم لعلكم قرأتم جميعاً سورة البقرة في أول يوم من رمضان. فكانوا حتى كانوا يحرفون في دين الله وكانوا يجاهرون بالتحدي، اسمع قول الله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [المنساء: 46]. فلا بد للحق من قوة.
وبالمناسبة يا جماعة الخير، الإنسان الذي فيه خير يتمنى أن يعيش في ظل سلطة تلزمه بالخير وتنهاه عن الشر. وأنا أتذكر هنا أني ركبت سيارة أجرة تاكسي في مصر، وكان هذا في زمن الانتخابات الرئاسية بعد ثورة يناير، وكان السائق يناقشني عن من سيختار، ثم قال لي إنه سيختار الشيخ حازم أبو إسماعيل. طيب ليه هتختار الشيخ حازم؟ قال: لأنه سيمنع الخمور والسجائر. بعد قليل اكتشفت أنه مدمن خمر وسجائر. وأنا شخصياً أيضا رايت فيديو لممثلة مصرية معروفة، وكانت هذه الممثلة عاشت مطلع حياتها في السعودية قديما، ولما سئلت عن هذه الحياة قالت في لحظة صدق مع النفس: بصراحه حياه جميلة وما كانش فيها معاصي، حتى وهي الآن تمثل وهي في المعاصي.
فحقيقتاً، إذا كان ذلك في الإنسان نفسه، إنه الإنسان لا ينتصر عليها على نفسه، لا ينتصر على نفسه غالباً حتى وهو يعرف أنه الحق، فالأمر في حالة الدول وحالة السلطة أشد وأخطر؛ لأنه السلطة هي منتهى اللذاذ والغرائز، السلطة دي هي مجمع الشهوات والرغبات والمطامح والمطامع. شهوة الملك والسلطة يا جماعة الخير أقوى من شهوات؛ يعني أقوى من شهوات الفرد بكثير، حتى كان في أمثال العرب يقولون: الملك عقيم؛ لأنه في سبيل الملك الرجل يقتل ابنه، ويقتل أباه، ويقتل أخاه، وطبعاً وأسهل من ذلك أن يقتل ابن عمه ويقتل عشيرته الأب الأبعدين.
حقاً حقيقة قرار قتل الناس هذا أسهل ما يأخذه الحاكم الجبار الطاغية تمكيناً لحكمه وإرساء لملكه، ونحن في عالم ترون فيه كيف أن قتل الشعوب سهل جداً، خذ بالك إذا كان قرار قتل الأقربين سهلاً، كيف بالأغلب على الأباعد؟ ولما الإنسان يتأمر ويدبر للتخلص من الأقوياء والأذكياء، طيب كيف سيفعل لما يكون الخصم ضعيفاً ويهض الجناح سهل المأخذ؟ إذا كانت رابطة الدم والعصبية وسنوات الوداد والوصال والصحبه والعشرة، يعني إذا كان كل هذا لا يقف أحياناً مانعاً، بل لا يقف الأكثر مانعاً أمام رغبة فاسدة، كيف تتوقع أنه يكون الوعظ والبيان والنصح كافياً في تغيير الحال وفي ردع المجرم وفي كبح الفساد؟
فلهذا كان لابد للحق من قوة. أحياناً أيضاً يا جماعة الخير يبلغ الجرح من الفساد ما لا يكون له من دواء إلا الكي، أحياناً المرض المرض يبلغ من التمكن ما لا يكون العلاج له إلا البتر، حتى الفساد في النفوس والعقول يبلغ حداً لا يصلح معه إلا الحسم، إلا الجهاد. ضلال النفس حقيقه، الإنسان لما يتأمل في نفسه ضلال النفس يحمل على غرائب مدهشة.
مثلاً بنو إسرائيل عبروا عبروا البحر بمعجزة كونية هائلة، جسر نشأ لهم، عبروا عليه، والجسر نفسه تلاشى، أغرق فرعون. هؤلاء بعد قليل لشده فساد نفوسهم ماذا فعلوا؟ قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: 138]، مروا على قوم يعبدون أصناماً، قالوا: ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾. وتدري لو لم يكن عندهم نبيهم الذي ردعهم بقوة وحسم، لكانوا اتخذوا صنماً وعبدوه في هذه اللحظة بعد المعجزة. وبالفعل هو أن سيدنا موسى غاب عنهم أياماً، واتخذوا كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: 148].
ولما كان النبي ضعيفاً لم ينفع معهم وجود النبي؛ نبي الله هارون استضعفوه وأوشكوا أن يقتلوه، ولم ينتهي هذا الباطل إلا لما جاء سيدنا موسى النبي القوي المهاب فحرق العجل ونسفه، وكان يعني سيدنا هارون قال: إن القوم استضعفوني وكانوا يقتلونني. لكن سيدنا موسى لما جاء نسف العجل بقوته، وبالنهاية عاقبهم الله عقاباً شديداً في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 54].
فأنت تأمل هؤلاء الذين تمنوا عبادة صنم واتخذوا عجلاً صنعوه بأيديهم، قالوا لنبيهم يا موسى: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ [البقرة: 55]، تأمل كيف اعتنقوا ما هو شديد البطلان ثم يتمنعون عن الإيمان بمن أنجاهم بالمعجزات وأنعم عليهم بالخيرات، اشترطوا أن يروه جهرة ولذلك عاقبهم الله عقوبة شديدة قال: ﴿فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون﴾ [البقرة: 55].
فكم في ضلالات الناس من غرائب! هذه الغرائب نراها كثيراً بالذات في زمن الإعلام الفاسد، الذي جعل حياة الناس حياة عجيبة؛ الناس مع الإعلام الآن أصبحوا يحبون من يقتلهم ومن يستبد بهم، ويبغضون ويحاربون من يكافح عنهم ويعمل لخدمتهم، وتجد الناس تنغلق قلوبهم وعقولهم أمام حقائق الحياة البسيطة، يعني لا يعرفون ما ينفعهم مما يضرهم لدرجة أنه مثلاً الحاكم الجبار والأغلال الطغيان تبدو لهم فخراً مجيداً، والذي يحاول أن يقاوم يبدو متمرداً ويبدو إرهابياً. تجد المرء يرى أنه قتل الآلاف في يوم واحد عمل جميل، لكن ردة فعل واهنة من يعني واحد قتل أو واحد جرح يراه عمل إرهابي، تراه لا يهتز لمذابح المسلمين في كل مكان، يهتز لعمل أصاب آخرين ويهتف ضد الإرهاب.
حقيقة على الرغم من أنه المسلمين هم المعتدى عليهم في كل مكان، وهم المستباح دمائهم، فبعض هؤلاء الذين بلغ الفساد من نفوسهم مبلغاً كبيراً، لا يرى إرهاباً إلا المسلمين وعنده قناعة تصل إلى عقيدة راسخة. مثلاً كان القصة المشهور عن جندي إنجليزي كان يقاتل في أفريقيا فقتل واحد من الأفارقة، وبعدين نظر إلى زملائه وقال مندهشاً: رأيتم يا له من همجي، تصور أنه عضني وأنا أقتله! نعم، إذا بلغ الضلال في النفوس إلى هذا الحد لا ينفع الوعظ ولا ينفع النصح ولا ينفع بيان الحق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى رَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: 96-97].
نعم، الناس تبلغ من الفساد هذا المبلغ أحياناً لكل هذا يا أحباب كان لابد للحق من قوة وإلا حاربه أقوام وفيه هم من يعرفون أنه الحق، سواء لأنه يخالف شهواتهم أو يخالف عاداتهم أو يخالف مصالحهم، أهل الكتاب مثلاً كانوا يعرفون النبي كما يعرفون أبناءهم، وكفار قريش كانوا يعرفون أن النبي صادق أمين لكن كذبوه وحاربوه وكادوا أن يقتلوه، فلولا أن وقفت للحق سيوف لما انتفع أهل الحق بمجرد وجود الحق ولا كانت أثمرت جهودهم في بيان الحق وفي الدعوة إليه.
الجهاد ضرورة بشرية تستقيم الحياة حتى لو لم يكن الجهاد فرضا دينيا، يعني الجهاد ضرورة مثل ضرورة وجود السلطة والدولة؛ لأنه لا غنى للبشر عن سلطة تنظم حياة الناس، وتؤمن اجتماع الناس، وتحميهم، تحمي الناس من أن ينهبوا بعضهم بعضاً. فسلطة والدولة ظاهرة إنسانية عامة تظهر في كل المجتمعات، في كل التاريخ، في كل الحضارات، مهما اختلفت أديان الناس، فكل الناس على اختلاف الأديان والافكار والمذاهب كلهم قاتلوا وكلهم حاربوا، يعني كل الناس جاهدوا.
حقيقة جاهدوا لتأسيس دولتهم أو جاهدوا لتحرير دولتهم أو جاهدوا لتوسيع دولتهم؛ يعني لا يوجد قوم حصلوا على حريتهم دون أن يقاتلوا في سبيلها. كل قصة دولة، كل قصة حضارة، كل قصة إمبراطورية تبدأ بحرب وتنتهي بحرب، تبدأ بحرب التأسيس أو الاستقلال، وتنتهي بحرب الانهيار أو الزوال أو السقوط.
يعني حتى لو افترضنا فرضاً جدلياً أن في أمة من الأمم اختارت أن تكون مسالمة، قررت أنها لن تحارب لكي تحقن الدماء وتوفر الأموال، ماذا برأيك سيكون مصير هذه الأمة؟ تخيل معي؛ يعني إذا قرر المسلمون الآن نبذ فكرة الجهاد وتركها تماماً، استطاعوا بالفعل إقناع الناس بأنه الإسلام دين سلام تام، وأنه ليس فيه قتل وليس فيه جهاد، متصور ماذا سيحدث؟ هل مسالمة الباطل وترك العدو سيكون حلاً؟
طبعا أحوال أمتنا الآن كافية وحدها لكي تشرح المصير، لأننا نحن في هذا المصير فعلاً. لكن تعالوا أحكي لكم حكاية بعيدة عن المسلمين تماماً، أتعرفون الحرب العالمية الثانية، أشنع حرب في التاريخ الإنساني؟ الحرب العالمية الثانية قتل فيها خمسون مليون قتيل، ومئات ملايين الجرحى والمفقودين.
حكاية الحرب العالمية الثانية تبدأ من الحرب العالمية الأولى، لأن الحرب العالمية الأولى خرج منها الكل منهك والكل كان مصدوماً ومرتاحاً. لم يتصور أحد أنه حرب في أربع سنوات وأسلحة متطورة تحصد آلاف الناس بلا رحمة، لم يستطع أحد أن يحقن الدماء. تسعة ملايين قتيل في الحرب العالمية الأولى، وعشرون مليون جريح، ومدن كاملة مهدمة، وعشرات آلاف وملايين الأيتام والأرامل.
إذا كان المنتصرون كانوا منهكين بمن فيهم هؤلاء الكبار؛ يعني إنجلترا وفرنسا، فتخيل كيف هو حال الذين سحقوا تماماً مثل ألمانيا والدولة العثمانية. فالحقيقة إحدى نتائج هذه الحرب العالمية الأولى أنه سادت في أوروبا فكرة السلام، وهنا حصلت رده الفعل، كانت مختلفة؛ الألمان ظهر عندهم هتلر، والإنجليز والفرنسيين كانوا تواقين لاستمرار السلام.
إيه اللي حصل؟ بغير أي تقليل من المجهود المذهل لهتلر في إعادة صناعة ألمانيا، لكن أهم ما أعان هتلر على هذا، الأصوات التي ملأت أوروبا بالذات في إنجلترا وفرنسا، التي هي ضد أي حرب تماماً. هذه الأصوات التي غلبت وشلت قدرة السياسيين على اتخاذ أي إجراءات تقطع الطريق على هتلر. يعني كان أي تحذير مما يفعله هتلر يقابل بعبارات مثل: ألم تكفيكم دماء الحرب العالمية الأولى، تريدون إشعال حرب أخيرة، عشاق دم، وهذا الكلام.
هذه الأصوات تأثيرها لم يتوقف فقط على السياسيين؛ يعني لم تشل السياسيين فقط، لكن كذلك نفرت عموم الناس حتى الجنود من فكرة الحرب، فصارت هناك رغبة في السلام وعامل عام عن الاسترخاء وكراهية القتال. هذا حقيقة كان أحد أسباب الانهيار الفرنسي المدهش أمام الألمان.
طبعا هذا هو ما أعان هتلر، لأنه هتلر لم يكن يضيع وقتاً، كان يعمل وينجح، وكلما ازداد قوة كان التحرك ضده أصعب، وكلما ازدادت أصوات التأييد له في بلده، زادت أصوات المعارضة للحرب في إنجلترا وفرنسا. وهكذا استمرت المسيرة، كل يوم لهتلر كان أفضل من كل يوم لإنجلترا وفرنسا، بعد كدة التنازلات التي قدمها الأوروبيون لهتلر لم تشبع طموحاته، إلى أن كان ما هو معروف واشتعلت حرب عالمية أخرى كانت أشد وأقوى من الأولى.
وكان من نتائج الحرب العالمية الثانية خروج فرنسا وإنجلترا من التاريخ أصلاً. فالخلاصة أن الخوف من الأزمة ومحاولة تجنب الأزمة ليس حلاً، الإنسان ليس دائماً بين خيارات ممكنة، الخصوم يفرضون عليك بعض الخيارات، يقطعون عليك طرق خيارات أخرى.
يعني تشرشل كان يعض أصابع الندم لأن الأنظمة الديمقراطية في أوروبا بما ولدته من بطء في الحركة وضعف الجماهير ومصالح متضاربه، هي التي شلت هؤلاء الساسة الذين كانوا يتوقعون ويبصرون هذا المارد الألماني، لكن لم يكونوا يستطيعون أن يتحركوا، لأن أغلب الناس تتكلم عن الحكمة والسلام والحلول الوسط. فتشرشل كان يؤكد أنه لو استخدمت أوروبا إجراءات حاسمة في مطلع الثلاثينيات، كانت استطاعت إيقاف الحرب العالمية الثانية.
وحصل ذكر هو في مذكراته حوار بينه وبين الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفيلد، روزفيلد سأله قال له: طب يعني لو كنا ساعتها عملنا حرب كان ماذا سيقال؟ فشرشل قال له: كان الناس يسمونها حرب غير ضرورية، يعني حرب عدوانية. فالخلاصة أن محاولة تجنب الحرب بعد صدمة الحرب العالمية الأولى هي التي ولدت أشنع حرب في التاريخ، التي هي أشنع من الحرب العالمية الأولى.
يا جماعة الخير، حقيقة كل هزيمة نكابدها الآن هي أثر من آثار توقف الجهاد قبل حوالي قرنين من الزمان، لانه كلما توقفنا كلما زادت الفجوة العلمية والعسكرية بيننا وبين عدونا. كلما زادت الفجوة كلما كانت عملية تضيق هذه الفجوة أصعب وأصعب، وكلما كان الثمن المدفوع أفدح وأكبر وأعلى. فالأمة الآن تدفع الثمن وستظل تدفعه حتى يعتدل بالجهاد ميزان القوة، فحينها تعصم دماء أبنائها، وحينها تحفظ المدن والقرى.
حقيقة نحن الآن لا ندفع الثمن لأننا أخطأنا في حق النظام الدولي، نحن ندفع الثمن لأننا ضعفاء؛ العراقيون لم يستفزوا الأمريكيين لما احتلوه، المسلمون في بورما لم يستفزوا البوذيين، المسلمون في إفريقيا الوسطى لم يهددوا نظام الدولة. الآن أنتم ترون في غزة، غزة ما الذي يحدث الآن؟ حركات إسلامية بذلت أقصى طاقتها في مصر وفي تونس وفي المغرب لئلا يحدث انقلاب عليها، ثم حصل انقلاب عليها، فكل ضعيف سيظل يدفع الثمن من ضعفه ودمه حتى يقوى فتتغير المعادلة.
ونحن الآن في ظلال الأقصى، في ظلال طوفان الأقصى، وترون ما يحدث، وكل هذا الذي قدمناه يا جماعة الخير كان الجهاد ضرورة. فهذه هي فكرة عامة عن موضوع هذه الحلقات، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي