بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبًا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من برنامج غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، والتي نحاول فيها أن نعرف غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، ونعرف طريقته في الحرب، ونعرف هديه في معاملة الأعداء وفي معاملة الأسرى، والفارق بين حروب النبي صلى الله عليه وسلم وحروب غيره من البشر، وبماذا تميزت الحروب الإسلامية عن غيرها من حروب الجاهليات والحضارات والأمم الأخرى.
تكلمنا في الحلقات الماضية عن فكرة الجهاد، وعن ضرورة الجهاد، وعن ضرورة الدولة بالنسبة للدعوة، وعن ضرورة الجهاد بالنسبة للدولة، والآن في هذه الحلقة إن شاء الله نقدم صورة عامة، نلقي نظرة عامة على غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، نحاول بذلك فهم الاستراتيجية الكبرى لحركة الغزوات والسرايا، تكلمنا في الحلقة الماضية عن قاعدة العواصم، لعلكم لا تزالون تتذكرونها، سنحتاجها كثيرًا في هذه الحلقات.
الفارق المهم، ما هو الفارق بين الغزوة والسرية؟ لغويًا السرية هي الفرقة من الجيش، فالسرية دائمًا أقل من الغزوة، فالغزوة يخرج فيها الجيش، والسرية أقل من غزوة، لكن علماء السير وعلماء المغازي لهم تفريق آخر؛ فهم يسمون الجيش الذي خرج فيه النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه يسمونه غزوة، لكن الجيش الذي أرسله النبي، بعثه النبي، أخرجه النبي، يسمونه سرية؛ أي لم يخرج فيه النبي بنفسه. نحن في هذا البرنامج سنركز على الغزوات، لن نركز على السرايا، ستأتي معنا عرضًا في بعض الأحيان، لكن حركة السرايا تحتاج برنامجًا أكثر تخصصًا وأكثر تفصيلاً وأطول في الحلقات.
السؤال الأول: كم عدد غزوات النبي صلى الله عليه وسلم؟ الإجابة: ثمان وعشرون غزوة. ويمكن أن نحاول حفظها بتيسير على النحو التالي؛ نحن قلنا الجهاد بدأ في السنة الثانية للهجرة والنبي سيموت في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة للهجرة، إذاً من سنة اثنين إلى سنة عشر هذه الثمان وعشرون غزوة يمكن أن نحفظها بالشكل الآتي:
في العام الثاني للهجرة لدينا ثماني غزوات: غزوة الأبواء، غزوة بواط، العشيرة، بدر الأولى أو بدر الصغرى وتسمى سفوان، غزوة بدر الكبرى، غزوة بني سليم، غزوة بني قينقاع، غزوة السويق؛ ثماني غزوات.
في العام الثالث للهجرة لدينا أربع غزوات: غزوة ذي أمر، غزوة بحران، غزوة أحد، وغزوة حمراء الأسد.
في السنة الرابعة للهجرة غزوتان: غزوة بني النضير، وغزوة بدر الموعد؛ سنأتي لها إن شاء الله، لأنه كان اتفق فيها على بدر.
في السنة الخامسة للهجرة لدينا أربع غزوات: غزوة دومة الجندل، غزوة بني المصطلق، غزوة الأحزاب، وغزوة بني قريظة.
في العام السادس لدينا غزوتان: غزوة بني لحيان، وغزوة الحديبية.
في العام السابع للهجرة لدينا أربع غزوات: غزوة الغابة، غزوة خيبر، غزوة ذات الرقاع، وعمرة القضاء.
في السنة الثامنة للهجرة لدينا ثلاث غزوات: فتح مكة، غزوة حنين، وفتح الطائف.
في العام التاسع للهجرة لدينا غزوة واحدة وهي غزوة تبوك أو غزوة العسرة.
سنحاول تسهيلاً على أنفسنا أن نحفظ هذا الرقم: 8، 4، 2، 4، 2، 4، 3، 1. هذا هو رقم عدد الغزوات مرتبة بحسب وقوعها في كل عام؛ ففي العام الثاني 8، العام الثالث 4، العام الرابع 2، العام الخامس 4، العام السادس 2، العام السابع 4، العام الثامن 3، والعام التاسع 1. 8-4-2-4-2-4-3-1؛ اعتبروها أي رقم هاتف مهم تحفظونه لأنه سيسهل عليكم تصور الأعوام وتصور الغزوات.
لكن لا بد أن نشير إلى أنه يقع بين العلماء اختلاف في العدد؛ والسر في هذا الاختلاف أن بعض الغزوات كانت قريبة جدًا من بعضها، فبعضهم حسب الغزوتين كغزوة واحدة، مثل أحد وحمراء الأسد مثلاً كانتا في يومين متتاليين، أو مثل الأحزاب وبني قريظة كانت في أيام متتالية، فأحيانًا بعض العلماء يدمج هاتين الغزوتين في غزوة واحدة. طبعًا هذه الاختلافات اختلافات شكلية ليس فيها إشكال. السرايا عددها أكبر بكثير، بعض العلماء أوصلها إلى 100، وبعض العلماء قال 70، وبعضهم ذكر عددًا أقل من هذا، وأيضًا يقع الخلاف في العدد؛ فبعضهم يعتبر أن هذه سرية، وبعضهم يراها أقل من هذا، كأن يراها بمثابة المهمة الخاصة، أو إذا السرية نفذت أكثر من معركة فبعضهم يحسبها معركة واحدة أو سرية واحدة، وبعضهم يحسبها أكثر من سرية بحسب المعارك. فهذه في النهاية اختلافات يهتم لها المتخصصون لا نهتم لها الآن كثيرًا، لكن من المهم جدًا أن ننتبه إلى أن هذه الغزوات والسرايا تشمل الغزوات الدفاعية أيضًا؛ فكل ما قاتل فيه النبي صلى الله عليه وسلم سمي غزوة حتى لو كان ذلك دفاعًا، مثل غزوة أحد، وغزوة الأحزاب، فهذه دفاعية فسميت غزوة، أو كان ردًا على نقض العهد، مثل غزوة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة. فليس معنى كلمة غزوة في زمننا هذا أن يفهم الناس أنها حرب هجومية أو أن النبي خرج فيها، لا، كلمة غزوة في السيرة حتى الحرب الدفاعية وحتى الرد على نقض العهد تسمى غزوة.
ماذا سنستفيد من قراءة هذه الصورة التي تحصي عدد الغزوات؟ أولًا: نلاحظ أن الغزوات ملأت كل سنوات عهد النبوة في المدينة، منذ بدء تشريع الجهاد في السنة الثانية وإلى ما قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنة ونصف تقريبًا. انتبهوا نحن هنا نتكلم عن الغزوات، الجيوش التي خرج فيها النبي بنفسه، لكن السرايا استمرت طوال هذه الفترة، فالنبي صلى الله عليه وسلم مات وهو على وشك إخراج سرية أسامة بن زيد لغزو الروم؛ فالسرايا تملأ كل هذه السنوات، لكن حتى الغزوات التي كان فيها النبي بنفسه كانت تملأ كل هذه الفترة. وبهذا نرى أن الجهاد كان علامة دائمة مستمرة منذ مطلع الدولة النبوية وحتى نهايتها.
هذا فيه درس مهم على عكس ما يروج ويشاع من أن الحروب تدمر الاقتصاد وأنها ضد التنمية؛ هو طبعًا هذا جزئيًا صحيح، لكن في الواقع الدول المحاربة هي الدول التي تتمتع بالسيادة وبالنمو الاقتصادي وبتفوق سياسي، لكن الدول التي انكفأت على نفسها وحاولت الانتباه أو التركيز في التنمية والاقتصاد فقط تتراجع سياسيًا وعسكريًا. انظروا مثلًا إلى أمريكا على المستوى العالمي؛ لا تكف عن الحرب ومع ذلك فهي أقوى اقتصاد في العالم وتستطيع أن تستدرك بقوتها العسكرية ما تخسره في الاقتصاد. وحتى على المستوى الإقليمي، انظر إلى إسرائيل؛ لم تكف عن الحرب منذ قامت ومع ذلك فهي أقوى دولة في محيطها العربي مع أن هذا المحيط لم يحارب إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا على الأكثر منذ أن نشأت إسرائيل، لكنها متفوقة عليه في الواقع. وما قد لا يعرفه كثيرون أن الحروب هي التي تدفع عجلة العلم وتثير الحاجة إلى الاختراع والابتكار، والنصر في الحرب يؤدي للاستفادة من موارد أكثر وأكبر، ويصنع الهيبة والرهبة، وهذه الهيبة والرهبة تأتي للدولة المنتصرة بالتحالفات وبصفقات. هذا الأمر فصلت فيه حتى من خلال تقارير أمنية غربية وأمريكية ومن خلال مذكرات أمريكان وروس وغيرهم، والحلقة التي تكلمت فيها عن حديث: «وجعل رزقي تحت ظل رمحي»، كيف يتكلم كيسنجر، وكيف يتكلم تشرشل، وكيف يتكلم ألكسندر دوجين الروسي، والتقارير التي تتحدث عن انتشار القوات الأمريكية عبر العالم وهل نحاول التركيز على الاقتصاد فنسحب عددًا من القوات، هذه الأمور كلها ناقشتها في هذه الحلقة.
ثانيًا: لو تأملنا في هذه الصورة سنلاحظ أن العدد الأكبر من الغزوات كان في السنة الثانية للهجرة التي هي أول سنة بعد تشريع الجهاد وبعد نزول آية القتال. وهذا يخبرنا أيضًا بدرس مهم، وهو أن الدولة تحتاج أقصى طاقتها في الجهاد في مرحلة الاستقلال ومرحلة التحرر، المرحلة الأولى. وهذه القاعدة كان يتكلم عنها حكيم التاريخ ابن خلدون، كان يقول في المقدمة: اعلم أن السيف والقلم كلاهما آلة لصاحب الدولة يستعين بها على أمره، إلا وانتبه هنا: الحاجة في أول الدولة إلى السيف ما دام أهلها في تمهيد أمرهم أشد من الحاجة إلى القلم. فأنت سترى في هذه الصورة الإحصائية كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بنفسه في ثماني غزوات في أول سنوات الجهاد، وهذا أمر لم يفعله النبي في أي سنة تالية؛ لو حافظنا الرقم 8، 4.. ستجد أن الثمانية لم تتكرر في أي سنة أخرى، فلذلك نفهم أن المهمة الأكبر التي كانت أولى المهمات في لحظة تأسيس الدولة هي الجهاد بغرض تأسيس وتمكين الدولة.
الفائدة الثالثة التي تظهر لنا من مطالعة هذه الإحصائية أن غزوات السنة الأولى استهدفت تأمين الدولة، تثبيت هيبة الدولة مع القبائل المحيطة بها. طبعًا ذكرنا ذلك في الحلقة الماضية؛ إن إنشاء الدولة يثير توترًا واضطرابًا في النظام الإقليمي المحيط، ولا بد لأي دولة من تثبيت نفسها بالقوة، وطبعًا هذا شيء ليس غريبًا، فهذا يشبه أن يظهر تاجر جديد في بيئة تجارية قديمة، هذا لا يصنع نفسه وموقعه إلا بعد أن يعاني منهم، أو تظهر شركة جديدة في مجال ما؛ فظهور الشركة الجديدة يثير توترًا واضطرابًا في بيئة السوق أو الشركات العاملة في نفس المجال. طبعًا مثال الدولة أعظم بكثير وأخطر بكثير وأهم بكثير من مثال التاجر والشركة، ولكن لمحاولة تقريب الصورة فهذه الملاحظة ستظهر لنا بشكل مفصل حين نتكلم إن شاء الله عن الغزوات، وساعئذ سنضع صور الغزوات على الخريطة إن شاء الله. فالغزوات الأولى في السنة الأولى استهدفت تأمين وتثبيت الدولة، وسنرى مع الخرائط كيف كانت حركة الغزوات في السنة الأولى.
الفائدة الرابعة: أنه إذا تأملنا في الغزوات سنرى تركيز النبي صلى الله عليه وسلم المعركة مع مكة، فنرى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفتح جبهتين للقتال مع عدوين أبدًا إلا أن يكون مضطرًا أو مدافعًا عن المدينة. فمثلًا بالرغم من أن خيبر كانت مركزًا يهوديًا للمؤامرات والدسائس ولتمويل الأعداء، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغزها أبدًا إلا لما وقع صلح الحديبية مع مكة؛ يعني هدأت جبهة مكة. وكذلك سنرى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغزُ الروم في العام التاسع للهجرة غزوة تبوك إلا بعد انتهائه من المعارك مع العرب، ولو رجعنا سنلاحظ أن المعارك مع العرب انتهت تقريبًا مع فتح مكة. وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى قاعدة العواصم التي تكلمنا عنها؛ سنلاحظ أن الغزوة التالية لفتح مكة كانت مع العاصمة الثانية للعرب التي هي الطائف وأهلها هم ثقيف، فما إن فتحت مكة حتى كان لواء الكفر قد انتقل إلى الطائف، فساعئذ كانت غزوة حنين، ولما هزمت ثقيف تحصنوا ببلدهم في الطائف، فهاتان المعركتان اللتان هما فتح مكة والطائف كانتا في العام الثامن للهجرة، فالعام الثامن شهد فتح عاصمة العرب مكة والعاصمة الثانية الطائف، حينئذ أقبل العرب مسلمين مستسلمين يدخلون في دين الله أفواجًا، ويدخلون في طاعة الدولة الإسلامية، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: 1-2].
هذا الأمر يا أحبابي يجب أن نفهمه جيدًا، المعركة الحقيقية دائمًا تدور في العاصمة، حتى في زمننا المعاصر هذا؛ لا ينجح الاحتلال إلا إذا سيطر على العاصمة، لا تنجح الثورة إلا إذا سيطرت على العاصمة، لن ينجح الانقلاب إلا إذا سيطر على العاصمة. فالعاصمة هي مركز الثقل السياسي والعسكري. لذلك كان جهاد النبي في أول الدولة لتأمين الدولة في محيطها القريب منصبًا على المعركة مع مكة، لأن هي العدو الذي يحمل لواء الكفر ويمثل عاصمة العرب، وستجد في السيرة النبي لم يحارب غير مكة إلا مضطرًا أو مدافعًا، ولما وقعت اتفاقية الهدنة مع مكة ساعئذ بدأ النبي في الالتفات إلى الأعداء الآخرين، اليهود في خيبر أو قبائل أخرى من عرب الشمال أو الروم.
إذًا هذه أربع ملاحظات رئيسية يجب ألا ننساها: الملاحظة الأولى أن الجهاد شمل طوال فتره الدولة ما دامت كانت قادرة على الجهاد. الملاحظة الثانية أن السنوات الأولى في تأسيس الدولة يكثر فيها الجهاد، لأن تثبيت الدولة وتمكين استقلال الدولة لا يتم إلا بهذه القوة، ومن أجل هذا كانت أكبر عدد من غزوات النبي التي غزاها بنفسه في السنة الثانية للهجرة. الملاحظة الثالثة أن جهاد السنوات الأولى في الدولة يستهدف محيطها القريب لتأمينها واستقلالها، وهذا ما فعله النبي. الملاحظة الرابعة أن صلب غزوات النبي كان باتجاه مكة عاصمة العرب ومركز الكفر، فسقوطها يعني سقوط الكفر من الجزيرة العربية كلها.
تعالوا ننظر إلى ملاحظة أخرى مهمة أيضًا في غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، هذه الملاحظة تقول النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتل في هذه الغزوات الثماني والعشرين...
إلا في تسع غزوات فحسب، وهي التي كان فيها قتال. وطبعاً هذه هي الغزوات التسع المشهورة: بدر، وأحد، وبني المصطلق، والأحزاب، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف، وهذه الغزوات المشهورة. ماذا نستفيد من هذا الدرس المهم؟ الاستعداد للحرب يجنب الحرب؛ فوجود الهيبة والردع يوفر القتل والقتال. كثير من الغزوات التي خرج إليها النبي صلى الله عليه وسلم تفرق فيها عدوه رعباً منه قبل أن تقع المواجهة، فثلثا غزوات النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع فيها قتال.
هذه تفتح لنا ملاحظة أشرت إليها في الحلقة الماضية وحاولت التشويق إليها، وهي أن هذه الغزوات من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لقلة عدد القتلى في حروب النبي. عدد القتلى في حروب النبي هو أقل عدد من القتلى تتأسس به دولة، وتنمو وتقوى حتى تكون القوة الإقليمية في وقتها، بل تبدأ لتكون قوة عظمى. بعض علماء السيرة جمعوا عدد القتلى في مغازي المسلمين، سواء من المسلمين أو من الكفار، فالتقدير والاختلاف بين 600 أو 1000، أي الحد الأدنى 600 والحد الأقصى 1000.
هذا من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه إذا بحثنا كم قُتل في الحروب التي تأسست بها الدول العظمى -بريطانيا، فرنسا، أمريكا، روسيا، الصين، ألمانيا- سنجد أنفسنا أمام قتلى بالملايين أو مئات الآلاف، وأمام عدد وجملة من المذابح الدموية التاريخية. حتى الفيلسوف الفرنسي المشهور رينان كان يقول: إن تقدم الدراسات التاريخية يضر بالوطنية؛ لأن الناس يكتشفون أن تأسيس الأوطان كان نتيجة حروب ومذابح عنيفة، فبالتالي كلما عرف الناس التاريخ اشمأزوا من الدولة التي كانت ثمرة هذه المذابح. والمؤرخ والمفكر الأمريكي مارك بوكان له كتاب مهم اسمه "موت الغرب"، كان يدين فيه المؤرخين الأمريكان الذين يكثرون الكلام حول جرائم كولومبوس وجرائم الأبطال التاريخيين الأمريكيين، لأنه يضعف الانتماء في قلوب الشباب الأمريكي؛ فهو يقول إن هؤلاء حين يعرفون تاريخهم بهذا الشكل يضعف لديهم الانتماء.
الغزوات النبوية في الحقيقة هي من مفاخرنا نحن المسلمين، وهي من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم. لك أن تتخيل كيف أن سبع سنوات فقط وتسع حروب فقط شهدت قتالاً أسفرت عن نشر الأمن وإخماد الفتن في سائر الجزيرة العربية. الجزيرة العربية كانت قبل النبي صلى الله عليه وسلم تأكلها الحروب بين القبائل، كانت تشتعل ناراً بالثارات المتواصلة، أنتم تعرفون حرب البسوس وداحس والغبراء، وبطولات العرب في الثارات وكيف كانت تستمر 40 سنة. فعدد القتلى في الغزوات التي وقع فيها قتال هو من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم تتأسس دولة بمثل هذا العدد القليل.
من معجزات الغزوات النبوية أيضاً أنها كانت المدرسة الوحيدة التي تخرج فيها أبطال العسكرية الإسلامية الأفذاذ؛ علي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، وبقية القادة الذين فتحوا الدنيا وأزالوا فارس والروم. هؤلاء القادة الكبار لم يدخلوا كليات عسكرية، لم تكن لهم خبرة بحروب الإمبراطوريات ذات الجيوش والعدد والعدة والخطط والنظام والأسلحة، لم يتخرج هؤلاء إلا من مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم. فهذه أيضاً من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم، أنها أخرجت للناس هؤلاء الأبطال العظام الذين فتحوا هذه الدنيا. لك أن تتصور كيف يمكن أن يفخر مؤسس مدرسة حربية عسكرية، أي وزارة دفاع الآن، لو أنها جاءت بأناس وعلمتهم ودربتهم، ولم يكن لهم قبلها خبرة بالحروب، ثم خرجوا منها ففتحوا الدنيا وأزالوا القوى العالمية؛ لك أن تتصور ماذا سيكون فخرهم بهذا. هذه أيضاً من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم.
هذه الحلقة هي نهاية الحلقات التمهيدية التي أردنا أن نعطي فيها فكرة عن الغزوات، ونبدأ إن شاء الله في الحلقة القادمة في الحديث عن هذه الغزوات، طبعاً مع التركيز على الغزوات المهمة والمشهورة التي كانت تمثل قفزة في قوة الدولة الإسلامية وفي مكانتها. نسأل الله تبارك وتعالى أن نلقاكم على خير، ونسأله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي