بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. مرحباً بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الثانية من برنامج غزوات النبي صلى الله عليه وسلم. لا زلنا في الحلقات التمهيدية التي نؤسس فيها الأصول المهمة في فهم موضوع الغزوات. نحن تحدثنا في الحلقة الماضية عن فكرة: هل الحق ضعيف فيحتاج إلى جهاد أصلاً؟ ورأينا كيف أن القتال ظاهرة إنسانية عامة ظهرت في كل الأمم، وفي كل الدول، وفي كل الحضارات مهما كانت أديانها وأفكارها ومهما كانت مناهجها، وأنه لا توجد دولة أو إمبراطورية أو حضارة إلا وكانت بدايتها حرب استقلال أو حرب تحرر أو حرب تأسيس، وكانت نهايتها أيضاً حرب تسمى حرب انهيار أو زوال أو نهاية. اليوم نتكلم في موضوع يثار كثيراً، وهو: هل انتشر الإسلام بالسيف؟
حقيقة الغالب الأعم، لا أقول الكل، الغالب الأعم ممن يقولون هذه الكلمة: الإسلام انتشر بحد السيف، يقصدون أن الإسلام أجبر الناس على اعتناقه تحت قوة السيف. هذا هو المعنى الذي يصل إلى المستمع، وهذا المعنى الذي يصل إلى المستمع معنى أصلاً مناقض تماماً لطبيعة الإسلام وطبيعة التاريخ. فكرة إجبار الناس على الإسلام هذه مجرد خرافة تاريخية باتفاق المؤرخين. يمكننا أن نملأ كتاباً كاملاً من كلام المؤرخين غير المسلمين وحدهم ممن يؤكدون أن الإسلام لم يجبر أحداً على اعتناقه. بل بعض المستشرقين، مثل توماس أرنولد، ألف كتاباً كاملاً تتبع فيه انتشار الإسلام في كل أنحاء الدنيا، من الأندلس لماليزيا، إندونيسيا، الجمهوريات التركية، الجزيرة العربية، أفريقيا، هذا تتبع انتشار الإسلام في كل الدنيا، وسرد كيف أنه لم يكن أبداً بطريقة الإجبار. هذا الكتاب مترجم ومنتشر اسمه: الدعوة إلى الإسلام، بحث في تاريخ انتشار الدعوة الإسلامية، وصاحب هذا الكتاب توماس أرنولد مات قبل 100 سنة تقريباً.
أهم من أن نحاول الرد على هذا الهجوم، دعونا نؤسس أصولاً لنتعامل مع أي هجوم أو مع أي شبهة تطرح علينا. الأول: يجب أن نتوقف ونتأمل هل هذا الهجوم أو هل هذه الشبهة هي شبهة فعلاً؟ كثير من الأحيان يا جماعة الخير يحصل الهجوم على شيء أو على فكرة أو على مبدأ، ويكون المبدأ أو الفكرة صحيحاً، ويكون أمراً طبيعياً ويكون أمراً متكرراً، لكن لهجة الهجوم تلقي في روع المستمع أو تلقي في ضمير القارئ -إذا كنت تقرأ من كتاب- أن هذا الأمر خطأ أو سيء، يعني يجب التبرؤ منه. هذا أول خطأ يقع فيه المسلم، بل أول خطأ يقع فيه أي إنسان عاقل: أنه يستسلم لفكرة الشبهة أو لفكرة الهجوم، ويبدأ في البحث عن الدفاع، يبدأ في البحث عن الإجابة، بينما قد يكون هذا الهجوم نفسه هو الباطل وهو الخطأ، وتكون الفكرة التي تهاجم هي فكرة طبيعية وفكرة صحيحة.
مثلاً هذه الشبهة، التي هي شبهة انتشر الإسلام بحد السيف، يجب أن يكون مسار التفكير في هذا السؤال هو: هل الانتشار بحد السيف خطأ أصلاً؟ يجب أن نختبر؛ لأنه إذا كان الانتشار بحد السيف شيئاً صحيحاً أو طبيعياً أو بديهياً، فمن هي الأمم الأخرى التي نشرت أفكارها بحد السيف؟ وإذا كان الانتشار بحد السيف خطأً، فما هو السبيل الصحيح للانتشار؟ وما هي الأمم الأخرى التي سلكت هذا السبيل الصحيح؟ يجب أن نفكر بهذا الشكل. هل تعلم أيها الأخ الحبيب المستمع أنه أكثر المتخصصين في معالجة الشبهات ينتهون إلى هذه النتيجة الطريفة: أن هذا المهاجم أو هذا الطاعن يهاجم الإسلام في مبدأ صحيح وطبيعي وبديهي وموجود عند كل الأمم، حتى الأمة التي ينتمي هو إليها، وغالباً ما يكون هو نفسه وأمته التي ينتمي إليها متورطة في الجريمة والخطأ والخطيئة التي ينسبها إلى الإسلام.
موضوع انتشار الإسلام بحد السيف مثلاً حين نبحثه الأمر كالتالي، عد معي: واحد، ستجد أن الشريعة، الدين، القرآن والسنة، لا يوجد في شريعة الإسلام مبدأ إجبار أحد على الدخول في الدين، لا يوجد. اثنان، يوجد عكس ذلك، النهي عن إجبار أحد على الدخول في الدين، والآية التي تحفظونها جميعاً: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256]. ربما لا يعرف كثيرون أن هذه الآية نزلت في بعض الأنصار الذين أدخلوا أبناءهم في اليهودية قبل الإسلام، كما تعرفون يحدث أحياناً في قرانا وفي المجتمعات الضعيفة أن واحدة مثلاً أبناؤها يموتون، فتنذر لله أن هي مثلاً تخليه للجامع أو تخليه للكنيسة أحياناً، أو تسميه على اسم الولي الصالح أو تروح عند قبر فلان، فبعض الأنصار أدخلوا أولادهم في اليهودية قبل الإسلام، لما جاء الإسلام وأسلم هؤلاء الأنصار أراد هؤلاء الأنصار إجبار أولادهم على ترك اليهودية والدخول في الإسلام، فنزلت الآية: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾، يعني الآية نزلت لكي تمنع الأنصار عن إجبار أولادهم على الدخول في الإسلام من اليهودية التي هم أدخلوها فيها.
يبقى قلنا رقم واحد: الشريعة ليس فيها إجبار على الدخول في الإسلام. رقم اثنين: الشريعة فيها عكس ذلك، النهي عن الإجبار على الدخول في الإسلام. رقم ثلاثة: لا يوجد في سيرة النبي ولا في سيرة صحابته ولا في تاريخ المسلمين أي ظاهرة أو حركة أو حملة أو اندفاعة لإجبار الناس على الدخول في الدين؛ دائماً الفرصة متاحة، دائماً حتى للأقوام المغلوبين أمام الجيوش الإسلامية أن يحتفظوا بدينهم، وأن يكونوا على دينهم مع دفع الجزية مقابل الدفاع عنهم وحمايتهم.
رقم أربعة: الذي يطرح الشبهة ويهاجم الإسلام في زماننا هذا، لو أردنا أن ننزلها على أمر الواقع، فستجد أن غالب من يتكلم في هذا إما سيكون مسيحياً أو سيكون علمانياً. ستجد أنك إذا نظرت في النصوص المسيحية، أو نظرت في القوانين العلمانية، أو نظرت في تاريخ المسيحية وتاريخ الدول العلمانية، ستجد ظاهرة انتشارهم بحد السيف في غاية القوة والوضوح. المسيحية مثلاً تجيز في الحروب قتل الجميع بما في ذلك النساء والصبيان، بل والحيوانات. مثلاً في إنجيل متى: "لا تظنوا أني جئت لألقي على الأرض سلاماً، ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً". مثلاً في إنجيل لوقا: "وأما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي". مثلاً في سفر صموئيل الأول: "لا تعفوا عنهم بل اقتل رجلاً وامرأة، طفلاً ورضيعاً، بقراً وغنماً، جملاً وحماراً"، يعني حتى الحيوانات، حتى الأطفال والرضع، حتى النساء. تاريخ المسيحية حافل بظواهر وحافل بحملات ضخمة وحملات منظمة استمرت قروناً من الإجبار على دخول الناس في المسيحية، مثل مثلاً محاكم التفتيش في أوروبا، محاكم التفتيش في الأندلس بعد أن احتلها الإسبان، حملات التنصير في العالم في أفريقيا وفي آسيا؛ هذه ظواهر لا يمكن التشكيك فيها تاريخياً، أرادت حمل الناس على الدخول في المسيحية بالعنف وبالقهر، فضلاً عما سوى ذلك بالإغراء وباستغلال حاجتهم.
حتى العلمانية، لو أن الذي يتكلم ويطرح هذه الشبهة علماني، حتى العلمانية لم تظهر إلا في ظل السيف أيضاً، بلادنا العربية الإسلامية لم يوجد فيها علمانيون إلا لما كانت بلادنا تحت الاحتلال الغربي. الدول العلمانية التي تكفر بالأديان هي صاحبة السجل الأكثر دموية في تاريخ الإنسان، فأقرب مثال مثلاً مثال الاتحاد السوفيتي، الدول الشيوعية التي طاردت الدين واجتهدت في خلع الدين من النفوس، عصور من المذابح، والصين لا تزال حتى الآن تجبر المسلمين التركستان الأويغور على التخلي عن الإسلام واعتناق الشيوعية ومبادئ الحزب الشيوعي وتعلمهم إياها في المعتقلات، هذا ملف فظيع جداً يمكنكم أن تبحثوا عنه.
حتى العلمانية الغربية، العلمانية الغربية التي تبدو متزينة وبراقة ولا تجبر أحداً على تغيير دينه، هي في حقيقتها أيضاً لا تختلف عن الشيوعية إلا في هذه القشرة الخارجية؛ لأن هذه الجيوش الغربية التي ذهبت إلى بلاد أفريقيا وآسيا واحتلتها، هذه الجيوش الغربية ماذا كانت شعاراتها؟ نشر الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان وتحرير الشعوب. الجيوش دي نشرت مبادئها كيف؟ لم تنشر مبادئها بالسيف، بالمدافع، بالبوارج، بالطائرات، بالقذائف، بالصواريخ! الفكرة التي أريد التركيز عليها هنا هي: دعونا نؤسس أصولاً نواجه بها أي شبهة تعرض علينا، تعالوا نختصرها في خمس خطوات.
الخطوة الأولى: نقف ونتأمل هل هذه شبهة بالفعل؟ إذا هاجمنا أحد، هل الهجوم ده صحيح؟ هذا رقم واحد. الخطوة الثانية: ما موقف الشريعة من هذا الموضوع؟ نصوص الشريعة، نصوص القرآن والسنة. الموقف الثالث، الخطوة الثالثة: كيف طبق المسلمون هذا الأمر عملياً؟ تاريخ المسلمين، التطبيق العملي. الموقف الرابع: تعالوا نختبر موقف الطرف الآخر من هذا الموضوع في النصوص والفلسفة والمناهج في القوانين، يعني في الأمور النظرية. والخطوة الخامسة والأخيرة: كيف كان التطبيق العملي لهذه الأمة الأخرى في هذا الأمر أو في هذه الشبهة؟ كنت كتبت مقالاً أرجو أن تطلعوه اسمه: العوائق الأربعة أمام عقل التحرر والمقاومة، وضربت فيه ثلاثة أمثلة عن هذا الموضوع.
لكن الوصية الأهم الآن: لا تجعل حالة الهزيمة أو الضعف تؤثر على تفكيرك، لا تسمح لحالة القوة التي فيها الخصم أن تلجئك إلى قبول منطق الشبهة، مبدأ الاتهام، منطق الاتهام، فبالتالي لا تسارع إلى الدفاع والتبرير. أعيدك بالله أن تكون ممن يسارع إلى التبرؤ، وأنه يطالب بتجديد الخطاب الديني ومراجعة التراث الفقهي، هذه الأمور عناوين تبدو لطيفة لكنها عناوين تؤكد وقوع الانهزام النفسي، وتؤكد أن الإنسان تشرب شبهة العدو وأنه بدأ يتحرج من الإسلام، فلذلك يطالب بالتجديد والتغيير وبمراجعة، وبقراءة أخرى، وبقراءة ثانية، وهذا الكلام.
الآن لدينا سؤال مثلاً: لو أننا أردنا أن نفهم الأنبياء، هل الأنبياء دعاة أم الأنبياء مقاتلون؟ الأنبياء دعاة لا شك في ذلك، الأنبياء دعاة وهم أكمل البشر، وهم أكثر البشر ذكاءً وعبقرية، اصطفاهم الله، هم أفضل البشر ذكاءً وعبقرية، وأفضل البشر طهارة في النفوس، وأفضل البشر عذوبة في الحديث، نماذج الكمال. الأنبياء هم نماذج الكمال البشري، لن يوجد بشر أفضل منهم. إذاً، النبي هذا الذي هو نموذج الكمال البشري، المنطقي والبديهي أنه الأنبياء سيكونون أنجح الناس في الدعوة، سيكونون أكثر الناس قوة في الإقناع، سيكونون أكثر الناس اتباعاً، طبعاً هذا لو أن الناس يقتنعون بالحق إذا عرفوه، لو أن الناس يتبعون الحق لا تؤثر عليهم ضغوط الشهوة والمصلحة والعادة التي ذكرناها في الحلقة الماضية. يبقى إيه اللي يحصل؟ أن الأنبياء نماذج الكمال البشري يكونون أكثر الناس اتباعاً.
طيب ما النتيجة التي حصلت فعلاً على أرض الواقع؟ النتيجة هي التي أخبرنا عنها النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يأتي النبي ومعه الرجل يوم القيامة، ويأتي النبي ومعه الرجلان، ويأتي النبي وليس معه أحد». تصور، تخيل نبي لم يستجب له أحد، نبي استجاب له رجل، نبي استجاب له رجلان، هذا هو الواقع وهذا هو التاريخ. الآن حيث أننا نعرف أن الأنبياء لم يحققوا النتيجة المتوقعة منطقياً، فيجب أن نعرف أن الدعوة وحدها دون قوة لن تؤدي إلى نتيجة. الله تبارك وتعالى كانت سنته في الأنبياء أنه يرسل النبي إلى قومه، فيقضي النبي في الدعوة ما شاء الله له أن يقضي، ثم ينزل عذاب الله على الكافرين وينجي عباده المؤمنين، وذكر الله تبارك وتعالى أمثلة على هذا، قال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 40].
هذه السنة استمرت إلى سيدنا موسى وإلى إهلاك فرعون، ثم كلف الله تبارك وتعالى الأمة التي تتبع النبي أن تجاهد في سبيل الحق وأن تنصره، وأن نصر الله سيتنزل عليهم إذا جاهدوا وبذلوا، لكن إذا ركنوا وتكاسلوا وقصروا فالله سيكتب عليهم ذل الهزيمة وسيذيقهم الضعف، حتى لو كانوا أقرب إلى الله، حتى لو كانوا مسلمين وأعداؤهم وثنيين، وهكذا كان الحال في بني إسرائيل بعد إغراق فرعون؛ كلفهم الله تبارك وتعالى بالعمل وكلفهم بالجهاد في سبيل الرسالة، إذا عملوا وجاهدوا انتصروا، إذا نقصوا هُزموا وذلوا. بل لقد مكنهم الله تبارك وتعالى من الأنبياء أنفسهم، فكانوا أشر أمة، كانوا يقتلون أنبياءهم، ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: 70].
ثم بعث الله تبارك وتعالى نبينا صلى الله عليه وسلم، بعثه داعية مقاتلاً، أقام ديناً وأقام دولة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري». وهذا حديث صحيح وكنت تكلمت عنه في حلقة مستقلة أرجو أن ترجعوا إليها، كان عنوانها: رحلة في حديث جعل رزقي تحت ظل رمحي. حتى أمير الشعراء أحمد شوقي عبر عن هذا المعنى فقال -قال المناوئون لدعوة نبينا صلى الله عليه وسلم-: قالوا غزوت ورسل الله ما بعثوا ... لقتل نفس ولا جاؤوا بسفك دم يقول شوقي: جهل وتضليل أحلام وسفسطة ... والشر إن تلقه بالخير ضقت به ذرعاً، وإن تلقه بالشر ينحسم هنا يأتي السؤال، إذا...
كان الإسلام لم ينتشر بالسيف، فما معنى الجهاد؟ ما معنى الفتوحات الإسلامية؟ ولماذا كانت الفتوحات الإسلامية؟ الإجابة يا أخي الحبيب باختصار؛ يجب أن نفرق بين انتشار الإسلام وبين توسع الدولة الإسلامية. انتشار الإسلام لم يحدث لأن المسلمين أجبروا أحداً تحت تهديد السيف، هذا لم يحدث؛ لكن توسع الدولة الإسلامية كان بالسيف، لأن الدولة الإسلامية مثلها في هذا مثل كل الدول، كل الممالك، كل الحضارات. المسلمون لم يستعملوا السيف في إجبار أحد على دخول الإسلام، لكن استعملوه لا شك في الانتقال من الاستضعاف إلى التمكين، في الانتقال من الدعوة إلى الدولة، في الانتقال من الدولة إلى القوة العالمية العظمى، وكذلك استُعمل السيف في تحرير الشعوب وفي رفع الظلم عن الناس.
فلذلك حين ننظر في الإسلام، سنجد أنه تقرر الجهاد لهدفين كبيرين. الهدف الأول هو حماية المؤمنين؛ لأن الضعفاء الذين لا قوة لهم يأكلهم المبطلون والمفسدون، يستعبدون ويضطهدون ويخضعون لباطلهم وفسادهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75]. فالجهاد حماية للمسلمين، ولنقل المسلمين من الاستضعاف والاستعباد والظلم إلى القوة والمكانة؛ المسلمون بغير قوة لا مكان لهم في العالم، من لا يستطيع الدفاع عن نفسه لا يستطيع أن يقرر شيئاً لا لنفسه ولا لغيره، والذي يختار أن يكون ضعيفاً يختار أن يكون فريسة للأقوياء من حوله.
السبب الثاني الذي تقرر له الجهاد؛ قلنا السبب الأول حماية المسلمين، والسبب الثاني إنقاذ الضعفاء والمظلومين، لذلك الإسلام عدو لكل الطغاة ولكل المستبدين، وهذا ما كان يستوعبه أسلافنا سفراء الجهاد في تاريخنا؛ سيدنا ربعي بن عامر يكلم رستم قائد الفرس قبيل القادسية، يقول له بعبارات قوية: «لقد ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام». فالمسلمون أعداء لكل طاغية، أعداء لكل مستبد، المسلمون أنصار لكل مظلوم ولكل مضطهد، المسلمون هم مشروع تحرر لأنفسهم ومشروع تحرر للبشر أجمعين.
وهذه الرسالة الأخلاقية للمسلمين لا يقوم بها غيرهم. لو كان الغرب صادقاً في إنقاذ الشعوب من الاستبداد وحرك جيوشه لإنقاذ الضعفاء والمسلمين لكان هذا سيكون من حسناته الكبرى؛ سواء في سوريا أو في فلسطين، لو أن الغرب فعلاً أخلاقي ويحرك جيوشه لتحرير الشعوب ولرفع الظلم، هذا شيء عظيم بصراحة، ولو فعل ذلك لاعتنق الناس العلمانية والليبرالية تأثراً بهذه الأخلاق والتضحيات الغربية، وأنت تجد الناس يتوقون لأن يصدق الغرب في دعواه ويأتي ليخلع بشار، أو لينقذ المسلمين في بورما أو تركستان، أو ليكف يد إسرائيل، لكن الغرب لا يفعل، الغرب يتاجر بالمعنى الجميل فقط، ولذلك ستجد النبي وصحابته هم الذين قاموا بهذا المعنى الأخلاقي.
ونحن إذا طالعنا سيرة النبي ﷺ وسيرة الصحابة، سنجد أنهم جاهدوا لتحقيق هذه الأهداف على ثلاث مراحل: جاهدوا لإنشاء الدولة المسلمة وتأمينها وحمايتها، وهذه في سيرة النبي ﷺ منذ الهجرة إلى المدينة وحتى الوفاة، أحد عشر عاماً من الجهاد المتواصل، لا توجد سنة بغير غزوة كبرى أو غزوتين فضلاً عن السرايا الصغيرة. رقم اثنين: جاهدوا على وحدة هذه الدولة وضد تقسيمها، هذا كما فعل أبو بكر رضي الله عنه ضد المرتدين، وكما جاهد علي رضي الله عنه الإمام الشرعي ضد الذين امتنعوا عن بيعته حتى لو كانوا امتنعوا تأولاً، لكي تظل الدولة المسلمة دولة واحدة. ثم جاهدوا لإنقاذ البشر من الطغيان والمظالم المنتشرة في فارس وفي الروم، فلذلك المسلمون فتحوا البلاد الواسعة، أنقذوا العبيد والمستضعفين، أنقذوهم من استبداد الملوك وطغيان الملوك، وأقاموا العدل، وذلك الذي كان في عصر أبي بكر وعمر وعثمان، ومن بعد ذلك في الدولة الأموية وغيرها.
أهم ما تميزت به الحروب الإسلامية والفتوحات الإسلامية أنها كانت حروب رسالة أخلاقية، وإن شاء الله سآتي على بعض هذه الأمور في حديثنا عن غزوات النبي ﷺ، ولكن كنت كتبت بحثاً عن الفتوحات الإسلامية في أعين المستشرقين الغربيين، وهذا في الجزء الأول من كتاب "أروقة التاريخ" لمن أراد أن يتوسع فيه. الآن كيف بدأ الجهاد؟ كيف بدأت فكرة الجهاد بذرة الجهاد في تاريخنا الإسلامي؟ هذا ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي