﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 148].
بسم الله الرحمن الرحيم، أيها الأحبة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بعد أداء مناسك الحج وتحقيق حلم العمر الذي طال انتظاره، اختلطت دموع فراق الحجاج للمشاعر المقدسة بمشاعر الشوق إلى المدينة المنورة، إلى طيبة الطيبة، إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى تلك البقاع التي مشى على ترابها وتنقل بين معالمها أكرم الخليقة على الله حبيب القلوب ونور الأبصار عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، إلى المدينة التي انتشر النور منها إلى العالم كله، إلى مدينة المهاجرين والأنصار. إذا عدت ليالي السعد يوماً فأولها ليالينا بطيبة، أكاد إذا تراءى لي حماها أعانقها وألثم خير تربة.
أهلاً ومرحباً بكم أيها الأحبة مع هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم فاستبقوا الخيرات. حديثنا اليوم عن زيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمدينة المنورة، عن تلك المدينة التي تهفو إليها القلوب وتشتاق إليها النفوس. لكن قبل ذلك سيكون حديثنا عن أهم أحكام الحج التي مرت معنا في الحلقات الماضية، ثم سيحدثنا ضيفنا فضيلة الشيخ الدكتور سعيد البدوي المري عن المدينة المنورة.
حياك الله يا شيخ، اليوم شغل وايد وعندنا واجبات كثيرة، الله يعين. حياك الله يا أبا والمشاهدين الكرام. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، حقيقة الكلام عن المدينة يحتاج إلى حلقات وللأسف أننا ما عندنا إلا وقت ضيق محدد، لكن لعل الله سبحانه وتعالى يأتي فيه بالخير إن شاء الله.
بالنسبة لما ذكرته في البداية أننا سنبدأ بتلخيص ما سبق من الحج أو ذكر أهم المباحث التي مرت معنا، أنا أعددت جداول يمكن أن نلخص فيها ما مر معنا، ليس نلخص ما مر معنا، وإنما نلخص أهم ما مر معنا، وهي الأشياء التي ينبغي على المسلم أن لا يغفل عنها. أول تلك الأشياء طبعاً هي ستة، أنا قسمتها ستة أقسام: الحج والعمرة. ينبغي على المسلم أن يعرف ستة أشياء؛ الشيء الأول متعلق بالحاج والمعتمر نفسه وهي شروط الوجوب، وتلك الشروط ستة شروط: الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والاستطاعة، والمحرم بالنسبة للمرأة طبعاً في بعض المذاهب.
فالخمسة الأولى متفق عليها، فلا يجب إلا على المسلم العاقل البالغ الحر المستطيع، وهذا كله تكلمنا فيه وفصلنا عنه. أيضاً هناك أنواع المناسك التي يختارها الحاج أو الحاجة، وهي ثلاثة أنواع: الإفراد، وهذا الذي بدأ في الآية ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، والتمتع، والقران. هذه ثلاثة أنواع، وذكرنا الفروق بينها، والفروق بينها سيعلمها المسلم إذا عرف الأركان والواجبات.
فأركان الحج وأركان العمرة؛ لو تلاحظ هناك اشتراك بين أركان الحج وأركان العمرة في ثلاثة أشياء، فأركان العمرة كلها وهي الإحرام وهي النية، والطواف والسعي. هذه أركان العمرة يضاف إليها الوقوف بعرفة. فأركان الحج هي نفس أركان العمرة لكن هناك فرق بين مكان أو وقت الطواف بالنسبة للحج؛ وقت الطواف الذي هو ركن بالنسبة للحج هو طواف الزيارة وهو بعد الوقوف.
فإذاً الحج أركانه أربعة؛ أركانه إحرامه، وأن يطوف بعد إفاضة، وسعي، ووقوف. يعني أن يطوف طواف الإفاضة وأن يسعى، وكذلك الوقوف بعرفة. إذا الترتيب بالنسبة للأركان: الإحرام، ثم الوقوف بعرفة، ثم طواف الإفاضة، ثم السعي، هذا بالنسبة للحج. العمرة ترتيبها: الإحرام، ثم الطواف، ثم السعي. أما الحلق فسيأتيك في الواجبات.
الآن نأتي إلى الواجب؛ الأركان إذا لم نأتِ بها لا يصح الحج ولا العمرة، فأي شيء من هذه الأركان يترك لا بد أن يعود الناسك ويأتي به، فهذه الأركان لا يصح عمل بدونها. عندنا الواجبات يصح العمل بدونها لكن بجبران، أن تذبح هدياً يجبرها الدم. الواجبات لو تلاحظ العمرة لها واجبان فقط: الإحرام من الميقات، والحلق أو التقصير.
فالركن هو النية، والواجب هو مكان النية. فلو أوجدت النية في الحرم وليس في الميقات، رحت إلى مكة مثلاً وطفقت وتركت الميقات وتجاوزت وأنت بلباسك، فلما أشرفت على مكة أحرمت، هنا يصح حجك ويصح عمرتك لأنك أحرمت، والإحرام ركن، وعليك ذنب بمجاوزة الميقات لأن من الواجبات الإحرام من الميقات.
والحج يزيد بواجبات، وهي الوقوف إلى الغروب. الوقوف بعرفة ركن، صحيح، لكن إلى الغروب هذا واجب. إذا وقف لحظة واحدة في عرفة اكتمل حجه لكن عليه الواجب. ثم المبيت بمزدلفة، ثم المبيت بمنى ليالي التشريق ثنتين للمتعجل وثلاث لغير المتعجل. والمبيت هو المكث في مزدلفة، ثم المبيت في منى. يوم التروية سنة، لكن ليالي التشريق هذا واجب.
ثم يأتينا بعد المبيت بمنى الذي هو واجب رمي الجمار. الوداع أيضاً واجب، وهذا عند الجمهور، واختلف وخالفهم المالكية. إذاً سبعة الواجبات التي تجبر بدم، فلو لم يأتِ في الحج إلا بالأركان الأربعة صح حجه، لو ترك الواجبات كلها ذبح بدنة كفت عن هذا كله، لكن على الإنسان أن يأتي بالواجبات كما هي.
السنن كثيرة جداً، ولم أجد من حصرها كما حصرت الواجبات والأركان لأن السنن جاءت في طيات كلامهم. لو بحث باحث جاد وأخرج كل ما هو سنة يكون عشرين أو ثلاثين أو نحوها، منها: طواف القدوم، الرمل في طواف القدوم، الاضطباع، ركعتا الطواف، التلبية، استلام الحجر الأسود وتقبيله، ودعاء السعي، واستلام الركن اليماني، والشرب من زمزم.
بالنسبة للتلبية، قول الجمهور أنها سنة، لكن من العلماء من يقول إنها فرض، ومنهم من يقول إنها واجب، كالحنفية الذين يجعلونها بمثابة التكبير بالنسبة للصلاة، فلا يصححون الإحرام إلا بها. والمالكية يرون أن من أخرها عليه دم لأنها واجبة عندهم. الذي عليه الشافعية والحنابلة أنها سنة، وهذا الذي عليه الأكثر. وتنقطع التلبية بالنسبة للحاج عند رمي الجمرة، وبالنسبة للمعتمر عند بداية الطواف.
أما المحظورات فهي تسع محظورات: حلق الشعر، وقلم الأظافر، والطيب، ولباس المخيط للذكر، وتغطية الرأس بالنسبة للرجل، وتغطية الوجه بالنسبة للمرأة، وكذلك الكفوف.
والاصطياد، والمراد به صيد البر، وعقد النكاح أي الزواج، والمباشرة وهي ما قبل الجماع، والوطء وهو الجماع. هذه تسعة محظورات.
خطر ببالي سؤال بعدما ذكرت المحظورات، وهو أن عقد النكاح إذا تم وهم محرمون، هل هذا العقد باطل؟ نعم باطل. وهل يترتب عليه طلاق؟ لا، لأن أصل العقد غير موجود أصلاً حتى يقع الطلاق. إذا كانوا متزوجين وطلقها في الحرم لا يقع في الحرم، إنما المنهي عنه هو الخطبة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يخطب المحرم ولا يُنكح ولا يُنكح»، وفي حديث آخر: «لا يخطب المحرم». فالممنوع هو عقد الزواج.
أما الرجعة فليست ممنوعة، كإرجاع الزوجة المطلقة إذا كانت رجعية؛ لأن الرجعية هي التي بقي من طلاقها شيء وما زالت في العدة. فإذا طلق الرجل امرأته طلقة واحدة وأراد أن يرجعها قبل أن تنتهي عدتها وكان محرماً، هل له ذلك؟ نعم له ذلك. هذا موضوع فقه الزواج، وسيكون لنا إن شاء الله موسم من ثلاثين حلقة عن فقه الزواج؛ لأن فيه أموراً كثيرة فعلاً في البيوع والمعاملات.
قبل أن ننتقل، دعني أفصل في المحظورات بشكل بسيط؛ فمنها ما عليه فدية ومنها ما لا فدية فيه. الذي لا فدية فيه واحد وهو عقد النكاح، يكون النكاح باطلاً وليس عليه فدية. أما ما قبله من الصيد ففيه جزاء الصيد، ولدينا خمسة أشياء فيها دم أو صيام أو إطعام، يخير المحرم بين هذه الثلاثة: الحلق، وتقليم الأظافر، والطيب، وتغطية الرأس للذكر أو الوجه للمرأة، ولباس المخيط للرجل.
أما المباشرة والوطء ففيهما دم أيضاً، لكن الوطء يفسد الحج كما يفسد العمرة إذا كان قبل التحلل. يفسد بمعنى أنه يجب عليه المضي فيه، ولا تُكتب له حجة، بل عليه قضاء حجة في عام آخر. هذا إذا كان قبل التحلل. وما بعد التحلل الأول، فالحج صحيح ولكن عليه بدنة. فالوطء عليه بدنة سواء كان قبل التحلل أو بعده، لكن قبل التحلل يفسد الحج وعليه المضي فيه، وبعد التحلل يكون الحج صحيحاً وعليه بدنة فقط. ويقول بعض العلماء إن من حج هو وزوجته فعليهما أن يفترقوا في الحج حتى يتموا مناسكهم. الله المستعان.
متى ناويين السفر؟ غداً إن شاء الله. على وين؟ رايحين الحج إن شاء الله. بالمبارك موفقين، لا تنسانا من دعواتك. أنتم مسافرين عن طريق البر ولا الجو؟ لا، الجو إن شاء الله. عندك إحرام؟ عندي إحرام جديد ما لبسته، ومطيب ومبخر. الله يجزيك خير ما تقصر، لكن ما يجوز يا يبه، ما يجوز يحرم في إحرام مطيب. لا عليك منه، هذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، كان يتطيب إذا أحرم ويتطيب إذا أحل من الإحرام. النبي صلى الله عليه وسلم كان يتطيب في بدنه لا في إحرامه، فاهم الموضوع غلط، اصبر شوي. النبي صلى الله عليه وسلم تطيب في بدنه ولبس الإحرام، يعني الطيب ليس على الإحرام. أنا سمعت هذا من أحد المشايخ وأثق فيه، يمكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتطيب في وجهه، لا أدري، إنا لله وإنا إليه راجعون، سويت لنا مشكلة. تدري، بخليهم يغسلون الإحرام ويروح الطيب ويكون جاهز عندك. لا تتعب نفسك، أنا بغسله. لا، أنا اللي أغسله ويجيك جاهز لازم آخذ الأجر.
الطيب من المحظورات، سواء في الثوب أو البدن أو نحوه. هل يطيب الإحرام؟ تطيب الإحرام مكروه، ومنهم من يمنعه، أما التطيب في البدن فالجمهور على أنه جائز. الناس قد يخلطون بينهما، ولذلك أقول قبل الإحرام تطيب لجسدك ولا تتطيب في ثوبك، والثوب قد يصيبه شيء من الطيب لكن لا إشكال فيه بعد ذلك. والنساء طيبهن بلا رائحة، والمرأة في خروجها من بيتها ممنوعة من الطيب، فما بالك في الإحرام؟ والمالكية يمنعون الطيب مطلقاً، ودليلهم حديث يعلى بن أمية لما جاء متضمخاً بطيب، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يخلع قميصه وأن يغسل أثر الطيب عنه. فهناك اختلاف بين أهل العلم، وقال بعضهم إن الطيب الذي كان يتطيب به النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له رائحة، يريد أن يجمع بين الأحاديث. والحقيقة أن استدامة الطيب قبل الإحرام لا بأس بها، أي أن تبدأ قبل الإحرام ويدوم معك الطيب فلا إشكال، لكن أن تتطيب بعد الإحرام فهذا هو الإشكال.
بالنسبة للاغتسال والصابون والشامبو، لا إشكال فيه إذا كان للغسل، لكن الصابون إذا كان مقصوداً للطيب الذي فيه فلا يجوز، أما إذا كان الصابون ينظف دون أن تكون الرائحة مقصودة، فلا إشكال فيه. المسألة هي أيهما الأكثر أو ما هو المقصود.
قبل أن نتحدث عن المسجد النبوي الشريف، وبما أن البرنامج تضمن الحديث عن الحج لعل وعسى أن يأخذ المشاهد فكرة عنه، فماذا عن التعجل لمن عنده فرصة ألا يتأخر؟ لقد تكلمنا سابقاً أن من أراد الحج فعليه أن يبادر، لأن الوسائل متاحة والأمر أسهل من ذي قبل، والتنظيم والاحتياطات فيه أيسر، والإنسان لا يدري متى يحين أجله، فإذا بقي عليه أن يقضي فرضه فعليه أن يبادر بأسرع وقت إذا كان مستطيعاً.
بعد الحج يذهب الناس إلى المدينة المنورة، وبعضهم قد يعتقد أنه من المهم أو اللازم أن يذهب للمدينة ليتم حجه. المسألة تختلف؛ لا شك أنه مهم، فلو رحت لبلد فيها صديق عزيز لا يصلح أن ترجع دون أن تمر عليه، فكيف بمن هو أغلى من الرسول صلى الله عليه وسلم؟ أما أنه من موجبات الحج، فليس بصحيح، ويكفي المسلم أن يحج مرة واحدة، لكن ما دام وصل إلى تلك البقاع الطاهرة فليزر، وليس بينه وبين المدينة إلا وقت قصير بالقطار السريع. الناس في السابق كانوا يذهبون على الإبل والجمال، والآن بالسيارات والطائرات. الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بألف صلاة، والمسجد الحرام بمئة ألف صلاة، والمسجد الأقصى بخمس مئة صلاة.
الناس قلوبهم تهفو إلى المدينة، ومكة هي أفضل البقاع، لكن إذا دخلنا المدينة نجد فيها من الطمأنينة والشوق ما لا نجده في أي مكان آخر. وبعض الناس إذا اقتربوا من معالمها تتهيأ عواطفهم، وربما النساء يزغردن، وهذا ليس من الأدب، بل عليه أن يسبح ويكبر ويفرح. إذا جئت إلى المدينة المنورة، هل تبدأ بترتيب أغراضك في الفندق أم بالمسجد النبوي لتسلم على النبي صلى الله عليه وسلم؟ أحياناً الشوق يحدو الناس، لكن قد يضيع متاعهم أو يقع خلل في احترازهم.
وهذا الشوق كان موجوداً قديماً، فقد جاء وفد عبد القيس الذي قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم إنهم خير أهل المشرق، وأسلموا طوعاً، وخرج عمر بن الخطاب لاستقبالهم. لما اقتربوا وتقابلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، تقافزوا من مطاياهم لشدة شوقهم، إلا أشجع عبد القيس؛ فإنه أمسك إبلهم وقيدها وعقلها، وتأنى وأخرج ثوبين، واغتسل ولبس ثوبين، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقبل يده.
فقال: إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله؛ الحلم والأناة. قالوا: يا رسول الله، هل هما خصلتان جبلت عليهما أم تخلقت بهما؟ قال: بل جبلت عليهما. فقلت: الحمد لله الذي جبلني على خصلتين يحبهما الله ورسوله.
الشاهد أن في ناس من الشوق جاءوا سراعاً، وهذا مثلهم ومدحه النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه تأنى، فبإمكان الشخص أن يتأنى ويذهب إلى الفندق ويأتي في أحسن هيئة، ثم يأتي إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
وإذا جاء إلى المسجد فليبدأ بركعتين قبل السلام؛ ركعتي تحية المسجد؛ لأن تحية المسجد حق الله سبحانه وتعالى والمسجد بيت الله، وهكذا الصحابة لما جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بعضهم جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: صليت الركعتين؟ قال: لا. قال: قم فصلي. وجاء جابر وسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وأراد أن يذهب، قال: صليت؟ قال: لا. قال: ابدأ بالصلاة ثم تأتي، فكان النبي يوجههم عليه الصلاة والسلام، فنصلي ركعتين أول شيء.
ثم نتوجه إلى الحجرة الشريفة؛ طبعاً هناك بابان، باب على يمين القبلة اسمه باب السلام، وباب على يسار القبلة اسمه باب جبريل. هم من بين هذين البابين قادمون على الصف الأول، هذا في التوسعة التي أمام مسجد النبي صلى الله عليه وسلم القديم. نعم، محراب النبي صلى الله عليه وسلم القديم موجود في جانب الروضة؛ بين الروضة وبين منبر النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ﴾.
تكون الأسطوانات التي عند الروضة مزينة برخام أحمر، هذه الرخامات الحمراء تجدها محيطة بالروضة، المتفق على أنها هي من الروضة. بعدها أسطوانات فيها رخام أحمر لكن أقل، هذا أيضاً منهم من قال إنه من الروضة ومنهم من قال خارج عن الروضة، فاجعلوا هذا من الناس ما شاء الله عارفين الروضة، سيجد عندها الازدحام، فلا يزاحم الناس.
المهم بعد أن يصلي ركعتين، طريقة السلام على النبي صلى الله عليه وسلم يأتي الحجرة النبوية، هناك ثلاث شبابيك. الشباك الأوسط الذي فيه الكوات أو فتحات، ولو تلاحظ الفتحة الكبيرة التي مزينة بذهب أكثر من الفتحتين التي على اليمين، هذه مقابل وجه النبي عليه الصلاة والسلام. فيأتي المسلم ويستقبل الحجرة ويقابل هذه الفتحة الكبيرة ويقول: السلام عليك يا رسول الله، بصوت ليس مرتفعاً يسمع نفسه؛ لأن من الأدب في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكره الله في سورة الحجرات. الفتحة الأولى هي مقابل وجه النبي صلى الله عليه وسلم، الفتحة الثانية مقابل وجه أبي بكر الصديق، الفتحة الثالثة مقابل وجه عمر بن الخطاب أمير المؤمنين.
فأنت بعد أن تسلم تذهب ذراعاً، وهكذا عمر وجهه عند كتفي أبي بكر الصديق خلفه، ولذلك صارت الفتحات كل فتحة في مقابلة وجه النبي عليه الصلاة والسلام أو وجه أبي بكر أو وجه عمر. يسلم ويقول: السلام عليك يا رسول الله، هذا هو السنة أو هذا الذي يعمله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. من الناس من يزيد: أشهد أنك بلغت الرسالة وأديت الأمانة يا رسول الله، ويأتي ويسلم على أبي بكر الصديق: السلام عليك يا أبا بكر الصديق، وممكن يزيد: يا خليفة رسول الله، يا صاحبه في الغار. ثم يقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ويستطيع أن يزيد: الفاروق، يا من كذا وكذا، فرق الله بيننا.
لا يوجد دعاء يقال هناك؛ أولاً السلام يكون بالمواجهة، السلام في الحياة بالمواجهة، ما يصلح أنك تأتي شخصاً وتقول له: سلام عليكم، لا، تواجهه وتقابل وجهه سواء النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من الناس. الشاهد أن تسلم وأنت مواجه لوجه النبي صلى الله عليه وسلم ثم وجه أبي بكر ثم عمر، ثم تدعو بعد ذلك مستقبلاً للقبلة؛ تذهب قليلاً كما كان الحائط أمامك وتستقبل القبلة وتدعو، فإن هناك المكان معظم وأنت سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فهذا أحرى لإجابة الدعاء، تدعو لنفسك وللمسلمين كما كان يفعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
البقيع هناك قبور، وزيارة البقيع من السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزورها، بل جاءه الأمر بزيارتها، نزل عليه جبريل لكي يزور بقيع الغرقد. وكان النبي يزورها دائماً، فكانت عائشة أحياناً تفقده في الليل فتجده، تبحث عنه فإذا هو ذاهب إلى البقيع، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزور البقيع ويسلم، ومن يأتي هناك من الناس أيضاً عليه أن يزور أهل البقيع، هناك نساء النبي صلى الله عليه وسلم، بنات النبي صلى الله عليه وسلم. ومن الناس من يعرفهم، إذا كان الذي معك صاحبك يعرف سيقول لك: هذا قبر فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب، قبر مالك بن انس، هناك عدد من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً قبورهم موجودة. يسلم على هؤلاء ويدعو بالدعاء: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يغفر الله لنا ولكم.
مسجد قباء أيضاً الزيارة فيه من السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتيه راكباً وماشياً، وهو أول مسجد بني في المدينة لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة، فكان أول نزوله على بني عمرو بن عوف فبنينا مسجد قباء، كان بناؤه هو الذي اشترك مع المسجد النبوي ومكة في تحديد مكانه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يساعدهم في بنائه عليه الصلاة والسلام. حتى بني وقال الله تبارك وتعالى فيه: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108]. فكان الصلاة فيه ركعتين تعدل عمرة كأن الشخص اعتمر.
شهداء أحد كان النبي يزورهم عليه الصلاة والسلام، وكان جبل الرماة والقبر هناك. الوادي كان جنب الجبل، وما كانت المقبرة أو قبور الشهداء في الوادي، ثم نقلت في سنة أربعين لما جاء السيل وجرف الصحابة، فأخرج الصحابة من قبورهم كأنما دفنوا اليوم. فحملوهم وقبروهم في الحوطة الآن موجودة أعلى الوادي نوعاً ما، هناك قبر مصعب بن عمير، وقبر حمزة رضي الله عنه.
هناك بعض الأماكن التي ممكن تزار لكن لأجل موعظة ليست من السنة؛ مثل مسجد القبلتين التي تحولت فيه القبلة، كانوا يصلون إلى جهة بيت المقدس، فجاء الخبر إليهم أن القبلة تحولت إلى مكة فاستداروا وهم في مكانهم وصلوا إلى الكعبة فسمي مسجدهم مسجد القبلتين، فبعض الناس يزوره من باب الاتعاظ والعبرة. وهكذا المساجد السبعة في مكان الخندق، الخندق ذهبت معالمه وبقي مكان المعسكر فبنيت فيه هذه المساجد السبعة، مسجد أبي بكر ومسجد عمر.
جزاك الله خيراً شيخنا، الكلام عن المسجد النبوي والمدينة المنورة كلام كبير. بارك الله فيك شيخنا وجزاك الله خيراً على ما قدمت، إن شاء الله إن كتب لنا غداً أن يكون المكمل للثلاثين من رمضان سنكون معكم ونعيد عليكم بحلقة عن العيد بإذن الله تعالى. وسامحونا على التقصير، والله يجزاك خيراً شيخنا على ما قدمت في هذا البرنامج. في ختام هذه الحلقة لكم تحيات فضيلة الشيخ سعيد البديوي والطاقم الموجود معنا، والله يجزاهم خيراً على بذلهم، وغداً نلتقي بإذن الله تعالى.
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 148].
د. سعيد المري