الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا. اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
نستفتح هذا المجلس من مجالس غيث الساري من هدايات البخاري. نكمل من حيث وقفنا من كتاب الإيمان: قال الإام البخاري رحمه الله تعالى: باب علامة الإيمان حب الأنصار. حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة قال: أخبرني عبد الله بن عبد الله بن جبر قال: سمعت أنسا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار».
على هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول: ما يتعلق بإسناده والصنعة الحديثية. اليوم لن يكون هناك تفاصيل كثيرة في الموضوع، فقط التنبيه على شيء متعلق بأمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج رحمه الله تعالى. سبق أن تكلمت عن شعبة بكلام كثير، عن مركزيته وأهميته، وأنه أول من وسع الكلام في الجرح والتعديل والعلل وما إلى ذلك. لكن ما تكلمت عن تلاميذ شعبة، من هم الذين حملوا عن شعبة العلم؟ من هم الذين أوصلوا علم شعبة؟ ومن هم الذين رووا عن شعبة بما أنه أحد المراكز الكبرى للرواية والإسناد؟ فقط تكلمت عن يحيى القطان سابقا، لكن هناك أئمة كبار من أئمة المسلمين هم من تلاميذ شعبة، الذين سمعوا منه مباشرة، ممن تعرفون أسمائهم ولكن قد لا يكونوا مرتبطين بشعبة في الأذهان، وإن كانوا مرتبطين به في حقيقة الأمر. منهم الإام عبد الله بن المبارك أحد أئمة المسلمين الكبار. عبد الله بن المبارك تلميذ شعبة بن الحجاج. ومنهم وكيع الإام المشهور كذلك، هو تلميذ شعبة بن الحجاج، ومنهم عبد الرحمن بن مهدي أحد الأئمة الكبار أيضا هو تلميذ شعبة بن الحجاج، وأيضا هذا شيخ الإام البخاري أبو الوليد الطيالسي. نكتفي بهؤلاء، ما في طبعا تلاميذ كثر جدا لشعبة، لكن نكتفي بهؤلاء. حفظ هؤلاء مهم أنه سيمر معنا أيضا كثيرا. إذا مر معنا أشخاص آخرون، إن شاء الله نتكلم في ذاك الوقت عن الزيادة. هذا ما يتعلق بالوجه الأول.
الوجه الثاني في بيان الغريب والمعنى الإجمالي وما إلى ذلك. الحديث واضح أيضا من جهة المفردات، وإن كان يحتاج إلى بيان من حيث السبب، لماذا كان حب الأنصار آية من آيات الإيمان ولماذا؟ وإيش المقصود؟ هل المقصود بعض الأنصار أو كل الأنصار؟ لكن هذا يأتينا في الوجه الثالث، اللي هو الفوائد الحديثية والفوائد التربوية والمنهجية والسلوكية. لذلك ننتقل للوجه الثالث مباشرة، وهو الفوائد التي يمكن أن تستنبط من الحديث. حقيقة هذا الحديث عظيم ومليء بالفوائد. ويمكن للإنسان أن يبحر في ظلاله في رحلة طويلة جدا. قبل أن أنتقل أو أذهب إلى شيء من فضائل الأنصار ولماذا كان حبهم من علامات الإيمان وبغضهم من علامات النفاق؟ أود أن أتكلم عن بعض النقاط المرتبطة بهذا الاسم، اللي هو اسم الأنصار.
النقطة الأولى هي أن هذا الاسم هو تسمية إلهية. يعني الذي سمى الأنصار الأنصار هو الله سبحانه وتعالى، وليسوا هم الذين لقبوا أنفسهم بالأنصار. أليسوا هم الذين اتفقوا مع بعض على أن يسموا أنفسهم الأنصار؟ وإنما الله سبحانه وتعالى هو الذي سماهم الأنصار، ولذلك جاء في صحيح البخاري أيضا لما سئل أنس بن مالك: أنه رأيت الأنصار، هل هو اسم تسميتم به أم سماكم الله به؟ فقال: سمانا الله به. وهذا أول شرف الآن للأنصار. يعني أول شرف يمكن أن تتحدث فيه أن الله سبحانه وتعالى يلقبهم بلقب شريف. نركبهم بلقب شريف. هذا أول شرف لهؤلاء القوم. طبعا وفي نفس الوقت الله سمى المهاجرين المهاجرين كذلك، وإن كان اسم الهجرة يعني يسهل أنه يلقب الإنسان نفسه به، أو يعني يمكن أن يكون بعضهم قد قيل فيه مهاجر بمجرد الهجرة حتى قبل ينزل القرآن بذلك. لكن في الأنصار تحديدا إنما سماهم الله بهذا الاسم، وأنتم تعلمون الآيات القرآنية التي ورد فيها المهاجرين والأنصار أو المهاجرون والأنصار.
النقطة الثانية، وهي أو الفائدة الثانية وهي مرتبطة بالأولى ومهمة جدا ومركزية، ويمكن للإنسان أن يأخذ فيها أيضا محاضرة كاملة لكن ساختصر فيها جدا، وهي أن هذا الاسم وإن كان اسما شرعيا، وإن كان اسما قد سماهم الله به، إلا أنه إذا استعمل على سبيل التفرقة بين المسلمين، يكون هذا الاستعمال دعوة جاهلية، يكون هذا الاستعمال دعوة من دعاوى الجاهلية. وذلك أنه قد ثبت أيضا في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر وحصل خلاف بين مهاجري وأنصاري، فنادى المهاجري: يا للمهاجرين، ونادى الأنصاري: يا للانصار! وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بال دعوى الجاهلية؟.
لاحظوا الآن الاسم الذي استعمل في الاستدعاء، اسم شرعي ولا ليس شرعي؟ اسم شرعي. يعني مهما يكن من التسميات المعاصرة، كل الأحزاب أو للجماعات أو لأي كان، لا يمكن أن يصل هذا الاسم إلى مرتبة الاسم الذي سما الله به الأنصار. ومع ذلك، حين استدعي هذا الاسم في موقع تفرقة، وفي موقع يعني تفريق بين القلوب وشحن للنفوس، سمى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الاستدعاء للاسم دعوة الجاهلية، سماه دعوة للجاهلية. وهذا معنى مهم جدا وكبير، يجب الالتفات إليه فيما يتعلق علاقة المسلمين ببعضهم وعلاقة الناس ببعضهم، قضية الإصلاح وقضية التعاون بين المسلمين، أنه متى ما كانت أي تسمية من التسميات هي عائق أو سبب لتفرقة المسلمين، فتكون هذه من دعاوى الجاهلية إذا كانت تؤدي إلى مثل ما كان يمكن أن يؤديه ذلك الموقف. هذه الفائدة الثانية.
الفائدة الثالثة أيضا في تسمية الأنصار أنصارا، وهي ملاحظة قد تكون لطيفة نوعا ما، وهي أنهم طبعا لماذا سموا أنصارا؟ أنهم نصروا الله ورسوله، هذا معنا الآن واضح الآن، جيد؟ لكن الملاحظة اللطيفة هي أن الإنسان ممكن يعمل عمل، يعمل عمل شريف، وينتقل هذا العمل من كونه عملا إلى أن يلقب به الإنسان. واضح الفكرة؟ إنه الآن المهاجرين طب المهاجرين قد المهاجر الذي هاجر المهاجر الذي هاجر في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، أو الأنصاري الذي كان هو قد يكون نجارا أو خياطا أو شيئا من الأعمال أو مزارعا، صح ولا لا؟ وفي نفس الوقت قد يكون له قد يكون تاجر أو له مهام متعددة يعني. لكن في ذلك الوقت كان كانت المعايير نوعا ما فيها فيها ارتفاع من جهة مركزية نصرة الدين ومركزية التمكين للإسلام ومركزية الرسالة النبوية. فصارت الأسماء التي تغلب على الأشخاص هي أسماء مرتبطة بهذا المعنى أكثر من كونها مرتبطة بأشياء أخرى.
الآن طبعا كلهم لهم قبائل وكلهم ينسبون إلى قبائلهم، أليس كذلك؟ لم تنته نسبة القبيلة، يعني كل واحد منهم مثلا حتى من حيث الأنصار، نفس الأنصار فيهم بطون يعني، أول شيء في الأوس والخزرج وبعدين حتى في في بطون في الداخل: بني عبد الأشهل، بني خضرة، بني ظفار، بني إلى آخره. لكن التعريف الأول والذي كان يحكى ويتكلم به، وكم استشهد من الأنصار وكم خرج من المهاجرين، وهذه الغزوة التي شارك فيها مهاجرون ولا أنصار، ومن الاسم الذي يغلب استعماله ليس هو كم واحد من بني عبد الأشهل ولا كم واحد من الأوس أو كم واحد من الخزرج؟ مع أنه ارجع إلى الوراء وقتا يسيرا جدا، كانت كان الاسم المستعمل هو الأوس والخزرج وكان بينهم قتال أصلا في هذا في هذا في تلك المنطقة التي كانوا يعيشون فيها سويا ولكن كان بينهم قتال. كان بينهم قتال باعتبار الأوس والخزرج، ولا شك أنه استحضار قضية الأوس والخزرج لم تنته، لذلك اللي ذكرناه أمس في حادثة الإفك قضية سعد بن معاذ وسعد بن عبادة: إن كان من الأوس، إن كان من الخزرج. لكن الحضور الأساسي في سائر أحداث السيرة هو في اللقب المتعلق بنصرتهم لله ورسوله.
حتى يققال في تفاصيل الحياة: مر رجل من الأنصار، وجاءت امرأة من الأنصار، وتزوج عبد الرحمن بن عوف امرأة من الأنصار، وهكذا تجد واستشهد رجل من الأنصار، تجد تفاصيل الأنصار الأنصار الأنصار. غلب لقب نصرتهم لله ورسوله على سائر أعمال حياتهم، فصبغوا بهذا اللقب حتى صار علماً عليه. صار علماً عليه، وربما من لا يعرف مثلا في التفاصيل المتعلقة بقبائل العرب، وهذا ربما يظن أنها قبيلة مثلا، لأنه هذه هي أنه هذا هو التعريف العادي أصلا، هذه كأنه بطاقة الهوية لأنه من الأنصار، بينما هو في الحقيقة تأليف مرتبط بعمل، وليس مرتبطا في الأساس بنسب بنسب معينة. وإن كان الأنصار هم مثل الأوس والخزرج هذا شيء آخر، لكن هذا المعنى مهم جدا. وهو يدلك على أولا على مركزية الغايات التي خلق الإنسان لأجلها، وأنه لو كانت المركزية للدنيا، لو كانت المركزية المادية أو للحياة، لما استحق الإنسان أن تصبغ حياته باسم لا علاقة له بالفضية الدنيوية، وإنما الاسم مصبوغ كله متعلق بقضية الآخرة والغيب، النصرة لله وللرسول وكلها معاني إيمانية وغيبية. لكن هي القضية اختلاف المركزيات والثقل، وفي وقت يكون فيه الثقل والمركزية ينحى في المنحى الرسالي أو منحى الرسالة، تظهر هذه الآثار، وفي منحى ينخفض فيه هذا المعيار، ينخفض فيه هذه الآثار.
الفائدة الرابعة هي في يعني أيضاً أنا أريد أن أجعله آخر شيء لفضائل الأنصار، أو بعض ما ورد في فضائل الأنصار حتى الإنسان، لأنه هي كبيرة فهو الإنسان ما يريد أن يضيع وقت خفيف، لكن ممكن نذكر أنه إيش المقصود يعني ما المقصود آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار؟ والتعليق على هذا المعنى أيضا هو ممكن يكون في عدة فوائد. الفائدة الرابعة هي أن المقصود بالحديث هو ما يتعلق بعموم الأنصار وبجملة الأنصار، أو ما يتعلق بغضهم لهذا المعنى بمعنى النصرة أو حبهم لهذا المعنى الذي هو النصرة، جيد. أما إذا حصل خلاف بين مثلا شخص مهاجري وأنصاري فأبغض المهاجري الأنصاري فلا يدخل في هذا الحديث، لأن الحديث لا يتحدث عن أفراد الأنصار فردا فردا. واضح؟ عندما يتحدث عن جملة الأنصار ويتحدث من الجهة التي لقبوا لأجلها بالأنصار، واضح؟
الحديث لا يساوي آية الإيمان حب الأوس والخزرج وآية النفاق بغض الأوس والخزرج، وإنما يساوي آية الإيمان حب الأنصار الذين نصروا الله ورسوله، وآية النفاق بغض الأنصار الذين نصروا الله ورسوله. فبالتالي من أحب الأنصار ثم كان له موقف طبعا هذا ما يتأتى في وقتنا، بس أنا أتكلم عن السابق أيضا لأنه أيضا حصلت بعض المواقف. فحين يحصل موقف بين صحابي واخر فيبغض ولو أبغض صحابي صحابيا والمعنى ليس هو هذا المعنى والمدار ليس هو هذا المدار وإنما ذاك راجع إلى كون هذا فلان ابن فلان وهذا فلان ابن فلان حصلت بينهما مشكلة خارجة عن إطار قضية الأنصار، واضح؟
الفائدة الخامسة وهي أن هذا الحديث من هذا الجهة من جهة المحبة والبغض هو مرتبط بالحديث السابق حديث حلاوة الإيمان. ومن حلاوة من أسباب حلاوة الإيمان أن يحب المرء إيش؟ أن يحب الله، لا يحبه إلا لله، ومو بس لله يحبه، لا يحب إلا لله. وهنا محبَّتُكَ للانصار هي من محبَّتك للمرء الذي لا تحبه إلا لله. أنت الآن تسمع بأنس بن النضر وقصته، تحبه؟ تحبه، أليس كذلك؟ ممتاز، ترى هذا داخل في حلاوة الإيمان، داخل في الحديث حق حلاوة الإيمان، لأنه حديث حلاوة الإيمان ليس خاصا بمحبة في الأحياء، يعني مو خاص باصدقائك اللي تشوفهم الآن أو صديقاتك اللي ترينهم الآن، وإنما هو عام في أي محبة لشخص لا تحبه إلا لله. فمن أولى ذلك، من أولى ما يدخل في ذلك هو محبة الأنصار ومحبة المهاجرين. وبالتالي من علامات الإيمان حب الأنصار ومن علامات النفاق بغض الأنصار.
هنا الفائدة السادسة وهي أن القضية ليست مرتبطة فقط بالحب وأنه من علامات الإيمان، وإنما أيضا هي بالعكس. أيضا هي بالعكس وهي أن بغض هؤلاء هو من علامات النفاق. يعني ليس فقط أن تحب الأنصار لله، لا تحبهما إلا لله أن هذا من علامات الإيمان وكأنها يعني مجرد إكرام أو أو أو ثواب لا، وإنما هو أمر لو عملت بخلافه -لو عملت بضده وهو البغض- لكان هذا من علامات النفاق. وهذا يقودنا للفائدة الكم؟ السابعة. يقودنا للفائدة السابعة وهي مركزية وأهمية وقيمة وشرف من ينصر الله ورسوله، يعني قيمته عند الله حتى صار بغضه من علامات النفاق، والنفاق النفاق ما ورد في النفاق. فمن أهمية وقيمة وشرف نصرة الله والرسول صار بغض أولئك القوم الذين شهد لهم بنصرة الله ورسوله من علامات النفاق، لم يكن مجرد حبهم فيه ثواب وانه من من من علامات الإيمان، بل إن بغضهم فيه عقاب، وهو أن أن هذا يكون دلالة على على على النفاق. هذا هذا المعنى في غاية الأهمية، وهو يرجع إلى قضية الفائدة اللي ذكرتها سابقا في موضوع مركزية نصرة الله والرسول، وأنه سموا بذلك لهذه المعنى وغلب عليهم اللقب، هو هذا لشرفه أيضا. وهذا لشرفه حتى صار من علامات الإيمان إن كان أوجب المحبة ومن علامات النفاق إن كان أوجب البغض لهم.
المعاني المرتبطة بقضية المحبة والبغض هي معاني عظيمة جداً في الإسلام. وأيضاً أنا ذكرت ذلك في الدرس السابق، وكيف أن البغض كم أن الحب كما هو مطلوب، فالبغض كذلك مطلوب، والبغض يجب أن يوضع في محله، وإذا لم يوضع في محله قد يكون إشكالاً كبيراً جداً. ومن جملة ما يوضع في غير محله هنا إذا أبغض الأنصار.
بقيت مسألة قبل أن أقول فائدة ثامنة، قبل أن ننتقل إلى فضائل الأنصار، وهي: هل هذا الحديث خاص بالأنصار أو لا؟ هذا الحديث خاص بالأنصار أو ليس خاصاً بالأنصار؟
هذا الحديث تستطيع أن تقول إنه من جهة خاص ومن جهة غير خاص. فمن جهة أنه أولاً من جهة المعنى؛ من جهة المعنى هو ليس خاصاً، يعني من جهة المعنى أو من جهة السبب الذي لأجله الحديث، هو ليس خاصاً. ولكن الخصوصية من جهة مطابقة المعنى للأشخاص، يعني الشهادة لهؤلاء الأشخاص بأعيانهم أنهم طابقوا هذا المعنى، واضح؟
أما بقاء الحب لمعنى نصرة الله ورسول، يعني بقاء حبك لمعنى من ينصر الله ورسوله، وأنه من جملة ما يحبه الله، وأنه من جملة العلامات الدالة على إيمان الشخص، فهذا باقٍ. وهو أصلاً من جملة ما لا يحبه إلا لله، والمحبة لله هي أصلاً من علامات الإيمان.
وهذا الحديث أصلاً هو من جملة تستطيع أن تقول هو نوع من التخصيص أو من ذكر الخاص بعد العام، وإن كان في سياقين مختلفين. وكذلك البغض، بغض من ينصر الله ورسوله -ولا لاحظ لا نتكلم هنا عن شخص- فهذا قد يكون من علامات النفاق حتى بعد الصحابة وحتى بعد القرون الأولى. ولكن الإشكال أين؟ الإشكال هو في الجهة الأخرى، وفي جهة المطابقة، يعني في جهة مطابقة هذا الوصف على الأشخاص، أنه هل يتحقق في هذا الشخص فعلاً نصرة الله ورسوله؟
ولذلك، إذا اشتبه على الإنسان فأبغض أو أحب مع وجود حالة الالتباس، فلا يدخل في هذا المعنى، ولكن أيضاً يجب على الإنسان الانتباه والحذر في أنه يتعامل مع من عرف بنصرة الله ورسول، يتعامل معه بشيء من الحساسية في هذه النقطة، أنه يخشى الإنسان أنه يدخل في هذا الإشكال، أنه يكون من علامات النفاق.
طبعا هذا الآن تستطيع أن تبصره في مثلا من يبغض -حتى في المعاصرين يعني- في من يبغض أي داعي يريد الإسلام، يريد إحياء الإسلام، يريد التمكين للإسلام أو اعزاز الإسلام، طبعا ليس بالدعاوى فقط؛ أن هناك من يدعي هذه الدعوة ويدخل في إشكالات ووثائق، يعني هناك من دخل في أبواب مثلا استحلال دماء المسلمين بدعوى نصرة المسلمين واعزازهم، هذا باب بشيء آخر لا. هناك من يكره ويعادي كل من يريد التمكين للإسلام وإحياء الإسلام، أياً كانت الوسيلة؛ دعوية، خيرية، أياً كانت الوسيلة. هنا لك أن تستحضر هذا الحديث، وهو أن آية النفاق بغض الأنصار، وأيضاً آية النفاق من يريد نصرة الإسلام وإحياؤه وعزته وكرامته، وإن كان هذا ليس مرتبطاً بالافراد والاشخاص.
يعني لا يجعل مدار هذا الحديث على فرد؛ من أحبه فهو مؤمن، من أبغضه فهو منافق، وإنما الفكرة في الصفة. فمن وجدته محباً لمن يحب الإسلام ومحباً لمن يريد نصرة الإسلام، ويوافق السنة في هذه النصرة، فهذا من علامات الإيمان وآياته. ومن وجدته مبغضاً ومعادياً لجملة من يريد اعزاز الإسلام ونصرته، مع موافقتهم للسنة ومع اعتدالهم، فهذا من جملة علامات النفاق. واضح المعنى؟ واضح المعنى بشكل جيد.
إذن هذه الفائدة والتنبيه الأخير، حتى تتضح معالم هذا الحديث، ننتقل للفائدة الأخيرة، وهي في شيء من فضائل الأنصار أو في شيء مما يرتبط بهذا الاسم الشريف، سواء من جهة المعنى الذي أوجب لهم هذا الاسم، أو من جهة الفضائل التي وردت لهذا الاسم، وهو باب كبير أصلاً. هو كتاب من كتب البخاري؛ البخاري في الصحيح جعل كتاباً خاصاً اسمه كتاب مناقب الأنصار، هو في كتاب فضائل الصحابة وفي كتاب مناقب الأنصار. هذا فقط في البخاري، تذهب إلى مسلم، إلى كتب السنة بشكل عام، ستجد أحاديث كثيرة -طبعا قبل ذلك في القرآن- وبالتالي الانسان لا يمكن أن يأتي لا على كل ولا على أكثر ما ورد في ذلك، خاصة أن الفائدة الأخيرة وفي الختام لا يحب أن يغادر هذا المقام إلا وقد ذكر شيئاً من هذا المعنى، من الفضائل، أو خلنا نقول من المعاني الجميلة جداً الواردة في الأنصار.
أن الحديث هذا يتكلم عن ايش؟ عن المحبة، صح؟ الإيمان حب الأنصار. طيب، الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه كيف كانت محبته للانصار؟ هذا المعنى جميل جداً.
والبخاري، الإمام البخاري أخرج حديثاً في محبة النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار، مرت مجموعة من الأنصار النساء وصبيان. الشرح للذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم عجيب جداً ويدل على مقدار الامتنان ومقدار المحبة لهم. قال: فقام النبي صلى الله عليه وسلم ممتناً وقال: اللهم أنتم من أحب الناس إلي، لما رآهم قام ممتناً وقال: اللهم أنتم من أحب الناس إلي. حضور هذا المعنى في قلب النبي صلى الله عليه وسلم وفي حياته بشرف هذا العمل الذي عملوه.
طبعا هو له أكثر من رواية، واحدة منها في البخاري، واحدة منها من روايات البخاري قال أنس بن مالك رضي الله عنه: جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها صبي لها، فكلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «والذي نفسي بيده، إنكم أحب الناس إلي» مرتين. تخيل هذه المرأة جات ومعها الصبي وهي من الأنصار، انتهت قضيتها وحاجتها، ثم يقول لها النبي صلى الله عليه وسلم بالقسم: «والذي نفسي بيده إنكم أحب الناس إلي» حتى هذه الرواية، ثم يعيد فيقول: «والذي نفسي بيده إنكم أحب الناس إلي».
طبعا هي المرأة تفهم جيدا أنه يقصد الأنصار، هو لا يخاطر هذه المرأة بعينها، هو أنتم يعني أنتم أيها الأنصار أحب الناس إليه.
يعني يبدأ شرف الأنصار من ليلة العقبة، من حين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم مبايعين له على الإسلام، متعهدين له بنصرته، وبأن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأولادهم. وهذا الموقف موقف يعني إذا أنت تريد أن تقول ما هي اعظم المواقف التي عملها الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ يعني استعرض السيرة النبوية، مستخرج أعظم ثلاثة مواقف قامها الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم.
وانتم تعلمون أن معيار تفضيل الصحابة على غيرهم هو قيامهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، اليس كذلك؟ هذا الذي جعلهم يسبقون غيرهم. وهذا المعنى الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه».
هذا الحديث انت سر بخيالك وتخيل ما يمكن أن تعمله من عمل من حيث الكثرة والضخامة، وقارن بما فعله الصحابة، واعلم أن المفاوز بيننا وبينهم واسعة وعظيمة جداً. حسناً، ما الموجب الذي جعلهم جعل لهم هذا الشرف؟ هو قيامهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حسناً، قاموا هم معه صلى الله عليه وسلم في مواقف كثيرة، بهذه المواقف واستعرضها، ثم استخرج منها أعظم ثلاثة مواقف، لابد وبدون شك وبدون ريب أن ليلة العقبة ستكون منها، إن لم تكن أعظم موقف، إن لم يكن أعظم موقف في السيرة على الإطلاق في كل الثلاثة وعشرين سنة النبوية لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم والقيام معه. إن لم يكن موقف ليلة العقبة، فلا شك أنه من أعظم ثلاثة مواقف، وأنا أظن وأعتقد أنه أعظم موقف قامه الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يكاد ينافسه في الموقف إلا يوم بدر.
ويوم بدر قال الله فيه لأهل بدر -في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري، أخرجه البخاري-: «وما يدريك، لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».
أي هذا.. طيب، أهل بدر ايش تميزوا عن البقية؟ ايش المعنى؟ نصرة الإسلام، نصرة الله والرسول في يوم مصيري من أيام الإسلام. عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه المصيرية بقوله: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض»، يعني ينتهي الإسلام، الذين بقوا هم خلاصة أهل الأرض، فنصروا الله ورسوله في ذلك الموطن فقيل لهم ذلك.
بل وفي البخاري حديث عجيب في قضية يوم بدر هذه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم -نسيت اللفظ بالضبط، لكن معنى أنه من أفضل الصحابة أو بهذا المعنى- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أهل بدر، وقال جبريل: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة؛ أفضل الملائكة.
لاحظوا كيف أيضاً صبغ يوم بدر من حضره وحتى ترى حتى باللقب؛ البدريين أو البدريون، وكان عمر بن الخطاب يعطي البدريين من العطاء أكثر مما يعطي من غيرهم. وهذا البدريين الآن اسم، يعني هو الشخص قد يكون له اسم أنه أنصاري وانه بدري، وهذا يذكر في السير فيقال: أنصاري بدري.
نرجع إلى ليلة العقبة، اللي هي خاصة بالأنصار، ما شاركهم في أحد، هي ليلة الأنصار. ايش اللي يدل على شرف هذه الليلة، غير قضية المعنى اللي موجود فيها أصلاً وليس أذكر بعد قليل؟
واحد من الأشياء اللطيفة أنا قلت إنه هي بدر أو العقبة، صح؟ أو العقبة؛ كعب بن مالك لما تخلف عن غزوة تبوك، المتخلف عن غزوة تبوك قال في بداية الحديث وهو يسرد قصته: لم أتخلف -هذا في البخاري أيضاً- لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة بدر، وقد شهدت ليلة العقبة، وما أحب أني شهدت بدراً ليلة العقبة، وإن كانت أذكر في الناس منها، كذا يقول، وإن كانت أذكر في الناس منها يعني وإن كانت بدر أكثر ذكر؛ الناس يشكرونها أكثر وهي أشهر.
لكن كعب بن مالك يقول -تعرف الصحابة الذين ما شهدوا بدراً ندموا- هو يقول: إذا تبي تخيرني بين ليلة العقبة وبين بدر، لا، ترى ما راح اختار بدر، راح اختار ليلة العقبة. واضح القيمة والمركزية والشرف؟ أن الإسلام المتمثل في شخص النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تلك العصبة والثلة التي معه في مكة، كان يسير في طريق، بعد ليلة العقبة انتقل إلى طريق آخر تماماً، ننتقل إلى منزلة ومرتبة أخرى تماماً من حيث التمكين والانتقال إلى أشياء كثيرة.
ليلة العقبة هي التي تعهد فيها الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم بأنهم سيوفرون له داراً يمكنه أن ينتقل إليها، ويتحول مركز الإسلام من مكة إلى المدينة. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يحاول مع القبائل، وليت شعري الإنسان كيف يعبر عن الخسارة التي فاتت القبائل الذين رفضوا إيواء النبي صلى الله عليه وسلم.
الآن المدينة، كل المسلمين يحبون المدينة، ومحبتهم للمدينة فرع عما حصل في ليلة العقبة. وهنا، لو لم يتوافقوا على الاسلام والحماية في ليلة العقبة، حنا ما عرفنا المدينة يمكن، ولا ما زادت على أن تكون بقعة من البقع بين الجبال تسمى يثرب وفيها نخل، كان فيها بعض اليهود أو شيء من العرب، بس انتهينا، نقطة مثلها مثل أي منطقة أخرى.
كل هذا الشرف للمدينة التي يقصدها ملايين التي مر عليها منذ النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، مليارات البشر، والتي تفيض الأعين شوقاً إليها، تجمع الأموال لسنوات طويلة حتى يسافر إليها وإلى آخره من الأشياء التي نعلمها، كل هذا فرع عما حصل في ليلة العقبة ليلة الأنصار. ولو أن قبيلة أخرى تعهدت للنبي صلى الله عليه وسلم بذلك، لكل ما كان للشرف من المدينة، كان سينتقل إلى تلك المنطقة وإلى تلك البقعة وإلى تلك القبيلة التي آوت النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم رفضوا.
يمكن قبائل رفضت، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض نفسه على القبائل، وأنتم تعلمون أن هذه الآن صورة أخرى مهمة جداً جداً. احنا كم أخذ في الوقت الآن؟ طيب، صورة مهمة جداً تظهر قيمة ليلة العقبة، ترى أنا لو ما ذكرت فضل للأنصار إلا ليلة العقبة تراها كافية، يعني ما يحتاج الإنسان يذكر شيئاً آخر.
الآن واحدة من الأشياء التي ذكرت في فضل ليلة العقبة، اللي هي ايش؟ موقف كعب بن مالك، أنه يقول تراها، يعني لو خيرتني بين بدر وليلة العقبة، ترى بختار ليلة العقبة. واحد من المواقف أن الإسلام كان في اتجاه، وانتقل لاتجاه آخر بعد ليلة العقبة.
طيب في شيء ثالث يدل على شرف تلك الليلة ومنزلتها أو منزلتها العظيمة جداً؛ وهو إيش؟ وهو أن تنظر إلى أصعب موقف مر على النبي صلى الله عليه وسلم في حياته لما سألته عائشة: يا رسول الله، هل مر عليك يوم كان أشد عليك من أحد؟ في البخاري أيضاً، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل ابن عبد فلان فلم يجبني إلى ما أردت».
يعني كان موقف عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على الناس الذين لم يجيبوه، واحد منهم كان أشد موقف مر عليه في حياته كلها. وبالتالي يمكنك لو عكست القضية أن تفهم معنى وقيمة القبيلة أو الناس الذين قبلوا عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه. واضح المقارنة؟ هي مقارنة صحيحة، مقارنة عكسية تماماً. يعني عائشة لما نظرت إلى الدماء التي سالت في أحد، وإلى فقد النبي صلى الله عليه وسلم لحمزة، وإلى فقد النبي صلى الله عليه وسلم لمصعب بن عمير ولسبعين من الصحابة، ظنت أن ذلك الموقف هو أشد موقف النبي صلى الله عليه وسلم بين لها أنه الأثر المعنوي أشد من الأثر الحسي.
الأثر المعنوي أشد من الحسي. الحسي هو الفقدان، فقدان الأشخاص والدماء التي سالت؛ لكن ذاك الموقف الذي عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على ابن عبد يا ليل ابن عبد فلان، أحد رؤساء العرب أو القبائل، فرفض ورد النبي صلى الله عليه وسلم كان أشد موقف عليه في حياته. اعكس القضية إذاً: من أجل المواقف التي يحبها النبي صلى الله عليه وسلم والتي سيكون لها شأن عند النبي صلى الله عليه وسلم هي من قبله حين عرض نفسه.
وليلة العقبة حقيقي ليلة مركزية جداً، ولها في الإسلام شأن عظيم. لها في الإسلام شأن عظيم جداً، وتفاصيلها مذكورة؛ يعني يمكن للإنسان يرجع إلى كتب السيرة ويجد تفاصيله. طبعا أكثر الناس كان فرحاً بليلة عقبة هو كعب بن مالك، لذلك هو أصلاً أحد الرواة المشهورين في قضية تفاصيل ليلة العقبة، بإسناد من الأسانيد أيضاً الجيدة، صححه حديث عند ابن حبان وأخرجه ابن إسحاق في السيرة، اللي هو ذكر فيه التفاصيل لمن جاؤوا وتكلموا وايش قالوا، قال النبي صلى الله عليه وسلم وكذا وتعاهدوا لمن جاء العباس وبقية قصة جميلة جداً؛ شرح فيها قصة طويلة، شرح فيها ما الذي حدث في ليلة العقبة.
ولا أدري وإن كنت لا أستغرب أن يكون الإمام البخاري قد تعمد أن يأتي بالحديث التالي - افتحوا الحديث التالي انظروا ما هو - ذكر فيه ليلة العقبة، بداية العقبة عرضاً؛ لأن هو الحديث ليس في يعني هو الحديث لا يدور على فضل الأنصار، أليس كذلك؟ الحديث في كتاب الإيمان أصلاً. ايش بوب عليه البخاري؟ نشوف الحديث بدون أنواع تماماً، لكن الحديث في كتاب الإيمان، في كتاب الإيمان، جيد.
طيب الآن الحديث هذا الثاني إيش علاقته بالموضوع؟ طبعا إحنا أدينا التفاصيل، لكن لفتة أنه أنه في استطراد في الحديث، وكان قد شهد بدرا وهو أحد النقباء ليلة العقبة. واضح أنه أحد النقباء ليلة العقبة بعد حديث آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار؛ مما عودنا البخاري من الربط الغامض الذي يفعله، قد يكون قصد هذا المعنى، أنه قصد أن يأتي بهذا الحديث بعد آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق والأنصار عشان الاستطراد هذا اللي هو وكأنه شهد ليلة العقبة، وليس بالضرورة أنه يكون ساق الحديث كله ولاجل ذلك، لكن أنه راعى في الترتيب هذا المعنى.
في فضائل الأنصار، الحديث المشهور يعني هو يمكن أشهر حديث في فضائل الأنصار اللي هو في حنين؛ يعني هذا الحديث كأشهر حديث ربما في فضائل الأنصار، وهو الحديث الذي جبر النبي صلى الله عليه وسلم فيه الأنصار جبرا لا يمكن أن يكسروا بعده، لا يمكن أن يكسر بعده. هم حزنوا، أو حزن أناس منهم لأجل ما حصل في تقسيم الغنائم.
النبي صلى الله عليه وسلم كان عنده قاعدة في الأموال: العطاء ليس بقدر المحبة. العطاء ليس بقدر المحبة، بل أحياناً يكون دلالة على العكس. العطاء المالي ليس بقدر المحبة، أحياناً يكون بالعكس. ولذلك في البخاري أيضاً، في البخاري النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأعطي الرجل و غيره أحب إلي منه». والنبي صلى الله عليه وسلم أيضاً في البخاري، أما في نفس الحديث أو في حديث آخر، قال: «إني أعطي أقواماً أتألفهم، وأكل أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الإيمان»، منهم عمرو بن تغلب.
طبعا عاد شوف الشرف الذي حازه عمرو بن تغلب بهذا الحديث، حديث صحيح البخاري يعني باللفظ تماماً. معنى أنه النبي صلى الله عليه وسلم يعطي الشخص يتألفه بالمال، هذا معناه أنه الشخص فيه نوع من النقص الذي يحتاج أن يجبر للتحبيب بالمال، واضح. وإن كانت قسمة الغنائم هي قسمة شرعية لا إشكال فيها يعني ليس من هذا المعنى، وإنما المقصد أنه أحياناً تزيد يعني النبي صلى الله عليه وسلم يزيد في سهم أشخاص ويرفع، وأحياناً يجعل شيء على حساب شيء إذا لاحظ النبي صلى الله عليه وسلم معنى تأليف القلوب لأجل الإسلام.
فلما جاءت حنين كانت الغنائم كثيرة، وكان هناك للتو قد أسلم سادة من سادات العرب دخلوا في الإسلام، وكان منهم من إيمانه واضح أنه بل وبعضهم ربما لم يكن إيمانه صادقاً أصلا، لذلك صرح بعضهم قال: إنه كان أبغض الناس إلي فلم يزل يعطيني حتى صار أحب الناس إلي. وبعض من أعطاهم تلك الغنائم الكبيرة ارتدوا بعد وفاتي. بعض السادة الذين أعطوهم في حنين ارتدوا بعد وفاتهم. كان تأليف القلوب بالمال لما لديهم من نقص الإيمان، واضح.
أما الأنصار، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يخشى على إيمانهم، ولم يكن يتردد أبدا في أنه لو لم يعطهم من المال هم لا يحتاجون إلى شيء دنيوي حتى يزيد إيمانهم، ولذلك أعطى أولئك ولم يعط الأنصار، وكأنهم وجدوا في أنفسهم؛ ليس من الناحية الإيمانية ما راحوا زي ذاك الخارجي اللي قال: اعدل، أو لم يشك في الإسلام، أو لم يشك في النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما اخذوا في أنفسهم وفي خاطرهم أنه ترى يعني البعض يحسب أن عطيته وما عطيته هي مو كذا أنه أعطيتهم ما أعطيتهم، هي الفكرة عبروا عنها بعبارة جميلة جداً، قالوا: يا رسول الله، أعطيت هؤلاء وتركتنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. هي هذا المعنى: أنه يا رسول الله، دماؤهم لا تزال في سيوفنا حتى لو قاتلناهم، يعني هؤلاء أعداؤك كانوا قبل قليل في صف الأعداء الذين قاتلوهم وسيوفنا لا تزال تقطر من دمائهم، ثم لما تحصل الغنائم تعطيهم هم اللي إحنا قاتلناهم وما تعطتنا إحنا.
طبعا هذا بعض الأنصار قالوا هذا، والنبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى سعد بن عبادة أظن، فسأله عن هذا الموقف، وقال: أنا رجل من قومي. النبي صلى الله عليه وسلم جمع الأنصار وخطبهم تلك الخطبة الشهيرة العظيمة التي بعد تلك الخطبة أخذوها وساماً وعلقوه في صدورهم كلهم، يعني صاروا يفاخرون به الناس بعدهم. وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: «ألا ترضون؟ ألا ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم». هنا يعني الصحابة طبعا تعرف كان كان ردهم بكاء، ردهم بكاء، يعني النبي صلى الله عليه وسلم عاد أزال هذه الغبار الدنيوي الذي لحق قلوبهم في تلك اللحظة.
ثم قال: «لولا الهجرة لكونت امرأً من الأنصار». الأنصار شعار والناس دثار. الشعار هو اللباس الذي يلي الجلد الجسد على طول، والدثار اللي يلبس فوق الشعار. شو التشبيه؟ أنت الآن مثلاً تلبس طبقتين، الطبقة الملاصقة لجسدك هذي الشعار، والطبقة اللي فوقها دثار. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: منزلتكم مني كمنزلة الشعار من جلد الإنسان وجسده، ومنزلة الناس كمنزلة الدثار. اللهم اغفر للانصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار.
وأيضاً قال فيها: «ولو سلك الناس وادياً وشعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبه». هذا الحديث هو وسام شرف تفاخر به الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، ويفتخر به من كان بقي ممن ينتسب إلى الأنصار، وإن كان قد تحققت فيهم علامة من علامات النبوة العجيبة جداً، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الأنصار سيقلون. الأنصار الأنصار هنا ليس الوصف لا ليس الوصف المعنوي اللي هو النصرة لا، وإنما الأنصار هؤلاء القوم الذين اللي هم الأوس والخزرج الذين لقبوا بالأنصار، لكن خلاص الأنصار هو الاسم، حتى لما النبي صلى الله عليه وسلم استعمل الآن هذا استعمال في المعنى النسبي، أليس كذلك؟ في مقال: الناس يكثرون والأنصار يقلون. الأنصار هنا المقصود بهم المعنى النسبي صح؟ حتى لما نستعمل المعنى النسبي استعمل الاسم الشرعي، أنه غلب عليهم حتى في سياق النسب، واضح. وقال: «الناس يكثرون والأنصار يقلون».
وهذا عجيب جداً سبحان الله، الآن معروف بين أهل الأنساب وأهل المتخصصين في هذا المجال أن الأنصار قليل جداً، يعني من بقي من الأنصار من من ينتسب نسبة صحيحة إلى الأنصار عدد قليل جداً، بينما القبائل التي كانت موجودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم الآن كثيرة جداً، كثير يعني أقصد أحفادهم، كثير من القبائل الموجودة اليوم هي تمتد إلى وقت النبي صلى الله عليه وسلم، طبعا امتداد لغطفان، أو امتداد لطي، أو امتداد بني عامر، أو امتداد بني إلى آخره، يعني في قبائل كثيرة في وقت النبي صلى الله عليه وسلم ولا تزال تمتد لله، جهينة مثلاً يعني أيضاً وردت فيهم بعض الأحاديث.
أما الأنصار فكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قلة، حتى صاروا اليوم من أقل الناس من جهة النسبة الصحيحة الثابتة. الشاهد أن المفاخرة وافتخار الأنصار بذلك الوسام الذي علق على صدورهم يوم حنين هو افتخار بقي لهم أبد الدهر.
الكلام عن الأنصار هذا كله ما ذكرته، كل ما ذكرته هو فقط من جهة المجموع. وإذا نظرت من جهة الأفراد، وهذا باب آخر، وإن كان ليس خاصاً بأفرادهم، يعني هو في الأخير الأفراد هؤلاء يشكلون مجموعة، يعني أنت فيك تكلم عن فضائل الأنصار باسمهم، وفيك تكلم تقول: انظروا ماذا فعل الأنصار، فتعدد: أما سعد بن معاذ فكذا، واما أسيد بن حضير ففعل كذا، وأما أنس بن النضر ففعل كذا، وأما وأما وأما وتعدد الأنصار الذين فعلوا وفعلوا وفعلوا فتقول: انظر إلى الأنصار. أنت ما أنت جالس تقول: انظر إلى سعد بن معاذ، واضح. يعني فيك تكلم عن سعد بن معاذ باعتباري سعد بن معاذ، وفيك تكلم عن سعد بن معاذ باعتباره فرداً من الأنصار أو سيد الأنصار.
فلما يكون سعد وفلان وفلان وفلان وتعدد ما شئت من أفراد الأنصار، فتذكر مواقف أفرادهم، فهذا من شرف الأنصار. ألا يكفي الأنصار شرفاً أن يكون سيدهم قد اهتز لموته عرش الرحمن؟ وهذا حديث صحيح أيضاً، النبي صلى الله عليه وسلم قال في سعد بن معاذ: «اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ». يكفيهم شرفاً أن نزل في أحدهم قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: 23]، هذه نزلت في أنس بن النضر. بل وحتى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: 169-170] إلى آخر الآيات نزلت في الأنصار، نزلت في والد جابر بن عبد الله الأنصاري اللي هو عبد الله بن حرام. وقل ما شئت، قل ما شئت الأنصار.
أنت يعني سالم يستحضر هذا المعنى التفصيلي، يفهم جيداً آية الإيمان: حب الأنصار وآية النفاق. تخيل بعد هذا كله تجد من يبغض الإنسان. طبعا ما أنسى أيضاً في كل هذا السياق التي سقتها الآية المركزية في سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]. هذا ثابت أيضاً في الصحيح تفصيل الإيثار هذا. الأموال، إيش إيش كيف هذا ممكن يكون؟ الزواج؟ إيه، بس كيف ممكن يكون هذا؟ يعني كيف أنت الآن أنت الآن ترى صعب أحد يعملها، ممكن ترى شخص واحد يعملها مع شخص استثنائي، بس أن الأنصار كذا كلهم ينزلوا للمهاجرين عن أموالهم، عن عن، هذا معنى شي شي صعب جداً. الله سبحانه وتعالى وصفهم وشهد لهم بهذه.
ثم بعد هذا كله تفهم خذلان وضلال من يببغض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كالرافضة، الذين يعني عن عن أكثرهم ليس فقط بغض، وإنما يعني طبعا الشتم والسب واللعن، وعن بعضهم وعن كثير منهم التكفير. يعني هذه القضية لم تنته إلى اليوم، وبعضها لا يزال موثقاً ومسجلاً، أنه يتم مثلاً لعن أبي بكر وعمر، ويتم كرهك لأنك من أحفاد أبي بكر وعمر ومن أحفاد الصحابة. وإذا كان من آيات النفاق بغض الأنصار، من باب أولى أن يكون من آيات النفاق بغض المهاجرين معهم.
أبو بكر وعمر على وجه الخصوص رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وهذا يعني هذا واحد من وجوه ضلال الرافضة، هذا واحدة من الوجوه يفهم الإنسان مقدار الخذلان الذي خذلوا به ومقدار الضلال الذي هم فيه.
على أي حال، الرحلة لا تنتهي مع الأنصار، والإنسان يعني يشعر بالتقصير الشديد وهو يتكلم عن الأنصار ولم يذكر إلا هذا يعني يذكر لم يذكر إلا شيئاً مختصراً مما يمكن أن يققال فيهم.
نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجمعنا بالأنصار عند حوض النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يمتعنا بصحبتهم في الجنة، وأن يرضى عنهم، وأن يحيي ذكرهم، وأن يرزقنا اتباع سبيلهم.
وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد