بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبًا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من برنامج غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، والتي نبتغي منها معرفة غزوات النبي وطريقته في الحرب وهديه في معاملة الأعداء المقاتلين، وفي معاملة الأسرى، والفارق بين حروب النبي صلى الله عليه وسلم وحروب غيره من البشر، وبماذا تميزت الحروب الإسلامية عن غيرها من حروب الجاهلية القديمة، أو حتى الجاهلية المعاصرة التي تتزين وتتذكر بمواثيق حقوق الإنسان ومعاهدات جنيف وغير ذلك.
تكلمنا في الحلقة الماضية عن أن فكرة الحرب وفكرة الجهاد كانت ظاهرة طبيعية توجد لدى كل الأمم، وتكلمنا أيضًا عن موضوع انتشار الإسلام بالسيف. وخلاصة الكلام أن الإسلام يقينًا وقطعًا لم ينتشر بالإكراه أو بالإجبار، لكن الدولة الإسلامية توسعت بالسيف، والدولة الإسلامية في توسعها ليست شيئًا غريبًا ولا عجيبًا؛ لأن كل الدول وكل الممالك وكل الإمبراطوريات عبر كل التاريخ كانت تتوسع بالقوة العسكرية.
مما فاتني ذكره في الحلقة الماضية حقيقة مقولة مهمة لمؤرخ الحضارة المشهور الأمريكي ويل ديورنت، وهو له كتاب غير مشهور اسمه "دروس التاريخ"، كان يذكر فيه أن الحرب أمر لم ينقص بتقدم الحضارة والعلم. وذكر أنه إحصائيًا من بين حوالي 3500 سنة، لم يسجل التاريخ أعوامًا ليس فيها حروب إلا في 268 سنة فحسب.
وذكر أيضًا أن الفرد يمكن أن يكبح شهوته إذا وجد القانون المفروض عليه، أو وجدت الدولة التي تعاقب على خرق القوانين، لكن الدول لا يوجد فوقها قانون، ولا يوجد فوقها نظام عالمي أخلاقي يحميها أو يكبحها. فلذلك تبدو الدول أنها أفراد بلا حماية، أفراد بلا رقابة، ولذلك تخوض الحروب بلا ضوابط وبلا كوابح. ومن العبارات الجميلة التي قالها يذكرها هنا بالنص: الحرب هي الحكم الأخير، يتقبلها الجميع كشيء طبيعي وضروري باستثناء الجبناء والسذج. واستدل على ذلك بأشياء كثيرة، بأنه حتى الأمم تقيم التماثيل للقواد المنتصرين، وتسخر من القادة العسكريين الذين ماتوا على فراشهم. وهو يقول ويلفت النظر أن كل قارئ للتاريخ يعرف بأن السلام الطويل يضعف العضلات العسكرية للأمة، وبالتالي الأمة التي تضعف عضلاتها العسكرية هذا يغري ويهدد باجتياحها وهزيمتها، كذلك ضعف العضلات العسكرية يعجزها عن تحقيق مصالحها أو الدفاع عن نفسها.
الآن في هذه الحلقة نتابع معًا كيف بدأ الجهاد؟ متى كانت هذه البداية؟ ولماذا كانت هذه البداية؟ يقسم العلماء حياة النبي صلى الله عليه وسلم، السيرة النبوية، إلى مرحلتين: المرحلة المكية والمرحلة المدنية. بعض العلماء طبعًا يقسمها إلى ثلاثة أقسام، فيضيف في البداية الفترة التي سبقت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم التي هي مرحلة ما قبل البعثة، فيكون عندهم: مرحلة ما قبل البعثة، المرحلة المكية، المرحلة المدنية. والذي يهمنا الآن هو المرحلة المكية والمرحلة المدنية التي هي حياة النبي بعد البعثة. يمكن أن نسمي المرحلة المكية مرحلة الدعوة، ويمكن أن نسمي المرحلة المدنية مرحلة الدولة.
ففي المرحلة المكية النبي صلى الله عليه وسلم كان داعيًا إلى هذا الدين، يحاول أن ينشره بين الناس، ولكنه كان يعرف صلى الله عليه وسلم أن هذا الدين ليس مجرد دعوة روحية؛ ليس مجرد عبادات وشعائر وطقوس، لكن هذا الدين هو دولة وحكم ونظام وسياسة وحضارة. وهذا أيضًا فهمه الكفار؛ فهموه منذ اللحظة الأولى؛ فهموا من كلمة لا إله إلا الله أن هذه الكلمة تعني إقامة نظام جديد، وتعني هدم نظام قديم. إذا أردنا تقريب الصورة من واقعنا المعاصر، فنستطيع أن نقول إن كلمة لا إله إلا الله تشبه في أذان الكفار في قريش في ذلك الوقت كلمة مثلًا: الشعب يريد إسقاط النظام في عالمنا المعاصر.
ولذلك واجه الكفار هذه الدعوة وهذا النبي بكل قوة وبكل عنف، لأن هذه الكلمة لم تكن دعوة لإله جديد يوضع بين الآلهة الأخرى؛ فمكة كانت مليئة بالأصنام، لكل قوم صنم، ولكل بيت صنم، وإذا خرج العربي إلى السفر اصطحب معه صنمًا أو صنع صنمًا من عجوة أو من حجر أو من خشب، والكعبة كان حولها 360 صنمًا. المجتمع المكي كان مجتمعًا حافلًا بالحريات الدينية: حرية عبادة الأصنام ما أحببت من الأصنام فاعبد، وكانوا يقبلون في مجتمعهم بوجود أديان أخرى، حتى الأديان التي لا تعبد الأصنام، كان عندهم بعض النصارى الذين تنصروا وآمنوا بعيسى، ومكة كان فيها بعض الأحناف، هؤلاء لم يعبدوا الأصنام لكن أعلنوا أنهم على دين إبراهيم. لو أن نبينا صلى الله عليه وسلم جاء يدعو إلى إله جديد كانوا قبلوا به ووضعوه إلى جوار الآلهة الأخرى وقبلوا به كدين ضمن الديانات الأخرى، لكنهم فهموا أن هذا التوحيد، أي لا إله إلا الله، هو نفي ونسف لكل الأصنام والآلهة، وهو إقامة نظام جديد تكون فيه السيادة لله وحده.
فبالتالي هنا لم يعد الأمر، لم تعد هذه الدعوة مجرد مسألة شخصية، تصلي في بيتك أو لا تصلي، تسجد لصنم أو لا تسجد، لكن صارت مسألة نظام: نظام سياسي، نظام اجتماعي، نظام اقتصادي، نظام أخلاقي. فالأمر كان واضحًا منذ اللحظة الأولى سواء عند النبي صلى الله عليه وسلم أو عند الكفار الذين يخاطبهم. من أجل هذا النبي قال لهم وهو يدعوهم: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، «قولوا لا إله إلا الله تملكون بها العرب والعجم»، فهو معنى إقامة نظام ودولة وحضارة وسياسة. ولكي نفهم الأمر يا إخواني، يجب أن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية كان يدعو إلى دين، وفي نفس الوقت يبحث عن دولة؛ لأن هذا الدين نفسه هو نظام حكم ومنهج حياة، الدين الإسلامي لا يستطيع الحياة تحت ظل نظام غير إسلامي، لا يمكن أن تجد مسلمًا يستطيع تطبيق الإسلام في ظل حكم غير إسلامي، لا يمكن، لابد في ظل حكم غير إسلامي أن ينقص من دينه شيء. فالمرحلة المكية كانت مرحلة دعوة، وكانت أيضًا -وهذا هو المهم- مرحلة بحث عن دولة.
الآن دعوني أتوقف بكم قليلًا إلى قاعدة سنحتاجها كثيرًا في هذا البرنامج، وهذه القاعدة ستفسر لنا أمورًا كثيرة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وحتى في حياتنا الواقعية، هذه هي قاعدة العواصم. قاعدة العواصم معناها ببساطة أن كل شعب، كل إقليم، كل دولة، يكون لها مدينة تمثل العاصمة أو المركز أو الحاضرة، هذه المدينة يكون فيها قلب نظام الحكم، ويكون فيها نخبة هذا الشعب، ويكون فيها صفوة هذه الأمة، سواء علماء أو مثقفين أو أعيان أو أثرياء أو أغنياء. هذه المدينة هي القاعدة السياسية، وهي مركز الثروة ومركز الثقافة والفكر، فأي تغيير في هذه المدينة يكون له أثر واسع في تغيير الإقليم وتغيير الشعب والأمة وحتى البلاد المحيطة بها. فهذه المدينة العاصمة هي مثل القلب بالنسبة للجسد؛ في حديث النعمان بن بشير الذي تحفظونه جميعًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». فالمدينة العاصمة إذا صلحت انتشر منها الصلاح والعدل في كل الأنحاء، وإذا فسدت انتشر منها الفساد والشر أيضًا في كل الأنحاء.
الذي يهمنا الآن: مكة كانت عاصمة العرب؛ فمكة اجتمع فيها الشرف والسؤدد والثروة والبيت الحرام ميراث إبراهيم، فلذلك كانت قريش سيدة العرب. من هنا سترى أن أول انتشار لعبادة الأصنام في العرب كان من مكة؛ لأن زعيم مكة في ذلك الوقت قبل النبي صلى الله عليه وسلم بعصور كان اسمه عمرو بن لحي الخزاعي، هذا الرجل ذهب إلى الشام وأعجبه ما يراه عند الرومان من تماثيل وأصنام وأعجبه ما يرى عند الرومان من الخصب، فلذلك رجع بصنم إلى مكة، ومن مكة انتشرت عبادة الأصنام. فالعرب كانوا يعظمون مكة، وكانوا يعظمون قريشًا، وكانوا يعظمون البيت الحرام، وازداد تعظيمهم لقريش ومكة حين أهلك الله أبرهة الحبشي وجنوده، يعني هذه الحادثة حادثة الفيل لما أهلك الله هذا الجيش، هذه الحادثة أثبتت أن هذا البيت محفوظ من قبل السماء.
فلذلك الوسيلة الأسهل، والطريق الأقصر لنشر الإسلام ولإقامة الدولة هو أن يؤمن زعماء قريش بهذا الدين؛ لأن زعماء قريش إذا آمنوا تبعهم العرب فدخلوا في الدين. فلهذا اجتهد النبي اجتهادًا عظيمًا جدًا جدًا لإقناع زعماء مكة بالإسلام؛ لأنه يعرف أن هؤلاء سادة العرب وأن الناس تبع لهم. والنبي بذل في هذا بذلًا شديدًا حتى قال الله تبارك وتعالى فيه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾، أي قاتل نفسك، فالنبي كان يكاد يقتل نفسه من شدة الحرص ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]، يعني ستقتل نفسك من الأسف والكمد والحزن أنهم لم يتبعوا هذا الدين.
لا تنسوا قاعدة العواصم، ولا تنسوا أن مكة كانت عاصمة العرب، لأنه سنحتاجها مرارًا. الذي يهمنا الآن أن النبي صلى الله عليه وسلم طوال المرحلة المكية كان عنده ما يمكن أن نسميه الآن جدول أعمال، هذا الجدول فيه ثلاثة بنود: البند الأول: بذل أقصى الطاقة مع زعماء مكة. البند الثاني: إذا لم يستجب زعماء مكة، فسيذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف؛ لأن الطائف هي العاصمة الثانية للعرب، وهي المدينة التالية لمكة في الثروة وفي القوة وفي الحصانة، فالنبي يجتهد مع أهل مكة ثم الطائف إذا لم يؤمن أهل مكة. البند الثالث إذا لم يستجب أهل الطائف: وهو أن يبحث عن قبيلة تتعهد له بحمايته، وتتعهد أن يكونوا أنصارًا لهذا الدين، وأن تكون أرضهم وديارهم هي منطلق دولة الإسلام.
وبالتالي هنا سنفهم المرحلة المكية بشكل واضح لو رأيناها على هذا النحو: السنوات الثلاث الأولى كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع فيها ما يمكن أن نسميه الآن فريق العمل، النواة الصلبة، فهذه سنوات الدعوة الخاصة، أو يسميها بعض العلماء الدعوة السرية؛ لأن النبي كان يعرض الإسلام على من يتوسم فيهم أنه عنصر صالح وقوي وذو عزم وإرادة وعقل، هؤلاء هم السابقون الأولون. من سنة 3 للبعثة إلى سنة 10 للبعثة، سبع سنوات، هذه قضاها النبي في محاولة إقناع أهل مكة وزعماء مكة بهذا الدين، ولكنهم استعصوا ورفضوا. في العام العاشر للبعثة نفذ النبي البند الثاني، فذهب إلى الطائف، لكن كان رد زعماء الطائف عليه أسوأ من رد زعماء مكة، فعاد حزينًا أسيفًا في الموقف الذي تعرفونه جميعًا. ثم بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل، فعرض نفسه على ثلاثين قبيلة، إلى أن لقي هؤلاء النفر من الأنصار من أهل يثرب (المدينة)، فهؤلاء وافقوا على احتضان الدين وعلى التضحية في سبيله وعلى أن تكون أرض المدينة هي عاصمة الإسلام. وبالتالي نستطيع أن نلخص المرحلة المكية بأنها كانت مرحلة دعوة ومرحلة بحث عن دولة في نفس الوقت.
هنا نسأل سؤالًا: هل الدولة ضرورية للدعوة؟ الإجابة بكل وضوح وصراحة: نعم. الدولة أو السلطة أو الحكم هو الوسيلة الأقوى في نشر أي فكرة. الدولة والسلطة والحكم هو أقوى وسائل الإصلاح وأقوى وسائل الإفساد. يعني كل صاحب فكرة، كل صاحب دعوة، تمنى أو سعى لأن تتحقق فكرته هذه في دولة، والفكره تكون قبل الدولة شيئًا، وبعد أن تحوز دولة تكون شيئًا آخر. مثلاً، أضرب مثالًا بالشيوعية باعتبار أنها فكرة ودولة وانتهت، الشيوعية كانت مجرد فكرة في العقول، يتداولها المفكرون وبعض الناس، لكن لما نشأت لها دولة، الاتحاد السوفيتي، صارت فكرة عظيمة واسعة الانتشار، وكانت براقة وخلابة. من يقرأ منكم في هذا التاريخ يجد عجبًا، لما انهار الاتحاد السوفيتي مع مطلع التسعينات من القرن الماضي، كانت الشيوعية ذابت وانقرضت وانتهت فجأة. فأي دعوة تغيير، أي دعوة إصلاح، دائمًا ما تطلعت إلى أن يكون لها الحكم والسلطة، وأي دعوة تاقت إلى أن تنتقل من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة.
ولذلك لو لم تكن الدولة أمرًا مهمًا ما سعى إليها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تكلف أن يهاجر من منبته وأرضه وبلده ووطنه وأهله، وما كان كلف أصحابه أن يهاجروا، ولا كان عرض نفسه على القبائل، ولا ذهب إلى الطائف. لو أن الدعوة لا تحتاج إلى دولة لبقي النبي في مكة وظل يدعو ويحاول ويحاول. فلذلك الدولة مهمة، هذا فضلًا عما ذكرناه من أن الإسلام ليس مجرد شعائر وطقوس، ليس مجرد عقائد في العقول، ليس مجرد أحاسيس في القلوب، لكن الإسلام نظام، نظام شامل، منهج حياة، فالإسلام لا يعيش إلا في ظل دولة، دولته التي تحققه في واقع الأرض.
هذه الحقيقة، حقيقة الإسلام، كانت مفهومة عند المسلمين كما كانت مفهومة عند الكفار؛ لذلك المشركين اجتهدوا وبذلوا أقصى طاقتهم في منع المسلمين من الهجرة وفي مطاردة من هاجر منهم، حتى وصلوا إلى المؤامرة الكبرى، مؤامرة اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الهجرة؛ لأنهم كانوا يعرفون أن هذه الدعوة التي جاء بها النبي لو توفرت لها دولة فقد صار خطرها عليهم أضعافًا مضاعفة، فهم إذا كانوا عجزوا عن كبت دعوة الإسلام وهي تحت سلطتهم.
وسيطرتهم في مكة. كيف سيحدث حين يكون لهذه الدعوة أرض مستقلة، ويكون لها أنصار، ويكون لها قوة؟ فالدولة مرحلة فارقة في حياة أي دعوة.
هذه الحقيقة تقودنا إلى حقيقة أخرى، الحقيقة الأخرى أنه إنشاء دولة ليس بالأمر السهل، ليس الأمر البسيط؛ هذا أمر صعب في تكوين الدولة نفسها، وهو أمر صعب بما يثيره من العداوات في النظام الإقليمي والنظام الدولي. تكوين دولة وفق فكرة ودعوة جديدة هذا أمر صعب في تحقيق الانسجام بين المؤمنين بهذه الفكرة من مختلف القبائل والأنحاء، وهذه تجربة قوية، وطبعًا لا يستطيعها إلا الزعماء الموهوبون، لا يستطيعها إلا القادة الأكفاء.
الأصعب من ذلك هو أنه نشأة أي دولة تثير اضطرابًا وتوترًا ومشاكل في المنطقة المحيطة، فلذلك كانت دائمًا نشأة الدول مرتبطة بالقوة العسكرية مرتبطة بالحرب؛ لا توجد دولة نشأت واستقرت إلا وقد خاضت معارك لتثبيت استقلالها وخاضت معارك لتمكين نفسها. وذكرنا في الحلقات الماضية أن الحرب الصفحة الأولى من كل دولة والصفحة الأخيرة من كل دولة؛ كل دولة كان لها حرب تحرير واستقلال ونشأة، وكل دولة كان لها حرب انهيار أو سقوط.
لأجل هذا سنفهم هنا أنه تشريع الجهاد، بداية الجهاد، كان بعد الهجرة وبعد تكوين الدولة. لم يمر عام واحد على هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وإنشاء الدولة في المدينة إلا وشرع الجهاد؛ نزل الأمر بالقتال، وذلك في قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الحج: 39-41].
فمنذ ذلك الوقت بعد الهجرة بدأت حركة الجهاد في الدولة الإسلامية الوليدة، فأول سرية بعثها النبي صلى الله عليه وسلم كانت في رمضان من العام الأول للهجرة، يعني بعد تقريبًا سنة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الارتباط بين مسألة تشريع الجهاد وبين مسألة إقامة الدولة ارتباط مهم؛ لأنه كما ذكرنا لا بد أن كل دولة إذا نشأت لا بد لها من أن تتسلح بقوة لكي تضمن وجود نفسها، ولكي تحمي نفسها مما أثارته من توتر ومشكلات في النظام المحيط بها.
وهنا أيضًا يجب أن نقول إنه لم يكن الوقت طويلًا بين نشأة الدولة وبين بدء الجهاد؛ فقوله تعالى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ وأول سرية كان في العام الأول للهجرة، لم يكن الوقت طويلًا بين اللحظتين. وبالتالي هنا يجب أن ندرك ونتأمل في أنه منذ أن بدأت الدولة حتى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم إلا مجاهدًا؛ لم تمر سنة إلا وفيها غزوة أو غزوتان، فضلًا عن السرايا، السرايا التي حتى اختلف العلماء في عددها، بعضهم أوصلها للـ70 وبعضهم أوصلها للـ100؛ نحن نتكلم عن مجتمع مجاهد وعن سنوات مجاهدة.
في الحلقة القادمة إن شاء الله سنتكلم عن صورة عامة لغزوات النبي صلى الله عليه وسلم، نريد أن نحاول أن نفهم الاستراتيجية الكبرى لحركة الغزوات والسرايا، وأصلًا ما الفرق بين الغزوة وبين السرية؟ سنرى بعض الأرقام والإحصائيات، وسنرى ماذا تخبرنا هذه الأرقام وهذه الإحصائيات، ولماذا كانت غزوات النبي صلى الله عليه وسلم على هذا النحو؟ وكيف كانت فعالة؟ وكيف كانت نتائجها؟ وكيف أن غزوات النبي صلى الله عليه وسلم هي واحدة من معجزاته العجيبة؟
لكم أن تعرفوا أن النتائج التي حققها النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته إحدى المعجزات؛ لأنه هذه بالبيانات والأرقام نتائج لم يحققها أي زعيم أو قائد في التاريخ كله. فغزوات النبي هي من دلائل معجزاته صلى الله عليه وسلم، هذا ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة، فكونوا معنا. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي